Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 111–120 of 200

111

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًۭى ۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ

They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs; then they will not be aided.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١١ ] ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى﴾ أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ لا يُبالى بِهِ مِن طَعْنٍ وتَهْدِيدٍ: ﴿وإنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ أيْ: يَوْمًا مِنَ الأيّامِ: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ يَعْنِي مُنْهَزِمِينَ مَخْذُولِينَ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ يَعْنِي لا يَكُونُ لَهم النَّصْرُ عَلَيْكم، بَلْ تُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ، ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ؟ لَمْ يُقاتِلُوا في مَوْطِنٍ إلّا كانُوا كَذَلِكَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَإنَّهم يَوْمَ خَيْبَرَ أذَلَّهم اللَّهُ، وأرْغَمَ أُنُوفَهم، وكَذَلِكَ مَن قَبْلَهم مَن يَهُودِ المَدِينَةِ: بَنِي قَيْنُقاعٍ، وبَنِي النَّضِيرِ، وبَنِي قُرَيْظَةَ، كُلُّهم أذَلَّهم اللَّهُ. وكَذَلِكَ النَّصارى بِالشّامِ، كَسَرَهم الصَّحابَةُ في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ وسَلَبُوهم مُلْكَ الشّامِ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ. ولا تَزالُ عِصابَةُ الإسْلامِ قائِمَةً بِالشّامِ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وهم كَذَلِكَ، ويَحْكُمَ بِمِلَّةِ الإسْلامِ، وشَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ولا يَقْبَلُ إلّا الإسْلامَ.

لَطائِفُ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا جَزَمَ المَعْطُوفَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ؟

قُلْتُ: عَدَلَ بِهِ عَنْ حُكْمِ الجَزاءِ إلى حُكْمِ الإخْبارِ ابْتِداءً، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ أُخْبِرُكم أنَّهم لا يُنْصَرُونَ.

فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَ رَفْعِهِ وجَزْمِهِ في المَعْنى ؟

قُلْتُ: لَوْ جُزِمَ لَكانَ نَفْيُ النَّصْرِ مُقَيَّدًا بِمُقاتَلَتِهِمْ، كَتَوْلِيَةِ الأدْبارِ، وحِينَ رُفِعَ كانَ نَفْيُ النَّصْرِ وعْدًا مُطْلَقًا كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ شَأْنُهم وقِصَّتُهم الَّتِي أُخْبِرُكم عَنْها وأُبَشِّرُكم بِها بَعْدَ التَّوْلِيَةِ أنَّهم مَخْذُولُونَ مُنْتَفٍ عَنْهم النَّصْرُ والقُوَّةُ لا يَنْهَضُونَ بَعْدَها بِجَناحٍ، ولا يَسْتَقِيمُ لَهم أمْرٌ، وكانَ كَما أخْبَرَ مِن حالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعٍ ويَهُودِ خَيْبَرَ.

فَإنْ قُلْتَ: فَما الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ هَذا الخَبَرُ ؟

قُلْتُ: جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَزاءِ. كَأنَّهُ قِيلَ: أُخْبِرُكم أنَّهم إنْ يُقاتِلُوكم يَنْهَزِمُوا، ثُمَّ أُخْبِرُكم أنَّهم لا يُنْصَرُونَ.

فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى التَّراخِي في ثُمَّ ؟

قُلْتُ: التَّراخِي في المَرْتَبَةِ، لِأنَّ الإخْبارَ بِتَسْلِيطِ الخِذْلانِ عَلَيْهِمْ أعْظَمُ مِنَ الإخْبارِ بِتَوْلِيَتِهِمْ الأدْبارَ.

قالَ النّاصِرُ بْنُ المُنِيرِ: وهَذا مِنَ التَّرَقِّي في الوَعْدِ عَمّا هو أدْنى إلى ما هو أعْلى، لِأنَّهم وُعِدُوا بِتَوْلِيَةِ عَدُوِّهِمْ الأدْبارَ عِنْدَ المُقابَلَةِ، ثُمَّ تَرَقّى الوَعْدُ إلى ما هو أتَمُّ في النَّجاحِ مِن أنَّ هَؤُلاءِ لا يُنْصَرُونَ مُطْلَقًا، ويَزِيدُ هَذا التَّرَقِّي بِدُخُولِ ثُمَّ دُونَ الواوِ. فَإنَّها تُسْتَعارُ هَهُنا لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لا في الوُجُودِ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ هَهُنا ما هو أعْلى في الِامْتِنانِ، وأسْمَحُ في رُتَبِ الإحْسانِ، وهو أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُنْصَرُونَ البَتَّةَ - واَللَّهُ أعْلَمُ - .

