Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 131–140 of 200

131

وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ .

لَوْلا أنَّ الكَلامَ عَلى يَوْمِ أُحُدٍ لَمْ يَكْمُلْ، إذْ هو سَيُعادُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧١] الآيَةَ لَقُلْنا إنَّ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ اقْتِضابُ تَشْرِيعٍ، ولَكِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِأنْ نَعْتَبِرَهُ اسْتِطْرادًا في خِلالِ الحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ المُناسِبَةِ في وُقُوعِهِ في هَذا الأثْناءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا أحْفَظُ سَبَبًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا. وقالَ الفَخْرُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَمّا أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ والجِهادِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ فَقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ فَلا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها.

وقالَ القَفّالُ: لَمّا أنْفَقَ المُشْرِكُونَ عَلى جُيُوشِهِمْ أمْوالًا جَمَعُوها مِنَ الرِّبا، خِيفَ أنْ يَدْعُوَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ مُسْتَبْعَدَةٌ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أنَّ الوَعِيدَ لا يَخُصُّهم بَلْ يَتَناوَلُ العُصاةَ، وذَكَرَ أحَدَ صُوَرِ العِصْيانِ وهي أكْلُ الرِّبا. وهو في ضَعْفِ ما قَبْلَهُ، وعِنْدِي بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنْ لا حاجَةَ إلى اطِّرادِ المُناسَبَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ نُزُولِ السُّورَةِ قابِلَةٌ لِأنْ تَحْدُثَ في خِلالِها حَوادِثُ يَنْزِلُ فِيها قُرْآنٌ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ

صفحة ٨٥

السُّورَةِ، كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ ما نَزَلَ قَبْلَها فَكُتِبَتْ هُنا ولا تَكُونُ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ إذْ هو مُلْحَقٌ إلْحاقًا بِالكَلامِ.

ويَتَّجِهُ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ وجْهِ إعادَةِ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِن آياتِ سُورَةِ البَقَرَةِ - بِما هو أوْفى مِمّا في هَذِهِ السُّورَةِ، فالجَوابُ: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ - سُورَةِ البَقَرَةِ - فَكانَتْ هَذِهِ تَمْهِيدًا لِتِلْكَ، ولَمْ يَكُنِ النَّهْيُ فِيها بالِغًا ما في - سُورَةِ البَقَرَةِ - وقَدْ رُوِيَ أنَّ آيَةَ البَقَرَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا وأنَّ ثَقِيفًا قالُوا: كَيْفَ نُنْهى عَنِ الرِّبا، وهو مِثْلُ البَيْعِ، ويَكُونُ وصْفُ الرِّبا بِ ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ نَهْيًا عَنِ الرِّبا الفاحِشِ وسَكَتَ عَمّا دُونَ ذَلِكَ مِمّا لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الأضْعافِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في - سُورَةِ البَقَرَةِ - ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ دايَنَ بَعْضًا بِالمُراباةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الرِّبا في مُدَّةِ نُزُولِ قِصَّةِ تِلْكَ الغَزْوَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى أكْلِ الرِّبا، وعَلى مَعْنى الرِّبا، ووَجْهُ تَحْرِيمِهِ في - سُورَةِ البَقَرَةِ - . وقَوْلُهُ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّبا والأضْعافُ جَمْعُ ضِعْفٍ - بِكَسْرِ الضّادِ - وهو مُعادِلٌ في المِقْدارِ إذا كانَ الشَّيْءُ ومُماثِلُهُ مُتَلازِمَيْنِ، لا تَقُولُ: عِنْدِي ضِعْفُ دِرْهَمِكَ، إذْ لَيْسَ الأصْلُ عِنْدَكَ، بَلْ يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: عِنْدِي دِرْهَمانِ، وإنَّما تَقُولُ: عِنْدِي …

Aal-i-Imraan 3:131Listen in Qur'an →
132

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And obey Allah and the Messenger that you may obtain mercy.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ .

لَوْلا أنَّ الكَلامَ عَلى يَوْمِ أُحُدٍ لَمْ يَكْمُلْ، إذْ هو سَيُعادُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧١] الآيَةَ لَقُلْنا إنَّ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ اقْتِضابُ تَشْرِيعٍ، ولَكِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِأنْ نَعْتَبِرَهُ اسْتِطْرادًا في خِلالِ الحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ المُناسِبَةِ في وُقُوعِهِ في هَذا الأثْناءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا أحْفَظُ سَبَبًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا. وقالَ الفَخْرُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَمّا أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ والجِهادِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ فَقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ فَلا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها.

