وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
And [remember] when you, [O Muhammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uhud] - and Allah is Hearing and Knowing -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّهم عَلى سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ في بابِ النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ ودَفْعِ مَضارِّ العَدُوِّ إذا هم صَبَرُوا واتَّقَوْا، وخِلافُ ذَلِكَ فِيهِمْ إذا لَمْ
صفحة ١٧٩
يَصْبِرُوا فَقالَ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ يَعْنِي أنَّهم يَوْمَ أُحُدٍ كانُوا كَثِيرِينَ لِلْقِتالِ، فَلَمّا خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ انْهَزَمُوا، ويَوْمَ بَدْرٍ كانُوا قَلِيلِينَ غَيْرَ مُسْتَعِدِّينَ لِلْقِتالِ فَلَمّا أطاعُوا أمْرَ الرَّسُولِ غَلَبُوا واسْتَوْلَوْا عَلى خُصُومِهِمْ، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ قَوْلَنا، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الِانْكِسارَ يَوْمَ أُحُدٍ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ تَخَلُّفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ المُنافِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ اتِّخاذُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِطانَةً وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ الأوَّلُ: تَقْدِيرُهُ واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا كَلامٌ مَعْطُوفٌ بِالواوِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] يَقُولُ: قَدْ كانَ لَكم في نَصْرِ اللَّهِ تِلْكَ الطّائِفَةَ القَلِيلَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الطّائِفَةِ الكَثِيرَةِ مِنَ الكافِرِينَ مَوْضِعُ اعْتِبارٍ لِتَعْرِفُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ ناصِرُ المُؤْمِنِينَ، وكانَ لَهم مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ إذْ غَدا الرَّسُولُ ﷺ يُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ. والثّالِثُ: العامِلُ فِيهِ مُحِيطٌ: تَقْدِيرُهُ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ إذْ غَدَوْتَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذا اليَوْمَ أيُّ يَوْمٍ هو ؟ فالأكْثَرُونَ: أنَّهُ يَوْمُ أُحُدٍ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ إسْحاقَ والرَّبِيعِ والأصَمِّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقِيلَ: إنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقِيلَ إنَّهُ يَوْمُ الأحْزابِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ومُقاتِلٍ، حُجَّةُ مَن قالَ هَذا اليَوْمُ هو يَوْمُ أُحُدٍ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ بِالمَغازِي زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] والظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، ومِن حَقِّ المَعْطُوفِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأمّا يَوْمُ الأحْزابِ، فالقَوْمُ إنَّما خالَفُوا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ لا يَوْمَ الأحْزابِ، فَكانَتْ قِصَّةُ أُحُدٍ ألْيَقَ بِهَذا الكَلامِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ تَقْرِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ فَثَبَتَ أنَّ هَذا اليَوْمَ هو يَوْمُ أُحُدٍ. الثّالِثُ: أنَّ الِانْكِسارَ واسْتِيلاءَ العَدُوِّ كانَ في يَوْمِ أُحُدٍ أكْثَرَ مِنهُ في يَوْمِ الأحْزابِ لِأنَّ في يَوْمِ أُحُدٍ قَتَلُوا جَمْعًا كَثِيرًا مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ يَوْمَ الأحْزابِ فَكانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى يَوْمِ أُحُدٍ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ …