Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 131–140 of 200

131

وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ عَظِيمَ نِعَمِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِهِمْ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ وفي أمْرِ الجِهادِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ والتَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءَ كَلامٍ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، وقالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِما تَقَدَّمَ مِن جِهَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما أنْفَقُوا عَلى تِلْكَ العَساكِرِ أمْوالًا جَمَعُوها بِسَبَبِ الرِّبا، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَصِيرُ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا حَتّى يَجْمَعُوا المالَ ويُنْفِقُوهُ عَلى العَسْكَرِ فَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا جَرَمَ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلى أجَلٍ، فَإذا جاءَ الأجَلُ ولَمْ يَكُنِ المَدْيُونُ واجِدًا لِذَلِكَ المالِ قالَ: زِدْ في المالِ حَتّى أزِيدَ في الأجَلِ فَرُبَّما جَعَلَهُ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ إذا حَلَّ الأجَلُ الثّانِي فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إلى آجالٍ كَثِيرَةٍ، فَيَأْخُذُ بِسَبَبِ تِلْكَ المِائَةِ أضْعافَها فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ (أضْعافًا) عَلى الحالِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اتِّقاءَ اللَّهِ في هَذا النَّهْيِ واجِبٌ، وأنَّ الفَلاحَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أكَلَ ولَمْ يَتَّقِ زالَ الفَلاحُ وهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ لا مِنَ الصَّغائِرِ.

وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وتَمامُ الكَلامِ في الرِّبا أيْضًا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: أنَّ النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ

صفحة ٤

تَكُونُ بِقَدْرِ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ أزْيَدُ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ المُسْلِمُ بِفِسْقِهِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ .

والجَوابُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اتَّقُوا أنْ تَجْحَدُوا تَحْرِيمَ الرِّبا فَتَصِيرُوا كافِرِينَ.

السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّها ما أُعِدَّتْ إلّا لِلْكافِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُ النّارَ وهو عَلى خِلافِ سائِرِ الآياتِ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النّارِ دَرَكاتٌ أُعِدَّ بَعْضُها لِلْكُفّارِ وبَعْضُها لِلْفُسّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الدَّرَكاتِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِلْكافِرِينَ، وهَذا لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ دَرَكاتٍ أُخْرى في النّارِ أعَدَّها اللَّهُ لِغَيْرِ الكافِرِينَ.

الثّانِي: أنَّ كَوْنَ النّارِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، لا يَمْنَعُ …

Aal-i-Imraan 3:131Listen in Qur'an →
132

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And obey Allah and the Messenger that you may obtain mercy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ عَظِيمَ نِعَمِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإرْشادِهِمْ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ وفي أمْرِ الجِهادِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ والتَّرْغِيبِ والتَّحْذِيرِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءَ كَلامٍ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، وقالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِما تَقَدَّمَ مِن جِهَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما أنْفَقُوا عَلى تِلْكَ العَساكِرِ أمْوالًا جَمَعُوها بِسَبَبِ الرِّبا، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَصِيرُ داعِيًا لِلْمُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا حَتّى يَجْمَعُوا المالَ ويُنْفِقُوهُ عَلى العَسْكَرِ فَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا جَرَمَ نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلى أجَلٍ، فَإذا جاءَ الأجَلُ ولَمْ يَكُنِ المَدْيُونُ واجِدًا لِذَلِكَ المالِ قالَ: زِدْ في المالِ حَتّى أزِيدَ في الأجَلِ فَرُبَّما جَعَلَهُ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ إذا حَلَّ الأجَلُ الثّانِي فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إلى آجالٍ كَثِيرَةٍ، فَيَأْخُذُ بِسَبَبِ تِلْكَ المِائَةِ أضْعافَها فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: انْتَصَبَ (أضْعافًا) عَلى الحالِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اتِّقاءَ اللَّهِ في هَذا النَّهْيِ واجِبٌ، وأنَّ الفَلاحَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أكَلَ ولَمْ يَتَّقِ زالَ الفَلاحُ وهَذا تَنْصِيصٌ عَلى أنَّ الرِّبا مِنَ الكَبائِرِ لا مِنَ الصَّغائِرِ.

وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وتَمامُ الكَلامِ في الرِّبا أيْضًا مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: أنَّ النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ

صفحة ٤

تَكُونُ بِقَدْرِ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ أزْيَدُ مِمّا يَسْتَحِقُّهُ المُسْلِمُ بِفِسْقِهِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ .

والجَوابُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: اتَّقُوا أنْ تَجْحَدُوا تَحْرِيمَ الرِّبا فَتَصِيرُوا كافِرِينَ.

السُّؤالُ الثّانِي: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ يَقْتَضِي أنَّها ما أُعِدَّتْ إلّا لِلْكافِرِينَ، وهَذا يَقْتَضِي القَطْعَ بِأنَّ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَدْخُلُ النّارَ وهو عَلى خِلافِ سائِرِ الآياتِ.

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النّارِ دَرَكاتٌ أُعِدَّ بَعْضُها لِلْكُفّارِ وبَعْضُها لِلْفُسّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الدَّرَكاتِ المَخْصُوصَةِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِلْكافِرِينَ، وهَذا لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ دَرَكاتٍ أُخْرى في النّارِ أعَدَّها اللَّهُ لِغَيْرِ الكافِرِينَ.

الثّانِي: أنَّ كَوْنَ النّارِ مُعَدَّةً لِلْكافِرِينَ، لا يَمْنَعُ …

Aal-i-Imraan 3:132Listen in Qur'an →
133

۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ (سارِعُوا) بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ، والباقُونَ بِالواوِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ مَكَّةَ والعِراقِ ومُصْحَفِ عُثْمانَ، فَمَن قَرَأ بِالواوِ عَطَفَها عَلى ما قَبْلَها والتَّقْدِيرُ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وسارِعُوا، ومَن تَرَكَ الواوَ فَلِأنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ: (سارِعُوا) وقَوْلَهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٢] كالشَّيْءِ الواحِدِ، ولِقُرْبِ كُلِّ واحِدٍ مِنها مِنَ الآخَرِ في المَعْنى أسْقَطَ العاطِفَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ الإمالَةُ في (سارِعُوا) و﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ﴾ و(نُسارِعُ) وذَلِكَ جائِزٌ لِمَكانِ الرّاءِ المَسْكُورَةِ، ويَمْنَعُ كَما المَفْتُوحَةِ الإمالَةَ، كَذَلِكَ المَسْكُورَةُ يُمِيلُها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالُوا: في الكَلامِ حَذْفٌ والمَعْنى: وسارِعُوا إلى ما يُوجِبُ مَغْفِرَةً مِن رَبِّكم ولا شَكَّ أنَّ المُوجِبَ لِلْمَغْفِرَةِ لَيْسَ إلّا فِعْلَ المَأْمُوراتِ وتَرْكَ المَنهِيّاتِ، فَكانَ هَذا أمْرًا بِالمُسارَعَةِ إلى فِعْلِ المَأْمُوراتِ وتَرْكِ المَنهِيّاتِ، وتَمَسَّكَ كَثِيرٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُوجِبُ الفَوْرَ ويَمْنَعُ مِنَ التَّراخِي ووَجْهُهُ ظاهِرٌ، ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ كَلِماتٌ:

إحْداها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الإسْلامُ، أقُولُ: وجْهُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ المَغْفِرَةَ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، والمُرادُ مِنهُ المَغْفِرَةُ العَظِيمَةُ المُتَناهِيَةُ في العِظَمِ وذَلِكَ هو المَغْفِرَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ الإسْلامِ.

الثّانِي: رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو أداءُ الفَرائِضِ، ووَجْهُهُ أنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ فَيَجِبُ أنْ يَعُمَّ الكُلَّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإخْلاصُ وهو قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ووَجْهُهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن جَمِيعِ العِباداتِ الإخْلاصُ، كَما قالَ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَةِ: ٥]

الرّابِعُ: قالَ أبُو العالِيَةِ: هو الهِجْرَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ الجِهادُ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، ومُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالَ: لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٢١] إلى تَمامِ سِتِّينَ آيَةً نَزَلَ في يَوْمِ أُحُدٍ فَكانَ كُلُّ هَذِهِ الأوامِرِ والنَّواهِي مُخْتَصَّةً بِما يَتَعَلَّقُ بِبابِ الجِهادِ.

السّادِسُ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّها التَّكْبِيرَةُ الأُولى.

والسّابِعُ: قالَ عُثْمانُ: إنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ.

والثّامِنُ: قالَ عِكْرِمَةُ: إنَّها جَمِيعُ الطّاعاتِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.

