وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
And [remember] when you, [O Muhammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uhud] - and Allah is Hearing and Knowing -
ولَمّا كانَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الإخْبارِ؛ ومِنَ الوَعْدِ؛ ومِنَ الوَعِيدِ؛ مَنطُوقًا؛ ومَفْهُومًا؛ مُحْتاجًا إلى الِاجْتِلاءِ في صُوَرِ الجُزْئِيّاتِ ذَكَّرَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالوَقائِعِ الَّتِي شُوهِدَتْ فِيها أحْوالُهم مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ العَمَلِ بِمَنطُوقِ الوَعْدِ؛ مِنَ الصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ وعَدَمِهِ عِنْدَ العَمَلِ بِالمَفْهُومِ؛ وشُوهِدَتْ فِيها أحْوالُ عَدُوِّهِمْ مِنَ المَساءَةِ عِنْدَ السُّرُورِ؛ والسُّرُورِ عِنْدَ المَساءَةِ؛ وذَلِكَ غَنِيٌّ عَنْ دَلِيلٍ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ المُشاهَداتِ؛ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِواوِ العَطْفِ؛ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ؛ مُخاطِبًا لِأعْظَمِ عِبادِهِ فِطْنَةً؛ وأقْرَبِهِمْ إلَيْهِ رُتْبَةً؛ تَهْيِيجًا لِغَيْرِهِ إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ؛ واتِّباعِ الدَّلِيلِ؛ مِن غَيْرِ أدْنى وُقُوفٍ مَعَ المَأْلُوفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذْ﴾؛ أيْ: ”اذْكُرْ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ مِن أحْوالِكُمُ الماضِيَةِ؛ حِينَ صَبَرْتُمْ؛ واتَّقَيْتُمْ فَنُصِرْتُمْ؛ وحِينَ ساءَهم نَصْرُكم في كُلِّ ذَلِكَ؛ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إلى“نَخْلَةَ”؛ ثُمَّ في“بَدْرٍ”؛ ثُمَّ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعٍ“؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ”واذْكُرْ إذْ لَمْ يَصْبِرْ أصْحابُكَ؛ فَأُصِيبُوا؛ وإذْ سَرَّتْهم مُصِيبَتُكم في وقْعَةِ“أُحُدٍ”؛ إذْ ﴿غَدَوْتَ﴾؛ أيْ: يا خاتَمَ الأنْبِياءِ؛ وأكْرَمَ المُرْسَلِينَ؛ ﴿مِن أهْلِكَ﴾؛ أيْ: بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ؛ صَبِيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ إلى أصْحابِكَ في مَسْجِدِكَ؛ لِتَسْتَشِيرَهم في أمْرِ المُشْرِكِينَ؛ وقَدْ نَزَلُوا بِـ“أُحُدٍ”؛ في أواخِرِ يَوْمِ الأرْبِعاءِ؛ أوْ في يَوْمِ الخَمِيسِ؛ لِقِتالِكُمْ“؛ وبَنى مِن ”غَدَوْتَ“؛ حالًا؛ إعْلامًا بِأنَّ الشُّرُوعَ في السَّبَبِ؛ شُرُوعُ في مُسَبِّبِهِ؛ فَقالَ: ﴿تُبَوِّئُ﴾؛ أيْ: تُنْزِلُ؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: صَبِيحَةَ يَوْمِ السَّبْتِ؛ وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَقاعِدَ﴾؛ إشارَةً إلى أنَّهُ ﷺ تَقَدَّمَ إلى كُلِّ أحَدٍ بِالثَّباتِ في مَرْكَزِهِ؛ وأوْعَزَ إلَيْهِ في ألّا يَفْعَلَ شَيْئًا إلّا بِأمْرِهِ؛ لا سِيَّما الرُّماةَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿لِلْقِتالِ﴾
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”وتَتَقَدَّمُ إلَيْهِمْ بِأبْلَغِ مَقالٍ في تَشْدِيدِ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ“؛ أشارَ (تَعالى) إلى أنَّهُ وقَعَ في غُضُونِ ذَلِكَ مِنهُ؛ ومِنهم كَلامٌ كَثِيرٌ؛ خَفِيٌّ؛ وجَلِيٌّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي أنْتُمْ في طاعَتِهِ؛ ﴿سَمِيعٌ﴾؛ أيْ: لِأقْوالِكُمْ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بِنِيّاتِكم في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ فاحْذَرُوهُ؛ ولَعَلَّهُ خَصَّ النَّبِيَّ ﷺ بِلَذِيذِ الخِطابِ في التَّذْكِيرِ؛ تَحْرِيضًا لَهُمْ؛ مَعَ ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ؛ عَلى المُراقَبَةِ؛ تَعْرِيضًا لَهم بِأنَّهم خَفُّوا مَعَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ؛ أمْرَ بُعاثٍ؛ حَتّى تَواثَبُوا حِينَ تَغاضَبُوا إلى السِّلاحِ - كَما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] -؛ فَوَقَفُوا عَنْ نافِذِ الفَهْمِ؛ وصافِي الفِكْرِ؛ خِفَّةً إلى ما أرادَ بِهِمْ عَدُوُّهُمْ؛ فاقْتَضى هَذا التَّحْذِيرَ كُلَّهُ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ إقْبالُهُ في الخِطابِ عَلَيْهِمْ؛ عِنْدَ نِسْبَةِ الفَشَلِ إلَيْهِمْ - كَما يَأْتِي قَرِيبًا -؛ ولَعَلَّهُ إنَّما خَصَّ هَذِهِ الغَزْوَةَ بِالذِّكْرِ؛ دُونَ ما ذَكَرْتُ؛ أنَّ واوَ عَطْفِها دَلَّتْ عَلَيْهِ مِمّا أُيِّدُوا فِيهِ بِالنَّصْرِ؛ لِأنَّ الشَّماتَةَ بِالمُصِيبَةِ أدَلُّ عَلى البَغْضاءِ؛ والعَداوَةِ؛ مِنَ الحُزْنِ بِما يَسُرُّ؛ …