Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 111–120 of 200

111

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًۭى ۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ

They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs; then they will not be aided.

ولَمّا كانَتْ مُخالَفَةُ الأكْثَرِ قاصِمَةً خَفَّفَ عَنْ أوْلِيائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الضُّرُّ - كَما تَقَدَّمَ عَنِ الحَرالِّيِّ - إيلامَ الجِسْمِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الحَواسِّ؛ والأذى إيلامَ النَّفْسِ؛ وما يَتْبَعُها مِنَ الأحْوالِ؛ أطْلَقَ الضُّرَّ هُنا عَلى جُزْءِ مَعْناهُ؛ وهو مُطْلَقُ الإيلامِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا أذًى﴾؛ أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ؛ وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِتَصْوِيرِ مَفْهُومَيِ الأذى؛ والضُّرِّ؛ لِيُسْتَحْضَرَ في الذِّهْنِ؛ فَيَكُونَ الِاسْتِثْناءُ أدَلَّ عَلى نَفْيِ وُصُولِهِمْ إلى المُواجَهَةِ؛ ﴿وإنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾؛ أيْ: يَوْمًا مِنَ الأيّامِ؛ ﴿يُوَلُّوكُمُ﴾ صَرَّحَ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ نَصًّا في المَطْلُوبِ؛ ﴿الأدْبارَ﴾؛ أيْ: انْهِزامًا؛ ذُلًّا؛ وجُبْنًا.

ولَمّا كانَ المَوْلى قَدْ تَعُودُ لَهُ كَرَّةٌ بَعْدَ فَرَّةٍ؛ قالَ - عادِلًا عَنْ حُكْمِ الجَزاءِ؛ لِئَلّا يُفْهَمَ التَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ؛ مُشِيرًا بِحَرْفِ التَّراخِي إلى عَظِيمِ رُتْبَةِ خِذْلانِهِمْ -: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾؛ أيْ: لا يَكُونُ لَهم ناصِرٌ مِن غَيْرِهِمْ أبَدًا؛ وإنْ طالَ المَدى؛ فَلا تَهْتَمُّوا بِهِمْ؛ ولا بِأحَدٍ يُمالِئُهم مِنَ المُنافِقِينَ؛ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ؛ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا؟! لَمْ يُقاتِلُوا في مَوْطِنٍ إلّا كانُوا كَذَلِكَ.

Aal-i-Imraan 3:111Listen in Qur'an →
112

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍۢ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

They have been put under humiliation [by Allah] wherever they are overtaken, except for a covenant from Allah and a rope from the Muslims. And they have drawn upon themselves anger from Allah and have been put under destitution. That is because they disbelieved in the verses of Allah and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا الذُّلِّ؛ أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِأنَّهُ في كُلِّ زَمانٍ؛ وكُلِّ مَكانِ؛ مُعامَلَةً مِنهُ لَهم بِضِدِّ ما أرادُوا؛ فَعَوَّضَهم عَنِ الحِرْصِ عَلى الرِّئاسَةِ إلْزامَهُمُ الذِّلَّةَ؛ وعَنِ الإخْلادِ إلى المالِ إسْكانَهُمُ المُسَكَنَةَ؛ وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَهم طَوْقُ الحَمامَةِ؛ غَيْرُ مُزائِلِهِمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؛ باقٍ في أعْقابِهِمْ بِأفْعالِهِمْ هَذِهِ الَّتِي لَمْ يُنابِذْهم فِيها الأعْقابُ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى – مُسْتَأْنِفًا -: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾؛ وهي الِانْقِيادُ كُرْهًا؛ وأحاطَتْ بِهِمْ كَما يُحِيطُ البَيْتُ المَضْرُوبُ بِساكِنِهِ؛ ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]؛ أيْ وجَدَهم مَن هو حاذِقٌ؛ خَفِيفٌ؛ فَطِنٌ؛ في كُلِّ مَكانٍ؛ وعَلى كُلِّ حالٍ؛ ﴿إلا﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ مُعْتَصِمِينَ؛ ﴿بِحَبْلٍ﴾؛ أيْ: عَهْدٍ وثِيقٍ مُسَبِّبٍ لِلْأمانِ؛ وهو عَهْدُ الجِزْيَةِ؛ وما شاكَلَهُ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الحائِزِ لِجَمِيعِ العَظَمَةِ؛ ﴿وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: قاطِبَةً: الَّذِينَ آمَنُوا وغَيْرِهِمْ؛ مُوافِقٍ لِذَلِكَ الحَبْلِ الَّذِي مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.