والتّاسِعُ: قالَ الأصَمُّ: سارِعُوا، أيْ بادِرُوا إلى التَّوْبَةِ مِنَ الرِّبا والذُّنُوبِ، والوَجْهُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى نَهى أوَّلًا عَنِ الرِّبا، ثُمَّ قالَ: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ المُسارَعَةُ في تَرْكِ ما تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ، والأوْلى ما تَقَدَّمَ مِن وُجُوبِ حَمْلِهِ عَلى أداءِ الواجِباتِ والتَّوْبَةِ عَنْ جَمِيعِ المَحْظُوراتِ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فَلا وجْهَ في تَخْصِيصِهِ، ثُمَّ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَما تَجِبُ المُسارَعَةُ إلى المَغْفِرَةِ فَكَذَلِكَ تَجِبُ المُسارَعَةُ إلى الجَنَّةِ، وإنَّما فُصِلَ بَيْنَهُما لِأنَّ الغُفْرانَ …

Aal-i-Imraan 3:133Listen in Qur'an →
134

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

Who spend [in the cause of Allah] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allah loves the doers of good;

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الجَنَّةَ مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ ذَكَرَ صِفاتِ المُتَّقِينَ حَتّى يَتَمَكَّنَ الإنْسانُ مِنَ اكْتِسابِ الجَنَّةِ بِواسِطَةِ اكْتِسابِ تِلْكَ الصِّفاتِ.

فالصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى أنَّهم في حالِ الرَّخاءِ واليُسْرِ والقُدْرَةِ والعُسْرِ لا يَتْرُكُونَ الإنْفاقَ، وبِالجُمْلَةِ فالسَّرّاءُ هو الغِنى، والضَّرّاءُ هو الفَقْرُ. يُحْكى عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ رُبَّما تَصَدَّقَ بِبَصَلَةٍ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى أنَّهم سَواءٌ كانُوا في سُرُورٍ أوْ في حُزْنٍ أوْ في عُسْرٍ أوْ في يُسْرٍ فَإنَّهم لا يَدَعُونَ الإحْسانَ إلى النّاسِ.

الثّالِثُ: المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الإحْسانَ والإنْفاقَ سَواءٌ سَرَّهم بِأنْ كانَ عَلى وفْقِ طَبْعِهِمْ، أوْ ساءَهم بِأنْ كانَ عَلى خِلافِ طَبْعِهِمْ فَإنَّهم لا يَتْرُكُونَهُ، وإنَّما افْتَتَحَ اللَّهُ بِذِكْرِ الإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ طاعَةٌ شاقَّةٌ ولِأنَّهُ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أشْرَفَ الطّاعاتِ لِأجْلِ الحاجَةِ إلَيْهِ في مُجاهَدَةِ العَدُوِّ ومُواساةِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: كَظَمَ غَيْظَهُ إذا سَكَتَ عَلَيْهِ ولَمْ يُظْهِرْهُ لا بِقَوْلٍ ولا بِفِعْلٍ قالَ: المُبَرِّدُ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ كَتَمَ عَلى امْتِلائِهِ مِنهُ، يُقالُ: كَظَمْتُ السِّقاءَ إذا مَلَأْتَهُ وسَدَدْتَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: فُلانٌ لا يَكْظِمُ عَلى جَرَّتِهِ إذا كانَ لا يَحْتَمِلُ شَيْئًا، وكُلُّ ما سَدَدْتَ مِن مَجْرى ماءٍ أوْ بابٍ أوْ طَرِيقٍ فَهو كَظْمٌ، والَّذِي يُسَدُّ بِهِ يُقالُ لَهُ الكِظامَةُ والسِّدادَةُ، ويُقالُ لِلْقَناةِ الَّتِي تَجْرِي في بَطْنِ الأرْضِ كِظامَةٌ، لِامْتِلائِها بِالماءِ كامْتِلاءِ القِرَبِ المَكْظُومَةِ، ويُقالُ: أخَذَ فُلانٌ بِكَظْمِ فُلانٍ إذا أخَذَ بِمَجْرى نَفَسِهِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ الِامْتِلاءِ بِالنَّفَسِ، وكَظَمَ البَعِيرُ كُظُومًا إذا أمْسَكَ عَلى ما في جَوْفِهِ ولَمْ يَجْتَرَّ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ الَّذِينَ يَكُفُّونَ غَيْظَهم عَنِ الإمْضاءِ يَرُدُّونَ غَيْظَهم في أجْوافِهِمْ، وهَذا الوَصْفُ مِن أقْسامِ الصَّبْرِ والحِلْمِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشُّورى: ٣٧] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» “ «وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: لِأصْحابِهِ ”تَصَدَّقُوا“ فَتَصَدَّقُوا بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ والطَّعامِ، وأتاهُ الرَّجُلُ بِقُشُورِ التَّمْرِ فَتَصَدَّقَ بِهِ، وجاءَهُ آخَرُ فَقالَ: واللَّهِ ما عِنْدِي ما أتَصَدَّقُ بِهِ، ولَكِنْ أتَصَدَّقُ بِعِرْضِي فَلا أُعاقِبُ أحَدًا بِما يَقُولُهُ في حَدِيثِهِ، فَوَفَدَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن قَوْمِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وفْدٌ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”لَقَدْ تَصَدَّقَ مِنكم رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ ولَقَدْ قَبِلَها اللَّهُ مِنهُ تَصَدَّقَ بِعِرْضِهِ“» وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَسْتَطِيعُ أنْ يُنْفِذَهُ زَوَّجَهُ اللَّهُ مِنَ الحُورِ العِينِ حَيْثُ يَشاءُ» “ وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما مِن جَرْعَتَيْنِ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن جَرْعَةٍ مُوجِعَةٍ …

