وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
And [remember] when you, [O Muhammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uhud] - and Allah is Hearing and Knowing -
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللهُ ولِيُّهُما وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
ذَهَبَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِنَ الآياتِ، والظاهِرُ أنَّها اسْتِقْبالُ أمْرٍ آخَرَ. لِأنَّ تِلْكَ مُقاوَمَةٌ في شَأْنِ مُنافِقِي اليَهُودِ، وهَذا ابْتِداءُ عَتْبِ المُؤْمِنِينَ في أمْرِ أُحُدٍ، فالعامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا الغُدُوُّ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَبَوُّئِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي كانَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وخالَفَهُ الناسُ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، وفِيها نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها. وكانَ مِن أمْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في ثَلاثَةِ آلافِ رَجُلٍ، وقَصَدُوا المَدِينَةَ لِيَأْخُذُوا بِثَأْرِهِمْ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَنَزَلُوا عِنْدَ أُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الثانِي عَشَرَ مِن شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَلى رَأْسِ أحَدٍ وثَلاثِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا هُنالِكَ يَوْمَ الخَمِيسِ، ورَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ يُدَبِّرُ ويَنْتَظِرُ أمْرَ اللهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الناسَ واسْتَشارَهُمْ، وأخْبَرَهم أنَّهُ كانَ رَأى في مَنامِهِ بَقَرَةً تُذْبَحُ وثَلْمًا في ذُبابِ سَيْفِهِ، وأنَّهُ يُدْخِلُ يَدَهُ في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنَّهُ تَأوَّلَها المَدِينَةَ، وقالَ لَهُمْ، أرى ألّا نَخْرُجَ إلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: أقِمْ يا رَسُولَ اللهِ ولا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالناسِ، فَإنْ هم أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا مَضَوْا خائِبِينَ، وإنْ جاؤُونا إلى المَدِينَةِ قاتَلْناهم في الأفْنِيَةِ، ورَماهُمُ النِساءُ والصِبْيانُ بِالحِجارَةِ مِنَ الآطامِ، فَواللهِ ما حارَبْنا قَطُّ عَدُوًّا في هَذِهِ المَدِينَةِ إلّا غَلَبْناهُ، ولا خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ إلّا غَلَبَنا، فَوافَقَ هَذا الرَأْيُ رَأْيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ورَأْيَ جَماعَةٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وقالَ قَوْمٌ مِن صُلَحاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ كانَ فاتَتْهُ بَدْرٌ: يا رَسُولَ اللهِ، اخْرُجْ بِنا إلى عَدُوِّنا، وشَجَّعُوا الناسَ ودَعَوْا إلى الحَرْبِ، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلّى بِالناسِ صَلاةَ الجُمُعَةِ وقَدْ جَشَّمَهُ هَؤُلاءِ الداعُونَ إلى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرَ صَلاتِهِ بَيْتَهُ ولَبِسَ سِلاحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ وقالُوا: أكْرَهْنا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِمُ النَبِيُّ ﷺ في سِلاحِهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ أقِمْ إنْ شِئْتَ، فَإنّا لا نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ سِلاحَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ.
ثُمَّ خَرَجَ بِالناسِ، وسارَ حَتّى قَرُبَ مِن عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ هُناكَ، وباتَ تِلْكَ اللَيْلَةَ، وقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي. فَلَمّا كانَ في صَبِيحَةِ يَوْمِ السَبْتِ اعْتَزَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى السَيْرِ إلى مُناجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وهو في ألْفِ رَجُلٍ، فانْخَزَلَ عنهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ بِثَلاثِمِائَةٍ مِنَ الناسِ، مِن مُنافِقٍ ومُتَّبِعٍ، وقالُوا: نَظُنُّ أنَّكم لا تَلْقَوْنَ قِتالًا، ومَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ، في سَبْعِمِائَةٍ، …