ولَمّا كانَ الذُّلُّ رُبَّما كانَ مَعَ الرِّضا؛ ولَوْ مِن وجْهٍ؛ قالَ: ﴿وباءُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الحالِ الصّالِحِ؛ ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ مُلازِمٍ لَهُمْ؛ ولَمّا كانَ الوَصْفانِ قَدْ يَصْحَبُهُما اليَسارُ؛ قالَ: ﴿وضُرِبَتْ﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِمُ﴾؛ أيْ: كَما يُضْرَبُ البَيْتُ؛ ﴿المَسْكَنَةُ﴾؛ أيْ: الفَقْرُ؛ لِيَكُونُوا بِهَذِهِ الأوْصافِ أعْرَقَ شَيْءٍ في الذُّلِّ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”لِمَ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ؟“؛ فَقِيلَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الإلْزامُ لَهم بِما ذُكِرَ؛ ﴿بِأنَّهُمْ﴾؛ أيْ: أسْلافَهُمُ الَّذِينَ رَضُوا هم فِعْلَهُمْ؛ ﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ الكُفْرَ مَعَ الِاسْتِمْرارِ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ وذَلِكَ أعْظَمُ الكُفْرِ؛ لِمُشاهَدَتِهِمْ لَها؛ مَعَ اشْتِمالِها مِنَ العِظَمِ عَلى ما يَلِيقُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ﴾؛ أيْ: الآتِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حَقًّا؛ عَلى كَثْرَتِهِمْ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ جَمْعُ التَّكْسِيرِ؛ فَهو أبْلَغُ مِمّا في أوَّلِها؛ الأبْلَغِ مِمّا في ”البَقَرَةِ“؛ لِيَكُونَ ذَمُّهم عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي؛ كَما هي قاعِدَةُ الحِكْمَةِ.

ولَمّا كانُوا مَعْصُومِينَ دِينًا؛ ودُنْيا؛ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ أيْ: يُبِيحُ قَتْلَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ إقْدامَهم عَلى هَذا الكُفْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الكُفْرُ؛ والقَتْلُ العَظِيمانِ؛ ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿يَعْتَدُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ تَكْلِيفَ أنْفُسِهِمْ الِاعْتِداءَ؛ فَإنَّ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي؛ والِاسْتِهانَةَ بِمُجاوَزَةِ الحُدُودِ يُهَوِّنُ الكُفْرَ؛ فَقالَ الأصْفَهانِيُّ: قالَ أرْبابُ المُعامَلاتِ: مَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الآدابِ؛ وقَعَ في تَرْكِ السُّنَنِ؛ ومَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ السُّنَنِ وقَعَ في تَرْكِ الفَرائِضِ؛ ومَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الفَرائِضِ وقَعَ في اسْتِحْقارِ الشَّرِيعَةِ؛ ومَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وقَعَ في الكُفْرِ؛ والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى مُؤاخَذَةِ الِابْنِ الرّاضِي بِذَنْبِ الأبِ؛ وإنْ عَلا؛ وذَلِكَ طِبْقَ ما رَأيْتُهُ في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ الَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآنَ؛ قالَ في السِّفْرِ الثّانِي: وقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَمِيعَ هَذِهِ الآياتِ؛ كُلَّها: (أنا الرَّبُّ؛ إلَهُكَ الَّذِي أصْعَدْتُكَ مِن أرْضِ …

Aal-i-Imraan 3:112Listen in Qur'an →
113

۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ

They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community standing [in obedience], reciting the verses of Allah during periods of the night and prostrating [in prayer].

