Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 111–120 of 200

111

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًۭى ۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ

They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs; then they will not be aided.

﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ أكْثَرِهِمْ بِأنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ يُؤْذِنُ بِمُعاداتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُوقِعَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ خَشْيَةً مِن بَأْسِهِمْ، وهَذا يَخْتَصُّ بِاليَهُودِ، فَإنَّهم كانُوا مُنْتَشِرِينَ حِيالَ المَدِينَةِ في خَيْبَرَ، والنَّضِيرِ، وقَيْنُقاعَ، وقُرَيْظَةَ، وكانُوا أهْلَ مَكْرٍ، وقُوَّةٍ، ومالٍ، وعُدَّةٍ، وعَدَدٍ، والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ في قِلَّةٍ فَطَمْأنَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ بَأْسَ أهْلِ الكِتابِ، ولا يَخْشَوْنَ ضُرَّهم، لَكِنْ أذاهم.

أمّا النَّصارى فَلا مُلابَسَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ حَتّى يَخْشَوْهم. والأذى هو الألَمُ الخَفِيفُ وهو لا يَبْلُغُ حَدَّ الضُّرِّ الَّذِي هو الألَمُ، وقَدْ قِيلَ: هو الضُّرُّ بِالقَوْلِ فَيَكُونُ كَقَوْلِ إسْحاقِ بْنِ خَلَفٍ:

أخْشى فَظاظَةَ عَمٍّ أوْ جَفاءَ أخٍ وكُنْتُ أُبْقِي عَلَيْها مِن أذى الكَلِمِ

ومَعْنى ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ يَفِرُّونَ مُنْهَزِمِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ احْتِراسٌ أيْ يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ تَوْلِيَةَ مُنْهَزِمِينَ لا تَوْلِيَةَ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزِينَ إلى فِئَةٍ، أوْ مُتَأمِّلِينَ في الأمْرِ. وفي العُدُولِ عَنْ جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ إلى جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَتَيِ الشَّرْطِ وجَزائِهِ مَعًا، إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا دَيْدَنُهم وهَجِيراهم، لَوْ قاتَلُوكم، وكَذَلِكَ في قِتالِهِمْ غَيْرَكم.

صفحة ٥٥

وثُمَّ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ دالَّةٌ عَلى تَراخِي الرُّتْبَةِ. ومَعْنى تَراخِي الرُّتْبَةِ كَوْنُ رُتْبَةِ مَعْطُوفِها أعْظَمَ مِن رُتْبَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ. وهو غَيْرُ التَّراخِي المَجازِيِّ، لِأنَّ التَّراخِي المَجازِيَّ أنْ يُشَبَّهَ ما لَيْسَ بِمُتَأخِّرٍ عَنِ المَعْطُوفِ بِالمُتَأخِّرِ عَنْهُ.

وهَذا كُلُّهُ وعِيدٌ لَهم بِأنَّهم سَيُقاتِلُونَ المُسْلِمِينَ، وأنَّهم يَنْهَزِمُونَ، وإغْراءٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِقِتالِهِمْ.

Aal-i-Imraan 3:111Listen in Qur'an →
112

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍۢ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

They have been put under humiliation [by Allah] wherever they are overtaken, except for a covenant from Allah and a rope from the Muslims. And they have drawn upon themselves anger from Allah and have been put under destitution. That is because they disbelieved in the verses of Allah and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ .

يَعُودُ ضَمِيرُ عَلَيْهِمْ إلى ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] وهو خاصٌّ بِاليَهُودِ لا مَحالَةَ، وهو كالبَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] .

والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لِذِكْرِ حالٍ شَدِيدٍ مِن شَقائِهِمْ في الدُّنْيا.

ومَعْنى ضَرْبِ الذِّلَّةِ اتِّصالُها بِهِمْ وإحاطَتُها، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَبَعِيَّةٌ شُبِّهَتِ الذِّلَّةُ، وهي أمْرٌ مَعْقُولٌ، بِقُبَّةٍ أوْ خَيْمَةٍ شَمِلَتْهم وشُبِّهَ اتِّصالُها وثَباتُها بِضَرْبِ القُبَّةِ وشَدِّ أطْنابِها، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في البَقَرَةِ.

وثُقِفُوا في الأصْلِ أُخِذُوا في الحَرْبِ ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧] وهَذِهِ المادَّةُ تَدُلُّ عَلى تَمَكُّنٍ مِن أخْذِ الشَّيْءِ، وتَصَرُّفٍ فِيهِ بِشِدَّةٍ، ومِنها سُمِّيَ الأسْرُ ثِقافًا. والثِّقافُ آلَةٌ كالكَلُّوبِ تُكْسَرُ بِهِ أنابِيبُ قَنا الرِّماحِ. قالَ النّابِغَةُ:

عَضَّ الثِّقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ

والمَعْنى هُنا: أيْنَما عُثِرَ عَلَيْهِمْ، أوْ أيْنَما وُجِدُوا، أيْ هم لا يُوجَدُونَ إلّا مَحْكُومِينَ، شَبَّهَ حالَ مُلاقاتِهِمْ في غَيْرِ الحَرْبِ بِحالِ أخْذِ الأسِيرِ لِشِدَّةِ ذُلِّهِمْ.

