Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 121–130 of 200

121

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And [remember] when you, [O Muhammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uhud] - and Allah is Hearing and Knowing -

﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .

وُجُودُ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ مانِعٌ مِن تَعْلِيقِ الظَّرْفِ بِبَعْضِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ مِثْلُ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ومِثْلُ ﴿يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١٢٠] وعَلَيْهِ فَهو آتٍ كَما أتَتْ نَظائِرُهُ في أوائِلِ الآيِ والقِصَصِ القُرْآنِيَّةِ، وهو مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ وقِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ وذَلِكَ انْتِقالٌ اقْتِضابِيٌّ فالتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. ولا يَأْتِي في هَذا تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مِمّا بَعْدَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ تُبَوِّئُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ مَبْدَأ الغَرَضِ، وقَوْلُهُ هَمَّتْ لا يَصْلُحُ لِتَعْلِيقِ إذْ غَدَوْتَ لِأنَّهُ مَدْخُولُ (إذْ) أُخْرى.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الوَقْعَةِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ أنَّها مِن أوْضَحِ مَظاهِرِ كَيْدِ المُخالِفِينَ في الدِّينِ، والمُنافِقِينَ، ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنافِقِينَ وأهْلِ يَثْرِبَ واحِدًا، ودَخِيلَتُهُما سَواءً، وكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ما تُدَبِّرُهُ اليَهُودُ، جَمَعَ اللَّهُ مَكائِدَ الفَرِيقَيْنِ بِذِكْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وكانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ كَما تَقَدَّمَ. فَهَذِهِ الآياتُ تُشِيرُ إلى وقْعَةِ أُحُدٍ الكائِنَةِ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، حِينَ نَزَلَ مُشْرِكُو مَكَّةَ ومَن مَعَهم مِن أحْلافِهِمْ سَفْحَ جَبَلِ أُحُدٍ، حَوْلَ المَدِينَةِ، لِأخْذِ الثَّأْرِ بِما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الهَزِيمَةِ، فاسْتَشارَ

صفحة ٧٠

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ فِيما يَفْعَلُونَ وفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ، فَأشارَ جُمْهُورُهم بِالتَّحَصُّنِ بِالمَدِينَةِ حَتّى إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ المَدِينَةَ قاتَلُوهم في الدِّيارِ والحُصُونِ فَغَلَبُوهم، وإذا رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ، وأشارَ فَرِيقٌ بِالخُرُوجِ ورَغِبُوا في الجِهادِ وألَحُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ النَّبِيءُ ﷺ بِرَأْيِ المُشِيرِينَ بِالخُرُوجِ، ولَبِسَ لَأْمَتَهُ ثُمَّ عَرَضَ لِلْمُسْلِمِينَ تَرَدُّدٌ في الخُرُوجِ فَراجَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ «لا يَنْبَغِي لِنَبِيءٍ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ» . وخَرَجَ بِالمُسْلِمِينَ إلى جَبَلِ أُحُدٍ وكانَ الجَبَلُ وراءَهم، وصَفَّهم لِلْحَرْبِ، وانْكَشَفَتِ الحَرْبُ عَنْ هَزِيمَةٍ خَفِيفَةٍ لَحِقَتِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ مَكِيدَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسِ المُنافِقِينَ، إذِ انْخَزَلَ هو وثُلُثُ الجَيْشِ، وكانَ عَدَدُ جَيْشِ المُسْلِمِينَ سَبْعَمِائَةٍ، وعَدَدُ جَيْشِ أهْلِ مَكَّةَ ثَلاثَةَ آلافٍ، وهَمَّتْ بَنُو سَلَمَةَ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالِانْخِزالِ، ثُمَّ عَصَمَهُمُ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ ناصِرُهُما عَلى ذَلِكَ الهَمِّ الشَّيْطانِيِّ، الَّذِي لَوْ صارَ عَزْمًا لَكانَ سَبَبَ شَقائِهِما، فَلِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِما بَرَّأهُما اللَّهُ مِن فِعْلِ ما هَمَّتا بِهِ، وفي البُخارِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ وفِينا نَزَلَتْ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ وما يَسُرُّنِي أنَّها لَمْ تَنْزِلْ واللَّهُ يَقُولُ ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ وانْكَشَفَتِ الواقِعَةُ عَنْ …

Aal-i-Imraan 3:121Listen in Qur'an →
122

إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

When two parties among you were about to lose courage, but Allah was their ally; and upon Allah the believers should rely.

﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .

وُجُودُ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ مانِعٌ مِن تَعْلِيقِ الظَّرْفِ بِبَعْضِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ مِثْلُ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] ومِثْلُ ﴿يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران: ١٢٠] وعَلَيْهِ فَهو آتٍ كَما أتَتْ نَظائِرُهُ في أوائِلِ الآيِ والقِصَصِ القُرْآنِيَّةِ، وهو مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ وقِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ وذَلِكَ انْتِقالٌ اقْتِضابِيٌّ فالتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ غَدَوْتَ. ولا يَأْتِي في هَذا تَعَلُّقُ الظَّرْفِ بِفِعْلٍ مِمّا بَعْدَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ تُبَوِّئُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ مَبْدَأ الغَرَضِ، وقَوْلُهُ هَمَّتْ لا يَصْلُحُ لِتَعْلِيقِ إذْ غَدَوْتَ لِأنَّهُ مَدْخُولُ (إذْ) أُخْرى.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الوَقْعَةِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ أنَّها مِن أوْضَحِ مَظاهِرِ كَيْدِ المُخالِفِينَ في الدِّينِ، والمُنافِقِينَ، ولَمّا كانَ شَأْنُ المُنافِقِينَ وأهْلِ يَثْرِبَ واحِدًا، ودَخِيلَتُهُما سَواءً، وكانُوا يَعْمَلُونَ عَلى ما تُدَبِّرُهُ اليَهُودُ، جَمَعَ اللَّهُ مَكائِدَ الفَرِيقَيْنِ بِذِكْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وكانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ كَما تَقَدَّمَ. فَهَذِهِ الآياتُ تُشِيرُ إلى وقْعَةِ أُحُدٍ الكائِنَةِ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، حِينَ نَزَلَ مُشْرِكُو مَكَّةَ ومَن مَعَهم مِن أحْلافِهِمْ سَفْحَ جَبَلِ أُحُدٍ، حَوْلَ المَدِينَةِ، لِأخْذِ الثَّأْرِ بِما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الهَزِيمَةِ، فاسْتَشارَ

صفحة ٧٠

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ فِيما يَفْعَلُونَ وفِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ، فَأشارَ جُمْهُورُهم بِالتَّحَصُّنِ بِالمَدِينَةِ حَتّى إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ المَدِينَةَ قاتَلُوهم في الدِّيارِ والحُصُونِ فَغَلَبُوهم، وإذا رَجَعُوا رَجَعُوا خائِبِينَ، وأشارَ فَرِيقٌ بِالخُرُوجِ ورَغِبُوا في الجِهادِ وألَحُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَ النَّبِيءُ ﷺ بِرَأْيِ المُشِيرِينَ بِالخُرُوجِ، ولَبِسَ لَأْمَتَهُ ثُمَّ عَرَضَ لِلْمُسْلِمِينَ تَرَدُّدٌ في الخُرُوجِ فَراجَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ «لا يَنْبَغِي لِنَبِيءٍ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ» . وخَرَجَ بِالمُسْلِمِينَ إلى جَبَلِ أُحُدٍ وكانَ الجَبَلُ وراءَهم، وصَفَّهم لِلْحَرْبِ، وانْكَشَفَتِ الحَرْبُ عَنْ هَزِيمَةٍ خَفِيفَةٍ لَحِقَتِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ مَكِيدَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسِ المُنافِقِينَ، إذِ انْخَزَلَ هو وثُلُثُ الجَيْشِ، وكانَ عَدَدُ جَيْشِ المُسْلِمِينَ سَبْعَمِائَةٍ، وعَدَدُ جَيْشِ أهْلِ مَكَّةَ ثَلاثَةَ آلافٍ، وهَمَّتْ بَنُو سَلَمَةَ وبَنُو حارِثَةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالِانْخِزالِ، ثُمَّ عَصَمَهُمُ اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ أيْ ناصِرُهُما عَلى ذَلِكَ الهَمِّ الشَّيْطانِيِّ، الَّذِي لَوْ صارَ عَزْمًا لَكانَ سَبَبَ شَقائِهِما، فَلِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِما بَرَّأهُما اللَّهُ مِن فِعْلِ ما هَمَّتا بِهِ، وفي البُخارِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ وفِينا نَزَلَتْ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾ وما يَسُرُّنِي أنَّها لَمْ تَنْزِلْ واللَّهُ يَقُولُ ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾ وانْكَشَفَتِ الواقِعَةُ عَنْ …

Aal-i-Imraan 3:122Listen in Qur'an →
123

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍۢ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌۭ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

And already had Allah given you victory at [the battle of] Badr while you were few in number. Then fear Allah; perhaps you will be grateful.

