Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 111–120 of 200

111

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًۭى ۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ

They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs; then they will not be aided.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وهو إخْبارٌ بِأنَّهم لَوْ قاتَلُوا المُسْلِمِينَ لَصارُوا مُنْهَزِمِينَ مَخْذُولِينَ ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ أنَّهم بَعْدَ صَيْرُورَتِهِمْ مُنْهَزِمِينَ لا يَحْصُلُ لَهم شَوْكَةٌ ولا قُوَّةٌ ألْبَتَّةَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [ القَمَرِ: ٤٤] وكُلُّ ذَلِكَ وعْدٌ بِالفَتْحِ والنُّصْرَةِ والظَّفَرِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى الإخْبارِ عَنْ غُيُوبٍ كَثِيرَةٍ، مِنها أنَّ المُؤْمِنِينَ آمِنُونَ مِن ضَرَرِهِمْ، ومِنها أنَّهم لَوْ قاتَلُوا المُؤْمِنِينَ لانْهَزَمُوا، ومِنها أنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهم قُوَّةٌ وشَوْكَةٌ بَعْدَ الِانْهِزامِ وكُلُّ هَذِهِ الأخْبارِ وقَعَتْ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْها، فَإنَّ اليَهُودَ لَمْ يُقاتِلُوا إلّا انْهَزَمُوا، وما أقْدَمُوا عَلى مُحارَبَةٍ وطَلَبِ رِياسَةٍ إلّا خُذِلُوا، وكُلُّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا وهاهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: هَبْ أنَّ اليَهُودَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ النَّصارى لَيْسُوا كَذَلِكَ فَهَذا يَقْدَحُ في صِحَّةِ هَذِهِ الآياتِ. قُلْنا: هَذِهِ الآياتُ مَخْصُوصَةٌ بِاليَهُودِ، وأسْبابُ النُّزُولِ عَلى ذَلِكَ فَزالَ هَذا الإشْكالُ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا جُزِمَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ .

قُلْنا: عَدَلَ بِهِ عَنْ حُكْمِ الجَزاءِ إلى حُكْمِ الإخْبارِ ابْتِداءً كَأنَّهُ قِيلَ: أُخْبِرُكم أنَّهم لا يُنْصَرُونَ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ لَوْ جُزِمَ لَكانَ نَفْيُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِمُقاتَلَتِهِمْ كَتَوْلِيَةِ الأدْبارِ، وحِينَ رُفِعَ كانَ نَفْيُ النَّصْرِ وعْدًا مُطْلَقًا كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ شَأْنُهم وقِصَّتُهُمُ الَّتِي أُخْبِرُكم عَنْها وأُبَشِّرُكم بِها بَعْدَ التَّوْلِيَةِ أنَّهم لا يَجِدُونَ النُّصْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ قَطُّ بَلْ يَبْقَوْنَ في الذِّلَّةِ والمَهانَةِ أبَدًا دائِمًا.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ؟

الجَوابُ: هو جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُخْبِرُكم أنَّهم إنْ يُقاتِلُوكم يَنْهَزِمُوا، ثُمَّ أُخْبِرُكم أنَّهم لا يُنْصَرُونَ وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ (ثُمَّ) لِإفادَةِ مَعْنى التَّراخِي في المَرْتَبَةِ، لِأنَّ الإخْبارَ بِتَسْلِيطِ الخِذْلانِ عَلَيْهِمْ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِتَوْلِيَتِهِمُ الأدْبارَ.

Aal-i-Imraan 3:111Listen in Qur'an →
112

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍۢ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