صفحة ٥٦

وقَوْلُهُ ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ الحَبَلُ مُسْتَعارٌ لِلْعَهْدِ، وتَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] - في سُورَةِ البَقَرَةِ - وعَهْدُ اللَّهِ ذِمَّتُهُ، وعَهْدُ النّاسِ حِلْفُهم، ونَصْرُهم، والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ وهي أحْوالٌ دَلَّتْ عَلَيْها الباءُ الَّتِي لِلْمُصاحَبَةِ. والتَّقْدِيرُ: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ مُتَلَبِّسِينَ بِكُلِّ حالٍ إلّا مُتَلَبِّسِينَ بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ وعَهْدٍ مِنَ النّاسِ، فالتَّقْدِيرُ: فَذَهَبُوا بِذِلَّةٍ إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ.

والمَعْنى لا يَسْلَمُونَ مِنَ الذِّلَّةِ إلّا إذا تَلَبَّسُوا بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ، أيْ ذِمَّةِ الإسْلامِ، أوْ إذا اسْتَنْصَرُوا بِقَبائِلَ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، وأمّا هم في أنْفُسِهِمْ فَلا نَصْرَ لَهم. وهَذا مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا أعِزَّةً بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ والنَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ، فَأصْبَحُوا أذِلَّةً وعَمَّتْهُمُ المَذَلَّةُ في سائِرِ أقْطارِ الدُّنْيا.

﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ رَجَعُوا وهو مَجازٌ لِمَعْنى صارُوا إذْ لا رُجُوعَ هُنا.

والمَسْكَنَةُ الفَقْرُ الشَّدِيدُ مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ المِسْكِينِ وهو الفَقِيرُ، ولَعَلَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ السُّكُونِ وهو سُكُونٌ خَيالِيٌّ أُطْلِقَ عَلى قِلَّةِ الحِيلَةِ في العَيْشِ. والمُرادُ بِضَرْبِ المَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ تَقْدِيرُها لَهم وهو إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ لِأنَّ اليَهُودَ المُخْبِرَ عَنْهم قَدْ أصابَهُمُ الفَقْرُ حِينَ أُخِذَتْ مَنازِلُهم في خَيْبَرَ والنَّضِيرِ وقَيْنُقاعَ وقُرَيْظَةَ، ثُمَّ بِإجْلائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ في زَمَنِ عُمَرَ.

* * *

﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ .

الإشارَةُ إلى ضَرْبِ الذِّلَّةِ المَأْخُوذِ مِن ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ . ومَعْنى ﴿يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِئاءَ﴾ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢١] أوائِلَ هَذِهِ السُّورَةِ. …

Aal-i-Imraan 3:112Listen in Qur'an →
113

۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ

They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community standing [in obedience], reciting the verses of Allah during periods of the night and prostrating [in prayer].

﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ قُصِدَ بِهِ إنْصافُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ الحُكْمِ عَلى مُعْظَمِهِمْ بِصِيغَةٍ تَعُمُّهم، تَأْكِيدًا لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَيْسُوا لِأهْلِ الكِتابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم آنِفًا، وهُمُ اليَهُودُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي بَعْدَها مَنزِلَةَ التَّمْهِيدِ.

وسَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى المُماثِلِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْوِيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ إلَخْ. مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلِاهْتِمامِ بِهَؤُلاءِ الأُمَّةِ. فالأُمَّةُ هُنا بِمَعْنى الفَرِيقِ.

وإطْلاقُ أهْلِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ مَجازٌ بِاعْتِبارِ ما كانَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] لِأنَّهم صارُوا مِنَ المُسْلِمِينَ.

وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾: لِيَكُونَ هَذا الثَّناءُ شامِلًا لِصالِحِي اليَهُودِ، وصالِحِي النَّصارى، فَلا يُخْتَصُّ بِصالِحِي اليَهُودِ، فَإنَّ صالِحِي اليَهُودِ قَبْلَ بَعْثَةِ عِيسى كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ، مُسْتَقِيمِينَ عَلَيْهِ، ومِنهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى واتَّبَعُوهُ، وكَذَلِكَ صالِحُو النَّصارى قَبْلَ

صفحة ٥٨

بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا مُسْتَقِيمِينَ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى، وكَثِيرٌ مِنهم أهْلُ تَهَجُّدٍ في الأدْيِرَةِ والصَّوامِعِ وقَدْ صارُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.

والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ والجَماعَةُ.

ومَعْنى قائِمَةٌ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْعَمَلِ بِدِينِها عَلى الوَجْهِ الحَقِّ، كَما يُقالُ: سُوقٌ قائِمَةٌ وشَرِيعَةٌ قائِمَةٌ.

والآناءُ أصْلُهُ أأْناءُ بِهَمْزَتَيْنِ بِوَزْنِ أفْعالٍ، وهو جَمْعُ - إنًى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُّونِ مَقْصُورًا - ويُقالُ أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ قالَ تَعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أيْ غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ وقْتَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ حالٌ، أيْ يَتَهَجَّدُونَ في اللَّيْلِ بِتِلاوَةِ كِتابِهِمْ، فَقُيِّدَتْ تِلاوَتُهُمُ الكِتابَ بِحالَةِ سُجُودِهِمْ. هَذا الأُسْلُوبُ أبْلَغُ وأبْيَنُ مِن أنْ يُقالَ: يَتَهَجَّدُونَ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى صُورَةِ فِعْلِهِمْ.

ومَعْنى يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ يُسارِعُونَ إلَيْها أيْ يَرْغَبُونَ في الِاسْتِكْثارِ مِنها. والمُسارَعَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلِاسْتِكْثارِ مِنَ الفِعْلِ، والمُبادَرَةُ إلَيْهِ، تَشْبِيهًا لِلِاسْتِكْثارِ والِاعْتِناءِ بِالسَّيْرِ السَّرِيعِ لِبُلُوغِ المَطْلُوبِ. وفي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وهي تَخْيِيلِيَّةٌ تُؤْذِنُ بِتَشْبِيهِ الخَيْراتِ بِطَرِيقٍ يَسِيرُ فِيهِ السّائِرُونَ، ولِهَؤُلاءِ مَزِيَّةُ السُّرْعَةِ في قَطْعِهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَجْمُوعَ المُرَكَّبِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ تَمْثِيلًا لِحالِ مُبادَرَتِهِمْ وحِرْصِهِمْ عَلى فِعْلِ الخَيْراتِ بِحالِ السّائِرِ الرّاغِبِ في البُلُوغِ إلى قَصْدِهِ يُسْرِعُ في سَيْرِهِ. وسَيَأْتِي نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] في سُورَةِ العُقُودِ.

والإشارَةُ بِأُولَئِكَ إلى الأُمَّةِ القائِمَةِ المَوْصُوفَةِ بِتِلْكَ …

Aal-i-Imraan 3:113Listen in Qur'an →
114

يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

They believe in Allah and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.

﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ قُصِدَ بِهِ إنْصافُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ الحُكْمِ عَلى مُعْظَمِهِمْ بِصِيغَةٍ تَعُمُّهم، تَأْكِيدًا لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَيْسُوا لِأهْلِ الكِتابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم آنِفًا، وهُمُ اليَهُودُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي بَعْدَها مَنزِلَةَ التَّمْهِيدِ.

وسَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى المُماثِلِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْوِيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ إلَخْ. مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلِاهْتِمامِ بِهَؤُلاءِ الأُمَّةِ. فالأُمَّةُ هُنا بِمَعْنى الفَرِيقِ.

وإطْلاقُ أهْلِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ مَجازٌ بِاعْتِبارِ ما كانَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] لِأنَّهم صارُوا مِنَ المُسْلِمِينَ.

وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾: لِيَكُونَ هَذا الثَّناءُ شامِلًا لِصالِحِي اليَهُودِ، وصالِحِي النَّصارى، فَلا يُخْتَصُّ بِصالِحِي اليَهُودِ، فَإنَّ صالِحِي اليَهُودِ قَبْلَ بَعْثَةِ عِيسى كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ، مُسْتَقِيمِينَ عَلَيْهِ، ومِنهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى واتَّبَعُوهُ، وكَذَلِكَ صالِحُو النَّصارى قَبْلَ

صفحة ٥٨

بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا مُسْتَقِيمِينَ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى، وكَثِيرٌ مِنهم أهْلُ تَهَجُّدٍ في الأدْيِرَةِ والصَّوامِعِ وقَدْ صارُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.

والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ والجَماعَةُ.

ومَعْنى قائِمَةٌ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْعَمَلِ بِدِينِها عَلى الوَجْهِ الحَقِّ، كَما يُقالُ: سُوقٌ قائِمَةٌ وشَرِيعَةٌ قائِمَةٌ.

