Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 200

11

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allah seized them for their sins. And Allah is severe in penalty.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ﴾ ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

اسْتِئْنافُ كَلامٍ ناشِئٌ عَنْ حِكايَةِ ما دَعا بِهِ المُؤْمِنُونَ: مِن دَوامِ الهِدايَةِ، وسُؤالِ الرَّحْمَةِ، وانْتِظارِ الفَوْزِ يَوْمَ القِيامَةِ، بِذِكْرِ حالِ الكافِرِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إرْدافِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ. وتَعْقِيبُ دُعاءِ المُؤْمِنِينَ، بِذِكْرِ حالِ المُشْرِكِينَ،

صفحة ١٧٢

إيماءٌ إلى أنَّ دَعْوَتَهُمُ اسْتُجِيبَتْ. والمُرادُ بِـ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“: المُشْرِكُونَ، وهَذا وصْفٌ غالِبٌ عَلَيْهِمْ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ. وقِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا بِنُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أُرِيدَ هُنا قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وأهْلُ نَجْرانَ ويُرَجَّحُ هَذا بِأنَّهم ذُكِّرُوا بِحالِ فِرْعَوْنَ دُونَ حالِ عادٍ وثَمُودَ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى أعْلَقُ بِأخْبارِ فِرْعَوْنَ. كَما أنَّ العَرَبَ أعْلَقُ بِأخْبارِ عادٍ وثَمُودَ، وأنَّ الرَّدَّ عَلى النَّصارى مِن أهَمِّ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ جَمِيعَ الكافِرِينَ: مِنَ المُشْرِكِينَ، وأهْلِ الكِتابَيْنِ، ويَكُونَ التَّذْكِيرُ بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ وعِيدَ اليَهُودِ في هَذِهِ الآيَةِ أهَمُّ.

ومَعْنى ”تُغْنِي“ تَجْزِي وتَكْفِي وتَدْفَعُ، وهو فِعْلٌ قاصِرٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِـ ”عْنَ“ نَحْوَ ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] .

ولِدَلالَةِ هَذا الفِعْلِ عَلى الإجْزاءِ والدَّفْعِ، كانَ مُؤْذِنًا بِأنَّ هُنالِكَ شَيْئًا يُدْفَعُ ضُرُّهُ، وتُكْفى كُلْفَتُهُ، فَلِذَلِكَ قَدْ يَذْكُرُونَ مَعَ هَذا الفِعْلِ مُتَعَلِّقًا ثانِيًا ويُعَدُّونَ الفِعْلَ إلَيْهِ بِحَرْفِ ”مِن“ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَتَكُونُ ”مِن“ لِلْبَدَلِ والعِوَضِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ، وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ.

وقَوْلُهُ مِنَ اللَّهِ أيْ مِن أمْرٍ يُضافُ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ تَعْلِيقَ هَذا الفِعْلِ تَعْلِيقًا ثانِيًا، بِاسْمِ ذاتٍ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا أخَصُّ حالٍ اشْتُهِرَتْ بِهِ، أوْ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ فَيُقَدَّرُ مَعْنى اسْمٍ مُضافٍ إلى اسْمِ الجَلالَةِ. والتَّقْدِيرُ هُنا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِن طاعَتِهِ، إذا كانَتْ ”مِن“ لِلْبَدَلِ وكَذا قَدَّرَهُ في الكَشّافِ، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨] . وعَلى جَعْلِ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ تُقَدَّرُ مِن غَضَبِ اللَّهِ، أوْ مِن عَذابِهِ، أيْ غَناءً مُبْتَدِئًا مِن ذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: نَجّاهُ مِن كَذا أيْ فَصَلَهُ مِنهُ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ ”مِن“ مَعَ هَذا الفِعْلِ إذا عُدِّيَ بِـ ”عْنَ“ مُماثِلَةً لِـ ”مِنِ“ الواقِعَةِ بَعْدَ هَذا الفِعْلِ الَّذِي لَمْ يُعَدَّ بِـ ”عْنَ“ لِإمْكانِ اخْتِلافِ مَعْنى التَّعَلُّقِ بِاخْتِلافِ مَساقِ الكَلامِ. والغالِبُ أنْ يَأْتُوا بَعْدَ فِعْلِ أغْنى بِلَفْظِ ”شَيْءٍ“ مَعَ ذِكْرِ المُتَعَلِّقَيْنِ كَما في الآيَةِ، وبِدُونِ ذِكْرِ مُتَعَلِّقَيْنِ، كَما في قَوْلِ أبِي سُفْيانَ، يَوْمَ أسْلَمَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا.

صفحة ١٧٣

وانْتَصَبَ قَوْلُهُ شَيْئًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ أيْ شَيْئًا مِنَ الغَناءِ. وتَنْكِيرُهُ لِلتَّحْقِيرِ أيْ غَناءً ضَعِيفًا، بَلْهَ الغَناءَ لَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا …

Aal-i-Imraan 3:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ ۚ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ

Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."