They have been put under humiliation [by Allah] wherever they are overtaken, except for a covenant from Allah and a rope from the Muslims. And they have drawn upon themselves anger from Allah and have been put under destitution. That is because they disbelieved in the verses of Allah and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم إنْ قاتَلُوا رَجَعُوا مَخْذُولِينَ غَيْرَ مَنصُورِينَ ذَكَرَ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَعْنى جُعِلَتِ الذِّلَّةُ مُلْصَقَةً بِهِمْ كالشَّيْءِ يُضْرَبُ عَلى الشَّيْءِ فَيَلْصِقُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ما هَذا عَلَيَّ بِضَرْبَةِ لازِبٍ، ومِنهُ تَسْمِيَةُ الخَراجِ ضَرِيبَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الذِّلَّةُ هي الذُّلُّ، وفي المُرادِ بِهَذا الذُّلِّ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: وهو الأقْوى أنَّ المُرادَ أنْ يُحارَبُوا ويُقْتَلُوا وتُغْنَمَ أمْوالُهم وتُسْبى ذَرارِيهِمْ وتُمْلَكَ أراضِيهِمْ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ والمُرادُ إلّا بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ وعِصْمَةٍ وذِمامٍ مِنَ اللَّهِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَزُولُ الأحْكامُ، فَلا قَتْلَ ولا غَنِيمَةَ ولا سَبْيَ.

الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الذِّلَّةَ هي الجِزْيَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ ضَرْبَ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ يُوجِبُ الذِّلَّةَ والصَّغارَ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الذِّلَّةِ أنَّكَ لا تَرى فِيهِمْ مَلِكًا قاهِرًا ولا رَئِيسًا مُعْتَبَرًا، بَلْ هم مُسْتَخَفُّونَ في جَمِيعِ البِلادِ ذَلِيلُونَ مَهِينُونَ.

واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ مِنَ الذِّلَّةِ هي الجِزْيَةُ فَقَطْ أوْ هَذِهِ المَهانَةُ فَقَطْ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَقْتَضِي زَوالَ تِلْكَ الذِّلَّةِ عِنْدَ حُصُولِ هَذا الحَبْلِ، والجِزْيَةُ والصَّغارُ والدَّناءَةُ لا يَزُولُ شَيْءٌ مِنها عِنْدَ حُصُولِ هَذا الحَبْلِ، فامْتَنَعَ حَمْلُ الذِّلَّةِ عَلى الجِزْيَةِ فَقَطْ، وبَعْضُ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ أجابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِأنْ قالَ: إنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ، وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، فَقالَ: اليَهُودُ قَدْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ، سَواءٌ كانُوا عَلى عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ أوْ لَمْ يَكُونُوا فَلا يَخْرُجُونَ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ مِنَ الذِّلَّةِ إلى العِزَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ تَقْدِيرُهُ لَكِنْ قَدْ يَعْتَصِمُونَ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ حَمْلَ لَفْظِ (إلّا) عَلى (لَكِنْ) خِلافُ الظّاهِرِ، وأيْضًا إذا حَمَلْنا الكَلامَ عَلى أنَّ المُرادَ: لَكِنْ قَدْ يَعْتَصِمُونَ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ لَمْ يَتِمَّ هَذا القَدْرُ فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ الشَّيْءِ الَّذِي يَعْتَصِمُونَ بِهَذِهِ الأشْياءِ لِأجْلِ الحَذَرِ عَنْهُ، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ، فَلا يُصارُ إلى هَذِهِ الأشْياءِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَإذا كانَ لا ضَرُورَةَ هاهُنا إلى ذَلِكَ كانَ المَصِيرُ إلَيْهِ غَيْرَ جائِزٍ، بَلْ هَهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُحْمَلَ الذِّلَّةُ عَلى كُلِّ هَذِهِ الأشْياءِ أعْنِي: القَتْلَ، والأسْرَ، وسَبْيَ

صفحة ١٦١

الذَّرارِيِّ، وأخْذَ المالِ، وإلْحاقَ الصَّغارِ، والمَهانَةَ، ويَكُونُ فائِدَةُ الِاسْتِثْناءِ هو أنَّهُ لا يَبْقى مَجْمُوعُ هَذِهِ الأحْكامِ، وذَلِكَ لا …

Aal-i-Imraan 3:112Listen in Qur'an →
113

۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ

They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community standing [in obedience], reciting the verses of Allah during periods of the night and prostrating [in prayer].

صفحة ١٦٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَلامٌ تامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَما وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّ أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم لَيْسُوا سَواءً، وهو تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كانَ تَمامُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ومِنهم أُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، إلّا أنَّهُ أضْمَرَ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ مِن أنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الضِّدِّ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا، فَذِكْرُ أحَدِهِما يَسْتَقِلُّ بِإفادَةِ العِلْمِ بِهِما، فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ إهْمالُ الضِّدِّ الآخَرِ.

قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:

دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّيَ لامْرُؤٌ مُطِيعٌ فَلا أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها

أرادَ (أمْ غَيٌّ) فاكْتَفى بِذِكْرِ الرُّشْدِ عَنْ ذِكْرِ الغَيِّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ قَدْ جَرى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ فَلا حاجَةَ إلى إضْمارِها مَرَّةً أُخْرى، لِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، وهَذا كَما يُقالُ: زَيْدٌ وعَبْدُ اللَّهِ لا يَسْتَوِيانِ زَيْدٌ عاقِلٌ دَيِّنٌ زَكِيٌّ، فَيُغْنِي عَنْ هَذا أنْ يُقالَ: وعَبْدُ اللَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَذا هَهُنا لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ أغْنى ذَلِكَ عَنِ الإضْمارِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَلامٌ غَيْرُ تامٍّ ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عِنْدَهُ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وأُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، فَأُمَّةٌ رُفِعَ بِلَيْسَ وإنَّما قِيلَ (لَيْسُوا) عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا بُدَّ مِن إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ إلّا أنَّ أكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ أنْكَرُوا هَذا القَوْلَ لِاتِّفاقِ الأكْثَرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ وأمْثالُها لُغَةٌ رَكِيكَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ فُلانٌ وفُلانٌ سَواءٌ، أيْ مُتَساوِيانِ وقَوْمٌ سَواءٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ومَضى الكَلامُ في (سَواءٍ) في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٦٤

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ …

Aal-i-Imraan 3:113Listen in Qur'an →
114

يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

They believe in Allah and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.

صفحة ١٦٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَلامٌ تامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَما وقَعَ قَوْلُهُ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ بَيانًا لِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ والمَعْنى أنَّ أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرُهم لَيْسُوا سَواءً، وهو تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ احْتِمالانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كانَ تَمامُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ومِنهم أُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، إلّا أنَّهُ أضْمَرَ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ مِن أنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الضِّدِّ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا، فَذِكْرُ أحَدِهِما يَسْتَقِلُّ بِإفادَةِ العِلْمِ بِهِما، فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ إهْمالُ الضِّدِّ الآخَرِ.

قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:

دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّيَ لامْرُؤٌ مُطِيعٌ فَلا أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها

أرادَ (أمْ غَيٌّ) فاكْتَفى بِذِكْرِ الرُّشْدِ عَنْ ذِكْرِ الغَيِّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ قَدْ جَرى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ فَلا حاجَةَ إلى إضْمارِها مَرَّةً أُخْرى، لِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، وهَذا كَما يُقالُ: زَيْدٌ وعَبْدُ اللَّهِ لا يَسْتَوِيانِ زَيْدٌ عاقِلٌ دَيِّنٌ زَكِيٌّ، فَيُغْنِي عَنْ هَذا أنْ يُقالَ: وعَبْدُ اللَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَذا هَهُنا لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ أغْنى ذَلِكَ عَنِ الإضْمارِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ كَلامٌ غَيْرُ تامٍّ ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عِنْدَهُ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وأُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، فَأُمَّةٌ رُفِعَ بِلَيْسَ وإنَّما قِيلَ (لَيْسُوا) عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا بُدَّ مِن إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ إلّا أنَّ أكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ أنْكَرُوا هَذا القَوْلَ لِاتِّفاقِ الأكْثَرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: أكَلُونِي البَراغِيثُ وأمْثالُها لُغَةٌ رَكِيكَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ فُلانٌ وفُلانٌ سَواءٌ، أيْ مُتَساوِيانِ وقَوْمٌ سَواءٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ومَضى الكَلامُ في (سَواءٍ) في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٦٤

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في المُرادِ بِأهْلِ الكِتابِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ …

Aal-i-Imraan 3:114Listen in Qur'an →
115

وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ

And whatever good they do - never will it be removed from them. And Allah is Knowing of the righteous.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّمانِيَةَ قالَ: ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ، لِأنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، يَتْلُونَ ويَسْجُدُونَ ويُؤْمِنُونَ ويَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ ويُسارِعُونَ، ولَنْ يَضِيعَ لَهم ما يَعْمَلُونَ، والمَقْصُودُ أنَّ جُهّالَ اليَهُودِ لَمّا قالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ إنَّكم خَسِرْتُمْ بِسَبَبِ هَذا الإيمانِ، قالَ تَعالى بَلْ فازُوا بِالدَّرَجاتِ العُظْمى، فَكانَ المَقْصُودُ تَعْظِيمَهم لِيَزُولَ عَنْ قَلْبِهِمْ أثَرُ كَلامِ أُولَئِكَ الجُهّالِ، ثُمَّ هَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ يَرْجِعُ إلى كُلِّ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّ سائِرَ الخَلْقِ يَدْخُلُونَ فِيهِ نَظَرًا إلى العِلَّةِ.

وأمّا الباقُونَ فَإنَّهم قَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ فَهو ابْتِداءُ خِطابٍ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى أنَّ أفْعالَ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ ذُكِرَتْ، ثُمَّ قالَ: وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ مَعاشِرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِكم هَؤُلاءِ، فَلَنْ تُكْفَرُوهُ، والفائِدَةُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ عامًّا بِحَسَبِ اللَّفْظِ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ نَظائِرَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ مُخاطِبَةً لِجَمِيعِ الخَلائِقِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] وأمّا أبُو عَمْرٍو فالمَنقُولُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ بِالقِراءَتَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أيْ لَنْ تُمْنَعُوا ثَوابَهُ وجَزاءَهُ، وإنَّما سُمِّيَ مَنعُ الجَزاءِ كُفْرًا لِوَجْهَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّى إيصالَ الثَّوابِ شُكْرًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] وقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] فَلَمّا سَمّى إيصالَ الجَزاءِ شُكْرًا سَمّى مَنعَهُ كُفْرًا. والثّانِي: أنَّ الكُفْرَ في اللُّغَةِ هو السَّتْرُ فَسُمِّيَ مَنعُ الجَزاءِ كُفْرًا، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الجَحْدِ والسَّتْرِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ فَعَدّاهُ إلى مَفْعُولَيْنِ مَعَ أنَّ شَكَرَ وكَفَرَ لا يَتَعَدَّيانِ إلّا إلى واحِدٍ يُقالُ شَكَرَ النِّعْمَةَ وكَفَرَها.

قُلْنا: لِأنّا بَيَّنّا أنَّ مَعْنى الكُفْرِ هاهُنا هو المَنعُ والحِرْمانُ، فَكانَ كَأنَّهُ قالَ: فَلَنْ تُحْرَمُوهُ، ولَنْ تُمْنَعُوا جَزاءَهُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِالمُوازَنَةِ مِنَ الذّاهِبِينَ إلى الإحْباطِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُصُولِ أثَرِ فِعْلِ العَبْدِ إلَيْهِ، فَلَوِ انْحَبَطَ ولَمْ يَنْحَبِطْ مِنَ المُحْبَطِ بِمِقْدارِهِ شَيْءٌ لَبَطَلَ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [ الزَّلْزَلَةِ: ٧] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ عَدَمِ الحِرْمانِ …

