وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
And [remember] when you, [O Muhammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uhud] - and Allah is Hearing and Knowing -
اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٢١ ] ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ أيْ: خَرَجْتَ: ﴿مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ﴾ أيْ: تُنَزِّلُ: ﴿المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ﴾ أيْ: أماكِنَ ومَراكِزَ يَقِفُونَ فِيها: ﴿لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ وعُلَماءُ المَغازِي إلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في وقْعَةِ أُحُدٍ، والسِّرُّ في سَوْقِ هَذِهِ الوَقْعَةِ الأُحُدِيَّةِ وإيلائِها البَدْرِيَّةِ، هُوَ تَقْرِيرُ ما سَبَقَ. فَإنَّ المُدَّعى فِيما قَبْلَها المَساءَةُ بِالحَسَنَةِ والمَسَرَّةُ بِالمُصِيبَةِ، وسُنَّةُ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ في بابِ النَّصْرِ والمَعُونَةِ ودَفْعِ مَضارِّ العَدُوِّ، إذا هم صَبَرُوا واتَّقَوْا، والتَّغْيِيرُ إذا غَيَّرُوا. أيْ: اذْكُرْ لَهم ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ مِن أحْوالِكم الماضِيَةِ حِينَ لَمْ يَصْبِرُوا في أُحُدٍ، فَأُصِيبُوا، وسَرَّتْ الأعْداءَ مُصِيبَتُكم، وحِينَ صَبَرُوا واتَّبَعُوا فَنُصِرُوا وساءَ العَدُوَّ نَصْرُهم. وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِ ﷺ تَهْيِيجٌ لِغَيْرِهِ إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ واتِّباعِ الدَّلِيلِ، مِن غَيْرِ أدْنى وُقُوفٍ مَعَ المَأْلُوفِ كَذا يُسْتَفادُ مِن تَفْسِيرِ البِقاعِيِّ.
وهَذِهِ الآيَةُ هي افْتِتاحُ القِصَّةِ، وقَدْ أُنْزِلَ فِيها سِتُّونَ آيَةً، وأُشِيرَ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى بَعْضِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ الَّتِي في هَذِهِ الوَقْعَةِ، كَما سَيُذْكَرُ، وكانَتْ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ بِاتِّفاقِ الجُمْهُورِ، وكانَ سَبَبُها أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قُتِلَ أشْرافُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ، وأُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ لِمَ يُصابُوا بِمِثْلِها، ورَأسَ فِيهِمْ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ؛ لِذَهابِ أكابِرِهِمْ، وجاءُوا إلى أطْرافِ المَدِينَةِ في غَزْوَةِ السَّوِيقِ، ولَمْ يَنَلْ ما في نَفْسِهِ، أخَذَ يُؤَلِّبُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلى المُسْلِمِينَ، ويَجْمَعُ الجُمُوعَ قَرِيبًا مِن ثَلاثَةِ آلافٍ مِن قُرَيْشٍ والحُلَفاءِ والأحابِيشِ. وجاءُوا بِنِسائِهِمْ لِئَلّا يَفِرُّوا لِيُحامُوا عَنْهُنَّ، ثُمَّ أقْبَلَ بِهِمْ نَحْوَ المَدِينَةِ، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِن جَبَلِ أُحُدٍ، واسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ: أيَخْرُجُ إلَيْهِمْ أمْ يَمْكُثُ في المَدِينَةِ ؟ وكانَ رَأْيُهُ أنْ لا يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ. وأنْ يَتَحَصَّنُوا بِها، فَإنْ دَخَلُوها قاتَلَهم المُسْلِمُونَ عَلى أفْواهِ الأزِقَّةِ، والنِّساءُ مِن فَوْقِ البُيُوتِ، ووافَقَهُ عَلى هَذا الرَّأْيِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وكانَ هو الرَّأْيَ، فَبادَرَ جَماعَةٌ مِن فُضَلاءِ الصَّحابَةِ مِمَّنْ فاتَهُ الخُرُوجُ يَوْمَ بَدْرٍ، وأشارُوا عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ، وألَحُّوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ، فَنَهَضَ ودَخَلَ بَيْتَهُ، ولَبِسَ لَأْمَتَهُ، وخَرَجَ عَلَيْهِمْ وقَدْ انْثَنى عَزْمُ أُولَئِكَ المُلِحِّينَ، وقالُوا: أكْرَهْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى الخُرُوجِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أحْبَبْتَ أنْ تَمْكُثَ في المَدِينَةِ فافْعَلْ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ، إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ، أنْ يَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ»» .
وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ألْفٍ مِن أصْحابِهِ، واسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى الصَّلاةِ بِبَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأى رُؤْيا وهو بِالمَدِينَةِ: رَأى أنَّ في سَيْفِهِ ثُلْمَةً، ورَأى أنَّ بَقَرًا تُذْبَحُ، وأنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في دِرْعٍ حَصِينَةٍ. فَتَأوَّلَ الثُّلْمَةَ في سَيْفِهِ: بِرَجُلٍ يُصابُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، …