﴿قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، لِلِانْتِقالِ مِنَ النِّذارَةِ إلى التَّهْدِيدِ، ومِن ضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِأحْوالِ سَلَفِهِمْ في الكُفْرِ، إلى ضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِسابِقِ أحْوالِهِمُ المُؤْذِنَةِ بِأنَّ أمْرَهم صائِرٌ إلى زَوالٍ، وأنَّ أمْرَ الإسْلامِ سَتَنْدَكُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ. وجِيءَ في هَذا التَّهْدِيدِ بِأطْنَبِ عِبارَةٍ وأبْلَغِها؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إطْنابٍ لِمَزِيدِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ بِوَصْفِ يَوْمٍ كانَ عَلَيْهِمْ، يَعْلَمُونَهُ. و”الَّذِينَ كَفَرُوا“ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] فَيَجِيءُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ. والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ ”هم“ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِاسْتِقْلالِ هَذِهِ النِّذارَةِ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ خاصَّةً، ولِذَلِكَ أُعِيدَ الِاسْمُ الظّاهِرُ، ولَمْ يُؤْتَ بِالضَّمِيرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ وذَلِكَ مِمّا شاهَدَهُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ.

صفحة ١٧٦

وقَدْ قِيلَ: أُرِيدَ بِالَّذِينَ كَفَرُوا خُصُوصُ اليَهُودِ، وذَكَرُوا لِذَلِكَ سَبَبًا رَواهُ الواحِدِيُّ، في أسْبابِ النُّزُولِ: أنَّ يَهُودَ يَثْرِبَ كانُوا عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى مُدَّةٍ فَلَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ما أصابَهم مِنَ النَّكْبَةِ. نَقَضُوا العَهْدَ وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أبِي سُفْيانَ بِمَكَّةَ وقالُوا لَهم: لَتَكُونَنَّ كَلِمَتُنا واحِدَةً، فَلَمّا رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ، ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ، جَمَعَ اليَهُودَ وقالَ لَهم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ وأسْلِمُوا فَقَدْ عَرَفْتُمْ أنِّي نَبِيءٌ مُرْسَلٌ. فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أغْمارًا لا مَعْرِفَةَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أما واللَّهِ لَوْ قاتَلْناكَ لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . وعَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ فالغَلَبُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ هو فَتْحُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ، وأيْضًا فالتَّهْدِيدُ والوَعِيدُ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ في جَمِيعِ الأحْوالِ.

وعَطْفُ بِئْسَ المِهادُ عَلى سَتُغْلَبُونَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ - كِلْتَيْهِما بِتاءِ الخِطابِ - وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، بِياءِ الغَيْبَةِ، وهُما وجْهانِ فِيما يُحْكى بِالقَوْلِ لِمُخاطَبٍ، والخِطابُ أكْثَرُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ولَمْ يَقُلْ: رَبَّكَ ورَبَّهم.

والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ خِطابٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا، كَما هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلْمُحاجَّةِ، فَأعْقَبَ الإنْذارَ والوَعِيدَ بِإقامَةِ الحُجَّةِ. فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونَ اسْتِئْنافًا …

Aal-i-Imraan 3:12Listen in Qur'an →
13

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌۭ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا ۖ فِئَةٌۭ تُقَٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌۭ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ ۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ

Already there has been for you a sign in the two armies which met - one fighting in the cause of Allah and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight. But Allah supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.

﴿قُلْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، لِلِانْتِقالِ مِنَ النِّذارَةِ إلى التَّهْدِيدِ، ومِن ضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِأحْوالِ سَلَفِهِمْ في الكُفْرِ، إلى ضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِسابِقِ أحْوالِهِمُ المُؤْذِنَةِ بِأنَّ أمْرَهم صائِرٌ إلى زَوالٍ، وأنَّ أمْرَ الإسْلامِ سَتَنْدَكُّ لَهُ صُمُّ الجِبالِ. وجِيءَ في هَذا التَّهْدِيدِ بِأطْنَبِ عِبارَةٍ وأبْلَغِها؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إطْنابٍ لِمَزِيدِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ بِوَصْفِ يَوْمٍ كانَ عَلَيْهِمْ، يَعْلَمُونَهُ. و”الَّذِينَ كَفَرُوا“ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] فَيَجِيءُ فِيهِ ما تَقَدَّمَ. والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ ”هم“ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِاسْتِقْلالِ هَذِهِ النِّذارَةِ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ خاصَّةً، ولِذَلِكَ أُعِيدَ الِاسْمُ الظّاهِرُ، ولَمْ يُؤْتَ بِالضَّمِيرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ وذَلِكَ مِمّا شاهَدَهُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ.