وقالَ القَفّالُ: لَمّا أنْفَقَ المُشْرِكُونَ عَلى جُيُوشِهِمْ أمْوالًا جَمَعُوها مِنَ الرِّبا، خِيفَ أنْ يَدْعُوَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ مُسْتَبْعَدَةٌ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أنَّ الوَعِيدَ لا يَخُصُّهم بَلْ يَتَناوَلُ العُصاةَ، وذَكَرَ أحَدَ صُوَرِ العِصْيانِ وهي أكْلُ الرِّبا. وهو في ضَعْفِ ما قَبْلَهُ، وعِنْدِي بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنْ لا حاجَةَ إلى اطِّرادِ المُناسَبَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ نُزُولِ السُّورَةِ قابِلَةٌ لِأنْ تَحْدُثَ في خِلالِها حَوادِثُ يَنْزِلُ فِيها قُرْآنٌ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ

صفحة ٨٥

السُّورَةِ، كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ ما نَزَلَ قَبْلَها فَكُتِبَتْ هُنا ولا تَكُونُ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ إذْ هو مُلْحَقٌ إلْحاقًا بِالكَلامِ.

ويَتَّجِهُ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ وجْهِ إعادَةِ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِن آياتِ سُورَةِ البَقَرَةِ - بِما هو أوْفى مِمّا في هَذِهِ السُّورَةِ، فالجَوابُ: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ - سُورَةِ البَقَرَةِ - فَكانَتْ هَذِهِ تَمْهِيدًا لِتِلْكَ، ولَمْ يَكُنِ النَّهْيُ فِيها بالِغًا ما في - سُورَةِ البَقَرَةِ - وقَدْ رُوِيَ أنَّ آيَةَ البَقَرَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا وأنَّ ثَقِيفًا قالُوا: كَيْفَ نُنْهى عَنِ الرِّبا، وهو مِثْلُ البَيْعِ، ويَكُونُ وصْفُ الرِّبا بِ ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ نَهْيًا عَنِ الرِّبا الفاحِشِ وسَكَتَ عَمّا دُونَ ذَلِكَ مِمّا لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الأضْعافِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في - سُورَةِ البَقَرَةِ - ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ دايَنَ بَعْضًا بِالمُراباةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الرِّبا في مُدَّةِ نُزُولِ قِصَّةِ تِلْكَ الغَزْوَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى أكْلِ الرِّبا، وعَلى مَعْنى الرِّبا، ووَجْهُ تَحْرِيمِهِ في - سُورَةِ البَقَرَةِ - . وقَوْلُهُ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّبا والأضْعافُ جَمْعُ ضِعْفٍ - بِكَسْرِ الضّادِ - وهو مُعادِلٌ في المِقْدارِ إذا كانَ الشَّيْءُ ومُماثِلُهُ مُتَلازِمَيْنِ، لا تَقُولُ: عِنْدِي ضِعْفُ دِرْهَمِكَ، إذْ لَيْسَ الأصْلُ عِنْدَكَ، بَلْ يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: عِنْدِي دِرْهَمانِ، وإنَّما تَقُولُ: عِنْدِي …

Aal-i-Imraan 3:132Listen in Qur'an →
133

۞ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

﴿سارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ .

قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (سارِعُوا) دُونَ واوِ عَطْفٍ.

تَتَنَزَّلُ جُمْلَةُ سارِعُوا. . مَنزِلَةَ البَيانِ، أوْ بَدَلَ الِاشْتِمالِ، لِجُمْلَةِ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] لِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ والرَّسُولِ مُسارَعَةٌ إلى المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. ولِكَوْنِ الأمْرِ بِالمُسارَعَةِ إلى المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ يَئُولُ إلى الأمْرِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، جازَ عَطْفُ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ قَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ وسارِعُوا بِالعَطْفِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يُنْبِئُنا بِأنَّهُ يَجُوزُ الفَصْلُ في بَعْضِ الجُمَلِ بِاعْتِبارَيْنِ.

والسُّرْعَةُ المُشْتَقُّ مِنها سارِعُوا مَجازٌ في الحِرْصِ والمُنافَسَةِ والفَوْرِ إلى عَمَلِ الطّاعاتِ الَّتِي هي سَبَبُ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ السُّرْعَةُ حَقِيقَةً، وهي سُرْعَةُ الخُرُوجِ إلى الجِهادِ عِنْدَ التَّنْفِيرِ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ «وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» .

صفحة ٨٩

والمُسارَعَةُ عَلى التَّقادِيرِ كُلِّها تَتَعَلَّقُ بِأسْبابِ المَغْفِرَةِ، وأسْبابِ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَتَعْلِيقُها بِذاتِ المَغْفِرَةِ والجَنَّةِ مِن تَعْلِيقِ الأحْكامِ بِالذَّواتِ عَلى إرادَةِ أحْوالِها عِنْدَ ظُهُورِ عَدَمِ الفائِدَةِ في التَّعَلُّقِ بِالذّاتِ.

وجِيءَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، مُجَرَّدَةً عَنِ مَعْنى حُصُولِ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ، قَصْدَ المُبالِغَةِ في طَلَبِ الإسْراعِ، والعَرَبُ تَأْتِي بِما يَدُلُّ في الوَضْعِ عَلى تَكَرُّرِ الفِعْلِ وهم يُرِيدُونَ التَّأْكِيدَ والمُبالَغَةَ دُونَ التَّكْرِيرِ، ونَظِيرُهُ التَّثْنِيَةُ في قَوْلِهِمْ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] .

وتَنْكِيرُ مَغْفِرَةٍ ووَصْلُها بِقَوْلِهِ مِن رَبِّكم مَعَ تَأنِّي الإضافَةِ بِأنْ يُقالَ إلى مَغْفِرَةِ رَبِّكم، لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى التَّعْظِيمِ، ووَصْفِ الجَنَّةِ بِأنَّ عَرْضَها السَّماواتُ والأرْضُ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، بِدَلِيلِ التَّصْرِيحِ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ في نَظِيرَتِها في آيَةِ سُورَةِ الحَدِيدِ. والعَرْضُ في كَلامِ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى ما يُقابِلُ الطُّولَ، ولَيْسَ هو المُرادُ هُنا، ويُطْلَقُ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّ الشَّيْءَ العَرِيضَ هو الواسِعُ في العُرْفِ بِخِلافِ الطَّوِيلِ غَيْرِ العَرِيضِ فَهو ضَيِّقٌ، وهَذا كَقَوْلِ العُدَيْلِ:

ودُونَ يَدِ الحَجّاجِ مِن أنْ تَنالَنِي بِساطٌ بِأيْدِي النّاعِجاتِ عَرِيضُ

وذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في تَمْثِيلِ شِدَّةِ الِاتِّساعِ. ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ عَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ لِيُوافِقَ قَوْلَ الجُمْهُورِ مِن عُلَمائِنا بِأنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ، وأنَّها في السَّماءِ، وقِيلَ: هو عَرْضُها حَقِيقَةً، وهي مَخْلُوقَةٌ الآنَ لَكِنَّها أكْبَرُ مِنَ السَّماواتِ وهي فَوْقَ السَّماواتِ تَحْتَ العَرْشِ، وقَدْ رُوِيَ: «العَرْشُ سَقْفُ الجَنَّةِ» . وأمّا مَن قالَ: إنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقِ الآنَ وسَتُخْلَقُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ وبَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ البَلُّوطِيُّ الأنْدَلُسِيُّ الظّاهِرِيُّ، فَيَجُوزُ عِنْدَهم أنْ تَكُونَ كَعَرْضِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأنْ تُخْلَقَ في سَعَةِ الفَضاءِ الَّذِي كانَ يَمْلَؤُهُ السَّماواتُ والأرْضُ أوْ في سَعَةِ فَضاءٍ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ. وأدِلَّةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ ظاهِرَةٌ في أنَّ …

Aal-i-Imraan 3:133Listen in Qur'an →
134

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

Who spend [in the cause of Allah] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allah loves the doers of good;

﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .

أعْقَبَ وصْفَ الجَنَّةِ بِذِكْرِ أهْلِها لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ التَّنْوِيهَ بِها، ولَمْ يَزَلِ العُقَلاءُ يَتَخَيَّرُونَ حُسْنَ الجِوارِ كَما قالَ أبُو تَمّامٍ:

‌

مَن مَبْلَغٌ أفَناءَ يَعْرُبَ كُلِّها أنِّي بَنَيْتُ الجارَ قَبْلَ المَنزِلِ

وجُمْلَةُ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ذِكْرَ الجَنَّةِ عَقِبَ ذِكْرِ النّارِ المَوْصُوفَةِ بِأنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَتَعَرَّفُوا مَنِ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهم: فَإنْ أُرِيدَ بِالمُتَّقِينَ أكْمَلُ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّقْوى، فَإعْدادُها لَهم لِأنَّهم أهْلُها - فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى - الَّذِينَ لا يَلِجُونَ النّارَ أصْلًا - عَدْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى - فَيَكُونُ مُقابِلَ قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، ويَكُونُ عُصاةُ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ التّائِبِينَ قَدْ أخَذُوا بِحَظِّ الدّارَيْنِ، لِمُشابِهَةِ حالِهِمْ حالَ الفَرِيقَيْنِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ وفَضْلًا، وبِمِقْدارِ الِاقْتِرابِ مِن أحَدِهِما يَكُونُ الأخْذُ بِنَصِيبٍ مِنهُ، وأُرِيدَ المُتَّقُونَ في الجُمْلَةِ فالإعْدادُ لَهم بِاعْتِبارِ أنَّهم مُقَدَّرُونَ مِن أهْلِها في العاقِبَةِ.