Aal-i-Imraan 3:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ مَرَّةً أحْوالَ الكافِرِينَ في كَيْفِيَّةِ العِقابِ، وأُخْرى أحْوالَ المُؤْمِنِينَ في الثَّوابِ جامِعًا بَيْنَ الزَّجْرِ والتَّرْغِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، فَلَمّا وصَفَ مَن آمَنَ مِنَ الكُفّارِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الحَسَنَةِ أتْبَعَهُ تَعالى بِوَعِيدِ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَوْلانِ. الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ بَعْضُ الكُفّارِ ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا. أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَقْصُودَ رُؤَساءِ اليَهُودِ في مُعانَدَةِ الرَّسُولِ ما كانَ إلّا المالَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] . وثانِيها: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَإنَّ أبا جَهْلٍ كانَ كَثِيرَ الِافْتِخارِ بِمالِهِ ولِهَذا السَّبَبِ نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨] . وثالِثُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ، فَإنَّهُ أنْفَقَ مالًا كَثِيرًا عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ في عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ الكُفّارِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّهم كانُوا يَتَعَزَّزُونَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ، وكانُوا يُعَيِّرُونَ الرَّسُولَ ﷺ وأتْباعَهُ بِالفَقْرِ، وكانَ مِن جُمْلَةِ شُبَهِهِمْ أنْ قالُوا: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ عَلى الحَقِّ لَما تَرَكَهُ رَبُّهُ في هَذا الفَقْرِ والشِّدَّةِ، ولِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، ولا دَلِيلَ يُوجِبُ التَّخْصِيصَ فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى عُمُومِهِ، ولِلْأوَّلِينَ أنْ يَقُولُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (يُنْفِقُونَ) عائِدٌ إلى هَذا المَوْضِعِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: (يُنْفِقُونَ) مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الكُفّارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا أيْضًا مَخْصُوصًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما خَصَّ تَعالى الأمْوالَ والأوْلادَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أنْفَعَ الجَماداتِ هو الأمْوالُ وأنْفَعَ الحَيَواناتِ هو الوَلَدُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الكافِرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِما ألْبَتَّةَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ انْتِفاعِهِ

صفحة ١٦٩

بِسائِرِ الأشْياءِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ ﴿إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقَوْلُهُ: ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ [سبأ: ٣٧] ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا انْتِفاعَ لَهم بِأمْوالِهِمْ ولا بِأوْلادِهِمْ، قالَ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ لا يَبْقَوْنَ في النّارِ أبَدًا فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ …

Aal-i-Imraan 3:116Listen in Qur'an →
117

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍۢ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍۢ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves and destroys it. And Allah has not wronged them, but they wrong themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ أمْوالَ الكُفّارِ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ثُمَّ إنَّهم رُبَّما أنْفَقُوا أمْوالَهم في وُجُوهِ الخَيْراتِ، فَيَخْطُرُ بِبالِ الإنْسانِ أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وبَيَّنَ أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الإنْفاقاتِ، وإنْ كانُوا قَدْ قَصَدُوا بِها وجْهَ اللَّهِ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَثَلُ الشَّبَهُ الَّذِي يَصِيرُ كالعَلَمِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِ فِيما يُشَبَّهُ بِهِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ كُفْرَهم يُبْطِلُ ثَوابَ نَفَقَتِهِمْ، كَما أنَّ الرِّيحَ البارِدَةَ تُهْلِكُ الزَّرْعَ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَثَلُ إنْفاقِهِمْ هو الحَرْثُ الَّذِي هَلَكَ، فَكَيْفَ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالرِّيحِ البارِدَةِ المُهْلِكَةِ ؟

قُلْنا: المَثَلُ قِسْمانِ مِنهُ ما حَصَلَتْ فِيهِ المُشابَهَةُ بَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ وإنْ لَمْ تَحْصُلِ المُشابَهَةُ بَيْنَ أجْزاءِ الجُمْلَتَيْنِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالتَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، ومِنهُ ما حَصَلَتِ المُشابَهَةُ فِيهِ بَيْنَ المَقْصُودِ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، وبَيْنَ أجْزاءِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، فَإذا جَعَلْنا هَذا المَثَلَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ زالَ السُّؤالُ، وإنْ جَعَلْناهُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي فَفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: مَثَلُ الكُفْرِ في إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ، كَمَثَلِ الرِّيحِ المُهْلِكَةِ لِلْحَرْثِ. الثّانِي: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ، كَمَثَلِ مُهْلَكِ رِيحٍ، وهو الحَرْثُ. الثّالِثُ: لَعَلَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ إلى ما أنْفَقُوا في إيذاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَمْعِ العَساكِرِ عَلَيْهِ، وكانَ هَذا الإنْفاقُ مُهْلِكًا