Aal-i-Imraan 3:134Listen in Qur'an →
135

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allah and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allah? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ وجْهَ النَّظْمِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بِأنَّها مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ بَيَّنَ أنَّ المُتَّقِينَ قِسْمانِ:

أحَدُهُما: الَّذِينَ أقْبَلُوا عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ، وهُمُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإنْفاقِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وكَظْمِ الغَيْظِ، والعَفْوِ عَنِ النّاسِ.

وثانِيهُما: الَّذِينَ أذْنَبُوا ثُمَّ تابُوا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾

صفحة ٩

وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ كالفِرْقَةِ الأُولى في كَوْنِها مُتَّقِيَةً، وذَلِكَ لِأنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ عَنِ الذَّنْبِ صارَ حالُهُ كَحالِ مَن لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في اسْتِحْقاقِ المَنزِلَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى نَدَبَ في الآيَةِ الأُولى إلى الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ونَدَبَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الإحْسانِ إلى النَّفْسِ، فَإنَّ المُذْنِبَ العاصِيَ إذا تابَ كانَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ إحْسانًا مِنهُ إلى نَفْسِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: «رَوى ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ، أنْصارِيٍّ وثَقَفِيٍّ، والرَّسُولُ ﷺ كانَ قَدْ آخى بَيْنَهُما، وكانا لا يَفْتَرِقانِ في أحْوالِهِما، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بِالقُرْعَةِ في السَّفَرِ، وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ عَلى أهْلِهِ لِيَتَعاهَدَهم، فَكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ قامَ إلى امْرَأتِهِ لِيُقَبِّلَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها، فَنَدِمَ الرَّجُلُ، فَلَمّا وافى الثَّقَفِيُّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَرَ الأنْصارِيَّ، وكانَ قَدْ هامَ في الجِبالِ لِلتَّوْبَةِ، فَلَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ ﷺ سَكَتَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «قالَ المُؤْمِنُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا، فَكانَ أحَدُهم إذا أذْنَبَ ذَنْبًا أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً عَلى عَتَبَةِ دارِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، افْعَلْ كَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وبَيَّنَ أنَّهم أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ كَفّارَةَ ذَنْبِهِمُ الِاسْتِغْفارَ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفاحِشَةُ هاهُنا نَعْتٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَعَلُوا فِعْلَةً فاحِشَةً، وذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الفاحِشَةِ وبَيْنَ ظُلْمِ النَّفْسِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاحِشَةُ ما يَكُونُ فِعْلُهُ كامِلًا في القُبْحِ، وظُلْمُ النَّفْسِ: هو أيُّ ذَنْبٍ كانَ مِمّا يُؤاخَذُ الإنْسانُ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ الفاحِشَةَ هي الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ هي الصَّغِيرَةُ، والصَّغِيرَةُ يَجِبُ الِاسْتِغْفارُ مِنها، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مَأْمُورًا بِالِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وما كانَ اسْتِغْفارُهُ دالًّا عَلى الصَّغائِرِ بَلْ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ. الثّالِثُ: الفاحِشَةُ: هي الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ: هي القُبْلَةُ واللَّمْسَةُ والنَّظْرَةُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى السَّبَبِ الَّذِي رَوَيْناهُ؛ ولِأنَّهُ تَعالى سَمّى الزِّنا فاحِشَةً، فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسْراءِ: ٣٢] .

أمّا …

Aal-i-Imraan 3:135Listen in Qur'an →
136

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾

واعْلَمْ أنَّ وجْهَ النَّظْمِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بِأنَّها مُعَدَّةٌ لِلْمُتَّقِينَ بَيَّنَ أنَّ المُتَّقِينَ قِسْمانِ:

أحَدُهُما: الَّذِينَ أقْبَلُوا عَلى الطّاعاتِ والعِباداتِ، وهُمُ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِالإنْفاقِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وكَظْمِ الغَيْظِ، والعَفْوِ عَنِ النّاسِ.

وثانِيهُما: الَّذِينَ أذْنَبُوا ثُمَّ تابُوا وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾

صفحة ٩

وبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ كالفِرْقَةِ الأُولى في كَوْنِها مُتَّقِيَةً، وذَلِكَ لِأنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ عَنِ الذَّنْبِ صارَ حالُهُ كَحالِ مَن لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في اسْتِحْقاقِ المَنزِلَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى نَدَبَ في الآيَةِ الأُولى إلى الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، ونَدَبَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الإحْسانِ إلى النَّفْسِ، فَإنَّ المُذْنِبَ العاصِيَ إذا تابَ كانَتْ تِلْكَ التَّوْبَةُ إحْسانًا مِنهُ إلى نَفْسِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: «رَوى ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ، أنْصارِيٍّ وثَقَفِيٍّ، والرَّسُولُ ﷺ كانَ قَدْ آخى بَيْنَهُما، وكانا لا يَفْتَرِقانِ في أحْوالِهِما، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بِالقُرْعَةِ في السَّفَرِ، وخَلَّفَ الأنْصارِيَّ عَلى أهْلِهِ لِيَتَعاهَدَهم، فَكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ثُمَّ قامَ إلى امْرَأتِهِ لِيُقَبِّلَها فَوَضَعَتْ كَفَّها عَلى وجْهِها، فَنَدِمَ الرَّجُلُ، فَلَمّا وافى الثَّقَفِيُّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَرَ الأنْصارِيَّ، وكانَ قَدْ هامَ في الجِبالِ لِلتَّوْبَةِ، فَلَمّا عَرَفَ الرَّسُولُ ﷺ سَكَتَ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «قالَ المُؤْمِنُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا، فَكانَ أحَدُهم إذا أذْنَبَ ذَنْبًا أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً عَلى عَتَبَةِ دارِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، افْعَلْ كَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وبَيَّنَ أنَّهم أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهم حَيْثُ جَعَلَ كَفّارَةَ ذَنْبِهِمُ الِاسْتِغْفارَ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الفاحِشَةُ هاهُنا نَعْتٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: فَعَلُوا فِعْلَةً فاحِشَةً، وذَكَرُوا في الفَرْقِ بَيْنَ الفاحِشَةِ وبَيْنَ ظُلْمِ النَّفْسِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الفاحِشَةُ ما يَكُونُ فِعْلُهُ كامِلًا في القُبْحِ، وظُلْمُ النَّفْسِ: هو أيُّ ذَنْبٍ كانَ مِمّا يُؤاخَذُ الإنْسانُ بِهِ.

والثّانِي: أنَّ الفاحِشَةَ هي الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ هي الصَّغِيرَةُ، والصَّغِيرَةُ يَجِبُ الِاسْتِغْفارُ مِنها، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مَأْمُورًا بِالِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] وما كانَ اسْتِغْفارُهُ دالًّا عَلى الصَّغائِرِ بَلْ عَلى تَرْكِ الأفْضَلِ. الثّالِثُ: الفاحِشَةُ: هي الزِّنا، وظُلْمُ النَّفْسِ: هي القُبْلَةُ واللَّمْسَةُ والنَّظْرَةُ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى السَّبَبِ الَّذِي رَوَيْناهُ؛ ولِأنَّهُ تَعالى سَمّى الزِّنا فاحِشَةً، فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسْراءِ: ٣٢] .