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوَّمِينَ﴾ .

صفحة ٧٢

إذْ قَدْ كانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ لَمْ تَنْكَشِفْ عَنْ نَصْرِ المُسْلِمِينَ، عَقَّبَ اللَّهُ ذِكْرَها بِأنْ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى نَصْرَهُ إيّاهُمُ النَّصْرَ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو نَصْرٌ عَظِيمٌ إذْ كانَ نَصْرَ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ عَلى جَيْشٍ كَثِيرٍ، ذِي عُدَدٍ وافِرَةٍ، وكانَ قَتْلى المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ سادَةَ قُرَيْشٍ، وأيِمَّةَ الشِّرْكِ، وحَسْبُكَ بِأبِي جَهْلِ ابْنِ هِشامٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ أيْ ضُعَفاءُ. والذُّلُّ ضِدُّ العِزِّ فَهو الوَهَنُ والضَّعْفُ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ انْهِزامَ يَوْمِ أُحُدٍ لا يَفِلُّ حِدَّةَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم صارُوا أعِزَّةً. والحَرْبُ سِجالٌ.

وقَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ومُتَعَلِّقِ فِعْلِها أعْنِي ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والفاءُ تَقَعُ في الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ عَلى الأصَحِّ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. . فَإنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهم بِتِلْكَ المِنَّةِ العَظِيمَةِ ذَكَّرَهم بِأنَّها سَبَبٌ لِلشُّكْرِ فَأمَرَهم بِالشُّكْرِ بِمُلازَمَةِ التَّقْوى تَأدُّبًا بِنِسْبَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .

ومِنَ الشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ النَّصْرِ أنْ يَثْبُتُوا في قِتالِ العَدُوِّ، وامْتِثالُ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ، وأنْ لا تَفُلَّ حِدَّتَهم هَزِيمَةُ يَوْمِ أُحُدٍ.

وظَرْفُ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ زَمانِيٌّ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (نَصَرَكم) لِأنَّ الوَعْدَ بِنَصْرِهِ المَلائِكَةَ والمُؤْمِنِينَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَوْمَ أُحُدٍ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

وخُصَّ هَذا الوَقْتُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ كانَ وقْتَ ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ وهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ.

والمَعْنى: إذْ تَعِدُ المُؤْمِنِينَ بِإمْدادِ اللَّهِ بِالمَلائِكَةِ، فَما كانَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لَهم تِلْكَ المَقالَةَ إلّا بِوَعْدٍ أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَقُولَهُ.

صفحة ٧٣

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ تَقْرِيرِيٌّ، والتَّقْرِيرِيُّ يَكْثُرُ أنْ يُورَدَ عَلى النَّفْيِ، كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإنَّما جِيءَ في النَّفْيِ بِحَرْفِ (لَنْ) الَّذِي يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِقِلَّتِهِمْ، وضَعْفِهِمْ، مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وشَوْكَتِهِ، كالآيِسِينَ مِن كِفايَةِ هَذا المَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأوْقَعَ الِاسْتِفْهامَ التَّقْرِيرِيَّ عَلى ذَلِكَ لِيَكُونَ تَلْقِينًا لِمَن يُخالِجُ نَفْسَهُ اليَأْسُ مِن كِفايَةِ ذَلِكَ العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، بِأنْ يُصَرِّحَ بِما في نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ لازِمُهُ، وهَذا إثْباتُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ كافٍ.

ولِأجْلِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ كانَ جَوابُهُ مِن قِبَلِ السّائِلِ بِقَوْلِهِ بَلى لِأنَّهُ مِمّا لا تَسَعُ المُماراةُ فِيهِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ …

Aal-i-Imraan 3:123Listen in Qur'an →
124

إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوَّمِينَ﴾ .

صفحة ٧٢

إذْ قَدْ كانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ لَمْ تَنْكَشِفْ عَنْ نَصْرِ المُسْلِمِينَ، عَقَّبَ اللَّهُ ذِكْرَها بِأنْ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى نَصْرَهُ إيّاهُمُ النَّصْرَ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو نَصْرٌ عَظِيمٌ إذْ كانَ نَصْرَ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ عَلى جَيْشٍ كَثِيرٍ، ذِي عُدَدٍ وافِرَةٍ، وكانَ قَتْلى المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ سادَةَ قُرَيْشٍ، وأيِمَّةَ الشِّرْكِ، وحَسْبُكَ بِأبِي جَهْلِ ابْنِ هِشامٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ أيْ ضُعَفاءُ. والذُّلُّ ضِدُّ العِزِّ فَهو الوَهَنُ والضَّعْفُ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ انْهِزامَ يَوْمِ أُحُدٍ لا يَفِلُّ حِدَّةَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم صارُوا أعِزَّةً. والحَرْبُ سِجالٌ.

وقَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ومُتَعَلِّقِ فِعْلِها أعْنِي ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والفاءُ تَقَعُ في الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ عَلى الأصَحِّ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. . فَإنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهم بِتِلْكَ المِنَّةِ العَظِيمَةِ ذَكَّرَهم بِأنَّها سَبَبٌ لِلشُّكْرِ فَأمَرَهم بِالشُّكْرِ بِمُلازَمَةِ التَّقْوى تَأدُّبًا بِنِسْبَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .

ومِنَ الشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ النَّصْرِ أنْ يَثْبُتُوا في قِتالِ العَدُوِّ، وامْتِثالُ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ، وأنْ لا تَفُلَّ حِدَّتَهم هَزِيمَةُ يَوْمِ أُحُدٍ.

وظَرْفُ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ زَمانِيٌّ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (نَصَرَكم) لِأنَّ الوَعْدَ بِنَصْرِهِ المَلائِكَةَ والمُؤْمِنِينَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَوْمَ أُحُدٍ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

وخُصَّ هَذا الوَقْتُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ كانَ وقْتَ ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ وهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ.

والمَعْنى: إذْ تَعِدُ المُؤْمِنِينَ بِإمْدادِ اللَّهِ بِالمَلائِكَةِ، فَما كانَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لَهم تِلْكَ المَقالَةَ إلّا بِوَعْدٍ أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَقُولَهُ.

صفحة ٧٣

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ تَقْرِيرِيٌّ، والتَّقْرِيرِيُّ يَكْثُرُ أنْ يُورَدَ عَلى النَّفْيِ، كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإنَّما جِيءَ في النَّفْيِ بِحَرْفِ (لَنْ) الَّذِي يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِقِلَّتِهِمْ، وضَعْفِهِمْ، مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وشَوْكَتِهِ، كالآيِسِينَ مِن كِفايَةِ هَذا المَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأوْقَعَ الِاسْتِفْهامَ التَّقْرِيرِيَّ عَلى ذَلِكَ لِيَكُونَ تَلْقِينًا لِمَن يُخالِجُ نَفْسَهُ اليَأْسُ مِن كِفايَةِ ذَلِكَ العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، بِأنْ يُصَرِّحَ بِما في نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ لازِمُهُ، وهَذا إثْباتُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ كافٍ.

ولِأجْلِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ كانَ جَوابُهُ مِن قِبَلِ السّائِلِ بِقَوْلِهِ بَلى لِأنَّهُ مِمّا لا تَسَعُ المُماراةُ فِيهِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ …

Aal-i-Imraan 3:124Listen in Qur'an →
125

بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ

Yes, if you remain patient and conscious of Allah and the enemy come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]

﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوَّمِينَ﴾ .

صفحة ٧٢

إذْ قَدْ كانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ لَمْ تَنْكَشِفْ عَنْ نَصْرِ المُسْلِمِينَ، عَقَّبَ اللَّهُ ذِكْرَها بِأنْ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى نَصْرَهُ إيّاهُمُ النَّصْرَ الَّذِي قَدَّرَهُ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ، وهو نَصْرٌ عَظِيمٌ إذْ كانَ نَصْرَ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ عَلى جَيْشٍ كَثِيرٍ، ذِي عُدَدٍ وافِرَةٍ، وكانَ قَتْلى المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ سادَةَ قُرَيْشٍ، وأيِمَّةَ الشِّرْكِ، وحَسْبُكَ بِأبِي جَهْلِ ابْنِ هِشامٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ أيْ ضُعَفاءُ. والذُّلُّ ضِدُّ العِزِّ فَهو الوَهَنُ والضَّعْفُ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ انْهِزامَ يَوْمِ أُحُدٍ لا يَفِلُّ حِدَّةَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم صارُوا أعِزَّةً. والحَرْبُ سِجالٌ.

وقَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ومُتَعَلِّقِ فِعْلِها أعْنِي ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والفاءُ تَقَعُ في الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ عَلى الأصَحِّ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ. . فَإنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهم بِتِلْكَ المِنَّةِ العَظِيمَةِ ذَكَّرَهم بِأنَّها سَبَبٌ لِلشُّكْرِ فَأمَرَهم بِالشُّكْرِ بِمُلازَمَةِ التَّقْوى تَأدُّبًا بِنِسْبَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .

ومِنَ الشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ النَّصْرِ أنْ يَثْبُتُوا في قِتالِ العَدُوِّ، وامْتِثالُ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ، وأنْ لا تَفُلَّ حِدَّتَهم هَزِيمَةُ يَوْمِ أُحُدٍ.

وظَرْفُ ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ زَمانِيٌّ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (نَصَرَكم) لِأنَّ الوَعْدَ بِنَصْرِهِ المَلائِكَةَ والمُؤْمِنِينَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ لا يَوْمَ أُحُدٍ. هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

وخُصَّ هَذا الوَقْتُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ كانَ وقْتَ ظُهُورِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ وهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ.

والمَعْنى: إذْ تَعِدُ المُؤْمِنِينَ بِإمْدادِ اللَّهِ بِالمَلائِكَةِ، فَما كانَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لَهم تِلْكَ المَقالَةَ إلّا بِوَعْدٍ أوْحاهُ اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَقُولَهُ.

صفحة ٧٣

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ تَقْرِيرِيٌّ، والتَّقْرِيرِيُّ يَكْثُرُ أنْ يُورَدَ عَلى النَّفْيِ، كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإنَّما جِيءَ في النَّفْيِ بِحَرْفِ (لَنْ) الَّذِي يُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِقِلَّتِهِمْ، وضَعْفِهِمْ، مَعَ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وشَوْكَتِهِ، كالآيِسِينَ مِن كِفايَةِ هَذا المَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَأوْقَعَ الِاسْتِفْهامَ التَّقْرِيرِيَّ عَلى ذَلِكَ لِيَكُونَ تَلْقِينًا لِمَن يُخالِجُ نَفْسَهُ اليَأْسُ مِن كِفايَةِ ذَلِكَ العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، بِأنْ يُصَرِّحَ بِما في نَفْسِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ لازِمُهُ، وهَذا إثْباتُ أنَّ ذَلِكَ العَدَدَ كافٍ.

ولِأجْلِ كَوْنِ الِاسْتِفْهامِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ كانَ جَوابُهُ مِن قِبَلِ السّائِلِ بِقَوْلِهِ بَلى لِأنَّهُ مِمّا لا تَسَعُ المُماراةُ فِيهِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ …

Aal-i-Imraan 3:125Listen in Qur'an →
126

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ

And Allah made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allah, the Exalted in Might, the Wise -

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] والمَعْنى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ حِينَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ما وعَدَكَ اللَّهُ بِهِ في حالِ أنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ ذَلِكَ الوَعْدَ إلّا بُشْرى لَكم وإلّا فَإنَّهُ وعَدَكُمُ النَّصْرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] الآيَةَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَطْفَ الإخْبارِ عَلى التَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ العِنايَةِ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ.

وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ جَعَلَهُ عائِدٌ إلى الإمْدادِ المُسْتَفادِ مِن يُمْدِدْكم أوْ إلى الوَعْدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] الآيَةَ.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ. وبُشْرى مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (جَعَلَهُ) أيْ ما جَعَلَ اللَّهُ الإمْدادَ والوَعْدَ بِهِ إلّا أنَّهُ بُشْرى، أيْ جَعَلَهُ بُشْرى، ولَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ ذَلِكَ.

و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِبُشْرى. وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِهِ مَعَ ظُهُورِ أنَّ البُشْرى إلَيْهِمْ هي

صفحة ٧٨

الدَّلالَةُ عَلى تَكْرِمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِأنْ بَشَّرَهم بُشْرى لِأجْلِهِمْ كَما في التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .

والبُشْرى اسْمٌ لِمَصْدَرِ بَشَّرَ كالرُّجْعى، والبُشْرى خَبَرٌ بِحُصُولِ ما فِيهِ نَفْعٌ ومَسَرَّةٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا وعَدَهم بِالنَّصْرِ أيْقَنُوا بِهِ فَكانَ في تَبْيِينِ سَبَبِهِ وهو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ طَمْأنَةٌ لِنُفُوسِهِمْ لِأنَّ النُّفُوسَ تَرْكَنُ إلى الصُّوَرِ المَأْلُوفَةِ.