ولَمّا كانَ السِّياقُ رُبَّما أفْهَمَ أنَّهم كُلَّهم كَذَلِكَ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ نافِيًا لِذَلِكَ -: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الأفْعالِ؛ يُثْنِي - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلى مَن أقْبَلَ عَلى الحَقِّ مِنهُمْ؛ وخَلَعَ الباطِلَ؛ ولَمْ يُراعِ سَلَفًا؛ ولا خَلَفًا بَعِيدًا؛ ولا قَرِيبًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - بَيانًا لِعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ -: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾؛ فَأظْهَرَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى خُصُوصِ مَن حَكَمَ بِتَكْفِيرِهِمْ؛ ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ يَحِقُّ لَها أنْ تُؤَمَّ؛ ﴿قائِمَةٌ﴾؛ أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ عَلى ما أتاها بِهِ نَبِيُّها في الثَّباتِ عَلى ما شَرَعَهُ؛ مُتَهَيِّئَةٌ بِالقِيامِ لِلِانْتِقالِ عَنْهُ عِنْدَ مَجِيءِ النّاسِخِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ؛ ووَصَفَهُ؛ غَيْرُ زائِغَةٍ بِالإيمانِ بِبَعْضِهِ؛ والكُفْرِ بِبَعْضِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الحامِلَ عَلى الِاسْتِقامَةِ؛ فَقالَ: ﴿يَتْلُونَ﴾ أيْ: يُتابِعُونَ مُسْتَمِرِّينَ؛ ﴿آياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: عَلاماتِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ المُنَزَّلَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا لَبْسَ فِيها؛ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾؛ أيْ: ساعاتِهِ؛ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾؛ أيْ: يُصَلُّونَ في غايَةِ الخُضُوعِ؛

Aal-i-Imraan 3:113Listen in Qur'an →
114

يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

They believe in Allah and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.

ثُمَّ ذَكَرَ ما أثْمَرَ لَهُمُ التَّهَجُّدُ؛ فَقالَ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ إشارَةً إلى اسْتِحْضارِهِمْ لِعَظَمَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ وتَناهِي الكَمالِ؛ ما حَيَّرَ العُقُولَ؛ وأتْبَعَهُ اليَوْمَ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ عَظَمَتُهُ كُلُّها؛ لِأنَّهُ الحامِلُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ فَقالَ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: إيمانًا يَعْرِفُ أنَّهُ حَقٌّ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ؛ بِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَعارِفِ الَّتِي ما لَها مِن نَفادٍ؛ فَيَتَجَدَّدُ تَهَجُّدُهُمْ؛ فَتَثْبُتُ اسْتِقامَتُهم.

ولَمّا وصَفَهم بِالِاسْتِقامَةِ في أنْفُسِهِمْ؛ وصَفَهم بِأنَّهم يُقَوِّمُونَ غَيْرَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: مُجَدِّدِينَ ذَلِكَ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ؛ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ لِذَلِكَ؛ ولَمّا ذَكَرَ فِعْلَهم لِلْخَيْرِ ذَكَرَ نَشاطَهم فِي جَمِيعِ أنْواعِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأُولَئِكَ مِنَ المُسْتَقِيمِينِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ إشارَةً إلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَقِمْ لَمْ يَصْلُحْ لِشَيْءٍ؛ وأرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”وأكْثَرُهم لَيْسُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ“.

Aal-i-Imraan 3:114Listen in Qur'an →
115

وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ

And whatever good they do - never will it be removed from them. And Allah is Knowing of the righteous.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما فَعَلُوا مِن خَيْرٍ فَهو بِعَيْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ يَشْكُرُهُ لَهُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما يَفْعَلُوا﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ ﴿مِن خَيْرٍ﴾؛ مِن إنْفاقٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾؛ بَلْ هو مَشْكُورٌ لَكُمْ؛ بِسَبَبِ فِعْلِكُمْ؛ وبُنِيَ لِلْمَجْهُولِ تَأدُّبًا مَعَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ولِيَكُونَ عَلى طَرِيقِ المُتَكَبِّرِينَ؛ وعُطِفَ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِكُلِّ ما يَفْعَلُهُ الفاعِلُونَ“؛ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾؛ مِنَ الفاعِلِينَ الَّذِينَ كانَتِ التَّقْوى حامِلَةً لَهم عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ فَهو يُثِيبُهم أعْظَمَ الثَّوابِ؛ وبِغَيْرِهِمْ فَهو يُعاقِبُهم بِما يُرِيدُ مِنَ العِقابِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ فَأمْرُها واضِحٌ في نَظْمِها بِما قُلْتُهُ.