أمّا …

Aal-i-Imraan 3:136Listen in Qur'an →
137

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَ عَلى الطّاعَةِ والتَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ الغُفْرانَ والجَنّاتِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَحْمِلُهم عَلى فِعْلِ الطّاعَةِ وعَلى التَّوْبَةِ مِنَ المَعْصِيَةِ وهو تَأمُّلُ أحْوالِ القُرُونِ الخالِيَةِ مِنَ المُطِيعِينَ والعاصِينَ فَقالَ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ الخُلُوِّ في اللُّغَةِ الِانْفِرادُ والمَكانُ الخالِي هو المُنْفَرِدُ عَمَّنْ يَسْكُنُ فِيهِ ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا في الزَّمانِ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ لِأنَّ ما مَضى انْفَرَدَ عَنِ الوُجُودِ وخَلا عَنْهُ، وكَذا الأُمَمُ الخالِيَةُ، وأمّا السُّنَّةُ فَهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ والمِثالُ المُتَّبَعُ، وفي اشْتِقاقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها فُعْلَةٌ مِن سَنَّ الماءَ يَسُنُّهُ إذا والى صَبَّهُ، والسَّنُّ الصَّبُّ لِلْماءِ، والعَرَبُ شَبَّهَتِ الطَّرِيقَةَ المُسْتَقِيمَةَ بِالماءِ المَصْبُوبِ فَإنَّهُ لِتَوالِي أجْزاءِ الماءِ فِيهِ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ يَكُونُ كالشَّيْءِ الواحِدِ، والسُّنَّةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

وثانِيها: أنْ تَكُونَ

صفحة ١١

مِن: سَنَنْتُ النَّصْلَ والسِّنانَ أسُنُّهُ سَنًّا فَهو مَسْنُونٌ إذا حَدَدْتَهُ عَلى المِسَنِّ، فالفِعْلُ المَنسُوبُ إلى النَّبِيِّ ﷺ سُمِّيَ سُنَّةً عَلى مَعْنى أنَّهُ مَسْنُونٌ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: سَنَّ الإبِلَ إذا أحْسَنَ الرَّعْيَ، والفِعْلُ الَّذِي داوَمَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ سُمِّيَ سُنَّةً بِمَعْنى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْسَنَ رِعايَتَهُ وإدامَتَهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: قَدِ انْقَضَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنُ اللَّهِ تَعالى في الأُمَمِ السّالِفَةِ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فالأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ سُنَنُ الهَلاكِ والِاسْتِئْصالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم خالَفُوا الأنْبِياءَ والرُّسُلَ لِلْحِرْصِ عَلى الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها، ثُمَّ انْقَرَضُوا ولَمْ يَبْقَ مِن دُنْياهم أثَرٌ وبَقِيَ اللَّعْنُ في الدُّنْيا والعِقابُ في الآخِرَةِ عَلَيْهِمْ، فَرَغَّبَ اللَّهُ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في تَأمُّلِ أحْوالِ هَؤُلاءِ الماضِينَ لِيَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ والإعْراضِ عَنِ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا وطَلَبِ الجاهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلِ المُرادُ سُنَنُ اللَّهِ تَعالى في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ الدُّنْيا ما بَقِيَتْ لا مَعَ المُؤْمِنِ ولا مَعَ الكافِرِ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَبْقى لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا والثَّوابُ الجَزِيلُ في العُقْبى، والكافِرُ بَقِيَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعِقابُ في العُقْبى ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ التَّأمُّلَ في حالِ أحَدِ القِسْمَيْنِ يَكْفِي في مَعْرِفَةِ حالِ القِسْمِ الآخَرِ، وأيْضًا يُقالُ الغَرَضُ مِنهُ زَجْرُ الكُفّارِ عَنْ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ إنَّما يُعْرَفُ بِتَأمُّلِ أحْوالِ المُكَذِّبِينَ والمُعانِدِينَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٧٣] وقَوْلُهُ: ﴿والعاقِبَةُ …

Aal-i-Imraan 3:137Listen in Qur'an →
138

هَٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ

This [Qur'an] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allah.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: (هَذا) ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِهِ ونَهْيِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ وذِكْرِهِ لِأنْواعِ البَيِّناتِ والآياتِ، ولا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ البَيانِ وبَيْنَ الهُدى وبَيْنَ المَوْعِظَةِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَنَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ البَيانَ هو الدَّلالَةُ الَّتِي تُفِيدُ إزالَةَ الشُّبْهَةِ بَعْدَ أنْ كانَتِ الشُّبْهَةُ حاصِلَةً، فالفَرْقُ أنَّ البَيانَ عامٌّ في أيِّ مَعْنًى كانَ، وأمّا الهُدى فَهو بَيانٌ لِطَرِيقِ الرُّشْدِ لِيُسْلَكَ دُونَ طَرِيقِ الغَيِّ. وأمّا المَوْعِظَةُ فَهي الكَلامُ الَّذِي يُفِيدُ الزَّجْرَ عَمّا لا يَنْبَغِي في طَرِيقِ الدِّينِ، فالحاصِلُ أنَّ البَيانَ جِنْسٌ تَحْتَهُ نَوْعانِ:

أحَدُهُما: الكَلامُ الهادِي إلى ما يَنْبَغِي في الدِّينِ وهو الهُدى.