وقَدْ أجْرى عَلى المُتَّقِينَ صِفاتِ ثَناءٍ وتَنْوِيهٍ، هي لَيْسَتْ جِماعَ التَّقْوى، ولَكِنَّ اجْتِماعَها في مَحَلِّها مُؤْذِنٌ بِأنَّ المَحَلَّ المَوْصُوفَ بِها قَدِ اسْتَكْمَلَ ما بِهِ التَّقْوى، وتِلْكَ هي مُقاوَمَةُ الشُّحِّ المُطاعِ، والهَوى المُتَّبَعِ.

الصِّفَةُ الأُولى: الإنْفاقُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. والإنْفاقُ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وهو الصَّدَقَةُ وإعْطاءُ المالِ والسِّلاحِ والعُدَّةِ في سَبِيلِ اللَّهِ. والسَّرّاءُ فَعْلاءُ، اسْمٌ لِمَصْدَرِ

صفحة ٩١

سَرَّهُ سَرًّا وسُرُورًا. والضَّرّاءُ مِن ضَرَّهُ، أيْ في حالَيِ الِاتِّصافِ بِالفَرَحِ والحُزْنِ، وكَأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما هُنا لِأنَّ السَّرّاءَ فِيها مَلْهاةٌ عَنِ الفِكْرَةِ في شَأْنِ غَيْرِهِمْ، والضَّرّاءَ فِيها مَلْهاةٌ وقِلَّةُ مَوْجِدَةٍ. فَمُلازَمَةُ الإنْفاقِ في هَذَيْنِ الحالَيْنِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَحَبَّةَ نَفْعِ الغَيْرِ بِالمالِ، الَّذِي هو عَزِيزٌ عَلى النَّفْسِ، فَقَدْ صارَ لَهم خُلُقًا لا يَحْجُبُهم عَنْهُ حاجِبٌ ولا يَنْشَأُ ذَلِكَ إلّا عَنْ نَفْسٍ طاهِرَةٍ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: الكاظِمِينَ الغَيْظَ. وكَظْمُ الغَيْظِ إمْساكُهُ وإخْفاؤُهُ حَتّى لا يَظْهَرَ عَلَيْهِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن كَظَمَ القِرْبَةَ إذا مَلَأها وأمْسَكَ فَمَها، قالَ المُبَرِّدُ: فَهو تَمْثِيلٌ لِلْإمْساكِ مَعَ الِامْتِلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ أقْوى القُوى تَأْثِيرًا عَلى النَّفْسِ القُوَّةُ الغاضِبَةُ فَتَشْتَهِي إظْهارَ آثارِ الغَضَبِ، فَإذا اسْتَطاعَ إمْساكَ مَظاهِرِها، مَعَ الِامْتِلاءِ مِنها، دَلَّ ذَلِكَ عَلى عَزِيمَةٍ راسِخَةٍ في النَّفْسِ، وقَهْرِ الإرادَةِ لِلشَّهْوَةِ، وهَذا مِن أكْبَرِ قُوى الأخْلاقِ الفاضِلَةِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: العَفْوُ عَنِ النّاسِ فِيما أساءُوا بِهِ إلَيْهِمْ. وهي تَكْمِلَةٌ لِصِفَةِ كَظْمِ الغَيْظِ بِمَنزِلَةِ الِاحْتِراسِ لِأنَّ كَظْمَ الغَيْظِ قَدْ تَعْتَرِضُهُ نَدامَةٌ فَيَسْتَعْدِي عَلى مَن غاظَهُ بِالحَقِّ، فَلَمّا وُصِفُوا بِالعَفْوِ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كَظْمَ الغَيْظِ وصْفٌ مُتَأصِّلٌ فِيهِمْ، مُسْتَمِرٌّ مَعَهم. وإذا اجْتَمَعَتْ …

Aal-i-Imraan 3:134Listen in Qur'an →
135

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allah and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allah? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾ .

صفحة ٩٢

إنْ كانَ عَطْفَ فَرِيقٍ آخَرَ، فَهم غَيْرُ المُتَّقِينَ الكامِلِينَ، بَلْ هم فَرِيقٌ مِنَ المُتَّقِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، وإنْ كانَ عَطْفَ صِفاتِ، فَهو تَفْضِيلٌ آخَرُ لِحالِ المُتَّقِينَ بِأنْ ذَكَرَ أوَّلًا حالَ كَمالِهِمْ، وذَكَرَ بَعْدَهُ حالَ تَدارُكِهِمْ نَقائِصَهم.

والفاحِشَةُ الفَعْلَةُ المُتَجاوِزَةُ الحَدِّ في الفَسادِ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ [النجم: ٣٢] واشْتِقاقُها مِن فَحَشَ بِمَعْنى قالَ قَوْلًا ذَمِيمًا، كَما في قَوْلِ عائِشَةَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاحِشًا ولا مُتَفَحِّشًا»، أوْ فَعَلَ فِعْلًا ذَمِيمًا، ومِنهُ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] .

