Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 121–130 of 200

121

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And [remember] when you, [O Muhammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uhud] - and Allah is Hearing and Knowing -

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢١ ] ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ أيْ: خَرَجْتَ: ﴿مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ﴾ أيْ: تُنَزِّلُ: ﴿المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ﴾ أيْ: أماكِنَ ومَراكِزَ يَقِفُونَ فِيها: ﴿لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ وعُلَماءُ المَغازِي إلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ، والسِّرُّ في سَوْقِ هَذِهِ الوَقْعَةِ الأُحُدِيَّةِ وإيلائِها البَدْرِيَّةِ، هُوَ تَقْرِيرُ ما سَبَقَ. فَإنَّ المُدَّعى فِيما قَبْلَها المَساءَةُ بِالحَسَنَةِ والمَسَرَّةُ بِالمُصِيبَةِ، وسُنَّةُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ في بابِ النَّصْرِ والمَعُونَةِ ودَفْعِ مَضارِّ العَدُوِّ، إذا هم صَبَرُوا واتَّقَوْا، والتَّغْيِيرُ إذا غَيَّرُوا. أيْ: اذْكُرْ لَهم ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ مِن أحْوالِكم الماضِيَةِ حِينَ لَمْ يَصْبِرُوا في أُحُدٍ، فَأُصِيبُوا، وسَرَّتْ الأعْداءَ مُصِيبَتُكم، وحِينَ صَبَرُوا واتَّبَعُوا فَنُصِرُوا وساءَ العَدُوَّ نَصْرُهم. وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ ﷺ تَهْيِيجٌ لِغَيْرِهِ إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ واتِّباعِ الدَّلِيلِ، مِن غَيْرِ أدْنى وُقُوفٍ مَعَ المَأْلُوفِ كَذا يُسْتَفادُ مِن تَفْسِيرِ البِقاعِيِّ.

وهَذِهِ الآيَةُ هي افْتِتاحُ القِصَّةِ، وقَدْ أُنْزِلَ فِيها سِتُّونَ آيَةً، وأُشِيرَ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى بَعْضِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ الَّتِي في هَذِهِ الوَقْعَةِ، كَما سَيُذْكَرُ، وكانَتْ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ بِاتِّفاقِ الجُمْهُورِ، وكانَ سَبَبُها أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قُتِلَ أشْرافُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ، وأُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ لِمَ يُصابُوا بِمِثْلِها، ورَأسَ فِيهِمْ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ؛ لِذَهابِ أكابِرِهِمْ، وجاءُوا إلى أطْرافِ المَدِينَةِ في غَزْوَةِ السَّوِيقِ، ولَمْ يَنَلْ ما في نَفْسِهِ، أخَذَ يُؤَلِّبُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى المُسْلِمِينَ، ويَجْمَعُ الجُمُوعَ قَرِيبًا مِن ثَلاثَةِ آلافٍ مِن قُرَيْشٍ والحُلَفاءِ والأحابِيشِ. وجاءُوا بِنِسائِهِمْ لِئَلّا يَفِرُّوا لِيُحامُوا عَنْهُنَّ، ثُمَّ أقْبَلَ بِهِمْ نَحْوَ المَدِينَةِ، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِن جَبَلِ أُحُدٍ، واسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ: أيَخْرُجُ إلَيْهِمْ أمْ يَمْكُثُ في المَدِينَةِ ؟ وكانَ رَأْيُهُ أنْ لا يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ. وأنْ يَتَحَصَّنُوا بِها، فَإنْ دَخَلُوها قاتَلَهم المُسْلِمُونَ عَلى أفْواهِ الأزِقَّةِ، والنِّساءُ مِن فَوْقِ البُيُوتِ، ووافَقَهُ عَلى هَذا الرَّأْيِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وكانَ هو الرَّأْيَ، فَبادَرَ جَماعَةٌ مِن فُضَلاءِ الصَّحابَةِ مِمَّنْ فاتَهُ الخُرُوجُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارُوا عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ، وألَحُّوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ، فَنَهَضَ ودَخَلَ بَيْتَهُ، ولَبِسَ لَأْمَتَهُ، وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وقَدْ انْثَنى عَزْمُ أُولَئِكَ المُلِحِّينَ، وقالُوا: أكْرَهْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى الخُرُوجِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أحْبَبْتَ أنْ تَمْكُثَ في المَدِينَةِ فافْعَلْ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ، إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ، أنْ يَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ»» .

وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ألْفٍ مِن أصْحابِهِ، واسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى الصَّلاةِ بِبَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأى رُؤْيا وهو بِالمَدِينَةِ: رَأى أنَّ في سَيْفِهِ ثُلْمَةً، ورَأى أنَّ بَقَرًا تُذْبَحُ، وأنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في دِرْعٍ حَصِينَةٍ. فَتَأوَّلَ الثُّلْمَةَ في سَيْفِهِ: بِرَجُلٍ يُصابُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، …

Aal-i-Imraan 3:121Listen in Qur'an →
122

إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

When two parties among you were about to lose courage, but Allah was their ally; and upon Allah the believers should rely.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٢ ] ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكُمْ﴾ أيْ: بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوْسِ: ﴿أنْ تَفْشَلا﴾ أيْ: تَكْسَلا وتَجْبُنا وتَضْعُفا لِرُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ نَصْرِهِمْ ووِلايَتِهِمْ، فَعَصَمَهُما اللَّهُ، فَمَضَيا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ ناصِرُهُما، ومُتَوَلِّي أمْرِهِما، فَأمَدَّهُما بِالتَّوْفِيقِ والعِصْمَةِ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ وحْدَهُ دُونَ ما عَداهُ اسْتِقْلالًا أوْ اشْتِراكًا: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، فَإنَّهُ حَسْـبُهم، والتَّوَكُّلُ: تَفَعُّلٌ مِن وكَلَ أمْرَهُ إلى فُلانٍ إذا اعْتَمَدَ في كِفايَتِهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَتَوَلَّهُ بِنَفْسِهِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَدْفَعَ الإنْسانُ ما يَعْرِضُ لَهُ مِن مَكْرُوهٍ وآفَةٍ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، وأنْ يَصْرِفَ الجَزَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ التَّوَكُّلِ. رَوى الشَّيْخانِ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: فِينا نَزَلَتْ: ﴿(إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما)﴾ - قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ: بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ، وما نُحِبُّ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾

أيْ لِفَرْطِ الِاسْتِبْشارِ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ الشَّرَفِ بِثَناءِ اللَّهِ تَعالى، وإنْزالِهِ فِيهِمْ آيَةً ناطِقَةً بِصِحَّةِ الوِلايَةِ. وإنَّ تِلْكَ الهِمَّةَ ما أخْرَجَتْهم عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى.

Aal-i-Imraan 3:122Listen in Qur'an →
123

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And already had Allah given you victory at [the battle of] Badr while you were few in number. Then fear Allah; perhaps you will be grateful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٣ ] ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ أُحُدٍ أتْبَعَها بِذِكْرِ قِصَّةِ بَدْرٍ. وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانُوا في غايَةِ الضَّعْفِ عَدَدًا وعُدَدًا، والكُفّارُ كانُوا في غايَةِ الشِّدَّةِ والقُوَّةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَصَرَ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ، فَصارَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ ثَمَرَةَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى والصَّبْرِ والتَّقْوى هو النَّصْرُ والمَعُونَةُ والتَّأْيِيدُ. و(بَدْرٌ) مَوْضِعٌ بَيْنَ الحَرَمَيْنِ، إلى المَدِينَةِ أقْرَبُ، يُقالُ هو مِنها عَلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ فَرْسَخًا. أوْ اسْمُ بِئْرٍ هُناكَ، حَفَرَها رَجُلٌ اسْمُهُ بَدْرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ: راجِينَ أنْ تَشْكُرُوا ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم بِتَقْواكم مِن نُصْرَتِهِ. وقَدْ أُشِيرَ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ، وكانَتْ في شَهْرِ رَمَضانَ، السَّنَةَ الثّانِيَةَ مِنَ الهِجْرَةِ. وكانَ سَـبَبُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَلَغَهُ أنَّ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيها أمْوالٌ عَظِيمَةٌ مُقْبِلَةٌ مِنَ الشّامِ إلى مَكَّةَ. مَعَها ثَلاثُونَ أوْ أرْبَعُونَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ، عَمِيدُهم أبُو سُفْيانَ، ومَعَهُ عَمْرُو بْنُ العاصِ، ومَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ.