Aal-i-Imraan 3:111Listen in Qur'an →
112

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍۢ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

They have been put under humiliation [by Allah] wherever they are overtaken, except for a covenant from Allah and a rope from the Muslims. And they have drawn upon themselves anger from Allah and have been put under destitution. That is because they disbelieved in the verses of Allah and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٢ ] ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: أُحِيطَ بِهِمْ الهَوانُ والصَّغارُ كَما يُحِيطُ البَيْتُ المَضْرُوبُ بِساكِنِيهِ أيْنَما وُجِدُوا، وقَوْلُهُ: ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ بِتَقْدِيرِ: إلّا مُعْتَصِمِينَ أوْ مُتَمَسِّكِينَ أوْ مُلْتَبِسِـينَ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، وهو اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ عامِّ الأحْوالِ، والمَعْنى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةَ في عامَّةِ الأحْوالِ، إلّا في حالِ اعْتِصامِهِمْ بِحَبْلِ اللَّهِ وحَبْلِ النّاسِ، يَعْنِي: ذِمَّةَ اللَّهِ وذِمَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ: لا عِزَّ لَهم قَطُّ إلّا هَذِهِ الواحِدَةُ وهي التِجاؤُهم إلى الذِّمَّةِ لِما قَبِلُوهُ مِنَ الجِزْيَةِ. كَذا في (الكَشّافِ) ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: اسْتَوْجَبُوهُ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ أيْ: الفَقْرُ، لِيَكُونُوا بِهَذِهِ الأوْصافِ أعْرَقَ شَيْءٍ في الذُّلِّ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ضُرِبَتْ المَسْكَنَةُ والذِّلَّةُ والغَضَبُ: ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: اسْتِكْبارًا وعُتُوًّا: ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ﴾ أيْ: الآتِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقًّا. ولَمّا كانُوا مَعْصُومِينَ دِينًا ودُنْيا قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أيْ: يُبِيحُ القَتْلَ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أيْ: ضَرْبُ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ في الدُّنْيا واسْتِيجابُ الغَضَبِ في الآخِرَةِ، كَما هو مُعَلَّلٌ بِكُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ الأنْبِياءَ، فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِلَّةِ العِلَّةِ، وهو الكُفْرُ والقَتْلُ، أيْ: حَصَلا مِنهم بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، فَإنَّ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي، والِاسْتِهانَةَ بِمُجاوَزَةِ الحُدُودِ يُهَوِّنُ الكُفْرَ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: قالَ أرْبابُ المُعامَلاتِ: مَن ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الآدابِ وقَعَ في تَرْكِ السُّنَنِ. ومَن ابْتُلِيَ بِتَرْكِ السُّنَنِ وقَعَ في تَرْكِ الفَرائِضِ، ومَن ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الفَرائِضِ وقَعَ في اسْتِحْقارِ الشَّرْعِيَّةِ، ومَن ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وقَعَ في الكُفْرِ.

قالَ بُرْهانُ الدِّينِ البِقاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى مُؤاخَذَةِ الِابْنِ الرّاضِي بِذَنْبِ الأبِ وإنْ عَلا. وذَلِكَ طِبْقَ ما رَأيْتُهُ في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ الَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، لِأنَّهُ قالَ في السِّفْرِ الثّانِي: وقالَ اللَّهُ جَمِيعُ هَذِهِ الآياتِ كُلِّها أنا الرَّبُّ إلَهُكَ الَّذِي أصْعَدْتُكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ ولا يَكُونُ لَكَ آلِهَةٌ، لا تَعْمَلَنَّ شَيْئًا مِنَ الأصْنامِ والتَّماثِيلِ الَّتِي مِمّا في السَّماءِ فَوْقُ، وفي الأرْضِ مِن تَحْتٍ، ومِمّا في الماءِ أسْفَلَ الأرْضِ، لا تَسْجُدَنَّ لَها ولا تَعْبُدَنَّها؛ لِأنِّي أنا الرَّبُّ إلَهُكَ غَيُورٌ آخُذُ الأبْناءَ بِذُنُوبِ الآباءِ إلى ثَلاثَةِ أحْقابٍ وأرْبَعَةِ خُلُوفٍ وأُثْبِتُ النِّعْمَةَ إلى ألْفِ حُقْبٍ لِأحْبارِي وحافِظِي وصايايَ - انْتَهى - .