صفحة ١٧٦

وقَدْ قِيلَ: أُرِيدَ بِالَّذِينَ كَفَرُوا خُصُوصُ اليَهُودِ، وذَكَرُوا لِذَلِكَ سَبَبًا رَواهُ الواحِدِيُّ، في أسْبابِ النُّزُولِ: أنَّ يَهُودَ يَثْرِبَ كانُوا عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى مُدَّةٍ فَلَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ما أصابَهم مِنَ النَّكْبَةِ. نَقَضُوا العَهْدَ وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في سِتِّينَ راكِبًا إلى أبِي سُفْيانَ بِمَكَّةَ وقالُوا لَهم: لَتَكُونَنَّ كَلِمَتُنا واحِدَةً، فَلَمّا رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ، ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ، جَمَعَ اليَهُودَ وقالَ لَهم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِقُرَيْشٍ وأسْلِمُوا فَقَدْ عَرَفْتُمْ أنِّي نَبِيءٌ مُرْسَلٌ. فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ أنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أغْمارًا لا مَعْرِفَةَ لَهم بِالحَرْبِ فَأصَبْتَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أما واللَّهِ لَوْ قاتَلْناكَ لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . وعَلى هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ فالغَلَبُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ هو فَتْحُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وخَيْبَرَ، وأيْضًا فالتَّهْدِيدُ والوَعِيدُ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ في جَمِيعِ الأحْوالِ.

وعَطْفُ بِئْسَ المِهادُ عَلى سَتُغْلَبُونَ عَطْفُ الإنْشاءِ عَلى الخَبَرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ﴾ - كِلْتَيْهِما بِتاءِ الخِطابِ - وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، بِياءِ الغَيْبَةِ، وهُما وجْهانِ فِيما يُحْكى بِالقَوْلِ لِمُخاطَبٍ، والخِطابُ أكْثَرُ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ولَمْ يَقُلْ: رَبَّكَ ورَبَّهم.

والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ خِطابٌ لِلَّذِينِ كَفَرُوا، كَما هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلْمُحاجَّةِ، فَأعْقَبَ الإنْذارَ والوَعِيدَ بِإقامَةِ الحُجَّةِ. فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونَ اسْتِئْنافًا …

Aal-i-Imraan 3:13Listen in Qur'an →
14

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ

Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allah has with Him the best return.

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينِ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠] إذْ كانَتْ إضافَةُ أمْوالٍ وأوْلادٍ إلى ضَمِيرِ ”هم“ دالَّةٌ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، قُصِدَ مِنهُ عِظَةُ المُسْلِمِينَ ألّا يَغْتَرُّوا بِحالِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتُعْجِبَهم زِينَةُ الدُّنْيا، وتُلْهِيَهم عَنِ التَّهَمُّمِ بِما بِهِ الفَوْزُ في الآخِرَةِ، فَإنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الغاياتِ يَسْتَدْعِي التَّحْذِيرَ مِنَ البِداياتِ، وقَدْ صُدِّرَ هَذا الوَعْظُ والتَّأْدِيبُ بِبَيانِ مَدْخَلِ هَذِهِ الحالَةِ إلى النُّفُوسِ، حَتّى يَكُونُوا عَلى أشَدِّ الحَذَرِ مِنها؛ لِأنَّ ما قَرارَتُهُ النَّفْسُ يَنْسابُ إلَيْها مَعَ الأنْفاسِ.

صفحة ١٧٩

والتَّزْيِينُ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ زَيْنًا أيْ حَسَنًا، فَهو تَحْسِينُ الشَّيْءِ المُحْتاجِ إلى التَّحْسِينِ، وإزالَةُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ القُبْحِ أوِ التَّشْوِيهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحَلّاقُ مُزَيِّنًا.

وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

الحَرْبُ أوَّلَ ما تَكُونُ فَتِيَّةً تَسْعى بِزِينَتِها لِكُلِّ جَهُولِ

فالزِّينَةُ هي ما في الشَّيْءِ مِنَ المَحاسِنِ: الَّتِي تُرَغِّبُ النّاظِرِينَ في اقْتِنائِهِ، قالَ تَعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٢٨] . وكَلِمَةُ ”زَيْنٍ“ قَلِيلَةُ الدَّوَرانِ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ حُسْنِها وخِفَّتِها؛ قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:

أزْمَعَتْ خُلَّتِي مَعَ الفَجْرِ بَيْنا ∗∗∗ جَلَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الوَجْهَ زَيْنَـا

وفِي حَدِيثِ سُنَنِ أبِي داوُدَ: أنَّ أبا بَرَزَةَ الأسْلَمِيَّ دَخَلَ عَلى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيادٍ وقَدْ أرْسَلَ إلَيْهِ لِيَسْألَهُ عَنْ حَدِيثِ الحَوْضِ - فَلَمّا دَخَلَ أبُو بَرَزَةَ قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِجُلَسائِهِ: إنَّ مُحَمَّدِيَّكم هَذا الدِّحْداحُ. قالَ أبُو بَرَزَةَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ أنِّي أبْقى في قَوْمٍ يُعَيِّرُونَنِي بِصُحْبَةِ مُحَمَّدٍ. فَقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: إنَّ صُحْبَةَ مُحَمَّدٍ لَكَ زَيْنٌ غَيْرُ شَيْنٍ.

والشَّهَواتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وأصْلُ الشَّهْوَةِ مَصْدَرُ ”شَهِيَ“ كَرَضِيَ، والشَّهْوَةُ بِزِنَةِ المَرَّةِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ مَصْدَرِ ”شَهِيَ“ أنْ يَكُونَ بِزِنَةِ المَرَّةِ. وأُطْلِقَتِ الشَّهَواتُ هُنا عَلى الأشْياءِ المُشْتَهاةِ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ في قُوَّةِ الوَصْفِ، وتَعْلِيقُ التَّزْيِينِ بِالحُبِّ جَرى عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ المُزَيَّنَ لِلنّاسِ هو الشَّهَواتُ، أيِ المُشْتَهَياتُ نَفْسُها، لا حُبُّها، فَإذا زُيِّنَتْ لَهم أحَبُّوها؛ فَإنَّ الحُبَّ يَنْشَأُ عَنِ الِاسْتِحْسانِ، ولَيْسَ الحُبُّ بِمُزَيَّنٍ، وهَذا إيجازٌ يُغْنِي عَنْ أنْ يُقالَ زُيِّنَتْ لِلنّاسِ الشَّهَواتُ فَأحَبُّوها، وقَدْ سَكَتَ المُفَسِّرُونَ عَنْ وجْهِ نَظْمِ الكَلامِ بِهَذا التَّعْلِيقِ.

والوَجْهُ عِنْدِي إمّا أنْ يُجْعَلَ ﴿حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ مَصْدَرًا نائِبًا عَنْ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ، مُبَيِّنًا لِنَوْعِ التَّزْيِينِ: أيْ زُيِّنَ لَهم تَزْيِينُ حُبٍّ، وهو أشَدُّ التَّزْيِينِ، وجُعِلَ المَفْعُولُ المُطْلَقُ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، وأصْلُ الكَلامِ: زُيِّنَ لِلنّاسِ الشَّهَواتُ حُبًّا، فَحُوِّلَ وأُضِيفَ إلى النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ، وجُعِلَ نائِبًا عَنِ الفاعِلِ، كَما جُعِلَ مَفْعُولًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] . وإمّا أنْ …

Aal-i-Imraan 3:14Listen in Qur'an →
15

۞ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍۢ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allah will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allah. And Allah is Seeing of [His] servants -

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، فَإنَّهُ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] المُقْتَضِي أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ الغَضِّ مِن هَذِهِ الشَّهَواتِ. وافْتَتَحَ الِاسْتِئْنافَ بِكَلِمَةِ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ، والمُخاطَبُ بِـ ”قُلْ“

صفحة ١٨٤

النَّبِيءُ ﷺ والِاسْتِفْهامُ لِلْعَرْضِ تَشْوِيقًا مِن نُفُوسِ المُخاطَبِينَ إلى تَلَقِّي ما سَيُقَصُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ: أوُنَبِّئُكم بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ: بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ.

وجُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وهي المُنَبَّأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”خَيْرٍ“، وجَنّاتٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ: أيْ لَهم، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَدْ أُلْغِيَ ما يُقابِلُ شَهَواتِ الدُّنْيا في ذِكْرِ نَعِيمِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لَذَّةَ البَنِينَ ولَذَّةَ المالِ هُنالِكَ مَفْقُودَةٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها، وكَذَلِكَ لَذَّةُ الخَيْلِ والأنْعامِ؛ إذْ لا دَوابَّ في الجَنَّةِ، فَبَقِيَ ما يُقابِلُ النِّساءَ والحَرْثَ، وهو الجَنّاتُ والأزْواجُ، لِأنَّ بِهِما تَمامُ النَّعِيمِ والتَّأنُّسِ، وزِيدَ عَلَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ الَّذِي حُرِمَهُ مَن جَعَلَ حَظَّهُ لَذّاتِ الدُّنْيا وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ. ومَعْنى المُطَهَّرَةِ المُنَزَّهَةُ مِمّا يَعْتَرِي نِساءَ البَشَرِ مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ النُّفُوسُ، فالطَّهارَةُ هُنا حِسِّيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.

وعَطَفَ ”رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ“ عَلى ما أعَدَّ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ اللَّهِ: لِأنَّ رِضْوانَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ النَّعِيمِ المادِّيِّ؛ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَقْرِيبٌ رُوحانِيٌّ، قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِضْوانٌ، بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ.

وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، دُونَ أنْ يَقُولَ ورِضْوانٌ مِنهُ أيْ مِن رَبِّهِمْ: لِما في اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإيماءِ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ الرِّضْوانِ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ الوَعْدِ أيْ أنَّهُ عَلِيمٌ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا ومَراتِبِ تَقْواهم، فَهو يُجازِيهِمْ، ولِتَضَمُّنِ ”بَصِيرٌ“ مَعْنى ”عَلِيمٍ“ عُدِّيَ بِالباءِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ لِقَصْدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ لِتَكُونَ كالمَثَلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وصَفَهم بِالتَّقْوى وبِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ. ومَعْنى القَوْلِ هُنا الكَلامُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ في الخَبَرِ، والجارِي عَلى

صفحة ١٨٥

فَرْطِ الرَّغْبَةِ في الدُّعاءِ، في قَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ إلَخْ، …

Aal-i-Imraan 3:15Listen in Qur'an →
16

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ

Those who say, "Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,"

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، فَإنَّهُ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] المُقْتَضِي أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ الغَضِّ مِن هَذِهِ الشَّهَواتِ. وافْتَتَحَ الِاسْتِئْنافَ بِكَلِمَةِ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ، والمُخاطَبُ بِـ ”قُلْ“

صفحة ١٨٤

النَّبِيءُ ﷺ والِاسْتِفْهامُ لِلْعَرْضِ تَشْوِيقًا مِن نُفُوسِ المُخاطَبِينَ إلى تَلَقِّي ما سَيُقَصُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ: أوُنَبِّئُكم بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ: بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ.

وجُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وهي المُنَبَّأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”خَيْرٍ“، وجَنّاتٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ: أيْ لَهم، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَدْ أُلْغِيَ ما يُقابِلُ شَهَواتِ الدُّنْيا في ذِكْرِ نَعِيمِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لَذَّةَ البَنِينَ ولَذَّةَ المالِ هُنالِكَ مَفْقُودَةٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها، وكَذَلِكَ لَذَّةُ الخَيْلِ والأنْعامِ؛ إذْ لا دَوابَّ في الجَنَّةِ، فَبَقِيَ ما يُقابِلُ النِّساءَ والحَرْثَ، وهو الجَنّاتُ والأزْواجُ، لِأنَّ بِهِما تَمامُ النَّعِيمِ والتَّأنُّسِ، وزِيدَ عَلَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ الَّذِي حُرِمَهُ مَن جَعَلَ حَظَّهُ لَذّاتِ الدُّنْيا وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ. ومَعْنى المُطَهَّرَةِ المُنَزَّهَةُ مِمّا يَعْتَرِي نِساءَ البَشَرِ مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ النُّفُوسُ، فالطَّهارَةُ هُنا حِسِّيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.

وعَطَفَ ”رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ“ عَلى ما أعَدَّ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ اللَّهِ: لِأنَّ رِضْوانَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ النَّعِيمِ المادِّيِّ؛ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَقْرِيبٌ رُوحانِيٌّ، قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِضْوانٌ، بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ.

وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، دُونَ أنْ يَقُولَ ورِضْوانٌ مِنهُ أيْ مِن رَبِّهِمْ: لِما في اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإيماءِ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ الرِّضْوانِ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ الوَعْدِ أيْ أنَّهُ عَلِيمٌ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا ومَراتِبِ تَقْواهم، فَهو يُجازِيهِمْ، ولِتَضَمُّنِ ”بَصِيرٌ“ مَعْنى ”عَلِيمٍ“ عُدِّيَ بِالباءِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ لِقَصْدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ لِتَكُونَ كالمَثَلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وصَفَهم بِالتَّقْوى وبِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ. ومَعْنى القَوْلِ هُنا الكَلامُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ في الخَبَرِ، والجارِي عَلى

صفحة ١٨٥

فَرْطِ الرَّغْبَةِ في الدُّعاءِ، في قَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ إلَخْ، …

Aal-i-Imraan 3:16Listen in Qur'an →
17

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allah], and those who seek forgiveness before dawn.

﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، فَإنَّهُ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤] المُقْتَضِي أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ الغَضِّ مِن هَذِهِ الشَّهَواتِ. وافْتَتَحَ الِاسْتِئْنافَ بِكَلِمَةِ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ، والمُخاطَبُ بِـ ”قُلْ“

صفحة ١٨٤

النَّبِيءُ ﷺ والِاسْتِفْهامُ لِلْعَرْضِ تَشْوِيقًا مِن نُفُوسِ المُخاطَبِينَ إلى تَلَقِّي ما سَيُقَصُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيَةَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ: أوُنَبِّئُكم بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ واوًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ: بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ.

وجُمْلَةُ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وهي المُنَبَّأُ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”خَيْرٍ“، وجَنّاتٌ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ: أيْ لَهم، أوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقَدْ أُلْغِيَ ما يُقابِلُ شَهَواتِ الدُّنْيا في ذِكْرِ نَعِيمِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لَذَّةَ البَنِينَ ولَذَّةَ المالِ هُنالِكَ مَفْقُودَةٌ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها، وكَذَلِكَ لَذَّةُ الخَيْلِ والأنْعامِ؛ إذْ لا دَوابَّ في الجَنَّةِ، فَبَقِيَ ما يُقابِلُ النِّساءَ والحَرْثَ، وهو الجَنّاتُ والأزْواجُ، لِأنَّ بِهِما تَمامُ النَّعِيمِ والتَّأنُّسِ، وزِيدَ عَلَيْهِما رِضْوانُ اللَّهِ الَّذِي حُرِمَهُ مَن جَعَلَ حَظَّهُ لَذّاتِ الدُّنْيا وأعْرَضَ عَنِ الآخِرَةِ. ومَعْنى المُطَهَّرَةِ المُنَزَّهَةُ مِمّا يَعْتَرِي نِساءَ البَشَرِ مِمّا تَشْمَئِزُّ مِنهُ النُّفُوسُ، فالطَّهارَةُ هُنا حِسِّيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.

