Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 121–130 of 200

121

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And [remember] when you, [O Muhammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uhud] - and Allah is Hearing and Knowing -

ولَمّا كانَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الإخْبارِ؛ ومِنَ الوَعْدِ؛ ومِنَ الوَعِيدِ؛ مَنطُوقًا؛ ومَفْهُومًا؛ مُحْتاجًا إلى الِاجْتِلاءِ في صُوَرِ الجُزْئِيّاتِ ذَكَّرَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالوَقائِعِ الَّتِي شُوهِدَتْ فِيها أحْوالُهم مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ العَمَلِ بِمَنطُوقِ الوَعْدِ؛ مِنَ الصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ وعَدَمِهِ عِنْدَ العَمَلِ بِالمَفْهُومِ؛ وشُوهِدَتْ فِيها أحْوالُ عَدُوِّهِمْ مِنَ المَساءَةِ عِنْدَ السُّرُورِ؛ والسُّرُورِ عِنْدَ المَساءَةِ؛ وذَلِكَ غَنِيٌّ عَنْ دَلِيلٍ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ المُشاهَداتِ؛ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِواوِ العَطْفِ؛ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ؛ مُخاطِبًا لِأعْظَمِ عِبادِهِ فِطْنَةً؛ وأقْرَبِهِمْ إلَيْهِ رُتْبَةً؛ تَهْيِيجًا لِغَيْرِهِ إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ؛ واتِّباعِ الدَّلِيلِ؛ مِن غَيْرِ أدْنى وُقُوفٍ مَعَ المَأْلُوفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذْ﴾؛ أيْ: ”اذْكُرْ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ مِن أحْوالِكُمُ الماضِيَةِ؛ حِينَ صَبَرْتُمْ؛ واتَّقَيْتُمْ فَنُصِرْتُمْ؛ وحِينَ ساءَهم نَصْرُكم في كُلِّ ذَلِكَ؛ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إلى“نَخْلَةَ”؛ ثُمَّ في“بَدْرٍ”؛ ثُمَّ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعٍ“؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ”واذْكُرْ إذْ لَمْ يَصْبِرْ أصْحابُكَ؛ فَأُصِيبُوا؛ وإذْ سَرَّتْهم مُصِيبَتُكم في وقْعَةِ“أُحُدٍ”؛ إذْ ﴿غَدَوْتَ﴾؛ أيْ: يا خاتَمَ الأنْبِياءِ؛ وأكْرَمَ المُرْسَلِينَ؛ ﴿مِن أهْلِكَ﴾؛ أيْ: بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ؛ صَبِيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ إلى أصْحابِكَ في مَسْجِدِكَ؛ لِتَسْتَشِيرَهم في أمْرِ المُشْرِكِينَ؛ وقَدْ نَزَلُوا بِـ“أُحُدٍ”؛ في أواخِرِ يَوْمِ الأرْبِعاءِ؛ أوْ في يَوْمِ الخَمِيسِ؛ لِقِتالِكُمْ“؛ وبَنى مِن ”غَدَوْتَ“؛ حالًا؛ إعْلامًا بِأنَّ الشُّرُوعَ في السَّبَبِ؛ شُرُوعُ في مُسَبِّبِهِ؛ فَقالَ: ﴿تُبَوِّئُ﴾؛ أيْ: تُنْزِلُ؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: صَبِيحَةَ يَوْمِ السَّبْتِ؛ وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَقاعِدَ﴾؛ إشارَةً إلى أنَّهُ ﷺ تَقَدَّمَ إلى كُلِّ أحَدٍ بِالثَّباتِ في مَرْكَزِهِ؛ وأوْعَزَ إلَيْهِ في ألّا يَفْعَلَ شَيْئًا إلّا بِأمْرِهِ؛ لا سِيَّما الرُّماةَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿لِلْقِتالِ﴾