Aal-i-Imraan 3:112Listen in Qur'an →
113

۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ

They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community standing [in obedience], reciting the verses of Allah during periods of the night and prostrating [in prayer].

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٣ ] ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾

﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ تَمْهِيدًا لِلثَّناءِ عَلى مَن أقْبَلَ عَلى الحَقِّ مِن أهْلِ الكِتابِ، وخَلَعَ الباطِلَ ولَمْ يُراعِ سَلَفًا ولا خَلَفًا، وتَذْكِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] أيْ: لَيْسَ أهْلُ الكِتابِ مُتَساوِينَ ومُتَشارِكِينَ في المَساوِئِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ بَيانًا لِعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾

فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قائِمَةٌ﴾ وُجُوهٌ:

اَلْأوَّلُ: أنَّها قائِمَةٌ في الصَّلاةِ، وعَبَّرَ عَنْ تَهَجُّدِهِمْ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ في ساعاتِ اللَّيْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]

والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ عَلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ الحَقِّ، مُلازِمَةٌ لَهُ، غَيْرُ مُضْطَرِبَةٍ في التَّمَسُّكِ بِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أيْ: مُلازِمًا لِلِاقْتِضاءِ، ثابِتًا عَلى المُطالَبَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]

اَلثّالِثُ: أنَّها مُسْتَقِيمَةٌ عادِلَةٌ مِن قَوْلِكَ: أقَمْتُ العُودَ فَقامَ، بِمَعْنى اسْتَقامَ، والآناءُ: الأوْقاتُ، واحِدُها (إنًا) مِثْلُ (مِعًى) و(أمْعاءٌ) و(إنّى) مِثْلُ (نِحّى) و(أنْحاءٌ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، ولَيْسَتْ حالًا مِن فاعِلِ: ﴿يَتْلُونَ﴾ لِما صَحَّ في السُّـنَّةِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ التِّلاوَةِ في السُّجُودِ، وذَلِكَ فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إلّا إنِّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأ القُرْآنَ راكِعًا أوْ ساجِدًا، فَأمّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وأمّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجابَ لَكم»» . فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهم يَقُومُونَ تارَةً ويَسْجُدُونَ أُخْرى، يَبْتَغُونَ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وهم يُصَلُّونَ، والصَّلاةُ تُسَمّى سُجُودًا وسَجْدَةً كَما تُسَمّى رُكُوعًا ورَكْعَةً وتَسْبِيحًا وتَسْبِيحَةً. وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ يَجُوزُ فِيها الوَجْهانِ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِصِفاتٍ أُخَرَ، مُبَيِّنَةٍ لِمُبايَنَتِهِمْ اليَهُودَ مِن جِهَةٍ أُخْرى، بِقَوْلِهِ:

Aal-i-Imraan 3:113Listen in Qur'an →
114

يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

They believe in Allah and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٤ ] ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ. وظاهِرٌ أنَّ الإيمانَ بِاَللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الإيمانَ بِجَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ. والإيمانَ بِاليَوْمِ الآخِرِ يَسْتَلْزِمُ الحَذَرَ مِن اَلْمَعاصِي، وهَؤُلاءِ اليَهُودِ يُنْكِرُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ، ولا يَحْتَرِزُونَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهم الإيمانُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ تَعْرِيضٌ بِمُداهَنَةِ اليَهُودِ في الِاحْتِسابِ، بَلْ بِتَعْكِيسِهِمْ في الأمْرِ بِإضْلالِ النّاسِ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ أمْرٌ بِالمُنْكَرِ ونَهْيٌ عَنْ المَعْرُوفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى جامِعَةٌ لِفُنُونِ المَحاسِنِ المُتَعَلِّقَةِ بِالنَّفْسِ وبِالغَيْرِ. والمُسارَعَةُ في الخَيْرِ فَرْطُ الرَّغْبَةِ فِيهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَباطُؤِ اليَهُودِ فِيها، بَلْ بِمُبادَرَتِهِمْ إلى الشُّرُورِ: ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيْ: المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: مِن عِدادِ مَن صَلُحَتْ أحْوالُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى واسْتَحَقُّوا رِضاهُ، والوَصْفُ بِالصَّلاحِ دالٌّ عَلى أكْمَلِ الدَّرَجاتِ. فَهو غايَةُ المَدْحِ، ولِذا وُصِفَتْ بِهِ الأنْبِياءُ في التَّنْزِيلِ:

Aal-i-Imraan 3:114Listen in Qur'an →
115

وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ

And whatever good they do - never will it be removed from them. And Allah is Knowing of the righteous.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٥ ] ﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾

﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أيْ: لَنْ يَعْدَمُوا ثَوابَهُ. وإيثارُ صِيغَةِ المَجْهُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ. وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالخِطابِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم وهَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ هم المَذْكُورُونَ في آخِرِ السُّورَةِ ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآيَةُ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ البِقاعِيُّ: أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: وأكْثَرُهم لَيْسُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ. وقالَ الرّازِيُّ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] كانَ تَمامُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ومِنهم أُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ. إلّا أنَّهُ أضْمَرَ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ مِن أنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الضِّدِّ الآخَرِ. وتَحْقِيقُهُ: أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا. فَذِكْرُ أحَدِهِما يَسْتَقِلُّ بِإفادَةِ العِلْمِ بِهِما، فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ إهْمالُ الضِّدِّ الآخَرِ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:

؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ مُطِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلاَبُها

أرادَ: أمْ غَيٌّ، فاكْتَفى بِذِكْرِ الرُّشْدِ عَنْ الغَيِّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ لِأنَّ ذِكْرَها قَدْ جَرى قَبْلُ، ولِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ العِلْمَ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا، فَذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ. كَما يُقالُ زَيْدٌ وعَمْرٌو لا يَسْتَوِيانِ، زَيْدٌ عاقِلٌ دَيِّنٌ ذَكِيٌّ، فَيُغْنِي هَذا عَنْ أنْ يُقالَ: وعَمْرٌو لَيْسَ كَذَلِكَ. فَكَذا هَهُنا. لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: لَيْسُوا سَواءً. أغْنى عَنْ ذَلِكَ الإضْمارِ - انْتَهى مُلَخَّصًا - أقُولُ: لا مانِعَ مِن كَوْنِ الآيَةِ الآتِيَةِ هي الشِّقُّ الثّانِي المُقابِلُ لِلْأوَّلِ. فَإنَّ عُنْوانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُقابِلٌ بِمَفْهُومِهِ لِما قَبِلَهُ كَما لا يَخْفى. واَللَّهُ أعْلَمُ.

Aal-i-Imraan 3:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لَنْ تَدْفَعَ عَنْهم: ﴿(أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)﴾ أيْ: مِن عَذابِ اللَّهِ، وإنْ كانَ التَّصَدُّقُ بِالأمْوالِ يُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، ويَغْفِرُ لَهم بِمَوْتِ أوْلادِهِمْ، أوْ اسْتِغْفارِهِمْ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ أمْوالَ الكُفّارِ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ثُمَّ إنَّهم رُبَّما أنْفَقُوها في وُجُوهِ الخَيْراتِ، فَيَخْطُرُ في البالِ أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِها، فَأزالَ تِلْكَ الشُّبْهَةَ، وضَرَبَ لَها مَثَلًا بِذَهابِها هَباءً مَنثُورًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Aal-i-Imraan 3:116Listen in Qur'an →
117

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍۢ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍۢ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves and destroys it. And Allah has not wronged them, but they wrong themselves.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٧ ] ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مِنَ المَكارِمِ ويُواسُونَ فِيهِ مِنَ المَغارِمِ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أيْ: بَرْدٌ شَدِيدٌ كالصَّرْصَرِ: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي فَباؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ: ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾ فَكَذا رِيحُ الكُفْرِ إذا أصابَتْ حَرْثَ إنْفاقِ قَوْمِهِ تُهْلِكُهُ. فَصارَ الظُّلْمُ رِيحًا لِحُصُولِهِ مِن هَوى النَّفْسِ ذاتَ بُرُودَةٍ شَدِيدَةٍ لِكَوْنِهِ ظُلْمَ الكُفْرِ الَّذِي هو المَوْتُ المَعْنَوِيُّ فَأهْلَكَتْهُ - قالَهُ المَهايِمِيُّ - .

﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بِإهْلاكِ حَرْثِهِمْ بِإرْسالِ رِيحٍ مِن عِنْدِهِ: ﴿ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِإرْسالِ رِيحِ الظُّلْمِ الكُفْرِيِّ عَلى حَرْثِهِمْ الأُخْرَوِيِّ.

لَطائِفُ:

إنْ قِيلَ: الغَرَضُ تَشْبِيهُ ما أنْفَقُوا في ضَياعِهِ، بِالحَرْثِ الَّذِي ضَرَبَتْهُ الصِّرُّ، وقَدْ جُعِلَ ما يُنْفِقُونَ مُمَثَّلًا بِالرِّيحِ، فَما وجْهُ المُطابَقَةِ لِلْغَرَضِ ؟ أُجِيبُ: بِأنَّ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ وهو ما حَصَلَتْ فِيهِ المُشابَهَةُ بَيْنَ ما هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ، وإنْ لَمْ تَحْصُلْ المُشابَهَةُ بَيْنَ أجْزائَيْهِما، والمَقْصُودُ: تَشْبِيهُ الحالِ بِالحالِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: مَثَلُ إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ إهْلاكِ رِيحٍ، أوْ: مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ مُهْلِكِ رِيحٍ فَتَحْصُلُ المُشابَهَةُ.

قالَ ناصِرُ الدِّينِ في (الِانْتِصافِ): والأقْرَبُ أنَّ يُقالَ أصْلُ الكَلامِ - واَللَّهُ أعْلَمُ - مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ حَرْثِ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأصابَتْهُ رِيحٌ فِيها صِرٌّ فَأهْلَكَتْهُ، ولَكِنْ خُولِفَ هَذا النَّظْمُ في المَثَلِ المَذْكُورِ لِفائِدَةٍ جَلِيلَةٍ، وهو تَقْدِيمُ ما هو أهَمُّ، لِأنَّ الرِّيحَ الَّتِي هي مَثَلُ العَذابِ، ذِكْرُها في سِياقِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ أهَمُّ مِن ذِكْرِ الحَرْثِ. فَقُدِّمَتْ عِنايَةً بِذِكْرِها، واعْتِمادًا عَلى أنَّ الأفْهامَ الصَّحِيحَةَ تَسْتَخْرِجُ المُطابَقَةَ بِرَدِّ الكَلامِ إلى أصْلِهِ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ. ومِثْلُ هَذا، في تَحْوِيلِ النَّظْمِ لِمِثْلِ هَذِهِ الفائِدَةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةُ. ومِثْلُهُ أيْضًا: أعْدَدْتُ هَذِهِ الخَشَبَةَ أنْ يَمِيلَ الحائِطُ فَأُدَعِّمُهُ، والأصْلُ: أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى إنْ ضَلَّتْ. وأنْ أُدَعِّمَ بِها الحائِطَ إذا مالَ، وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، واَللَّهُ المُوَفِّقُ.