Aal-i-Imraan 3:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

ولَمّا رَغَّبَهم في الإنْفاقِ بِما يَشْمَلُ كُلَّ خَيْرٍ؛ وأخْبَرَهم بِأنَّهُ عالِمٌ بِدِقِّهِ؛ وجُلِّهِ؛ وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ دَأْبَ إسْرائِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ عَلى وجْهٍ أنْتَجَ أنَّ بَنِيهِ كاذِبُونَ في ادِّعائِهِمْ أنَّهم عَلى مِلَّةِ جَدِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ حَذَّرَ مِنهُمْ؛ وخَتَمَ ما خَتَمَهُ بِالمُتَّقِينَ؛ بِالتَّرْغِيبِ في الخَيْرِ؛ بِما انْدَرَجَ فِيهِ الإنْفاقُ الَّذِي قَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ أنَّهُ مِن صِفَةِ المُتَّقِينَ المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ الَّتِي هي أشْرَفُ آناءِ اللَّيْلِ؛ وكانَ مِمّا يَمْنَعُ مِنهُ خَوْفُ الفَقْرِ؛ والنُّزُولِ عَنْ حالِ المُوسِرِينَ مِنَ الكُفّارِ المُفاخِرِينَ بِالإكْثارِ؛ المُعَيَّرِينَ بِالإقْلالِ مِنَ المالِ؛ والوَلَدِ؛ وُقُوفًا مَعَ الحالِ الدُّنْيَوِيِّ؛ وكانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِن أحَدٍ مِنهم في الآخِرَةِ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا؛ أعْقَبَ هَذا بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ عَلى وجْهٍ أعَمَّ؛ فَقالَ - واصِفًا أضْدادَ مَن تَقَدَّمَ؛ نافِيًا ما يَعْتَقِدُونَ مِن أنَّ أعْمالَهُمُ الصُّورِيَّةَ تَنْفَعُهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ بِالمَيْلِ عَنِ المَنهَجِ القَوِيمِ؛ وإنِ ادَّعَوُا الإيمانَ بِهِ نِفاقًا؛ أوْ غَيْرَهُ؛ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ كَثُرَتْ؛ ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾؛ وإنْ عَظُمَتْ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الإغْناءِ؛ تَأْكِيدًا لِما قَرَّرَ مِن عَدَمِ نُصْرَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ الَّذِينَ حَمَلَهم عَلى إيثارِ الكُفْرِ عَلى الإيمانِ اسْتِجْلابُ الأمْوالِ؛ والرِّئاسَةُ عَلى الأتْباعِ؛ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الكُفّارِ - كَما قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ - سَواءً.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾؛ أيْ: هم مُخْتَصُّونَ بِها؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما يُفِيدُ مُلازَمَتَها؛ فَقالَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛

Aal-i-Imraan 3:116Listen in Qur'an →
117

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍۢ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍۢ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves and destroys it. And Allah has not wronged them, but they wrong themselves.

ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: ”فَما حالُ ما يَبْذُلُونَهُ في المَكارِمِ؛ ويُواسُونَ بِهِ في المَغارِم؟“؛ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا؛ جَعَلَهُ هَباءً مَنثُورًا؛ ضائِعًا؛ - وإنْ كَثُرَ - بُورًا؛ كَأنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَوابًا لِهَذا السُّؤالِ: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ المالِ؛ وحَقَّرَ قَصْدَهم بِتَحْقِيرِ مَحَطِّهِ؛ فَقالَ: ﴿فِي هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: عَلى وجْهِ القُرْبَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ لِكَوْنِهِمْ ضَيَّعُوا الوَجْهَ الَّذِي بِهِ يُقْبَلُ؛ وهو الإخْلاصُ؛ ومَثَلُ إنْفاقِهِمْ لَهُ مِثْلُ حَرْثٍ أُصِيبَ بِالرِّيحِ؛ ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾؛ أيْ: بَرْدٌ شَدِيدٌ؛ ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾؛ مَوْصُوفِينَ بِأنَّهم ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِالبِناءِ عَلى غَيْرِ أساسِ الإيمانِ؛ ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾؛ فَمَثَلُ ما يُنْفِقُونَ - في كَوْنِهِ لَمْ يَنْفَعْهم في الدُّنْيا بِإنْتاجِ ما أرادُوا في الدُّنْيا؛ وضَرَّهم في الدّارَيْنِ؛ أمّا في الدُّنْيا فَبِضَياعِهِ في غَيْرِ شَيْءٍ؛ وأمّا في الآخِرَةِ فَبِالمُعاقَبَةِ عَلَيْهِ لِتَضْيِيعِ أساسِهِ - وقَصْدِهِمُ الفاسِدِ بِهِ؛ مِثْلُ الزَّرْعِ المَوْصُوفِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَنْفَعْ أهْلَهُ المَوْصُوفِينَ؛ بَلْ ضَرَّهم في الدُّنْيا بِضَياعِهِ؛ وفي الآخِرَةِ بِما قَصَدُوا بِهِ مِنَ المَقْصُودِ الفاسِدِ؛ ومَثَلُ إنْفاقِهِمْ لَهُ - في كَوْنِهِ ضَرَّهُمْ؛ ولَمْ يَنْفَعْهم - مِثْلُ الرِّيحِ؛ في كَوْنِها ضَرَّتِ الزَّرْعَ؛ ولَمْ تَنْفَعْهُ؛ فَلَمّا كانَتِ الرِّيحُ المَوْصُوفَةُ أمْرًا مُشاهَدًا جَلِيًّا؛ جُعِلَتْ في إهْلاكِها مَثَلًا لِضَياعِ إنْفاقِهِمُ الَّذِي هو أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ خَفِيٌّ؛ ولَمّا كانَ الزَّرْعُ المُحْتَرِقُ أمْرًا مَحْسُوسًا؛ جُعِلَ فِيما حَصَلَ لَهُ بَعْدَ التَّعَبِ مِنَ العَطَبِ؛ مِثالًا لِأمْرٍ مَعْقُولٍ؛ وهو أمْوالُهُمْ؛ في كَوْنِ إنْفاقِهِمْ إيّاها لَمْ يُثْمِرْ لَهم شَيْئًا غَيْرَ الخَسارَةِ؛ والتَّعَبِ؛ فالمَثَلانِ؛ ضَياعُ الزَّرْعِ؛ والإنْفاقِ؛ وضَياعُ الزَّرْعِ أظْهَرُ؛ فَهو مَثَلٌ لِضَياعِ الإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ أخْفى؛ وقَدْ بانَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ: حُذِفَ أوَّلًا مَثَلُ الإنْفاقِ؛ لِدَلالَةِ الرِّيحِ عَلَيْهِ؛ وثانِيًا الحَرْثُ؛ لِدَلالَةِ ما يُنْفَقُ عَلَيْهِ.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مَوْصُوفًا بِأنَّهُ الحَكَمُ؛ العَدْلُ؛ القائِمُ بِالقِسْطِ؛ وأنَّهُ لا يَنْسى خَيْرًا فُعِلَ؛ قالَ - دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ ذَلِكَ بِخْسٌ -: ﴿وما ظَلَمَهُمُ﴾؛ أيْ: المُمَثَّلَ بِهِمْ؛ والمُمَثَّلَ لَهُمْ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ المَلِكُ الأعْظَمُ الغَنِيُّ الغِنى المُطْلَقَ؛ لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ؛ وقَدْ كَفَرُوا؛ أمّا المُمَثَّلُ لَهم فَبِكَوْنِهِمْ أنْفَقُوا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ؛ وأمّا المُمَثَّلُ بِهِمْ فَبِكَوْنِهِمْ لَمْ يَحْرُسُوا زَرْعَهم بِالطّاعاتِ؛ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهْلَ الطّاعاتِ تَحْرُسُ ضَوائِعَهم مِنَ الآفاتِ؛ وتَخْرِقُ فِيها العاداتِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ﴾؛ ولَمّا كانَ المُمَثَّلُ لِأجْلِهِمُ؛ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ أعَمَّ مِن أنْ يَمُوتُوا عَلَيْهِ؛ أوْ يُسْلِمُوا؛ لَمْ يُعَبِّرْ في الظُّلْمِ بِما تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ مِن فِعْلِ الكَوْنِ؛ وقالَ: ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ فَأفادَ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَضْيِيعِهِمُ الأساسَ بِكُفْرِهِمْ؛ وأنَّ ظُلْمَهم مَقْصُورٌ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها؛ وإنْ ظَهَرَ لِإنْفاقِهِمْ نِكايَةٌ في عَدُوِّهِمْ؛ فَإنَّ العاقِبَةَ لِما كانَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ كانَتْ نِكايَتُهم كالعَدَمِ؛ بَلْ هي زِيادَةٌ …