ولا شَكَّ أنَّ التَّعْرِيفَ هُنا تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ فَعَلُوا الفَواحِشَ، وظُلْمُ النَّفْسِ هو الذُّنُوبُ الكَبائِرُ، وعَطْفُها هُنا عَلى الفَواحِشِ كَعَطْفِ الفَواحِشِ عَلَيْها في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ [النجم: ٣٢] . فَقِيلَ: الفاحِشَةُ المَعْصِيَةُ الكَبِيرَةُ، وظُلْمُ النَّفْسِ الكَبِيرَةُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: الفاحِشَةُ هي الكَبِيرَةُ المُتَعَدِّيَةُ إلى الغَيْرِ، وظُلْمُ النَّفْسِ الكَبِيرَةُ القاصِرَةُ عَلى النَّفْسِ، وقِيلَ: الفاحِشَةُ الزِّنا، وهَذا تَفْسِيرٌ عَلى مَعْنى المِثالِ.

والذِّكْرُ في قَوْلِهِ ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ذِكْرُ القَلْبِ وهو ذِكْرُ ما يَجِبُ لِلَّهِ عَلى عَبْدِهِ، وما أوْصاهُ بِهِ، وهو الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَنْهُ طَلَبُ المَغْفِرَةِ، وأمّا ذِكْرُ اللِّسانِ فَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. ومَعْنى ذِكْرِ اللَّهِ هُنا ذِكْرُ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ.

والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ أيِ السِّتْرُ لِلذُّنُوبِ، وهو مَجازٌ في عَدَمِ المُؤاخَذَةِ عَلى الذَّنْبِ، ولِذَلِكَ صارَ يُعَدّى إلى الذَّنْبِ بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْلِيلِ كَما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] . ولَمّا كانَ طَلَبُ الصَّفْحِ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ نَدامَةٍ، ونِيَّةِ إقْلاعٍ عَنِ الذَّنْبِ، وعَدَمِ العَوْدَةِ إلَيْهِ، كانَ الِاسْتِغْفارُ في لِسانِ الشّارِعِ بِمَعْنى التَّوْبَةِ، إذْ كَيْفَ يَطْلُبُ العَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ مَن هو مُسْتَمِرٌّ عَلَيْهِ، أوْ عازِمٌ عَلى مُعاوَدَتِهِ، ولَوْ طَلَبَ ذَلِكَ في تِلْكَ الحالَةِ لَكانَ أكْثَرَ إساءَةً مِنَ

صفحة ٩٣

الذَّنْبِ، فَلِذَلِكَ عُدَّ الِاسْتِغْفارَ هُنا رُتْبَةً مِن مَراتِبِ التَّقْوى. ولَيْسَ الِاسْتِغْفارُ مُجَرَّدَ قَوْلِ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ بِاللِّسانِ والقائِلُ مُلْتَبِسٌ بِالذُّنُوبِ. وعَنْ رابِعَةَ العَدَوِيَّةِ أنَّها قالَتْ: ”اسْتِغْفارُنا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِغْفارِ“ وفي كَلامِها مُبالَغَةٌ فَإنَّ الِاسْتِغْفارَ بِالقَوْلِ مَأْمُورٌ بِهِ في الدِّينِ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ لِتَذَكُّرِ الذَّنْبِ والحِيلَةِ لِلْإقْلاعِ عَنْهُ.

وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ فاسْتَغْفِرُوا وجُمْلَةِ ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ .

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ، بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ مِنهُ، والمَقْصُودُ تَسْدِيدُ مُبادَرَتِهِمْ إلى اسْتِغْفارِ اللَّهِ عَقِبَ الذَّنْبِ، والتَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أصْنامَهم شُفَعاءَ …

Aal-i-Imraan 3:135Listen in Qur'an →
136

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

صفحة ٩٥

﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِلتَّوْبَةِ بِسَدادِ عَمَلِهِمْ: مِنَ الِاسْتِغْفارِ، وقَبُولِ اللَّهِ مِنهم.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ صارُوا أحْرِياءَ بِالحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، لِأجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ الَّتِي اسْتَوْجَبُوا الإشارَةَ لِأجْلِها.

وهَذا الجَزاءُ وهو المَغْفِرَةُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، تَفْصِيلًا مِنهُ: بِأنْ جَعَلَ الإقْلاعَ عَنِ المَعاصِي سَبَبًا في غُفْرانِ ما سَلَفَ مِنها. وأمّا الجَنّاتُ فَإنَّما خَلَصَتْ لَهم لِأجْلِ المَغْفِرَةِ، ولَوْ أُخِذُوا بِسالِفِ ذُنُوبِهِمْ لَما اسْتَحَقُّوا الجَنّاتِ. فالكُلُّ فَضْلٌ مِنهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِإنْشاءِ مَدْحِ الجَزاءِ. والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ هو. والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةِ ﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ﴾ فَهو مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الإخْبارِ وهو كَثِيرٌ فَصِيحٌ في الكَلامِ وسُمِّيَ الجَزاءُ أجْرًا لِأنَّهُ كانَ عَنْ وعْدٍ لِلْعامِلِ بِما عَمِلَ. والتَّعْرِيفُ في العامِلِينَ لِلْعَهْدِ أيْ: ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ هَذا الجَزاءُ، وهَذا تَفْضِيلٌ لَهُ ولِلْعَمَلِ المُجازى عَلَيْهِ أيْ إذا كانَ لِأصْنافِ العامِلِينَ أُجُورٌ، كَما هو المُتَعارَفُ، فَهَذا نِعْمَ الأجْرُ لِعامِلٍ.