والطَّمْأنَةُ والطُّمَأْنِينَةُ: السُّكُونُ وعَدَمُ الِاضْطِرابِ، واسْتُعِيرَتْ هُنا لِيَقِينِ النَّفْسِ بِحُصُولِ الأمْرِ تَشْبِيهًا لِلْعِلْمِ الثّابِتِ بِثَباتِ النَّفْسِ أيْ عَدَمِ اضْطِرابِها، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعُطِفَ (ولِتَطْمَئِنَّ) عَلى بُشْرى فَكانَ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِن عِلَلٍ، أيْ ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِأجْلِ شَيْءٍ إلّا لِأجْلِ أنْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ كُلُّ نَصْرٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِنَ المَلائِكَةِ. وإجْراءُ وصْفَيِ ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ هُنا لِأنَّهُما أوْلى بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ، لِأنَّ العَزِيزَ يَنْصُرُ مَن يُرِيدُ نَصْرَهُ، والحَكِيمُ يَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّ نَصْرَهُ وكَيْفَ يُعْطاهُ.

وقَوْلُهُ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِلَّةٌ لِبَعْضِ أحْوالِ النَّصْرِ، أيْ لِيَقْطَعَ يَوْمَ بَدْرٍ طَرَفًا مِنَ المُشْرِكِينَ.

والطَّرَفُ بِالتَّحْرِيكِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، ويُخَصُّ بِالنّاحِيَةِ الَّتِي هي مُنْتَهى المَكانِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:

كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ …

Aal-i-Imraan 3:126Listen in Qur'an →
127

لِيَقْطَعَ طَرَفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] والمَعْنى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ حِينَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ما وعَدَكَ اللَّهُ بِهِ في حالِ أنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ ذَلِكَ الوَعْدَ إلّا بُشْرى لَكم وإلّا فَإنَّهُ وعَدَكُمُ النَّصْرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] الآيَةَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَطْفَ الإخْبارِ عَلى التَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ العِنايَةِ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ.

وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ جَعَلَهُ عائِدٌ إلى الإمْدادِ المُسْتَفادِ مِن يُمْدِدْكم أوْ إلى الوَعْدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] الآيَةَ.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ. وبُشْرى مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (جَعَلَهُ) أيْ ما جَعَلَ اللَّهُ الإمْدادَ والوَعْدَ بِهِ إلّا أنَّهُ بُشْرى، أيْ جَعَلَهُ بُشْرى، ولَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ ذَلِكَ.

و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِبُشْرى. وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِهِ مَعَ ظُهُورِ أنَّ البُشْرى إلَيْهِمْ هي

صفحة ٧٨

الدَّلالَةُ عَلى تَكْرِمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِأنْ بَشَّرَهم بُشْرى لِأجْلِهِمْ كَما في التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .

والبُشْرى اسْمٌ لِمَصْدَرِ بَشَّرَ كالرُّجْعى، والبُشْرى خَبَرٌ بِحُصُولِ ما فِيهِ نَفْعٌ ومَسَرَّةٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا وعَدَهم بِالنَّصْرِ أيْقَنُوا بِهِ فَكانَ في تَبْيِينِ سَبَبِهِ وهو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ طَمْأنَةٌ لِنُفُوسِهِمْ لِأنَّ النُّفُوسَ تَرْكَنُ إلى الصُّوَرِ المَأْلُوفَةِ.

والطَّمْأنَةُ والطُّمَأْنِينَةُ: السُّكُونُ وعَدَمُ الِاضْطِرابِ، واسْتُعِيرَتْ هُنا لِيَقِينِ النَّفْسِ بِحُصُولِ الأمْرِ تَشْبِيهًا لِلْعِلْمِ الثّابِتِ بِثَباتِ النَّفْسِ أيْ عَدَمِ اضْطِرابِها، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعُطِفَ (ولِتَطْمَئِنَّ) عَلى بُشْرى فَكانَ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِن عِلَلٍ، أيْ ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِأجْلِ شَيْءٍ إلّا لِأجْلِ أنْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ كُلُّ نَصْرٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِنَ المَلائِكَةِ. وإجْراءُ وصْفَيِ ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ هُنا لِأنَّهُما أوْلى بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ، لِأنَّ العَزِيزَ يَنْصُرُ مَن يُرِيدُ نَصْرَهُ، والحَكِيمُ يَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّ نَصْرَهُ وكَيْفَ يُعْطاهُ.

وقَوْلُهُ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِلَّةٌ لِبَعْضِ أحْوالِ النَّصْرِ، أيْ لِيَقْطَعَ يَوْمَ بَدْرٍ طَرَفًا مِنَ المُشْرِكِينَ.