Aal-i-Imraan 3:117Listen in Qur'an →
118

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةًۭ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves, for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

ولَمّا كانَ الجَمالُ بِالمالِ؛ لا سِيَّما مَعَ الإنْفاقِ؛ مِن أعْظَمِ المُرَغِّباتِ في المُوالاةِ؛ وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ صَيَّرَتْ جَمِيلَهُ قَبِيحًا؛ وبَذُولَهُ شَحِيحًا؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - - مُكَرِّرًا التَّنْبِيهَ عَلى مَكْرِ ذَوِي الأمْوالِ؛ والجَمالِ؛ الَّذِينَ يُرِيدُونَ إيقاعَ الفِتْنَةِ بَيْنَهم مِنَ اليَهُودِ؛ والمُنافِقِينَ؛ لِيَضْمَحِلَّ أمْرُهُمْ؛ وتَزُولَ شَوْكَتُهُمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: إيمانًا صَحِيحًا؛ مُصَدَّقًا ادِّعاؤُهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي مِن أعْظَمِهِ الحُبُّ في اللَّهِ؛ والبُغْضُ في اللَّهِ؛ ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾؛ أيْ: مَن تُباطِنُونَهم بِأسْرارِكُمْ؛ وتَخْتَصُّونَهم بِالمَوَدَّةِ والصَّفاءِ؛ ومُبادَلَةِ المالِ؛ والوَفاءِ؛ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾؛ أيْ: لَيْسُوا مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ وعَبَّرَ بِذَلِكَ إعْلامًا بِأنَّهم يَهْضِمُونَ أنْفُسَهم ويُنْزِلُونَها عَنْ عَلِيِّ دَرَجَتِها بِمُوادَّتِهِمْ؛ ثُمَّ وصَفَهم تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾؛ أيْ: يَقْصُرُونَ بِكم مِن جِهَةِ الفَسادِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ أيْضًا: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾؛ أيْ: تَمَنَّوْا مَشَقَّتَكم.

ولَمّا كانَ هَذا قَدْ يَخْفى؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ - مُعَلِّلًا -: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾؛ أيْ: هي بَيِّنَةٌ في حَدِّ ذاتِها؛ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في إخْفائِها؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا امْتَلَأ مِن شَيْءٍ غَلَبَهُ بِفَيْضِهِ؛ ولَكِنَّكم لِحُسْنِ ظَنِّكُمْ؛ وصَفاءِ نِيّاتِكُمْ؛ لا تَتَأمَّلُونَها؛ فَتَأمَّلُوا؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ عِلْمِهِ - سُبْحانَهُ - قَطْعًا؛ وعِلْمِ الفَطِنِ مِن عِبادِهِ بِالقِياسِ ظَنًّا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾؛ مِمّا ظَهَرَ عَلى سَبِيلِ الغَلَبَةِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عَلى طَرِيقِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ بَيَّنّا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لَكُمُ﴾؛ أيْ: بِهَذِهِ الجُمَلِ؛ ﴿الآياتِ﴾؛ أيْ: الدّالاتِ عَلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ ومَعْرِفَةِ الشَّقِيِّ؛ والسَّعِيدِ؛ والمُخالِفِ؛ والمُؤالِفِ؛ وزادَهم إلْهابًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿تَعْقِلُونَ﴾؛

Aal-i-Imraan 3:118Listen in Qur'an →
119

هَٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it. And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts."