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”وتَتَقَدَّمُ إلَيْهِمْ بِأبْلَغِ مَقالٍ في تَشْدِيدِ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ“؛ أشارَ (تَعالى) إلى أنَّهُ وقَعَ في غُضُونِ ذَلِكَ مِنهُ؛ ومِنهم كَلامٌ كَثِيرٌ؛ خَفِيٌّ؛ وجَلِيٌّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي أنْتُمْ في طاعَتِهِ؛ ﴿سَمِيعٌ﴾؛ أيْ: لِأقْوالِكُمْ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بِنِيّاتِكم في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ فاحْذَرُوهُ؛ ولَعَلَّهُ خَصَّ النَّبِيَّ ﷺ بِلَذِيذِ الخِطابِ في التَّذْكِيرِ؛ تَحْرِيضًا لَهُمْ؛ مَعَ ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ؛ عَلى المُراقَبَةِ؛ تَعْرِيضًا لَهم بِأنَّهم خَفُّوا مَعَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ؛ أمْرَ بُعاثٍ؛ حَتّى تَواثَبُوا حِينَ تَغاضَبُوا إلى السِّلاحِ - كَما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] -؛ فَوَقَفُوا عَنْ نافِذِ الفَهْمِ؛ وصافِي الفِكْرِ؛ خِفَّةً إلى ما أرادَ بِهِمْ عَدُوُّهُمْ؛ فاقْتَضى هَذا التَّحْذِيرَ كُلَّهُ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ إقْبالُهُ في الخِطابِ عَلَيْهِمْ؛ عِنْدَ نِسْبَةِ الفَشَلِ إلَيْهِمْ - كَما يَأْتِي قَرِيبًا -؛ ولَعَلَّهُ إنَّما خَصَّ هَذِهِ الغَزْوَةَ بِالذِّكْرِ؛ دُونَ ما ذَكَرْتُ؛ أنَّ واوَ عَطْفِها دَلَّتْ عَلَيْهِ مِمّا أُيِّدُوا فِيهِ بِالنَّصْرِ؛ لِأنَّ الشَّماتَةَ بِالمُصِيبَةِ أدَلُّ عَلى البَغْضاءِ؛ والعَداوَةِ؛ مِنَ الحُزْنِ بِما يَسُرُّ؛ …

Aal-i-Imraan 3:121Listen in Qur'an →
122

إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

When two parties among you were about to lose courage, but Allah was their ally; and upon Allah the believers should rely.

ولَمّا كانَ رُجُوعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ - كَما يَأْتِي في صَرِيحِ الذِّكْرِ آخِرَ القِصَّةِ - مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ؛ فَضْلًا عَنِ المُصارِحِينَ بِالمُصارَمَةِ؛ مُتَّصِفُونَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُمْ؛ مِنَ العَداوَةِ؛ والبَغْضاءِ؛ مَعَ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في هَمِّ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ بِالفَشَلِ؛ كانَ إيلاءُ هَذِهِ القِصَّةِ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةِ السُّوءِ؛ الَّذِينَ لا يَقْصُرُونَ عَنْ فَسادٍ في غايَةِ المُناسَبَةِ؛ ولِذَلِكَ افْتَتَحَها - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن: ”إذْ غَدَوْتَ“؛ دَلِيلًا عَلى ما قَبْلَهُ؛ مِن أنَّ بِطانَةَ السُّوءِ لا تَأْلُوهم خَبالًا؛ وغَيْرِ ذَلِكَ -: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ﴾؛ وكانا جَناحَيِ العَسْكَرِ؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: بَنُو سَلَمَةَ؛ مِنَ الخَزْرَجِ؛ وبَنُو حارِثَةَ؛ مِنَ الأوْسِ؛ ﴿أنْ تَفْشَلا﴾؛ أيْ: تَكْسَلا؛ وتَراخَيا؛ وتَضْعُفا؛ وتَجْبُنا؛ لِرُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ نَصْرِهِمْ ووِلايَتِهِمْ؛ فَتَرْجِعا كَما رَجَعَ المُنافِقُونَ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: ”والحالُ أنَّ ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿ولِيُّهُما﴾؛ وناصِرُهُما؛ لِأنَّهُما مُؤْمِنَتانِ؛ فَلا يَتَأتّى وُقُوعُ الفَشَلِ وتَحَقُّقُهُ مِنهُما لِذَلِكَ؛ فَلْيَتَوَكَّلا عَلَيْهِ وحْدَهُ؛ لِإيمانِهِما“؛ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”فالعَجَبُ مِنهُما؛ كَيْفَ تَعْتَمِدانِ عَلى غَيْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ لِتَضْعُفا بِخِذْلانِهِ؟“؛ و؛ الحالُ أنَّهُ؛ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ وحْدَهُ؛ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ صِفَةً لَهم ثابِتَةً؛ أجْمَعُونَ؛ لِيَنْصُرَهُمْ؛ لا عَلى كَثْرَةِ عَدَدٍ؛ ولا قُوَّةِ جَلَدٍ؛ والأحْسَنُ تَنْزِيلُ الآيَةِ عَلى الِاحْتِباكِ؛ ويَكُونُ أصْلُ نَظْمِها: ”واللَّهُ ولِيُّهُما؛ لِتَوَكُّلِهِما؛ وإيمانِهِما؛ فَلَمْ يُمْكِنِ الفَشَلُ مِنهُما؛ فَتَوَلَّوُا اللَّهَ؛ وتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِيَصُونَكم مِنَ الوَهْنِ؛ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ؛ لِيَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ“؛ فالأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ ثانِيًا دالٌّ عَلى وُجُودِهِ أوَّلًا؛ وإثْباتُ الوِلايَةِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الأمْرِ بِها ثانِيًا؛ وفي البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: فِينا نَزَلَتْ: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾؛ قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ: بَنُو حارِثَةَ؛ وبَنُو سَلَمَةَ؛ وما نُحِبُّ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾

Aal-i-Imraan 3:122Listen in Qur'an →
123

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And already had Allah given you victory at [the battle of] Badr while you were few in number. Then fear Allah; perhaps you will be grateful.