وعَطَفَ ”رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ“ عَلى ما أعَدَّ لِلَّذِينِ اتَّقَوْا عِنْدَ اللَّهِ: لِأنَّ رِضْوانَهُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ النَّعِيمِ المادِّيِّ؛ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَقْرِيبٌ رُوحانِيٌّ، قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: رِضْوانٌ، بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِضَمِّ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ.

وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، دُونَ أنْ يَقُولَ ورِضْوانٌ مِنهُ أيْ مِن رَبِّهِمْ: لِما في اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإيماءِ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ الرِّضْوانِ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ اعْتِراضٌ لِبَيانِ الوَعْدِ أيْ أنَّهُ عَلِيمٌ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا ومَراتِبِ تَقْواهم، فَهو يُجازِيهِمْ، ولِتَضَمُّنِ ”بَصِيرٌ“ مَعْنى ”عَلِيمٍ“ عُدِّيَ بِالباءِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ لِقَصْدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ لِتَكُونَ كالمَثَلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وصَفَهم بِالتَّقْوى وبِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ. ومَعْنى القَوْلِ هُنا الكَلامُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ في الخَبَرِ، والجارِي عَلى

صفحة ١٨٥

فَرْطِ الرَّغْبَةِ في الدُّعاءِ، في قَوْلِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ إلَخْ، …

Aal-i-Imraan 3:17Listen in Qur'an →
18

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Allah witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

صفحة ١٨٦

﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] ذَلِكَ أنَّ أساسَ الإسْلامِ هو تَوْحِيدُ اللَّهِ. وإعْلانُ هَذا التَّوْحِيدِ، وتَخْلِيصُهُ مِن شَوائِبِ الإشْراكِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ وبِالنَّصارى واليَهُودِ، وإنْ تَفاوَتُوا في مَراتِبِ الإشْراكِ، وفِيهِ ضَرْبٌ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ: لِأنَّهُ يُؤَكِّدُ ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] .

والشَّهادَةُ حَقِيقَتُها خَبَرٌ يُصَدَّقُ بِهِ خَبَرُ مُخْبِرٍ وقَدْ يُكَذَّبُ بِهِ خَبَرُ آخَرَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإذْ قَدْ كانَ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لِلتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ في الحُقُوقِ، كانَ مَظِنَّةَ اهْتِمامِ المُخْبِرِ بِهِ والتَّثَبُّتِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ مَجازًا عَلى الخَبَرِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ التَّلازُمِ، فَشَهادَةُ اللَّهِ تَحْقِيقُهُ وحْدانِيَّتَهُ بِالدَّلائِلِ الَّتِي نَصَبَها عَلى ذَلِكَ، وشَهادَةُ المَلائِكَةِ تَحْقِيقُهم ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم، وتَبْلِيغُ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ إلى الرُّسُلِ، وشَهادَةُ أُولِي العِلْمِ تَحْقِيقُهم ذَلِكَ بِالحُجَجِ والأدِلَّةِ.

فَإطْلاقُ الشَّهادَةِ عَلى هَذِهِ الأخْبارِ مَجازٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، أوْ تَشْبِيهُ الإخْبارِ بِالإخْبارِ أوِ المُخْبِرِ بِالمُخْبِرِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”شَهِدَ“ بِمَعْنى بَيَّنَ وأقامَ الأدِلَّةَ، شَبَّهَ إقامَةَ الأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ: مِن إيجادِ المَخْلُوقاتِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ، بِشَهادَةِ الشّاهِدِ بِتَصْدِيقِ الدَّعْوى في البَيانِ والكَشْفِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ المَلائِكَةُ بِما نَزَلُوا بِهِ مِنَ الوَحْيِ عَلى الرُّسُلِ، وما نَطَقُوا بِهِ مِن مَحامِدَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ أُولُو العِلْمِ بِما أقامُوا مِنَ الحُجَجِ عَلى المَلاحِدَةِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ شَهادَةَ اللَّهِ بِمَعْنى الدَّلالَةِ ونَصْبِ الأدِلَّةِ، وشَهادَةَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ بِمَعْنًى آخَرَ وهو الإقْرارُ أوْ بِمَعْنَيَيْنِ: إقْرارِ المَلائِكَةِ، واحْتِجاجِ أُولِي العِلْمِ، ثُمَّ تَبْنِيَهُ عَلى اسْتِعْمالِ ”شَهِدَ“ في مَعانٍ مَجازِيَّةٍ، مِثْلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، أوْ عَلى اسْتِعْمالِ ”شَهِدَ“ في مَجازٍ أعَمَّ، وهو الإظْهارُ، حَتّى يَكُونَ نَصْبُ الأدِلَّةِ والإقْرارُ والِاحْتِجاجُ مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ، بِناءً عَلى عُمُومِ المَجازِ.