Aal-i-Imraan 3:117Listen in Qur'an →
118

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةًۭ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves, for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٨ ] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ أيْ: أصْحابًا يَسْتَبْطِنُونَ أمْرَكم مِن دُونِ أبْناءِ جِنْسِكم وهم المُسْلِمُونَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِطانَةُ الرَّجُلِ ووَلِيجَتُهُ: خَصِيصُهُ وصَفِيُّهُ الَّذِي يُفْضِي إلَيْهِ بِشُقُورِهِ ثِقَةً بِهِ. شُبِّهَ بِبِطانَةِ الثَّوْبِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ شِعارِي - انْتَهى - ومِن أمْثالِ العَرَبِ في سِرارِ الرَّجُلِ إلى أخِيهِ ما يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ: أفْضَيْتُ إلَيْهِ بِشُقُورِي - بِضَمِّ الشِّينِ وقَدْ تُفْتَحُ - أيْ: أخْبَرْتُهُ بِأمْرِي، وأطْلَعْتُهُ عَلى ما أُسِرُّهُ مِن غَيْرِهِ. وفي القامُوسِ وشَرْحِهِ: البِطانَةُ: الصّاحِبُ لِلسِّرِّ الَّذِي يُشاوَرُ في الأحْوالِ، والوَلِيجَةُ: هو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالوُلُوجِ والِاطِّلاعِ عَلى باطِنِ الأمْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: البِطانَةُ الدُّخَلاءُ الَّذِينَ يَنْبَسِطُ إلَيْهِمْ ويُسْتَبْطَنُونَ، يُقالُ: فُلانٌ بِطانَةٌ لِفُلانٍ، أيْ: مُداخِلٌ لَهُ مُؤانِسٌ، وهَؤُلاءِ المَنهِيُّ عَنْهم، إمّا أهْلُ الكِتابِ، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهم اليَهُودُ. وذَلِكَ لِأنَّ السِّياقَ في السُّورَةِ، والسِّباقَ مَعَهم. وقَدْ كانَ بَيْنَ الأنْصارِ وبَيْنَ مُجاوِرِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ ما هو مَعْرُوفٌ مِن سابَقَ الرِّضاعِ والحِلْفِ. وإمّا المُنافِقُونَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا﴾ [آل عمران: ١١٩] إلَخْ، وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] إلَخْ. ورُبَّما كانَ يَغْتَرُّ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ بِظاهِرِ أقْوالِ المُنافِقِينَ ويَظُنُّونَ أنَّهم صادِقُونَ فَيُفْشُونَ إلَيْهِمْ الأسْرارَ. وإمّا جَمِيعُ أصْنافِ الكُفّارِ وُقُوفًا مَعَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ هَهُنا غُلامًا مِن أهْلِ الحِيرَةِ نَصْرانِيًّا، حافِظٌ كاتِبٌ، فَلَوْ اتَّخَذْتَهُ كاتِبًا ؟ فَقالَ: قَدْ اتَّخَذْتُ إذَنْ بِطانَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ.

قالَ الرّازِيُّ: فَقَدْ جَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى النَّهْيِ مِن اتِّخاذِ النَّصْرانِيِّ بِطانَةً.

وقالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: فَفي هَذا الأثَرِ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُهم في الكِتابَةِ الَّتِي فِيها اسْتِطالَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ، واطِّلاعٌ عَلى دَواخِلِ أُمُورِهِمْ الَّتِي يُخْشى أنْ يُفْشُوها إلى الأعْداءِ مِن أهْلِ الحَرْبِ.

وقالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): قالَ الكِيا الهَرّاسِيُّ: في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الِاسْتِعانَةُ بِأهْلِ الذِّمَّةِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِ المُسْلِمِينَ - انْتَهى - .

ووَجْهُ ذَلِكَ - كَما قالَ القاشانِيُّ -: أنَّ بِطانَةَ الرَّجُلِ صَفِيُّهُ وخَلِيصُهُ الَّذِي يُبْطِنُهُ ويَطَّلِعُ عَلى أسْرارِهِ، ولا يُمْكِنُ وُجُودُ مِثْلِ هَذا الصَّدِيقِ إلّا إذا اتَّحَدا في المَقْصِدِ …

Aal-i-Imraan 3:118Listen in Qur'an →
119

هَٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it. And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts."

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى خَطَأهم في مُوالاتِهِمْ حَيْثُ يَبْذُلُونَها لِأهْلِ البَغْضاءِ بِقَوْلِهِ:

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١١٩ ] ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أيْ: تُخالِطُونَهم وتُفْشُونَ إلَيْهِمْ أسْرارَكم ولا يَفْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ بِكم، وقَوْلُهُ: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ الواوُ لِلْحالِ وهي مُنْتَصِبَةٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في (لا يُحِبُّونَكم) والمَعْنى: لا يُحِبُّونَكم والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ فَلا تُنْكِرُونَ مِنهُ شَيْئًا، فَلَيْسَ فِيكم ما يُوجِبُ بُغْضَهم لَكم. فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم يَكْفُرُونَ بِكِتابِكم كُلِّهِ ؟ .