ولَمّا كانَ ظاهِرُ الحالِ فِيما أصابَ الكُفّارَ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ رُبَّما كانَ سَبَبًا في شَكِّ مَن لَمْ يُحَقِّقْ بَواطِنَ الأُمُورِ؛ ولا لَهُ أهْلِيَّةُ النُّفُوذِ في الدَّقائِقِ؛ مِن عَجائِبِ المَقْدُورِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]؛ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) نَصْرَهُ لَهم في غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ وهم في القِلَّةِ دُونَ ما هُمُ الآنَ بِكَثِيرٍ؛ مُشِيرًا لَهم إلى ما أثْمَرَهُ تَوَكُّلُهم مِنَ النَّصْرِ؛ وحالُهم إذْ ذاكَ حالُ الآيِسِ مِنهُ؛ ولِذَلِكَ كانُوا في غايَةِ الكَراهَةِ لِلِّقاءِ؛ بِخِلافِ ما كانُوا عَلَيْهِ في هَذِهِ الكَرَّةِ؛ حَثًّا عَلى مُلازَمَةِ التَّوَكُّلِ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ لا يَزالُ يُرِيهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ النَّصْرِ؛ ويُذِيقُ الكُفّارَ أضْعافَ ذَلِكَ الهَوانِ؛ حَتّى يُحِقَّ الحَقَّ؛ ويُبْطِلَ الباطِلَ؛ ويُظْهِرَ دِينَهُ؛ الإسْلامَ؛ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ نَصَرَهُ؛ وكَفاهُ؛ وإنْ كانَ قَلِيلًا؛ فَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ أوَّلَ النَّهارِ؛ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ حَيْثُ صَبَرْتُمْ؛ واتَّقَيْتُمْ بِطاعَتِكم لِلرَّسُولِ ﷺ في مُلازَمَةِ التَّعَبِ؛ والإقْبالِ عَلى الحَرْبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ بِما أمَرَكم بِهِ ﷺ؛ ولَمْ تَضُرَّكم قِلَّتُكُمْ؛ ولا ضَعْفُكم بِمَن رَجَعَ عَنْكم شَيْئًا“ -: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ﴿بِبَدْرٍ﴾؛ المُشارِ إلَيْها أوَّلَ السُّورَةِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ [آل عمران: ١٣]؛ لَمّا صَبَرْتُمْ؛ واتَّقَيْتُمْ.

ولَمّا كانُوا في عَدَدٍ يَسِيرٍ؛ أشارَ إلَيْهِ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ فَقالَ: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾؛ أيْ: فاذْكُرُوا ذَلِكَ؛ واجْعَلُوهُ نُصْبَ أعْيُنِكُمْ؛ لِيَنْفَعَكُمْ؛ وكانَ الإتْيانُ بِأمْرِ ”بَدْرٍ“؛ بَعْدَ آيَةِ الفَشَلِ المُخْتَتَمَةِ بِالحَثِّ عَلى التَّوَكُّلِ؛ في الغايَةِ مِن حُسْنِ النَّظْمِ؛ وهو دَلِيلٌ أيْضًا عَلى مَنطُوقِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]؛ كَما كانَ أمْرُ ”أُحُدٍ“؛ دَلِيلًا عَلى مَنطُوقِها؛ ومَفْهُومِها؛ مَعًا؛ دَلَّ عَلى مَنطُوقِها بِنَصْرِهِمْ أوَّلَ النَّهارِ؛ عِنْدَ صَبْرِهِمْ؛ وعَلى مَفْهُومِها بِإدالَةِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ؛ عِنْدَ فَشَلِهِمْ؛ آخِرَهُ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ عَلى أنَّكَ إذا أنْعَمْتَ التَّأمُّلَ في قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ مِنَ السِّيَرِ؛ وكُتُبِ الأخْبارِ؛ عَلِمْتَ أنَّ الظَّفَرَ فِيها ما كانَ إلّا لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ كَما سَيَأْتِي الخَبَرُ بِهِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]؛ فَإنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - هَزَمُوهم - كَما مَضى - في أوَّلِ النَّهارِ؛ حَتّى لَمْ يَبْقَ في عَسْكَرِهِمْ أحَدٌ؛ ولا بَقِيَ عِنْدَ نِسائِهِمْ حامٍ؛ فَلَمّا خالَفَ الرُّماةُ أمْرَهُ ﷺ وأقْبَلُوا عَلى الغَنِيمَةِ؛ أرادَ اللَّهُ تَأْدِيبَهُمْ؛ وتَعْرِيفَهم أنَّ نُصْرَتَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ غَيْرُ مُحْتاجَةٍ في الحَقِيقَةِ إلَيْهِمْ؛ حِينَ انْهَزَمُوا؛ حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم غَيْرُ نَفَرٍ يَسِيرٍ؛ ما يَبْلُغُونَ الخَمْسِينَ؛ والكُفّارُ ثَلاثَةُ آلافٍ؛ وخَيْلُهم مِائَتانِ؛ فاسْتَمَرَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في نُحُورِهِمْ؛ يُحاوِلُهُمْ؛ ويُصاوِلُهُمْ؛ يُرامُونَهُ مَرَّةً؛ ويُطاعِنُونَ أُخْرى؛ …