صفحة ١٨٧

وانْتَصَبَ قائِمًا بِالقِسْطِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ إلّا هو أيْ شَهِدَ بِوَحْدانِيَّتِهِ وقِيامِهِ بِالعَدْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ فَيَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً لِمَضْمُونِ ”شَهِدَ“ لِأنَّ الشَّهادَةَ هَذِهِ قِيامٌ بِالقِسْطِ، فالشّاهِدُ بِها قائِمٌ بِالقِسْطِ، قالَ تَعالى: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨] . وزَعَمَ ابْنُ هِشامٍ في البابِ الرّابِعِ: أنَّ كَوْنَهُ حالًا مُؤَكِّدَةً وهْمٌ، وعَلَّلَهُ بِما هو وهْمٌ، وقَدْ ذَكَرَ …

Aal-i-Imraan 3:18Listen in Qur'an →
19

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ ۗ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

Indeed, the religion in the sight of Allah is Islam. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allah, then indeed, Allah is swift in [taking] account.

صفحة ١٨٨

﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ إنَّ الدِّينَ - بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ - فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِبَيانِ فَضِيلَةِ هَذا الدِّينِ بِأجْمَعِ عِبارَةٍ وأوْجَزِها.

وهَذا شُرُوعٌ في أوَّلِ غَرَضٍ أُنْزِلَتْ فِيهِ هَذِهِ السُّورَةُ: غَرَضِ مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ، فَهَذا الِاسْتِئْنافُ مِن مُناسَباتِ افْتِتاحِ السُّورَةِ بِذِكْرِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ والتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ثُمَّ بِتَخْصِيصِ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ وتَفْضِيلِهِ بِأنَّ هَدْيَهُ يَفُوقُ هَدْيَ ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، إذْ هو الفُرْقانُ، فَإنَّ ذَلِكَ أُسُّ الدِّينِ القَوِيمِ، ولَمّا كانَ الكَلامُ المُتَقَدِّمُ مُشْتَمِلًا عَلى تَعْرِيضٍ بِاليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ، وإبْطالٍ لِقَوْلِ وفْدِ نَجْرانَ لَمّا طَلَبَ مِنهُمُ الرَّسُولُ ﷺ الإسْلامَ: أسْلَمْنا قَبْلَكَ، فَقالَ لَهم: كَذَبْتُمْ. رَوى الواحِدِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا دَخَلُوا المَسْجِدَ النَّبَوِيَّ تَكَلَّمَ السَّيِّدُ والعاقِبُ فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ أسْلِما، قالا قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، قالَ كَذَبْتُما، يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ دُعاؤُكُما لِلَّهِ ولَدًا، وعِبادَتُكُما الصَّلِيبَ - ناسَبَ أنْ يُنَوِّهَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالإسْلامِ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ جُمَلَ الكَلامِ البَلِيغِ لا يَخْلُو انْتِظامُها عَنِ المُناسَبَةِ، وإنْ كانَ بَعْضُها اسْتِئْنافًا، وإنَّما لا تُطْلَبُ المُناسَبَةُ في المُحادَثاتِ والِاقْتِضاباتِ.

وتَوْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ تَحْقِيقٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِن حَصْرِ حَقِيقَةِ الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ في الإسْلامِ: أيِ الدِّينِ الكامِلِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ أنَّ الدِّينَ - بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ - عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، أيْ شَهِدَ اللَّهُ بِأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، والدِّينُ: حَقِيقَتُهُ في الأصْلِ الجَزاءُ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً يُطْلَقُ عَلى: مَجْمُوعِ عَقائِدَ وأعْمالٍ يُلَقِّنُها رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَعِدُ العامِلِينَ بِها بِالنَّعِيمِ، والمُعْرِضِينَ عَنْها بِالعِقابِ. ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى ما يُشْبِهُ ذَلِكَ مِمّا يَضَعُهُ بَعْضُ زُعَماءِ النّاسِ مِن تِلْقاءِ عَقْلِهِ فَتَلْتَزِمُهُ طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ. وسُمِّيَ الدِّينُ دِينًا لِأنَّهُ يَتَرَقَّبُ مِنهُ مُتَّبِعُهُ الجَزاءَ عاجِلًا

صفحة ١٨٩

أوْ آجِلًا، فَما مِن أهْلِ دِينٍ إلّا وهم يَتَرَقَّبُونَ جَزاءً مِن رَبِّ ذَلِكَ الدِّينِ، فالمُشْرِكُونَ يَطْمَعُونَ في إعانَةِ الآلِهَةِ ووَساطَتِهِمْ ورِضاهم عَنْهم، ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وقالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ. وقالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا قالَ لَهُ العَبّاسُ: أما آنَ لَكَ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ -: لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا. وأهْلُ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ يَتَرَقَّبُونَ الجَزاءَ الأوْفى في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَأوَّلُ دِينٍ إلَهِيٍّ كانَ حَقًّا وبِهِ كانَ اهْتِداءُ الإنْسانِ، ثُمَّ طَرَأتِ الأدْيانُ المَكْذُوبَةُ، وتَشَبَّهَتْ بِالأدْيانِ الصَّحِيحَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى - تَعْلِيمًا لِرَسُولِهِ -: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] وقالَ: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] .

وقَدْ عَرَّفَ العُلَماءُ الدِّينَ …

Aal-i-Imraan 3:19Listen in Qur'an →
20

فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْأُمِّيِّۦنَ ءَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allah [in Islam], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned, "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islam], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allah is Seeing of [His] servants.

﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٩] الآيَةَ. فَإنَّ الإسْلامَ دِينٌ قَدْ أنْكَرُوهُ، واخْتِلافُهم في أدْيانِهِمْ يُفْضِي بِهِمْ إلى مُحاجَّةِ الرَّسُولِ في تَبْرِيرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، وأنَّهم لَيْسُوا عَلى أقَلِّ مِمّا جاءَ بِهِ دِينُ الإسْلامِ.

والمُحاجَّةُ مُفاعَلَةٌ ولَمْ يَجِئْ فِعْلُها إلّا بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ. ومَعْنى المُحاجَّةِ المُخاصَمَةُ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ فِعْلِ ”حاجَّ“ في مَعْنى المُخاصَمَةِ بِالباطِلِ: كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠] وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فالمَعْنى: فَإنْ خاصَمُوكَ خِصامَ مُكابَرَةٍ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ .

وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، بَلْ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، وهو مَقامُ نُزُولِ السُّورَةِ، أعْنِي قَضِيَّةَ وفْدِ نَجْرانَ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ اهْتَمَّوْا بِالمُحاجَّةِ حِينَئِذٍ. فَأمّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ تَباعَدَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فانْقَطَعَتْ مُحاجَّتُهم، وأمّا اليَهُودُ فَقَدْ تَظاهَرُوا بِمُسالَمَةِ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ.

ولَقَدْ لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ مُجادَلَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ والوَجْهُ أُطْلِقَ عَلى النَّفْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيْ ذاتَهُ.

صفحة ٢٠١

ولِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ مِن هَذا القَوْلِ طَرائِقُ ثَلاثٌ: إحْداها أنَّهُ مُتارَكَةٌ وإعْراضٌ عَنِ المُجادَلَةِ أيِ اعْتَرَفْتُ بِأنْ لا قُدْرَةَ لِي عَلى أنْ أزِيدَكم بَيانًا، أيْ: إنِّي أتَيْتُ بِمُنْتَهى المَقْدُورِ مِنَ الحُجَّةِ فَلَمْ تَقْتَنِعُوا، فَإذْ لَمْ يُقْنِعْكم ذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في الزِّيادَةِ مِنَ الأدِلَّةِ النَّظَرِيَّةِ، فَلَيْسَتْ مُحاجَّتُكم إيّايَ إلّا مُكابَرَةً وإنْكارًا لِلْبَدِيهِيّاتِ والضَّرُورِيّاتِ، ومُباهَتَةً، فالأجْدَرُ أنْ أكُفَّ عَنِ الِازْدِيادِ. قالَ الفَخْرُ: فَإنَّ المُحِقَّ إذا ابْتُلِيَ بِالمُبْطِلِ اللَّجُوجِ يَقُولُ: أمّا أنا فَمُنْقادٌ إلى الحَقِّ. وإلى هَذا التَّفْسِيرِ مالَ القُرْطُبِيُّ.

وعَلى هَذا الوَجْهِ تَكُونُ إفادَةُ قَطْعِ المُجادَلَةِ بِجُمْلَةِ ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾ وقَوْلِهِ ﴿أأسْلَمْتُمْ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: فَأعْرِضْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ - ضَرْبًا مِنَ الإدْماجِ؛ إذْ أدْمَجَ في قَطْعِ المُجادَلَةِ إعادَةَ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ، بِإظْهارِ الفَرْقِ بَيْنَ الدِّينَيْنِ.

والقَصْدُ مِن ذَلِكَ الحِرْصُ عَلى اهْتِدائِهِمْ، والإعْذارُ إلَيْهِمْ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ﴾ خارِجٌ عَنِ الحاجَةِ، وإنَّما هو تَكَرُّرٌ لِلدَّعْوَةِ، أيِ اتْرُكْ مُحاجَّتَهم ولا تَتْرُكْ دَعْوَتَهم.

ولَيْسَ المُرادُ بِالحِجاجِ الَّذِي حاجَّهم بِهِ خُصُوصَ ما تَقَدَّمَ في الآياتِ السّابِقَةِ، وإنَّما المُرادُ ما دارَ بَيْنَ الرَّسُولِ وبَيْنَ وفْدِ نَجْرانَ مِنَ الحِجاجِ الَّذِي عَلِمُوهُ فَمِنهُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ في الآياتِ السّابِقَةِ، ومِنهُ ما …

Aal-i-Imraan 3:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.