صفحة ١٧٠

لِجَمِيعِ ما أتَوْا بِهِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والبِرِّ وحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ التَّشْبِيهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إضْمارٍ وتَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ، والتَّقْدِيرُ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِما أتَوْا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ في كَوْنِها مُبْطِلَةً لِلْحَرْثِ، وهَذا الوَجْهُ خَطَرَ بِبالِي عِنْدَ كِتابَتِي عَلى هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّ إنْفاقَهم في إيذاءِ الرَّسُولِ ﷺ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الكُفْرِ ومِن أشَدِّها تَأْثِيرًا في إبْطالِ آثارِ أعْمالِ البِرِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذا الإنْفاقِ عَلى قَوْلَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ هاهُنا هو جَمِيعُ أعْمالِهِمُ الَّتِي يَرْجُونَ الِانْتِفاعَ بِها في الآخِرَةِ، سَمّاهُ اللَّهُ إنْفاقًا كَما سَمّى ذَلِكَ بَيْعًا وشِراءً في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ أعْمالِ الخَيْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] والمُرادُ جَمِيعُ أنْواعِ الِانْتِفاعاتِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأشْبَهُ أنَّ المُرادَ إنْفاقُ الأمْوالِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم …

Aal-i-Imraan 3:117Listen in Qur'an →
118

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةًۭ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves, for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ شَرَعَ في تَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُخالَطَةِ الكافِرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ مَن هم ؟ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّهم هُمُ اليَهُودُ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يُشاوِرُونَهم في أُمُورِهِمْ ويُؤانِسُونَهم لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الرَّضاعِ والحِلْفِ ظَنًّا مِنهم أنَّهم وإنْ خالَفُوهم في الدِّينِ فَهم يَنْصَحُونَ لَهم في أسْبابِ المَعاشِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَنْهُ، وحُجَّةُ أصْحابِ هَذا القَوْلِ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُخاطَبَةٌ مَعَ اليَهُودِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا كَذَلِكَ. الثّانِي: أنَّهم هُمُ المُنافِقُونَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَغْتَرُّونَ بِظاهِرِ أقْوالِ المُنافِقِينَ ويَظُنُّونَ أنَّهم صادِقُونَ فَيُفْشُونَ إلَيْهِمُ الأسْرارَ ويُطْلِعُونَهم عَلى الأحْوالِ الخَفِيَّةِ، فاللَّهُ تَعالى مَنَعَهم عَنْ ذَلِكَ، وحُجَّةُ أصْحابِ هَذا القَوْلِ أنَّ ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِاليَهُودِ بَلْ هو صِفَةُ المُنافِقِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . الثّالِثُ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ أصْنافِ الكُفّارِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ فَمَنَعَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَهْيًا عَنْ جَمِيعِ الكُفّارِ وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هاهُنا رَجُلٌ مِن أهْلِ الحَيْرَةِ نَصْرانِيٌّ لا يُعْرَفُ أقْوى حِفْظًا ولا أحْسَنُ خَطًّا مِنهُ، فَإنْ رَأيْتَ أنْ تَتَّخِذَهُ كاتِبًا، فامْتَنَعَ عُمَرُ مِن ذَلِكَ وقالَ: إذَنِ اتَّخَذْتُ بِطانَةً مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ جَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ، وأمّا ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِن أنَّ ما بَعْدَ الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ فَهَذا لا يَمْنَعُ عُمُومَ أوَّلِ الآيَةِ، فَإنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ أوَّلَ الآيَةِ إذا كانَ عامًّا وآخِرَها إذا كانَ خاصًّا لَمْ يَكُنْ خُصُوصُ آخِرِ الآيَةِ مانِعًا مِن عُمُومِ أوَّلِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حاتِمٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ: بَطَنَ فُلانٌ بِفُلانٍ يُبْطِنُ بِهِ بُطُونًا وبِطانَةً، إذا كانَ خاصًّا بِهِ داخِلًا في أمْرِهِ، فالبِطانَةُ مَصْدَرٌ يُسَمّى بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وبِطانَةُ الرَّجُلِ خاصَّتُهُ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ أمْرَهُ وأصْلُهُ مِنَ البَطْنِ خِلافُ الظَّهْرِ، ومِنهُ بِطانَةُ الثَّوْبِ خِلافُ ظِهارَتِهِ، والحاصِلُ أنَّ الَّذِي يَخُصُّهُ الإنْسانُ بِمَزِيدِ التَّقْرِيبِ يُسَمّى بِطانَةً لِأنَّهُ …