Aal-i-Imraan 3:123Listen in Qur'an →
124

إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى المُصِيبَةِ الَّتِي سَيَقُصُّ اللَّهُ كَثِيرًا مِنها؛ وهي مُسْتَوْفاةٌ في السِّيَرِ؛ كانَ أنْسَبَ مِن قَصِّها وبَيانِ ما اتَّفَقَ لَها - لِوَعْظِ مَن يَأْتِي - البَداءَةُ بِتَذْكِيرِ مَن باشَرَها بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ قَبْلَ وُقُوعِ القِتالِ؛ مِنَ النَّصْرِ المَشْرُوطِ بِالصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ الخَلَلَ مِن جِهَتِهِمْ أتى؛ ثُمَّ وعْظُهم بِالنَّهْيِ عَمّا مَنَعَهُمُ النَّصْرَ؛ والأمْرُ بِما يُحَصِّلُهُ لَهُمْ؛ كَما سَيَحُثُّهم عَلى ذَلِكَ بِما يَقُصُّ عَلَيْهِمْ مِن نَبَإ مَن قاتَلَ مَعَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُمْ؛ بِأنَّهم لَمّا أصابَهُمُ القَتْلُ لَمْ يَهِنُوا؛ وعَلِمُوا أنَّ الخَلَلَ مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَبادَرُوا إلى إصْلاحِهِ بِأفْعالِ المُتَّقِينَ؛ مِنَ الصَّبْرِ؛ والتَّضَرُّعِ؛ والإقْرارِ بِالذَّنْبِ؛ فَقالَ - مُبْدِلًا مِن: ”إذْ غَدَوْتَ“؛ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ؛ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ؛ حَثًّا عَلى النَّظَرِ في مَوارِدِهِ؛ ومَصادِرِهِ؛ والتَّدَبُّرِ لِأوائِلِهِ؛ وأواخِرِهِ -: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ شاوَرْتَهم في أمْرِ ”أُحُدٍ“ - وفي غِمارِهِمُ المُنافِقُونَ - لَمّا زُلْزِلُوا بِرُجُوعِ أكْثَرِ المُنافِقِينَ؛ حَتّى كادَ بَعْضُ الثّابِتِينَ أنْ يَرْجِعَ؛ ضَعْفًا؛ وجُبْنًا؛ مَعَ ما كانَ النَّبِيُّ ﷺ أخْبَرَهم بِهِ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا الَّتِي أوَّلَها بِذَبْحٍ يَكُونُ في أصْحابِهِ؛ لِيَكُونَ إقْدامُهم عَلى بَصِيرَةٍ؛ أوْ يَصُدَّهم ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ إلى العَدُوِّ؛ كَما كانَ مَيْلُ النَّبِيِّ ﷺ في أكْثَرِ أصْحابِهِ؛ وأعْلامِهِمْ؛ إلى المُكْثِ في المَدِينَةِ؛ قالَ مُنْكِرًا؛ آتِيًا بِأداةِ التَّأْكِيدِ؛ لِلنَّفْيِ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿أنْ يُمِدَّكُمْ﴾؛ إمْدادًا خَفِيًّا - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ؛ ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُتَوَلِّي لِتَرْبِيَتِكُمْ؛ ونَصْرِ دِينِكُمْ؛ ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ ثُمَّ عَظَّمَ أمْرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المَلائِكَةِ﴾؛ ثُمَّ زادَ في إعْظامِهِمْ بِأنَّهم مِنَ السَّماءِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُنْـزَلِينَ﴾؛

Aal-i-Imraan 3:124Listen in Qur'an →
125

بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ

Yes, if you remain patient and conscious of Allah and the enemy come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]