فَنَدَبَ ﷺ إلى هَذِهِ العِيرِ. وأمَرَ مَن كانَ ظَهْرُهُ حاضِرًا بِالخُرُوجِ. ولَمْ يَحْتَفِلْ في الحَشْدِ، لِأنَّهُ لَمْ يَظُنَّ قِتالًا. وخَرَجَ مُسْرِعًا في ثَلاثِمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، لَمْ يَكُنْ مَعَهم مِنَ الخَيْلِ إلّا فَرَسانِ، وكانَ مَعَهم سَبْعُونَ بَعِيرًا يَتَعَقَّبُونَها. واتَّصَلَ خُرُوجُهُ بِأبِي سُفْيانَ، فاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الغِفارِيَّ، وبَعَثَهُ إلى أهْلِ مَكَّةَ يَسْتَنْفِرُهم لِعِيرِهِمْ. فَنَفَرُوا وأوْعَبُوا. وخَرَجَ ﷺ لِثَمانٍ خَلَوْنَ مِن رَمَضانَ، واسْتَخْلَفَ عَلى الصَّلاةِ عَمْرَو بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، ورَدَّ أبا لُبابَةَ مِنَ الرَّوْحاءِ واسْتَعْمَلَهُ عَلى المَدِينَةِ، ودَفَعَ اللِّواءَ إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، ودَفَعَ إلى عَلِيٍّ رايَةً، وإلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ رايَةً أُخْرى، يُقالُ: كانَتا سَوْداوَيْنِ. وجَعَلَ عَلى السّاقَةِ قَيْسَ بْنَ أبِي صَعْصَعَةَ. ورايَةُ الأنْصارِ يَوْمَئِذٍ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَسَلَكُوا نَقْبَ المَدِينَةِ إلى ذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ انْتَهَوْا إلى صُخَيْراتِ يَمامٍ، ثُمَّ إلى بِئْرِ الرَّوْحاءِ، ثُمَّ رَجَعُوا ذاتَ اليَمِينِ عَنْ الطَّرِيقِ إلى الصَّفْراءِ. وبَعَثَ ﷺ قَبْلَها بَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو وعَدِيَّ بْنَ أبِي الزَّغْباءِ إلى بَدْرٍ، يَتَجَسَّسانِ أخْبارَ أبِي سُفْيانَ وعِيرِهِ، ثُمَّ تَنَكَّبَ عَنْ الصَّفْراءِ يَمِينًا، وخَرَجَ عَلى وادِي دَقْرانَ، فَبَلَغَهُ خُرُوجُ قُرَيْشٍ ونَفِيرُهم، فاسْتَشارَ أصْحابَهُ، فَتَكَلَّمَ المُهاجِرُونَ، وأحْسَنُوا، وهو يُرِيدُ ما يَقُولُ الأنْصارُ، وفَهِمُوا ذَلِكَ، فَتَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وكانَ فِيما قالَ: لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ لَخُضْناهُ مَعَكَ، فَسِرْ بِنا يا رَسُولَ اللَّهِ عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ. فَسُرَّ بِذَلِكَ، وقالَ: «سِيرُوا وأبْشِرُوا، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ» .

ثُمَّ ارْتَحَلُوا مِن دَقْرانَ إلى قَرِيبٍ مِن بَدْرٍ، وبَعَثَ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ وسَعْدًا في نَفَرٍ يَلْتَمِسُونَ الخَبَرَ. فَأصابُوا غُلامَيْنِ لِقُرَيْشٍ، فَأتَوْا …

Aal-i-Imraan 3:123Listen in Qur'an →
124

إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٤ ] ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾

﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكُمْ﴾ لِتَقْوِيَتِكم ونَصْرِكم ودَفْعِ أعْدائِكم: ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْـزَلِينَ﴾ مِن سَمائِهِ لِقِتالِ أعْدائِهِ. وقَوْلُهُ:

Aal-i-Imraan 3:124Listen in Qur'an →
125

بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ

Yes, if you remain patient and conscious of Allah and the enemy come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٥ ] ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾

﴿بَلى﴾ إمّا مِن تَتِمَّةِ مَقُولِهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ ابْتِداءُ خِطابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَأْيِيدًا لِقَوْلِ نَبِيِّهِ وزِيادَةً عَلى ما وعَدَهم تَكَرُّمًا وفَضْلًا. أيْ: نَعَمْ يَكْفِيكم الإمْدادُ بِثَلاثَةِ آلافٍ، ولَكِنَّهُ يَزِيدُكم: ﴿إنْ تَصْبِرُوا﴾ عَلى قِتالِهِمْ: ﴿وتَتَّقُوا﴾ الفِرارَ عَنْهم: ﴿ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: ساعَتِهِمْ هَذِهِ فَلا تَنْزَعِجُوا بِمُفاجَأتِهِمْ: ﴿يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾ في حال إتْيانِهِمْ لا يَتَأخَّرُ نُزُولُهم عَنْ إتْيانِهِمْ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بِكَسْرِ الواوِ أيْ: مُعَلِّمِينَ أنْفُسَهم بِأداةِ الحَرْبِ عَلى عادَةِ الفُرْسانِ يَوْمَ اللِّقاءِ لِيُعْرَفُوا بِها. وقُرِئَ بِفَتْحِ الواوِ، أيْ: مُعَلَّمِينَ مِن قِبَلِهِ تَعالى. رَوى البُخارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ««هَذا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أداةٌ لِلْحَرْبِ»» .

تَنْبِيهٌ:

وفِي وعْدِهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالإمْدادِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَقُولُ﴾ [آل عمران: ١٢٤] وجْهانِ:

اَلْأوَّلُ: أنَّهُ كانَ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّ سِياقَ ما قَبْلُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] فَـ (إذْ) ظَرْفٌ لِـ (نَصَرَكم)، أيْ: نَصَرَكم وقْتَ قَوْلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدْ أظْهَرُوا العَجْزَ واسْتَغاثُوا رَبَّهم. فَإنْ قِيلَ: فَما الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى هَذا الوَجْهِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْفالِ في قِصَّةِ بَدْرٍ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]

فالجَوابُ: أنَّ التَّنْصِيصَ عَلى الألِفِ هَهُنا لا يُنافِي الثَّلاثَةَ آلافٍ فَما فَوْقَها، لِقَوْلِهِ (مُرْدِفِينَ) بِمَعْنى يُرْدِفُهم غَيْرُهم، ويَتْبَعُهم أُلُوفٌ أُخَرُ مِثْلُهم، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا اسْتَغاثُوا أمَدَّهم بِألْفٍ ثُمَّ أمَدَّهم بِتَمامِ ثَلاثَةِ آلافٍ، ثُمَّ أمَدَّهم بِتَمامِ خَمْسَةِ آلافٍ لَمّا صَبَرُوا واتَّقَوْا، وكانَ هَذا التَّدْرِيجُ ومُتابَعَةُ الإمْدادِ أحْسَنَ مَوْقِعًا وأقْوى لِتَقْوِيَتِهِمْ، وأسْرِها مِن أنْ يَأْتِيَ مَرَّةً واحِدَةً، وهو بِمَنزِلَةِ مُتابَعَةِ الوَحْيِ، ونُزُولِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: أمَدَّ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِألْفٍ، ثُمَّ صارُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، ثُمَّ صارُوا خَمْسَةَ آلافٍ. ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ أنَّ سِياقَ بَدْرٍ في الأنْفالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] الآياتُ شَبِيهَةٌ بِهَذا السِّياقِ هُنا، كَما يَذُوقُهُ مَن تَدَبَّرَهُ.

اَلْوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا الوَعْدَ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَإنَّ القِصَّةَ في سِياقِ أُحُدٍ، وإنَّما أُدْخِلَ ذِكْرُ بَدْرٍ اعْتِراضًا في أثْنائِها؛ لِيُذَكِّرَهم بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، لَمّا نَصَرَهم بِبَدْرٍ وهم أذِلَّةٌ، وإنَّهُ كَذَلِكَ هو قادِرٌ عَلى نَصْرِهِمْ في سائِرِ المَواطِنِ. ثُمَّ عادَ إلى قِصَّةِ أُحُدٍ، وأخْبَرَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِهِ لَهم: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٤] الآيَةُ. ثُمَّ وعَدَهم أنَّهم إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا أمَدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ. فَهَذا مِن قَوْلِ رَسُولِهِ، والإمْدادُ الَّذِي بِبَدْرٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى، وهَذا بِخَمْسَةِ آلافٍ. وإمْدادُ بَدْرٍ بِألْفٍ، وهَذا مُعَلَّقٌ …

Aal-i-Imraan 3:125Listen in Qur'an →
126

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ

And Allah made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allah, the Exalted in Might, the Wise -