Aal-i-Imraan 3:118Listen in Qur'an →
119

هَٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it. And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن تَحْذِيرِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مُخالَطَةِ المُنافِقِينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ السَّيِّدُ السَّرَخْسِيُّ سَلَّمَهُ اللَّهُ: (ها) لِلتَّنْبِيهِ و(أنْتُمْ) مُبْتَدَأٌ و﴿أُولاءِ﴾ خَبَرُهُ و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿أُولاءِ﴾ بِمَعْنى الَّذِينَ و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ صِلَةٌ لَهُ، والمَوْصُولُ مَعَ الصِّلَةِ خَبَرُ (أنْتُمْ) وقالَ الفَرّاءُ ﴿أُولاءِ﴾ خَبَرٌ و﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا ثَلاثَةً، كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى أنَّ المُؤْمِنَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ غَيْرَ المُؤْمِنِ بِطانَةً لِنَفْسِهِ. فالأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. أحَدُها: قالَ المُفَضَّلُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ تُرِيدُونَ لَهُمُ الإسْلامَ وهو خَيْرُ الأشْياءِ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ لِأنَّهم يُرِيدُونَ بَقاءَكم عَلى الكُفْرِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يُوجِبُ الهَلاكَ. الثّانِي: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ما بَيْنَكم وبَيْنَهم مِنَ الرَّضاعَةِ والمُصاهَرَةِ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْلِمِينَ. الثّالِثُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم أظْهَرُوا لَكُمُ الإيمانَ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّ الكُفْرَ مُسْتَقِرٌّ في باطِنِهِمْ. الرّابِعُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِمَعْنى أنَّكم لا تُرِيدُونَ إلْقاءَهم في الآفاتِ والمِحَنِ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بِمَعْنى أنَّهم يُرِيدُونَ إلْقاءَكم في الآفاتِ والمِحَنِ ويَتَرَبَّصُونَ بِكُمُ الدَّوائِرَ. الخامِسُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم يُظْهِرُونَ لَكم مَحَبَّةَ الرَّسُولِ، ومُحِبُّ المَحْبُوبِ مَحْبُوبٌ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّكم تُحِبُّونَ الرَّسُولَ وهم يُبْغِضُونَ الرَّسُولَ، ومُحِبُّ المَبْغُوضِ مَبْغُوضٌ. السّادِسُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أيْ تُخالِطُونَهم، وتُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَكم في أُمُورِ دِينِكم ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أيْ لا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِكم.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها إشارَةٌ إلى الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِكَوْنِ المُؤْمِنِينَ يُحِبُّونَهم ولِكَوْنِهِمْ يُبْغِضُونَ المُؤْمِنِينَ، فالكُلُّ داخِلٌ تَحْتِ الآيَةِ، ولَمّا عَرَّفَهم تَعالى كَوْنَهم مُبْغِضِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ وعَرَّفَهم أنَّهم مُبْطِلُونَ في ذَلِكَ البُغْضِ صارَ ذَلِكَ داعِيًا مِن حَيْثُ الطَّبْعِ، ومِن حَيْثُ الشَّرْعِ إلى أنْ يَصِيرَ المُؤْمِنُونَ مُبْغِضِينَ لِهَؤُلاءِ المُنافِقِينَ.