ثُمَّ تَوَلّى - سُبْحانَهُ وتَعالى - هو الجَوابَ عَنْهُمْ؛ تَحْقِيقًا لِلْكِفايَةِ؛ فَقالَ: ﴿بَلى﴾؛ أيْ: يَكْفِيكم ذَلِكَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: تُوقِعُوا الصَّبْرَ والتَّقْوى لِلَّهِ رَبِّكُمْ؛ فَتَفْعَلُوا ما يُرْضِيهِ؛ وتَنْتَهُوا عَمّا يُسْخِطُهُ؛ ﴿ويَأْتُوكُمْ﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿مِن فَوْرِهِمْ﴾؛ أيْ: وقْتِهِمُ؛ اسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ الَّتِي لا تَرَدُّدَ فِيها؛ مِن: ”فارَتِ القِدْرُ“؛ إذا غَلَتْ؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الكَرَّةِ؛ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾؛ أيْ: إمْدادًا جَلِيًّا - بِما أشارَ إلَيْهِ إشارَةً لَفْظِيَّةً: [آلافٍ]؛ وإشارَةً مَعْنَوِيَّةً: التَّسْوِيمُ؛ ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم مِن أعْيانِ المَلائِكَةُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾؛ أيْ: مُعَلَّمِينَ بِما يُعْرَفُ بِهِ مَقامُهم في الحَرْبِ؛ والظّاهِرَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالتَّسْوِيمِ إفْهامُ القِتالِ؛ ومِنَ الِاقْتِصارِ عَلى الإنْزالِ عَدَمُهُ؛ ويَكُونُ فائِدَةُ نُزُولِهِمُ البَرَكَةَ بِهِمْ؛ وإرْهابَ الكُفّارِ بِمَن يَرَوْنَهُ مِنهم.

قالَ البَغَوِيُّ: ”قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لَمْ يُقاتِلِ المَلائِكَةُ في المَعْرَكَةِ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ؛ وفِيما سِوى ذَلِكَ يَشْهَدُونَ القِتالَ؛ ولا يُقاتِلُونَ؛ إنَّما يَكُونُونَ عَدَدًا ومَدَدًا“.

Aal-i-Imraan 3:125Listen in Qur'an →
126

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ

And Allah made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allah, the Exalted in Might, the Wise -

ولَما كانَ التَّقْدِيرُ: ”ولَيْسَ الإمْدادُ بِهِمْ مُوجِبًا لِلنَّصْرِ“؛ وكانَ قَدْ قَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٣]؛ قالَ هُنا - قاصِرًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِ -: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الإمْدادَ المَذْكُورَ؛ وذَكَرَهُ لَكم عَلى ما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لا يَحْتاجُ مُراقِبُها إلى شَيْءٍ أصْلًا؛ ﴿إلا بُشْرى﴾؛ ولَمّا كانَتِ الهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الكَرَّةِ؛ وكانَ المَقْتُولُ مِنهم أكْثَرَ؛ قالَ: ﴿لَكُمْ﴾؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ بُشْرى لِضِدِّهِمْ؛ ولِمِثْلِ هَذا قَدَّمَ القُلُوبَ؛ فَقالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾؛ وعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ - لِتَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ -: ”لِتَسْتَبْشِرَ نُفُوسُكم بِهِ؛ وطُمَأْنِينَةً لَكُمْ؛ لِتَطْمَئِنَّ ﴿قُلُوبُكم بِهِ﴾“؛ أيْ: الإمْدادِ؛ فَحَكَمَ هُنا بِأنَّهُ بُشْرى؛ مُقَيَّدًا بِـ ”لَكُمْ“؛ فَكانَتِ العِنايَةُ بِضَمِيرٍ أشَدَّ؛ حَتّى كَأنَّهُ قِيلَ: ”إلّا وبُشْرى لَكُمْ؛ وطُمَأْنِينَتِكُمْ“؛ فَوَجَبَ تَأْخِيرُ ضَمِيرِهِ عَنْهُمْ؛ والمَعْنى أنَّهم كانُوا أوَّلًا خائِفِينَ؛ فَلَمّا ورَدَتِ البُشْرى اطْمَأنُّوا بِها؛ رَجاءَ أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ مِثْلُ ما فُعِلَ في ”بَدْرٍ“؛ فَلَمّا اطْمَأنُّوا بِها وقَعَ النَّصْرُ؛ كَما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ؛ ثُمَّ لَمّا اطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم إلى شَيْءٍ ألَزَّ قُوَّتَها؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ لَها نَصْرٌ؛ وسُرُورٌ؛ بِضَرْبٍ؛ وطَعْنٍ؛ في ”بَدْرٍ“؛ وغَيْرِها؛ فَلَمَحَتْ نَحْوَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ حَصَلَتِ الهَزِيمَةُ؛ لِيَصِيرُوا إلى حَقِّ اليَقِينِ؛ بِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهُمْ؛ ولا قُوَّةَ؛ ولِذَلِكَ قالَ (تَعالى): ﴿وما النَّصْرُ﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ لا بِمَدَدٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَلا تَجِدُوا في أنْفُسِكم مِن رُجُوعِ مَن رَجَعَ؛ ولا تَأخُّرِ مَن تَأخَّرَ؛ ولا هَزِيمَةِ مَنِ انْهَزَمَ.