ولَمْ تُجْعَلْ الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى (ولا يُحِبُّونَكم) أوْ (تُحِبُّونَهم) كَما ارْتَضاهُ أبُو حَيّانَ لِأنَّهُ في مَعْرِضِ التَّخْطِئَةِ. ولا كَذَلِكَ الإيمانُ بِالكِتابِ فَإنَّهُ مَحْضُ الصَّوابِ. وإنْ اعْتُذِرَ لَهُ بِأنَّ المَعْنى: يَجْمَعُونَ بَيْنَ مَحَبَّةِ الكُفّارِ والإيمانِ وهُما لا يَجْتَمِعانِ، لِبُعْدِهِ، والحالِيَّةُ مُقَرِّرَةٌ لِلْخَطَأِ فَتَأمَّلْ، نَقَلَهُ الخَفاجِيُّ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ بِأنَّهم في باطِلِهِمْ أصْلَبُ مِنكم في حَقِّكم. ونَحْوُهُ: ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نِفاقًا وتَغْرِيرًا: ﴿وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ: مِن أجْلِهِ، تَأسُّفًا وتَحَسُّرًا. حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا إلى التَّشَفِّي سَبِيلًا. وعَضُّ الأنامِلِ عادَةُ النّادِمِ العاجِزِ، والمُغْتاظُ إذا عَظُمَ حُزْنُهُ عَلى فَواتِ مَطْلُوبِهِ. ولَمّا كَثُرَ هَذا الفِعْلُ مِنَ الغَضْبانِ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ اَلْغَضَبِ. حَتّى يُقالَ في الغَضْبانِ: إنَّهُ يَعَضُّ يَدَهُ غَيْظًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ عَضٌّ: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَزْدادَ غَيْظُهم حَتّى يَهْلِكُوا بِهِ. والمُرادُ بِزِيادَةِ الغَيْظِ: زِيادَةُ ما يَغِيظُهم مِن قُوَّةِ الإسْلامِ وعِزِّ أهْلِهِ. وما لَهم في ذَلِكَ مِنَ الذُّلِّ والخِزْيِ والتَّبارِ. كَذا في (الكَشّافِ): ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَيَعْلَمُ ما في صُدُورِهِمْ مِنَ البَغْضاءِ والحَنَقِ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن (المَقُولِ) أيْ: وقُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ غَيْظًا. وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ بِمَعْنى: قُلْ لَهم ذَلِكَ لا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ، فَإنِّي عَلِيمٌ بِالأخْفى مِن ضَمائِرِهِمْ. وقِيلَ: هو أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطِيبِ النَّفْسِ، وقُوَّةِ الرَّجاءِ، والِاسْتِبْشارِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَهْلَكُوا غَيْظًا بِإعْزازِ الإسْلامِ وإذْلالِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ثَمَّتَ قَوْلٌ. كَأنَّهُ قِيلَ: حَدِّثْ نَفْسَكَ بِذَلِكَ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ -

Aal-i-Imraan 3:119Listen in Qur'an →
120

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌۭ يَفْرَحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allah, their plot will not harm you at all. Indeed, Allah is encompassing of what they do.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى تَناهِيَ عَداوَتِهِمْ بِقَوْلِهِ:

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ١٢٠ ] ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ﴾ بِظُهُورِكم عَلى العَدُوِّ، ونَيْلِكم الغَنِيمَةَ، وخِصْبِ مَعاشِكم، وتَتابُعِ النّاسُ في دِينِكم: ﴿تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ﴾ بِإصابَةِ العَدُوِّ مِنكم، أوْ اخْتِلافِ بَيْنِكم، أوْ جَدْبٍ أوْ بَلِيَّةٍ: ﴿يَفْرَحُوا بِها﴾ ولا يَعْلَمُونَ ما لِلَّهِ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ.