الثّانِي: الكَلامُ الزّاجِرُ عَمّا لا يَنْبَغِي في الدِّينِ وهو المَوْعِظَةُ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ البَيانَ هو الدَّلالَةُ، وأمّا الهُدى فَهو الدَّلالَةُ بِشَرْطِ كَوْنِها مُفْضِيَةً إلى الِاهْتِداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا البَحْثُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في تَخْصِيصِ هَذا البَيانِ والهُدى، والمَوْعِظَةِ لِلْمُتَّقِينَ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ، فَكانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ في حَقِّ غَيْرِ المُتَّقِينَ كالمَعْدُومَةِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النّازِعاتِ: ٤٥] ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾

صفحة ١٢

[فاطِرٍ: ٢٨] وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] .

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ كَلامٌ عامٌّ ثُمَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ مَخْصُوصٌ إلّا في حَقِّ المُتَّقِينَ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

Aal-i-Imraan 3:138Listen in Qur'an →
139

وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ الَّذِي قَدَّمَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ كالمُقَدَّمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ كَأنَّهُ قالَ إذا بَحَثْتُمْ عَنْ أحْوالِ القُرُونِ الماضِيَةِ عَلِمْتُمْ أنَّ أهْلَ الباطِلِ وإنِ اتَّفَقَتْ لَهُمُ الصَّوْلَةُ، لَكِنْ كانَ مَآلُ الأمْرِ إلى الضَّعْفِ والفُتُورِ، وصارَتْ دَوْلَةُ أهْلِ الحَقِّ عالِيَةً، وصَوْلَةُ أهْلِ الباطِلِ مُنْدَرِسَةً، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَصِيرَ صَوْلَةُ الكُفّارِ عَلَيْكم يَوْمَ أُحُدٍ سَبَبًا لِضَعْفِ قَلْبِكم ولِجُبْنِكم وعَجْزِكم، بَلْ يَجِبُ أنْ يَقْوى قَلْبُكم فَإنَّ الِاسْتِعْلاءَ سَيَحْصُلُ لَكم، والقُوَّةُ والدَّوْلَةُ راجِعَةٌ إلَيْكم.

ثُمَّ نَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿ولا تَهِنُوا﴾ أيْ لا تَضْعُفُوا عَنِ الجِهادِ، والوَهْنُ الضَّعْفُ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مَرْيَمَ: ٤] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾ أيْ عَلى مَن قُتِلَ مِنكم أوْ جُرِحَ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ حالَكم أعْلى مِن حالِهِمْ في القَتْلِ لِأنَّكم أصَبْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ أكْثَرَ مِمّا أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٥] أوْ لِأنَّ قِتالَكم لِلَّهِ وقِتالَهم لِلشَّيْطانِ، أوْ لِأنَّ قِتالَهم لِلدِّينِ الباطِلِ وقِتالَكم لِلدِّينِ الحَقِّ، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَكم أعْلى حالًا مِنهم.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ بِالحُجَّةِ والتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ والعاقِبَةِ الحَمِيدَةِ.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ مِن حَيْثُ أنَّكم في العاقِبَةِ تَظْفَرُونَ بِهِمْ وتَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِمْ وهَذا شَدِيدُ المُناسَبَةِ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ القَوْمَ انْكَسَرَتْ قُلُوبُهم بِسَبَبِ ذَلِكَ الوَهْنِ فَهم كانُوا مُحْتاجِينَ إلى ما يُفِيدُهم قُوَّةً في القَلْبِ، وفَرَحًا في النَّفْسِ، فَبَشَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ بَقِيتُمْ عَلى إيمانِكم، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما تَكَفَّلَ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِمْ لِأجْلِ تَمَسُّكِهِمْ بِدِينِ الإسْلامِ.

الثّانِي: وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ فَكُونُوا مُصَدِّقِينَ لِهَذِهِ البِشارَةِ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِما يَعِدُكُمُ اللَّهُ ويُبَشِّرُكم بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ.