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٦ ] ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى لَكُمْ﴾ أيْ: ما جُعِلَ الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ، فَتَزْدادَ قُوَّةُ قُلُوبِكم وشَجاعَتِكم ونَجْدَتِكم ونَشاطِكم: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ أيْ: تَسْكُنَ: ﴿قُلُوبُكم بِهِ﴾ أيْ: فَلا تَجْزَعُ مِن كَثْرَةِ عَدُوِّكم وقِلَّةِ عَدَدِكم: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وحْدَهُ، لا مِنَ المَلائِكَةِ ولا مِن غَيْرِهِمْ، فالأسْبابُ الظّاهِرَةُ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ، وفِيهِ تَوْثِيقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعَدَمُ إقْناطٍ مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ فِقْدانِ أسْبابِهِ وأماراتِهِ: ﴿العَزِيزِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يُغالَبُ في حُكْمِهِ: ﴿الحَكِيمِ﴾ الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ.

Aal-i-Imraan 3:126Listen in Qur'an →
127

لِيَقْطَعَ طَرَفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٧ ] ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: لِيُهْلِكَ ويُنْقِصَ طائِفَةً مِنهم بِالقَتْلِ والأسْرِ، كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، مِن قَتْلِ سَبْعِينَ وأسْرِ سَبْعِينَ مِنهم، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ، إمّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٢٣]

وما بَيْنَهُما تَحْقِيقٌ لِحَقِيقَتِهِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ - وإمّا بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] مِنَ الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ: ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أيْ: يُخْزِيَهم ويَغِيظَهم بِالهَزِيمَةِ تَقْوِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ أيْ: فَيَرْجِعُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ، وإنَّما أُوقِعَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في أثْناءِ الكَلامِ قَوْلُهُ:

Aal-i-Imraan 3:127Listen in Qur'an →
128

لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ

Not for you, [O Muhammad, but for Allah], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٨ ] ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اعْتِراضًا لِئَلّا يَغْفُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَرى لِنَفْسِهِ تَأْثِيرًا في بَعْضِ هَذِهِ الأُمُورِ، فَيَحْتَجِبَ عَنْ التَّوْحِيدِ، أيْ: لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ، كَيْفَما كانَ، ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مَأْمُورٌ بِالإنْذارِ. إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ - أفادَهُ القاشانِيُّ - وفي الِاعْتِراضِ تَخْفِيفٌ مِن حُزْنِهِ لِكُفْرِهِمْ، وحِرْصِهِ عَلى هُداهم، كَما قالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِمّا هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ فَيَهْدِيهِمْ لِلْإسْلامِ بَعْدَ الضَّلالَةِ: ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى العِنادِ.

رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا أرادَ أنْ يَدْعُوَ عَلى أحَدٍ أوْ يَدْعُوَ لِأحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّما قالَ، إذا قالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ: «اللَّهُمَّ ! رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ، اللَّهُمَّ ! أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ ! اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ واجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» يَجْهَرُ بِذَلِكَ،» وكانَ يَقُولُ في بَعْضِ صَلاتِهِ في صَلاةِ الفَجْرِ: ««اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا» لِأحْياءٍ مِنَ العَرَبِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَةُ».

وقَدْ أسْنَدَ ما عَلَّقَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ في الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا وفُلانًا» . بَعْدَ ما يَقُولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَةُ،» ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا ولَفْظُهُ: ««اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا وفُلانًا، اللَّهُمَّ العَنْ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ» . فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ».

وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنا حُمَيْدٌ، عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وشُجَّ في جَبْهَتِهِ حَتّى سالَ الدَّمُ عَلى وجْهِهِ، فَقالَ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ وهو يَدْعُوهم إلى رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ -»، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ -» انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ. ورَواهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا. وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في مُقَدِّمَةِ التَّفْسِيرِ تَحْقِيقُ مَعْنى سَبَبِ النُّزُولِ، وأنَّ الآيَةَ قَدْ تُذْكَرُ اسْتِشْهادًا في مَقامٍ، لِكَوْنِها مِمّا تَشْمَلُهُ. فَيُطْلِقُ الرّاوِي عَلَيْها النُّزُولَ فِيهِ، ولا يَكُونُ قَصْدُهُ أنَّ هَذا كانَ سَبَبًا لِنُزُولِها، والحِكْمَةُ في مَنعِهِ ﷺ مِنَ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ ظَهَرَتْ مِن تَوْبَتِهِمْ أخِيرًا، والإلْحاحُ في الدُّعاءِ مَظِنَّةُ الإجابَةِ، ولا سِيَّما مِن أشْرَفِ خَلْقِهِ. فاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ …

Aal-i-Imraan 3:128Listen in Qur'an →
129

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allah is Forgiving and Merciful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٩ ] ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أيْ: لَهُ ما فِيهِما مُلْكًا وأمْرًا: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ فَيَحْكُمُ في خَلْقِهِ بِما يَشاءُ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ: (يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ)، مَعَ زِيادَةٍ. وفي تَخْصِيصِ التَّذْيِيلِ بِهِ دُونَ قَرِينَةٍ، مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ - .

Aal-i-Imraan 3:129Listen in Qur'an →
130

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَٰفًۭا مُّضَٰعَفَةًۭ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allah that you may be successful.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٣٠ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ هَذا نَهْيٌ عَنْ الرِّبا مَعَ التَّوْبِيخِ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِن تَضْعِيفِهِ، كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا بَلَغَ الدَّيْنُ مَحِلَّهُ يَقُولُ: إمّا أنْ تَقْضِيَ حَقِّي أوْ تُرْبِيَ وأزِيدُ في الأجَلِ. وفي نِدائِهِمْ بِاسْمِ (الإيمانِ)؛ إشْعارٌ بِأنَّ مِن مُقْتَضى الإيمانِ وتَصْدِيقِهِ تَرْكَ الرِّبا. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْهُ ما يُرَوِّعُ مَن لَهُ أدْنى تَقْوى. ويُوجِبُ لِمَن لَمْ يَتْرُكْهُ وما يُقارِبُهُ الضَّمانُ بِالخِذْلانِ في كُلِّ زَمانٍ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] وقَوْلُهُ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ أيْ: زِياداتٌ مُتَكَرِّرَةٌ، ولَيْسَتْ لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِهِ، لِما هو مَعْلُومٌ مِن تَحْرِيمِهِ عَلى كُلِّ حالٍ، بَلْ لِمُراعاةِ عادَتِهِمْ كَما بَيَّنّا. ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الرِّبا. وقُرِئَ (مُضَعَّفَةً): ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما تُنْهَوْنَ عَنْهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِإيفاءِ حُقُوقِكم وصَوْنِكم عَنْ أعْدائِكم، كَما صُنْتُمْ حُقُوقَ الأشْياءِ. ومِمّا يُعْلَمُ بِهِ حِكْمَةُ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ في سِلْكِ قِصَّةِ أُحُدٍ، ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ عَمْرَو بْنَ أُقَيْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ لَهُ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ، فَكَرِهَ أنْ يُسْلِمَ حَتّى يَأْخُذَهُ، فَجاءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقالَ: أيْنَ بَنُو عَمِّي ؟ قالُوا: بِأُحُدٍ. قالَ: أيْنَ فُلانٌ ؟ قالُوا: بِأُحُدٍ، قالَ: فَأيْنَ فُلانٌ؟ قالُوا: بِأُحُدٍ. فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، ورَكِبَ فَرَسَهُ ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهم. فَلَمّا رَآهُ المُسْلِمُونَ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا يا عَمْرُو ! قالَ: إنِّي قَدْ آمَنتُ، فَقاتَلَ حَتّى جُرِحَ، فَحُمِلَ إلى أهْلِهِ جَرِيحًا، فَجاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ لِأُخْتِهِ: سَلِيهِ: حَمِيَّةً لِقَوْمِكَ وغَضَبًا لَهم أمْ غَضَبًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ؟ فَقالَ: بَلْ غَضَبًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَسُولِهِ ﷺ . فَماتَ، فَدَخَلَ الجَنَّةَ، وما صَلّى لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - صَلاةً.

قالَ الدِّينَوَرِيُّ: وكانَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: حَدِّثُونِي عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الجَنَّةَ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ ! فَيَسْكُتُ النّاسُ، فَيَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: هو أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ.

وعِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ: فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ««إنَّهُ لَمِن أهْلِ الجَنَّةِ»»، فَهَذا مُلَخَّصُ ما أوْرَدَهُ البِقاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - .

Aal-i-Imraan 3:130Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.