لَطِيفَةٌ:

اَلْمَسُّ أصْلُهُ بِاليَدِ، ثُمَّ يُسَمّى كُلُّ ما يَصِلُ إلى الشَّيْءِ مَسًّا. والتَّعْبِيرُ بِهِ في جانِبِ الحَسَنَةِ، وبِالإصابَةِ في جانِبِ السَّيِّئَةِ لِلتَّفَنُّنِ. وقَدْ سَوّى بَيْنَهُما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿(إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ)﴾ [التوبة: ٥٠] وقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وقالَ: ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١]

قالَ ناصِرُ الدِّينِ في (الِانْتِصافِ): يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المَسُّ أقَلُّ تَمَكُّنًا مِنَ الإصابَةِ، وكَأنَّهُ أقَلُّ دَرَجاتِها، فَكَأنَّ الكَلامَ - واَللَّهُ أعْلَمُ - إنْ تُصِبْكم الحَسَنَةُ أدْنى إصابَةٍ تَسُؤْهم ويَحْسُدُوكم عَلَيْها. وإنْ تَمَكَّنَتْ الإصابَةُ مِنكم وانْتَهى الأمْرُ فِيها إلى الحَدِّ الَّذِي يَرْثِي الشّامِتُ عِنْدَهُ مِنها، فَهم لا يَرْثُونَ لَكم ولا يَنْفَكُّونَ عَنْ حَسَدِهِمْ، ولا في هَذِهِ الحالِ، بَلْ يَفْرَحُونَ ويُسَرُّونَ. واَللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى - .

وهَذا مِن أسْرارِ بَلاغَةِ التَّنْزِيلِ. فَدَلَّ التَّعْبِيرُ عَلى إفْراطِهِمْ في السُّرُورِ والحُزْنِ. فَإذا ساءَهم أقَلُّ خَيْرِنا، فَغَيْرُهُ أوْلى، وإذا فَرِحُوا بِأعْظَمِ المَصائِبِ مِمّا يَرْثِي لَهُ الشّامِتُ فَهم لا يُرْجى مُوالاتُهم أصْلًا. فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهم بِطانَةً ؟ . قالَ البِقاعِيُّ: ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ مُنْكِيًا غائِظًا مُؤْلِمًا - داواهم بِالإشارَةِ إلى النَّصْرِ بِشَرْطِ التَّقْوى والصَّبْرِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ أيْ: تَصْبِرُوا عَلى ما يَبْتَلِيكم اللَّهُ بِهِ مِنَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ والمَصائِبِ، وتَثْبُتُوا عَلى الطّاعَةِ وتَنْفُوا الِاسْتِعانَةَ بِهِمْ في أُمُورِكم، والِالتِجاءَ إلى وِلايَتِهِمْ: ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ لِأنَّ المُتَوَكِّلَ عَلى اللَّهِ الصّابِرَ عَلى بَلائِهِ، المُسْتَعِينَ بِهِ لا بِغَيْرِهِ: ظافِرٌ في طِلْبَتِهِ، غالِبٌ عَلى خَصْمِهِ، مَحْفُوظٌ بِحُسْنِ كَلاءَةِ رَبِّهِ. والمُسْتَعِينُ بِغَيْرِهِ: مَخْذُولٌ مَوْكُولٌ إلى نَفْسِهِ، مَحْرُومٌ عَنْ نُصْرَةِ رَبِّهِ، أفادَهُ القاشانِيُّ.

وقِيلَ: المُرادُ بِنَفْيِ الضَّرَرِ عَدَمُ المُبالاةِ بِهِ، لِأنَّ المُتَدَرِّبَ بِالِاتِّقاءِ والصَّبْرِ يَكُونُ قَلِيلَ الِانْفِعالِ، جَرِيئًا عَلى الخَصْمِ. و (الكَيْدُ): الِاحْتِيالُ عَلى إيقاعِ الغَيْرِ في مَكْرُوهٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ قُرِئَ بِياءِ الغَيْبَةِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ عالِمٌ بِما يَعْمَلُونَ في مُعاداتِكم مِنَ الكَيْدِ فَيُعاقِبُهم عَلَيْهِ. وبِتاءِ الخِطابِ، أيْ: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى فَيُجازِيكم بِما أنْتُمْ أهْلُهُ.

تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ:

قالَ الرّازِيُّ: إطْلاقُ لَفْظِ (المُحِيطِ) عَلى اللَّهِ مَجازٌ، لِأنَّ المُحِيطَ بِالشَّيْءِ هو الَّذِي …

Aal-i-Imraan 3:120Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.