والثّالِثُ: التَّقْدِيرُ: ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَ بِنُصْرَةِ هَذا الدِّينِ، فَإنْ كُنْتُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلِمْتُمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ لا تَبْقى بِحالِها، وأنَّ الدَّوْلَةَ تَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ والِاسْتِيلاءُ عَلى العَدُوِّ يَحْصُلُ لَهم.

Aal-i-Imraan 3:139Listen in Qur'an →
140

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allah may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allah does not like the wrongdoers -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾

صفحة ١٣

واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يُصِيبُهم مِنَ القَرْحِ لا يَجِبُ أنْ يُزِيلَ جِدَّهم واجْتِهادَهم في جِهادِ العَدُوِّ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كَما أصابَهم ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ عَدُوَّهم مِثْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإذا كانُوا مَعَ باطِلِهِمْ، وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ لَمْ يَفْتُرُوا لِأجْلِ ذَلِكَ في الحَرْبِ، فَبِأنْ لا يَلْحَقَكُمُ الفُتُورُ مَعَ حُسْنِ العاقِبَةِ والتَّمَسُّكِ بِالحَقِّ أوْلى، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (قُرْحٌ) بِضَمِّ القافِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القُرْحُ) [آلِ عِمْرانَ: ١٧٢] والباقُونَ بِفَتْحِ القافِ فِيهِما واخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:

فالأوَّلُ: مَعْناهُما واحِدٌ، وهُما لُغَتانِ: كالجُهْدِ والجَهْدِ، والوُجْدِ والوَجْدِ، والضُّعْفِ والضَّعْفِ.

والثّانِي: أنَّ الفَتْحَ لُغَةُ تِهامَةَ والحِجازِ والضَّمَّ لُغَةُ نَجْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالضَّمِّ اسْمٌ.

والرّابِعُ: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّهُ بِالفَتْحِ الجِراحَةُ بِعَيْنِها وبِالضَّمِّ ألَمُ الجِراحَةِ.

والخامِسُ: قالَ ابْنُ مِقْسَمٍ: هُما لُغَتانِ إلّا أنَّ المَفْتُوحَةَ تُوِهِمُ أنَّها جَمْعُ قُرْحَةٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ مَسَّهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٦٥] .

والثّانِي: أنَّ الكُفّارَ قَدْ نالَهم يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلُ ما نالَكم مِنَ الجِراحِ والقَتْلِ؛ لِأنَّهُ قُتِلَ مِنهم نَيِّفٌ وعِشْرُونَ رَجُلًا، وقُتِلَ صاحِبُ لِوائِهِمْ والجِراحاتُ كَثُرَتْ فِيهِمْ وعُقِرَ عامَّةُ خَيْلِهِمْ بِالنَّبْلِ، وقَدْ كانَتِ الهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ النَّهارِ.

فَإنْ قِيلَ كَيْفَ قالَ: ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وما كانَ قَرْحُهم يَوْمَ أُحُدٍ مِثْلَ قَرْحِ المُشْرِكِينَ ؟

قُلْنا: يَجِبُ أنَّ يُفَسَّرَ القَرْحُ في هَذا التَّأْوِيلِ بِمُجَرَّدِ الِانْهِزامِ لا بِكَثْرَةِ القَتْلى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: (تِلْكَ) مُبْتَدَأٌ و(الأيّامُ) صِفَةٌ و(نُداوِلُها) خَبَرُهُ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: تِلْكَ الأيّامُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَما تَقُولُ: هي الأيّامُ تُبْلِي كُلَّ جَدِيدٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أيّامِ الوَقائِعِ العَجِيبَةِ، فَبَيَّنَ أنَّها دُوَلٌ تَكُونُ عَلى الرَّجُلِ حِينًا ولَهُ حِينًا والحَرْبُ سِجالٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: المُداوَلَةُ نَقْلُ الشَّيْءِ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ، يُقالُ: تَداوَلَتْهُ الأيْدِي إذا تَناقَلَتْهُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ [الحَشْرِ: ٧] أيْ تَتَداوَلُونَها ولا تَجْعَلُونَ لِلْفُقَراءِ مِنها نَصِيبًا، ويُقالُ: الدُّنْيا دُوَلٌ، أيْ تَنْتَقِلُ مِن قَوْمٍ إلى آخَرِينَ، ثُمَّ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ، ويُقالُ: دالَ لَهُ الدَّهْرُ بِكَذا إذا انْتَقَلَ إلَيْهِ، والمَعْنى أنَّ أيّامَ الدُّنْيا هي دُوَلٌ بَيْنَ النّاسِ لا …

Aal-i-Imraan 3:140Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.