ولَمّا قَدَّمَ أمْرَ ”بَدْرٍ“؛ هُنا؛ وأوَّلَ السُّورَةِ؛ وتَحَقَّقَ بِذَلِكَ ما لَهُ مِنَ العِزَّةِ؛ والحِكْمَةِ؛ قالَ: ﴿العَزِيزِ﴾؛ الَّذِي لا يُغالَبُ؛ فَلا يَحْتاجُ إلى قِتالِ أحَدٍ؛ ولا يَحْتاجُ في نَصْرِهِ - إنْ قاتَلَ - إلى مَعُونَةِ أحَدٍ؛ ﴿الحَكِيمِ﴾؛ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في أتْقَنِ مَحالِّها؛ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ؛ أيْ: الَّذِي نَصَرَكم قَبْلَ هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ وفي أوَّلِ النَّهارِ فِيها؛ لَيْسَ لَكُمْ؛ ولا لِغَيْرِكم ناصِرٌ غَيْرُهُ؛ فَمَتى التَفَتَ أحَدٌ إلى سِواهُ وكَلَهُ إلَيْهِ؛ فَخُذِلَ؛ فاحْذَرُوهُ؛ لِتُطِيعُوهُ طاعَةَ أُولِي الإحْسانِ؛ في كُلِّ أوانٍ؛ وهَذا بِخِلافِ ما في قِصَّةِ ”بَدْرٍ“؛ في ”الأنْفالِ“؛ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَقالِ؛ مِمّا اقْتَضاهُ هُناكَ الحالُ؛ و”الحَكِيمُ“؛ رَأْسُ آيَةٍ؛ بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ؛ كَما في ”الأنْفالِ“؛

Aal-i-Imraan 3:126Listen in Qur'an →
127

لِيَقْطَعَ طَرَفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

ولَمّا قَرَّرَ الوَعْدَ ذَكَرَ ثَمَرَتَهُ؛ فَقالَ مُعَلِّقًا الجارَّ بِـ ”يُمْدِدْكُمْ“: ﴿لِيَقْطَعَ﴾؛ أيْ: بِالقَتْلِ؛ ﴿طَرَفًا﴾؛ أيْ: طائِفَةً مِن كِرامِهِمْ؛ يَهِنُونَ بِهِمْ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: ويَهْزِمَ الباقِينَ؛ ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾؛ أيْ: يَكْسِرَهُمْ؛ ويَرُدَّهم بِغَيْظِهِمْ؛ مَعَ الخِزْيِ؛ أذِلّاءَ؛ وأصْلُ ”الكَبْتُ“: صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ؛ ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾؛ أيْ: كُلُّهم مَهْزُومِينَ؛ ﴿خائِبِينَ﴾؛ وذَلِكَ في كِلْتا الحالَتَيْنِ؛ بِقُوَّتِكم عَلَيْهِمْ بِالمَدِّ؛ وضَعْفِهِمْ عَنْكم بِهِ؛ ويَجُوزُ تَعْلِيقُ ﴿لِيَقْطَعَ﴾؛ بِفِعْلِ التَّوَكُّلِ؛ أيْ: فَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِيَفْعَلَ بِأعْدائِهِمْ ما يَشاؤُهُ مِن نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ فَيُقْبِلَ بِهِمْ إلى الإسْلامِ؛ رَغْبَةً؛ أوْ رَهْبَةً؛ أوْ يُمِيتَهم عَلى كُفْرِهِمْ؛ فَيُدِيمَ عَذابَهُمْ؛ مَعَ عافِيَتِهِمْ مِنهُمْ؛ ورَأيْتُ في سِيَرِ الإمامِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الواقِدِيِّ؛ ما يَدُلُّ عَلى تَعْلِيقِهِ بِـ ”جَعَلَ“؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى﴾ [آل عمران: ١٢٦]؛ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ [آل عمران: ١٢٦]؛ وهو حَسَنٌ أيْضًا.

Aal-i-Imraan 3:127Listen in Qur'an →
128

لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ

Not for you, [O Muhammad, but for Allah], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