Aal-i-Imraan 3:136Listen in Qur'an →
137

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌۭ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةَ المُكَذِّبِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ: تَمْهِيدٌ لِإعادَةِ الكَلامِ عَلى ما كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، وما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ، كَما عَلِمْتَ آنِفًا، وهَذا مُقَدِّمَةُ التَّسْلِيَةِ والبِشارَةِ الآتِيَتَيْنِ. ابْتُدِئَتْ هاتِهِ المُقَدِّمَةُ بِحَقِيقَةٍ تارِيخِيَّةٍ: وهي الِاعْتِبارُ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ.

صفحة ٩٦

وجِيءَ بِقَدْ، الدّالَّةِ عَلى تَأْكِيدِ الخَبَرِ، تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ لَمّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنِ انْكِسارِ الخَواطِرِ مِن جَرّاءِ الهَزِيمَةِ الحاصِلَةِ لَهم مِنَ المُشْرِكِينَ، مَعَ أنَّهم يُقاتِلُونَ لِنَصْرِ دِينِ اللَّهِ، وبَعْدَ أنْ ذاقُوا حَلاوَةَ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهم أنَّ اللَّهَ جَعَلَ سُنَّةَ هَذا العالَمِ أنْ تَكُونَ الأحْوالُ فِيهِ سِجالًا ومُداوَلَةً، وذَكَّرَهم بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَقالَ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ . واللَّهُ قادِرٌ عَلى نَصْرِهِمْ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لِئَلّا يَغْتَرَّ مَن يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَحْسَبُ أنَّ النَّصْرَ حَلِيفُهم. ومَعْنى خَلَتْ مَضَتْ وانْقَرَضَتْ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .

والسُّنَنُ جَمْعُ سُنَّةٍ - بِضَمِّ السِّينِ - وهي السِّيرَةُ مِنَ العَمَلِ أوِ الخُلُقِ الَّذِي يُلازِمُ صُدُورَ العَمَلِ عَلى مِثالِها قالَ لَبِيدٌ:

مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها

وقالَ خالِدٌ الهُذَلِيُّ يُخاطِبُ أبا ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيَّ:

فَلا تَجْزَعَنْ مِن سُنَّةٍ أنْتَ سُرَّتُها ∗∗∗ فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها

وقَدْ تَرَدَّدَ اعْتِبارُ أيِّمَةِ اللُّغَةِ إيّاها اسْمًا جامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ، أوِ اسْمَ مَصْدَرِ سَنَّ، إذْ لَمْ يَرِدْ في كَلامِ العَرَبِ السَّنُ بِمَعْنى وضْعِ السُّنَّةِ، وفي الكَشّافِ في قَوْلِهِ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] في سُورَةِ الأحْزابِ: سُنَّةَ اللَّهِ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ تُرْبًا وجَنْدَلا، ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ أُقِيمَ مَقامَ المَصْدَرِ كَما أُقِيمَ تُرْبًا وجَنْدَلًا مَقامَ تَبًّا وسُحْقًا في النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، الَّتِي هي مِن شَأْنِ المَصادِرِ، وأنَّ المَعْنى تُرابٌ لَهُ وجَنْدَلٌ لَهُ أيْ حُصِبَ بِتُرابٍ ورُجِمَ بِجَنْدَلٍ. ويَظْهَرُ أنَّهُ مُخْتارُ صاحِبِ القامُوسِ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في مادَّةِ سَنَّ ما يَقْتَضِي أنَّ السُّنَّةَ اسْمُ المَصْدَرِ، ولا أتى بِها عَقِبَ فِعْلِ سَنَّ، ولا ذَكَرَ مَصْدَرًا لِفِعْلِ سَنَّ. وعَلى هَذا يَكُونُ فِعْلُ سَنَّ هو المُشْتَقُّ مِنَ السُّنَّةِ اشْتِقاقَ الأفْعالِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ، وهو اشْتِقاقٌ نادِرٌ. والجارِي بِكَثْرَةٍ عَلى ألْسِنَةِ المُفَسِّرِينَ والمُعَبِّرِينَ: أنَّ السُّنَّةَ اسْمُ مَصْدَرِ سَنَّ ولَمْ يَذْكُرُوا لِفِعْلِ سَنَّ مَصْدَرًا

صفحة ٩٧

قِياسِيًّا. وفي القُرْآنِ إطْلاقُ السُّنَّةِ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرًا ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] وفَسَّرُوا السُّنَنَ هُنا بِسُنَنِ اللَّهِ في الأُمَمِ الماضِيَةِ.