والطَّرَفُ بِالتَّحْرِيكِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، ويُخَصُّ بِالنّاحِيَةِ الَّتِي هي مُنْتَهى المَكانِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:

كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ …

Aal-i-Imraan 3:127Listen in Qur'an →
128

لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ

Not for you, [O Muhammad, but for Allah], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] والمَعْنى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ حِينَ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ما وعَدَكَ اللَّهُ بِهِ في حالِ أنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ ذَلِكَ الوَعْدَ إلّا بُشْرى لَكم وإلّا فَإنَّهُ وعَدَكُمُ النَّصْرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧] الآيَةَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عَطْفَ الإخْبارِ عَلى التَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ العِنايَةِ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ.

وضَمِيرُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ جَعَلَهُ عائِدٌ إلى الإمْدادِ المُسْتَفادِ مِن يُمْدِدْكم أوْ إلى الوَعْدِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥] الآيَةَ.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ. وبُشْرى مَفْعُولٌ ثانٍ لِ (جَعَلَهُ) أيْ ما جَعَلَ اللَّهُ الإمْدادَ والوَعْدَ بِهِ إلّا أنَّهُ بُشْرى، أيْ جَعَلَهُ بُشْرى، ولَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ ذَلِكَ.

و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِبُشْرى. وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِهِ مَعَ ظُهُورِ أنَّ البُشْرى إلَيْهِمْ هي

صفحة ٧٨

الدَّلالَةُ عَلى تَكْرِمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِأنْ بَشَّرَهم بُشْرى لِأجْلِهِمْ كَما في التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .

والبُشْرى اسْمٌ لِمَصْدَرِ بَشَّرَ كالرُّجْعى، والبُشْرى خَبَرٌ بِحُصُولِ ما فِيهِ نَفْعٌ ومَسَرَّةٌ لِلْمُخْبَرِ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا وعَدَهم بِالنَّصْرِ أيْقَنُوا بِهِ فَكانَ في تَبْيِينِ سَبَبِهِ وهو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ طَمْأنَةٌ لِنُفُوسِهِمْ لِأنَّ النُّفُوسَ تَرْكَنُ إلى الصُّوَرِ المَأْلُوفَةِ.

والطَّمْأنَةُ والطُّمَأْنِينَةُ: السُّكُونُ وعَدَمُ الِاضْطِرابِ، واسْتُعِيرَتْ هُنا لِيَقِينِ النَّفْسِ بِحُصُولِ الأمْرِ تَشْبِيهًا لِلْعِلْمِ الثّابِتِ بِثَباتِ النَّفْسِ أيْ عَدَمِ اضْطِرابِها، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعُطِفَ (ولِتَطْمَئِنَّ) عَلى بُشْرى فَكانَ داخِلًا في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِن عِلَلٍ، أيْ ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِأجْلِ شَيْءٍ إلّا لِأجْلِ أنْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ كُلُّ نَصْرٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِنَ المَلائِكَةِ. وإجْراءُ وصْفَيِ ﴿العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ هُنا لِأنَّهُما أوْلى بِالذِّكْرِ في هَذا المَقامِ، لِأنَّ العَزِيزَ يَنْصُرُ مَن يُرِيدُ نَصْرَهُ، والحَكِيمُ يَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّ نَصْرَهُ وكَيْفَ يُعْطاهُ.

وقَوْلُهُ ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّصْرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عِلَّةٌ لِبَعْضِ أحْوالِ النَّصْرِ، أيْ لِيَقْطَعَ يَوْمَ بَدْرٍ طَرَفًا مِنَ المُشْرِكِينَ.

والطَّرَفُ بِالتَّحْرِيكِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النّاحِيَةِ، ويُخَصُّ بِالنّاحِيَةِ الَّتِي هي مُنْتَهى المَكانِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:

كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ …

Aal-i-Imraan 3:128Listen in Qur'an →
129

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

صفحة ٨٤

تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمُ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] مُشِيرٌ إلى أنَّ هَذَيْنِ الحالَيْنِ عَلى التَّنْوِيعِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ، ولَمّا كانَ مَظِنَّةَ التَّطَلُّعِ لِمَعْرِفَةِ تَخْصِيصِ فَرِيقٍ دُونَ فَرِيقٍ، أوْ تَعْمِيمِ العَذابِ، ذَيَّلَهُ بِالحِوالَةِ عَلى إجْمالِ حَضْرَةِ الإطْلاقِ الإلَهِيَّةِ، لِأنَّ أسْرارَ تَخْصِيصِ كُلِّ أحَدٍ بِما يُعَيَّنُ لَهُ، أسْرارٌ خَفِيَّةٌ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خَلَقَ اللَّهُ.