ولَمّا كانَ ﷺ حَرِيصًا عَلى طَلَبِ الإدالَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِيُمَثِّلَ بِهِمْ؛ كَما مَثَّلُوا بِعَمِّهِ حَمْزَةَ؛ وعِدَّةٍ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - قالَ (تَعالى): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ؛ ولا غَيْرِهِمْ؛ ﴿شَيْءٌ﴾؛ مُوَسِّطًا لَهُ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ؛ يَعْنِي: مِنَ الإدالَةِ عَلَيْهِمْ؛ بِقَتْلٍ؛ أوْ هَزِيمَةٍ؛ تُدْرِكُ بِهِما ما تُرِيدُ؛ بَلِ الأمْرُ لَهُ كُلُّهُ؛ إنْ أرادَ فَعَلَ بِهِمْ ما تُرِيدُ؛ وإنْ أرادَ مَنَعَكَ مِنهُ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ؛ أوْ إماتَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ حَتْفَ الأنْفِ؛ فَيَتَوَلّى هو عَذابَهُمْ؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ بِما يَكْشِفُ عَنْ قُلُوبِهِمْ مِن حِجابِ الغَفْلَةِ؛ فَيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ؛ ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾؛ كُلَّهُمْ؛ بِأيْدِيكُمْ؛ بِأنْ تَسْتَأْصِلُوهُمْ؛ فَلا يُفْلِتَ مِنهم أحَدٌ؛ أوْ يُعَذِّبَهم هو مِن غَيْرِ واسِطَتِكُمْ؛ بِما يَسْتَدْرِجُهم بِهِ؛ مِمّا يُوجِبُ إصْرارَهم حَتّى يَمُوتُوا عَلى الكُفْرِ؛ مَعَ النَّصْرِ عَلَيْكم وغَيْرِهِ؛ مِمّا هو لَهم في صُورَةِ النِّعَمِ؛ المُوجِبُ لِزِيادَةِ عِقابِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾؛ وفي ”المَغازِي“؛ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ؛ مُعَلَّقًا عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ: ”سَمِعْتُ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «“كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلى صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ؛ وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو؛ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ظالِمُونَ﴾ ”؛» ورَواهُ مَوْصُولًا في“المَغازِي”؛ و“التَّفْسِيرِ”؛ و“الِاعْتِصامِ”؛ عَنْ سالِمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ بِغَيْرِ هَذا اللَّفْظِ؛ وفِيهِ: «“اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا؛ وفُلانًا"».

Aal-i-Imraan 3:128Listen in Qur'an →
129

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”بَلِ الأمْرُ لَهُ - سُبْحانَهُ - وحْدَهُ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُبَيِّنًا لِقُدْرَتِهِ عَلى ما قَدَّمَ مِن فِعْلِهِ بِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ أعَمَّ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ وحْدَهُ؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ عَلى عِظَمِها؛ مِن عاقِلٍ؛ وغَيْرِهِ؛ وعَبَّرَ بِـ“ما”؛ لِأنَّ غَيْرَ العاقِلِ أكْثَرُ؛ وهي بِهِ أجْدَرُ؛ ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ كَذَلِكَ؛ مِلْكًا ومُلْكًا؛ فَهو يَفْعَلُ في مِلْكِهِ ومُلْكِهِ ما يَشاءُ؛ وفي التَّعْبِيرِ بِـ“ما”؛ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ الكَفَرَةَ؛ الَّذِينَ السِّياقُ لَهُمْ؛ في عِدادِ ما لا يَعْقِلُ. ولَمّا كانَتِ الأقْسامُ كُلُّها راجِعَةً إلى قِسْمَيْنِ: عافِيَةٍ؛ وعَذابٍ؛ قالَ - مُتَرْجِمًا لِذَلِكَ؛ مُقَرِّرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] -: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ فَيُعْطِيهِ ما يَشاءُ مِن خَيْرَيِ الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ويُغْنِيهِ عَنِ الرِّبا؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾؛ بِالمَنعِ عَمّا يُرِيدُ مِن خَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ عَذَّبَ الطّائِعَ؛ ونَعَّمَ العاصِي؛ لَحَسُنَ مِنهُ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ ولا اعْتِراضَ بِوَجْهٍ عَلَيْهِ؛ هَذا مَدْلُولُ الآيَةِ؛ وهو لا يَقْتَضِي أنَّهُ يَفْعَلُ؛ أوْ لا يَفْعَلُ.

ولَمّا كانَ ﷺ لِشِدَّةِ غَيْظِهِ عَلَيْهِمْ في اللَّهِ جَدِيرًا بِالِانْتِقامِ مِنهُمْ؛ بِدُعاءٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ أشارَ لَهُ - سُبْحانَهُ - إلى العَفْوِ؛ لِلْحَثِّ عَلى التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ؛ الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ؛ عَيْنًا وأثَرًا؛ مُكْرِمٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْواعِ الإكْرامِ؛ فانْطَبَقَ ذَلِكَ عَلى إيضاحِ: ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]؛ وإفْهامِهِ المُوجِبِ لِاعْتِقادِ أنْ يَكُونَ لَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الأمْرُ وحْدَهُ.

ولَمّا أنْزَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ وما في آخِرِ“النَّحْلِ"؛ مِمّا لِلصّابِرِينَ؛ والعافِينَ؛ حَرَّمَ المُثْلَةَ؛ واشْتَدَّ نَهْيُهُ ﷺ عَنْها؛ فَكانَ لا يَخْطُبُ خُطْبَةً إلّا مَنَعَ مِنها.

Aal-i-Imraan 3:129Listen in Qur'an →
130

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَٰفًۭا مُّضَٰعَفَةًۭ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allah that you may be successful.