والمَعْنى: قَدْ مَضَتْ مِن قَبْلِكم أحْوالٌ لِلْأُمَمِ، جارِيَةٌ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ، هي عادَةُ اللَّهِ في الخَلْقِ، وهي أنَّ قُوَّةَ الظّالِمِينَ وعُتُوَّهم عَلى الضُّعَفاءِ أمْرٌ زائِلٌ، والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ المُحِقِّينَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ …

Aal-i-Imraan 3:137Listen in Qur'an →
138

هَٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ وَهُدًۭى وَمَوْعِظَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ

This [Qur'an] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allah.

﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .

تَذْيِيلٌ يَعُمُّ المُخاطَبِينَ الحاضِرِينَ ومَن يَجِيءُ بَعْدَهم مِنَ الأجْيالِ، والإشارَةُ إمّا إلى ما تَقَدَّمَ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، وإمّا إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ عِنْدَ تِلاوَةِ الآيَةِ وهو القُرْآنُ.

صفحة ٩٨

والبَيانُ: الإيضاحُ وكَشْفُ الحَقائِقِ الواقِعَةِ. والهُدى: الإرْشادُ إلى ما فِيهِ خَيْرُ النّاسِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ. والمَوْعِظَةُ: التَّحْذِيرُ والتَّخْوِيفُ. فَإنْ جَعَلْتَ الإشارَةَ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] الآيَةَ فَإنَّها بَيانٌ لِما غَفَلُوا عَنْهُ مِن عَدَمِ التَّلازُمِ بَيْنَ النَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، ولا بَيْنَ الهَزِيمَةِ وسُوءِ العاقِبَةِ، وهي هُدًى لَهم لِيَنْتَزِعُوا المُسَبَّباتِ مِن أسْبابِها، فَإنَّ سَبَبَ النَّجاحِ حَقًّا هو الصَّلاحُ والِاسْتِقامَةُ، وهي مَوْعِظَةٌ لَهم لِيَحْذَرُوا الفَسادَ ولا يَغْتَرُّوا كَما اغْتَرَّ عادٌ إذْ قالُوا ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .

Aal-i-Imraan 3:138Listen in Qur'an →
139

وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قَوْلُهُ ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ نَهْيٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أسْبابِ الفَشَلِ. والوَهَنُ: الضَّعْفُ، وأصْلُهُ ضَعْفُ الذّاتِ: كالجِسْمِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤] والحَبْلُ في قَوْلِ زُهَيْرٍ:

فَأصْبَحَ الحَبْلُ مِنها واهِنًا خَلَقًا

وهُوَ هُنا مَجازٌ في خَوَرِ العَزِيمَةِ وضِعْفِ الإرادَةِ وانْقِلابِ الرَّجاءِ يَأْسًا، والشَّجاعَةِ جُبْنًا، واليَقِينِ شَكًّا، ولِذَلِكَ نُهُوا عَنْهُ. وأمّا الحُزْنُ فَهو شِدَّةُ الأسَفِ البالِغَةُ حَدَّ الكَآبَةِ والِانْكِسارِ. والوَهَنُ والحَزَنُ حالَتانِ لِلنَّفْسِ تَنْشَآنِ عَنِ اعْتِقادِ الخَيْبَةِ والرُّزْءِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما الِاسْتِسْلامُ وتَرْكُ المُقاوَمَةِ. فالنَّهْيُ عَنِ الوَهَنِ والحُزْنِ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ عَنْ سَبَبِهِما وهو الِاعْتِقادُ، كَما يُنْهى أحَدٌ عَنِ النِّسْيانِ، وكَما يُنْهى أحَدٌ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ في نَحْوِ لا أرَيَنَّ فُلانًا في مَوْضِعِ كَذا أيْ لا تَتْرُكْهُ يَحُلُّ فِيهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ عَلى هَذا النَّهْيِ قَوْلَهُ ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] إلَخْ. وعَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ، وهَذِهِ بِشارَةٌ لَهم بِالنَّصْرِ المُسْتَقْبَلِ، فالعُلُوُّ هُنا مَجازِيٌّ وهو عُلُوُّ المَنزِلَةِ.

صفحة ٩٩

والتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قُصِدَ بِهِ تَهْيِيجُ غَيْرَتِهِمْ عَلى الإيمانِ إذْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهم لَمّا لاحَ عَلَيْهِمُ الوَهَنُ والحَزَنُ مِنَ الغَلَبَةِ، كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن ضَعُفَ يَقِينُهُ فَقِيلَ لَهم: إنْ عَلِمْتُمْ مِن أنْفُسِكُمُ الإيمانَ، وجِيءَ بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي مِن شَأْنِها عَدَمُ تَحْقِيقِ شَرْطِها، إتْمامًا لِهَذا المَقْصِدِ.