* * *

والسَّبَبُ الثّانِي لِذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِما بَيَّنّا أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا فَكانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ (الكِتابَ) بِلَفْظِ الواحِدِ لِوُجُوهٍ. أحَدُها: أنَّهُ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الجِنْسِ كَقَوْلِهِمْ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ. وثانِيها: أنَّ المَصْدَرَ لا يُجْمَعُ إلّا عَلى التَّأْوِيلِ، فَلِهَذا لَمْ يَقُلِ الكُتُبَ بَدَلًا مِنَ الكِتابِ، وإنْ كانَ …

Aal-i-Imraan 3:119Listen in Qur'an →
120

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌۭ يَفْرَحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allah, their plot will not harm you at all. Indeed, Allah is encompassing of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ وصْفِ المُنافِقِينَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم مَعَ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ مُتَرَقِّبُونَ نُزُولَ نَوْعٍ مِنَ المِحْنَةِ والبَلاءِ بِالمُؤْمِنِينَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَسُّ أصْلُهُ بِاليَدِ ثُمَّ يُسَمّى كُلُّ ما يَصِلُ إلى الشَّيْءِ (ماسًّا) عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، فَيُقالُ: فُلانٌ مَسَّهُ التَّعَبُ والنَّصَبُ، قالَ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وقالَ: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ [الإسراء: ٦٧] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَسُّ هاهُنا بِمَعْنى الإصابَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ [التوبة: ٥٠] وقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وقالَ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الحَسَنَةِ هاهُنا مَنفَعَةُ الدُّنْيا عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها، فَمِنها صِحَّةُ البَدَنِ وحُصُولُ الخِصْبِ والفَوْزُ بِالغَنِيمَةِ والِاسْتِيلاءُ عَلى الأعْداءِ وحُصُولُ المَحَبَّةِ والأُلْفَةِ بَيْنَ الأحْبابِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئَةِ أضْدادُها، وهي المَرَضُ والفَقْرُ والهَزِيمَةُ والِانْهِزامُ مِنَ العَدُوِّ وحُصُولُ التَّفَرُّقِ بَيْنَ الأقارِبِ، والقَتْلُ والنَّهْبُ والغارَةُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَحْزَنُونَ ويَغْتَمُّونَ بِحُصُولِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الحَسَنَةِ لِلْمُسْلِمِينَ ويَفْرَحُونَ بِحُصُولِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ السَّيِّئَةِ لَهم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ ساءَ الشَّيْءُ يَسُوءُ فَهو سَيِّئٌ، والأُنْثى سَيِّئَةٌ أيْ قَبُحَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] والسَّوْأى ضِدُّ الحُسْنى.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾ يَعْنِي عَلى طاعَةِ اللَّهِ وعَلى ما يَنالُكم فِيها مِن شِدَّةٍ وغَمٍّ (وتَتَّقُوا) كُلَّ ما نَهاكم عَنْهُ وتَتَوَكَّلُوا في أُمُورِكم عَلى اللَّهِ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: (لا يَضِرْكم) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضّادِ وسُكُونِ الرّاءِ، وهو مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ، ويَضُورُهُ ضَوْرًا إذا ضَرَّهُ، والباقُونَ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ بِضَمِّ الضّادِ والرّاءِ المُشَدَّدَةِ وهو مِنَ الضُّرِّ، وأصْلُهُ يَضْرُرْكم جَزْمًا، فَأُدْغِمَتِ الرّاءُ في الرّاءِ ونُقِلَتْ ضَمَّةُ الرّاءِ الأُولى إلى الضّادِ وضُمَّتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ اتِّباعًا لِأقْرَبِ الحَرَكاتِ وهي ضَمَّةُ الضّادِ، وقالَ بَعْضُهم: هو عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ تَقْدِيرُهُ: ولا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (لا يَضُرَّكم) بِفَتْحِ الرّاءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَيْدُ هو أنْ يَحْتالَ الإنْسانُ لِيُوقِعَ غَيْرَهُ في مَكْرُوهٍ، وابْنُ عَبّاسٍ فَسَّرَ الكَيْدَ هاهُنا بِالعَداوَةِ.

صفحة ١٧٨

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (شَيْئًا) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أيْ شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ كُلَّ مَن صَبَرَ عَلى أداءِ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى واتَّقى كُلَّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ كانَ في حِفْظِ اللَّهِ فَلا يَضُرُّهُ كَيْدُ الكافِرِينَ ولا حِيَلُ المُحْتالِينَ. …

Aal-i-Imraan 3:120Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.