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ مُلَخَّصِ حالِهِمْ مَعَهُمْ؛ فَقالَ - مُنَبِّهًا؛ أوْ مُبْدِلًا الهاءَ مِن هَمْزَةِ الإنْكارِ -: ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ﴾؛ أيْ: المُؤْمِنُونَ المُسْلِمُونَ المُسْتَسْلِمُونَ؛ ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾؛ أيْ: لِاغْتِرارِكم بِإقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ لِصَفاءِ بَواطِنِكُمْ؛ ﴿ولا﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم لا ﴿يُحِبُّونَكُمْ﴾؛ لِمُخالَفَتِهِمْ لَكم في الدِّينِ؛ فَإنَّهم كاذِبُونَ في إقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ ﴿وتُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ ﴿بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾؛ أيْ: ويَكْفُرُونَ هم بِهِ كُلِّهِ؛ إمّا بِالقَصْدِ الأوَّلِ؛ وإمّا بِالإيمانِ بِالبَعْضِ؛ والكُفْرِ بِالبَعْضِ؛ ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا﴾؛ أيْ: لَكم ﴿آمَنّا﴾؛ لِتَغْتَرُّوا بِهِمْ؛ ﴿وإذا خَلَوْا﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ وصَوَّرَ شِدَّةَ حَنَقِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ﴾؛ لِما يَرَوْنَ مِنَ ائْتِلافِكُمْ؛ وحُسْنِ أحْوالِكُمْ؛ ﴿الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾؛ أيْ: المُفْرِطِ مِنكُمْ؛ ومَن جَعَلَ الهاءَ في ﴿ها أنْتُمْ﴾؛ بَدَلًا عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ؛ فالمُرادُ عِنْدَهُ: ”أأنْتُمْ يا هَؤُلاءِ القُرَباءُ مِنِّي تُحِبُّونَهُمْ؛ والحالُ أنَّهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن مُنابَذَتِكُمْ؛ وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْنَةِ؛ بِصَفاءِ الأفْكارِ؛ وعَلِيِّ الآراءِ بِقَبُولِكُمُ الحَقَّ كُلَّهُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ كَيِّسٌ فَطِنٌ؛ فَهو اسْتِفْهامٌ - وإنْ كانَ مِن وادِي التَّوْبِيخِ - المُرادُ بِهِ التَّنْبِيهُ والتَّهْيِيجُ المُنْقَلُ مِن سافِلِ الدِّرَكاتِ إلى عالِي الدَّرَجاتِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ. ولَمّا كانُوا كَأنَّهم قالُوا:“فَما نَفْعَلُ؟"؛ قالَ مُخاطِبًا لِلرَّأْسِ المَسْمُوعِ الأمْرِ؛ المُجابِ الدُّعاءِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لَهُمْ؛ ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾؛ أيْ: ازْدِراءً بِهِمْ؛ ودُعاءً عَلَيْهِمْ؛ بِدَوامِ الغَيْظِ مِنَ القَهْرِ؛ وزِيادَتِهِ؛ حَتّى يُمِيتَهُمْ؛ ولَمّا كانُوا يَحْلِفُونَ عَلى نَفْيِ هَذا لِيُرْضُوهم قالَ (تَعالى) مُؤَكِّدًا لِما أخْبَرَ بِهِ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الحَقِيقَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: فَلا تَظُنُّوا أنَّهُ أرادَ بَعْضَ ما يُتَجَوَّزُ بِالغَيْظِ عَنْهُ.

Aal-i-Imraan 3:119Listen in Qur'an →
120

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌۭ يَفْرَحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allah, their plot will not harm you at all. Indeed, Allah is encompassing of what they do.

ولَمّا كانَ ما أخْبَرَتْ بِهِ هَذِهِ الجُمَلُ مِن بُغْضِهِمْ؛ وشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ؛ مُحْتاجًا؛ لِيَصِلَ إلى المُشاهَدَةِ؛ إلى بَيانٍ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَمْسَسْكُمْ﴾؛ أيْ: مُجَرَّدَ مَسٍّ؛ ﴿حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا شُهُودِيًّا؛ ولَكِنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا؛ أتْبَعَهُ الصَّرِيحَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْكُمْ﴾؛ أيْ: بِقُوَّةِ مَرِّها؛ وشِدَّةِ وقْعِها؛ وضُرِّها؛ ﴿سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُبَكِّتًا غائِظًا مُؤْلِمًا؛ داواهم بِالإشارَةِ إلى النَّصْرِ؛ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ التَّقْوى؛ والصَّبْرِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: تَكُونُوا مِن أهْلِ الصَّبْرِ والتَّقْوى؛ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؛ أيْ: فَهو يُعِدُّ لِكُلِّ كَيْدٍ ما يُبْطِلُهُ؛ والمَعْنى- عَلى قِراءَةِ الخِطابِ -: ”بِعَمَلِكم كُلِّهِ؛ فَمَن صَبَرَ واتَّقى ظَفَّرْتُهُ؛ ومَن عَمِلَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ انْتَقَمْتُ مِنهُ“.

Aal-i-Imraan 3:120Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.