Aal-i-Imraan 3:139Listen in Qur'an →
140

إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ

If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allah may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allah does not like the wrongdoers -

﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ .

تَسْلِيَةٌ عَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الهَزِيمَةِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ عَجِيبٍ في الحَرْبِ، إذْ لا يَخْلُو جَيْشٌ مِن أنْ يُغْلَبَ في بَعْضِ مَواقِعِ الحَرْبِ، وقَدْ سَبَقَ أنَّ العَدُوَّ غَلَبَ. والمَسُّ هُنا الإصابَةُ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] . والقَرْحُ بِفَتْحِ القافِ في لُغَةِ قُرَيْشٍ الجُرْحُ، وبِضَمِّها في لُغَةِ غَيْرِهِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ: بِضَمِّ القافِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ حَقِيقَتِهِ، بَلْ هو اسْتِعارَةٌ لِلْهَزِيمَةِ الَّتِي أصابَتْهم، فَإنَّ الهَزِيمَةَ تُشَبَّهُ بِالثُّلْمَةِ وبِالِانْكِسارِ، فَشُبِّهَتْ هُنا بِالقَرْحِ حِينَ يُصِيبُ الجَسَدَ، ولا يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ الحَقِيقَةُ لِأنَّ الجِراحَ الَّتِي تُصِيبُ الجَيْشَ لا يُعْبَأُ بِها إذا كانَ مَعَها النَّصْرُ، فَلا شَكَّ أنَّ التَّسْلِيَةَ وقَعَتْ عَمّا أصابَهم مِنَ الهَزِيمَةِ.

والقَوْمُ هم مُشْرِكُو مَكَّةَ ومَن مَعَهم.

والمَعْنى إنْ هُزِمْتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وكُنْتُمْ كَفافًا. ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ . والتَّعْبِيرُ عَمّا أصابَ المُسْلِمِينَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يَمْسَسْكم لِقُرْبِهِ مِن زَمَنِ الحالِ، وعَمّا أصابَ المُشْرِكِينَ بِصِيغَةِ الماضِي لِبُعْدِهِ لِأنَّهُ حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ.

فَقَوْلُهُ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ لَيْسَ هو جَوابَ الشَّرْطِ في المَعْنى ولَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أغْنى عَنْهُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، والمَعْنى: إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَلا تَحْزَنُوا أوْ فَلا تَهِنُوا وهُنا بِالشَّكِّ في وعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِ دِينِهِ إذْ قَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ

صفحة ١٠٠

فَلَمْ تَكُونُوا مَهْزُومِينَ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ كَفافًا، وذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ نَصْرٌ مُبِينٌ. وهَذِهِ المُقابَلَةُ بِما أصابَ العَدُوَّ يَوْمَ بَدْرٍ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَسْلِيَةً ولَيْسَ إعْلامًا بِالعُقُوبَةِ كَما قالَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَدْ سَألَ هِرَقْلُ أبا سُفْيانَ: فَقالَ هِرَقْلُ: وكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلى وتَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ.

وقَوْلُهُ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ الواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والإشارَةُ بِتِلْكَ إلى ما سَيُذْكَرُ بَعْدُ، فالإشارَةُ هُنا بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وهَذا الخَبَرُ مُكَنًّى بِهِ عَنْ تَعْلِيلٍ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجُمْلَةِ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ .

والأيّامُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَمْعَ يَوْمٍ مُرادٍ بِهِ يَوْمَ الحَرْبِ، كَقَوْلِهِمْ: يَوْمُ بَدْرٍ ويَوْمُ بُعاثٍ ويَوْمُ الشَّعْثَمَيْنِ، ومِنهُ أيّامُ العَرَبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى الزَّمانِ كَقَوْلِ طَرَفَةَ:

وما تَنْقُصُ الأيّامُ والدَّهْرُ يَنْفَدُ

أيِ الأزْمانُ.

والمُداوَلَةُ تَصْرِيفُها غَرِيبٌ إذْ هي مَصْدَرُ داوَلَ فُلانٌ الشَّيْءَ إذا جَعَلَهُ عِنْدَهُ دُولَةً ودُولَةً عِنْدَ الآخَرِ أيْ يُدَوِّلُهُ كُلٌّ مِنها أيْ يُلْزِمُهُ حَتّى يَشْتَهِرَ بِهِ، ومِنهُ دالَ يَدُولُ دَوْلًا اشْتَهَرَ، لِأنَّ المُلازِمَةَ تَقْتَضِي الشُّهْرَةَ بِالشَّيْءِ، فالتَّداوُلُ في الأصْلِ تَفاعُلٌ مِن دالَ، ويَكُونُ ذَلِكَ في الأشْياءِ والكَلامِ، يُقالُ: …

Aal-i-Imraan 3:140Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.