ولَمّا كانَ الخَتْمُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ رُبَّما أطْمَعَ في انْتِهاكِ الحُرُماتِ؛ لِاتِّباعِ الشَّهَواتِ؛ فَكانَ مُبْعِدًا لِمُتَعاطِيهِ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ مُدْنِيًا مِنَ النِّقْمَةِ؛ وكانَ أعْظَمُ المُقْتَضِياتِ لِلْخِذْلانِ تَضْيِيعُهم لِلثَّغْرِ الَّذِي أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِحِفْظِهِ؛ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ؛ قَبْلَ إتْمامِ هَزِيمَةِ العَدُوِّ؛ عَلى الغَنائِمِ؛ لِلزِّيادَةِ في الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ الَّتِي هي مَعْنى الرِّبا في اللُّغَةِ؛ إذْ هو مُطْلَقُ الزِّيادَةِ؛ أقْبَلَ (تَعالى) عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ صَدِّقُوا إيمانَكم بِأنْ ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾؛ أيْ: المُقَبَّحَ فِيما تَقَدَّمَ أمْرُهُ غايَةَ التَّقْبِيحِ؛ وهو كَما تَرى إقْبالٌ مُتَلَطِّفٌ؛ مُنادٍ لَهم بِاسْمِ الإيمانِ النّاظِرِ إلى الإنْفاقِ؛ المُعْرِضِ عَنِ التَّحْصِيلِ؛ ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ﴿والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ ناهٍ عَنْ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا؛ بِالإقْبالِ عَلى غَنِيمَةٍ؛ أوْ غَيْرِها بِطَرِيقِ الإشارَةِ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ؛ إذِ المُطْلَقُ جُزْءُ المُقَيَّدِ؛ فَفي هَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي صَرِيحُها ناهٍ عَنِ الإقْبالِ عَلى الدُّنْيا؛ إقْبالًا يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الآخِرَةِ؛ بِاسْتِباحَةِ أكْلِ الرِّبا المُتَقَدِّمِ في ”البَقَرَةِ“؛ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ؛ مِنَ المُبالَغَةِ ما يَرْدَعُ مَن لَهُ أدْنى تَقْوى؛ ويُوجِبُ لِمَن لَمْ يَتْرُكْهُ؛ وما يُقارِبُهُ؛ الضَّمانَ بِالخِذْلانِ في كُلِّ زَمانٍ؛ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦]

ولَمّا كانَ في تَرْكِهِ الإثْخانَ في العَدُوِّ؛ بَعْدَ زَوالِ المانِعِ مِنهُ؛ بِالهَزِيمَةِ؛ مَعَ أنَّ فِيهِ مِن حَلاوَةِ الظَّفَرِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ لِأجْلِ الغَنِيمَةِ الَّتِي هي لِمَن غَلَبَ؛ ولَيْسَ في المُبادَرَةِ إلى حَوْزِها كَبِيرُ فائِدَةٍ؛ دَلالَةً عَلى تَناهِي الحُبِّ لِلتَّكاثُرِ؛ ناسَبَ المَقامَ رِبا التَّضْعِيفِ؛ فَقالَ: - أوْ يُقالُ: لَمّا كانَ سَبَبُ الهَزِيمَةِ طَلَبَهُمُ الزِّيادَةَ بِالغَنِيمَةِ؛ وكانَ حُبُّ الزِّيادَةِ حَلالًا؛ قَدْ يَجُرُّ إلى حُبِّها حَرامًا؛ فَيَجُرُّ إلى الرِّبا المُضاعَفِ؛ لِأنَّ مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ - قالَ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾؛ أيْ: لا تَتَهَيَّؤُوا لِذَلِكَ بِإقْبالِكم عَلى مُطْلَقِ الزِّيادَةِ؛ فَإنَّ المَطْلُوبَ مِنكم بَذْلُ المالِ؛ فَضْلًا عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ؛ فَضْلًا عَنِ الإقْبالِ عَلَيْهِ؛ فالحاصِلُ أنَّهُ دَلَّتْ عَلى الرِّبا بِمُطابَقَتِها؛ وعَلى مُطْلَقِ الزِّيادَةِ بِتَضَمُّنِها؛ وهي مِن وادِي قَوْلِهِ ﷺ: «”مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ“».

وخِتامُ الآيَةِ - بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ - مُشِيرٌ إلى ذَلِكَ؛ أيْ: واجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ مُخالَفَةِ نَهْيِهِ عَنِ الرِّبا وِقايَةً بِالإعْراضِ عَنْ مُطْلَقِ مَحَبَّةِ الدُّنْيا؛ والإقْبالِ عَلَيْها؛ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِنَ الفَوْزِ بِالمَطالَبِ؛ فَمَن لَهُ مِلْكُ الوُجُودِ؛ ومُلْكُهُ؛ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُعْطِيَكم مِن مِلْكِهِ إنِ اتَّقَيْتُمْ؛ ويَمْنَعَكم إنْ تَساهَلْتُمْ؛ فَهو نَهْيٌ عَنِ الرِّبا بِصَرِيحِ العِبارَةِ؛ وتَحْذِيرٌ مِن أنْ …

Aal-i-Imraan 3:130Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.