Aal-i-Imraan 3:129Listen in Qur'an →
130

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَٰفًۭا مُّضَٰعَفَةًۭ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allah that you may be successful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ .

لَوْلا أنَّ الكَلامَ عَلى يَوْمِ أُحُدٍ لَمْ يَكْمُلْ، إذْ هو سَيُعادُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٧١] الآيَةَ لَقُلْنا إنَّ قَوْلَهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ اقْتِضابُ تَشْرِيعٍ، ولَكِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِأنْ نَعْتَبِرَهُ اسْتِطْرادًا في خِلالِ الحَدِيثِ عَنْ يَوْمِ أُحُدٍ، ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ المُناسِبَةِ في وُقُوعِهِ في هَذا الأثْناءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا أحْفَظُ سَبَبًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا. وقالَ الفَخْرُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَمّا أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى الأصْلَحِ لَهم في أمْرِ الدِّينِ والجِهادِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ فَقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾ فَلا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها.

وقالَ القَفّالُ: لَمّا أنْفَقَ المُشْرِكُونَ عَلى جُيُوشِهِمْ أمْوالًا جَمَعُوها مِنَ الرِّبا، خِيفَ أنْ يَدْعُوَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ إلى الإقْدامِ عَلى الرِّبا. وهَذِهِ مُناسَبَةٌ مُسْتَبْعَدَةٌ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أنَّ الوَعِيدَ لا يَخُصُّهم بَلْ يَتَناوَلُ العُصاةَ، وذَكَرَ أحَدَ صُوَرِ العِصْيانِ وهي أكْلُ الرِّبا. وهو في ضَعْفِ ما قَبْلَهُ، وعِنْدِي بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنْ لا حاجَةَ إلى اطِّرادِ المُناسَبَةِ، فَإنَّ مُدَّةَ نُزُولِ السُّورَةِ قابِلَةٌ لِأنْ تَحْدُثَ في خِلالِها حَوادِثُ يَنْزِلُ فِيها قُرْآنٌ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ

صفحة ٨٥

السُّورَةِ، كَما بَيَّنّاهُ في المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ، فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ ما نَزَلَ قَبْلَها فَكُتِبَتْ هُنا ولا تَكُونُ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ إذْ هو مُلْحَقٌ إلْحاقًا بِالكَلامِ.

ويَتَّجِهُ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ وجْهِ إعادَةِ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ما سَبَقَ مِن آياتِ سُورَةِ البَقَرَةِ - بِما هو أوْفى مِمّا في هَذِهِ السُّورَةِ، فالجَوابُ: أنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ - سُورَةِ البَقَرَةِ - فَكانَتْ هَذِهِ تَمْهِيدًا لِتِلْكَ، ولَمْ يَكُنِ النَّهْيُ فِيها بالِغًا ما في - سُورَةِ البَقَرَةِ - وقَدْ رُوِيَ أنَّ آيَةَ البَقَرَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا وأنَّ ثَقِيفًا قالُوا: كَيْفَ نُنْهى عَنِ الرِّبا، وهو مِثْلُ البَيْعِ، ويَكُونُ وصْفُ الرِّبا بِ ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ نَهْيًا عَنِ الرِّبا الفاحِشِ وسَكَتَ عَمّا دُونَ ذَلِكَ مِمّا لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الأضْعافِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في - سُورَةِ البَقَرَةِ - ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ دايَنَ بَعْضًا بِالمُراباةِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الرِّبا في مُدَّةِ نُزُولِ قِصَّةِ تِلْكَ الغَزْوَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى أكْلِ الرِّبا، وعَلى مَعْنى الرِّبا، ووَجْهُ تَحْرِيمِهِ في - سُورَةِ البَقَرَةِ - . وقَوْلُهُ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ حالٌ مِنَ الرِّبا والأضْعافُ جَمْعُ ضِعْفٍ - بِكَسْرِ الضّادِ - وهو مُعادِلٌ في المِقْدارِ إذا كانَ الشَّيْءُ ومُماثِلُهُ مُتَلازِمَيْنِ، لا تَقُولُ: عِنْدِي ضِعْفُ دِرْهَمِكَ، إذْ لَيْسَ الأصْلُ عِنْدَكَ، بَلْ يَحْسُنُ أنْ تَقُولَ: عِنْدِي دِرْهَمانِ، وإنَّما تَقُولُ: عِنْدِي …

Aal-i-Imraan 3:130Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.