والآناءُ أصْلُهُ أأْناءُ بِهَمْزَتَيْنِ بِوَزْنِ أفْعالٍ، وهو جَمْعُ - إنًى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُّونِ مَقْصُورًا - ويُقالُ أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ قالَ تَعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أيْ غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ وقْتَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ حالٌ، أيْ يَتَهَجَّدُونَ في اللَّيْلِ بِتِلاوَةِ كِتابِهِمْ، فَقُيِّدَتْ تِلاوَتُهُمُ الكِتابَ بِحالَةِ سُجُودِهِمْ. هَذا الأُسْلُوبُ أبْلَغُ وأبْيَنُ مِن أنْ يُقالَ: يَتَهَجَّدُونَ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى صُورَةِ فِعْلِهِمْ.

ومَعْنى يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ يُسارِعُونَ إلَيْها أيْ يَرْغَبُونَ في الِاسْتِكْثارِ مِنها. والمُسارَعَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلِاسْتِكْثارِ مِنَ الفِعْلِ، والمُبادَرَةُ إلَيْهِ، تَشْبِيهًا لِلِاسْتِكْثارِ والِاعْتِناءِ بِالسَّيْرِ السَّرِيعِ لِبُلُوغِ المَطْلُوبِ. وفي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وهي تَخْيِيلِيَّةٌ تُؤْذِنُ بِتَشْبِيهِ الخَيْراتِ بِطَرِيقٍ يَسِيرُ فِيهِ السّائِرُونَ، ولِهَؤُلاءِ مَزِيَّةُ السُّرْعَةِ في قَطْعِهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَجْمُوعَ المُرَكَّبِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ تَمْثِيلًا لِحالِ مُبادَرَتِهِمْ وحِرْصِهِمْ عَلى فِعْلِ الخَيْراتِ بِحالِ السّائِرِ الرّاغِبِ في البُلُوغِ إلى قَصْدِهِ يُسْرِعُ في سَيْرِهِ. وسَيَأْتِي نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] في سُورَةِ العُقُودِ.

والإشارَةُ بِأُولَئِكَ إلى الأُمَّةِ القائِمَةِ المَوْصُوفَةِ بِتِلْكَ …

Aal-i-Imraan 3:114Listen in Qur'an →
115

وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ

And whatever good they do - never will it be removed from them. And Allah is Knowing of the righteous.

﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ .

صفحة ٥٩

تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَفْعَلُوا بِالفَوْقِيَّةِ فَهو وعْدٌ لِلْحاضِرِينَ، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الصّالِحِينَ السّابِقِينَ مِثْلُهم، بِقَرِينَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ، ووُقُوعِهُ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ ويَفْعَلُوا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التِفاتًا لِخِطابِ أهْلِ الكِتابِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ بِياءِ الغَيْبَةِ عائِدًا إلى (﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]) .

والكُفْرُ: ضِدُّ الشُّكْرِ أيْ هو إنْكارُ وُصُولِ النِّعْمَةِ الواصِلَةِ. قالَ عَنْتَرَةُ:

نُبِّئْتُ عَمْرًا غَيْرَ شاكِرِ نِعْمَتِي والكَفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ

وقالَ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وأصْلُ الشُّكْرِ والكُفْرِ أنْ يَتَعَدَّيا إلى واحِدٍ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُما النِّعْمَةَ كَما في البَيْتِ. وقَدْ يُجْعَلُ مَفْعُولُهُما المُنْعِمُ عَلى التَّوَسُّعِ في حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، لِأنَّ الأصْلَ شَكَرْتُ لَهُ وكَفَرْتُ لَهُ.

قالَ النّابِغَةُ:

شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمى

وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقَدْ عُدِّيَ تُكْفَرُوهُ هُنا إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما نائِبُ الفاعِلِ، لِأنَّ الفِعْلَ ضُمِّنَ مَعْنى الحِرْمانِ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى (خَيْرٍ) بِتَأْوِيلِ (خَيْرٍ) بِجَزاءِ فِعْلِ الخَيْرِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدامِ. وأُطْلِقَ الكُفْرُ هُنا عَلى تَرْكِ جَزاءِ فِعْلِ الخَيْرِ، تَشْبِيهًا لِفِعْلِ الخَيْرِ بِالنِّعْمَةِ. كَأنَّ فاعِلَ الخَيْرِ أنْعَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِنِعْمَتِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [التغابن: ١٧] فَحُذِفَ المُشَبَّهُ ورُمِزَ إلَيْهِ بِما هو مِن لَوازِمِهِ العُرْفِيَّةِ. وهو الكُفْرُ. عَلى أنَّ في القَرِينَةِ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً مِثْلَ ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إذْ جَعَلَ طاعَتَنا إيّاهُ كَنِعْمَةٍ عَلَيْهِ تَعالى، وجَعَلَ ثَوابَها شُكْرًا، وتَرْكَ ثَوابِها كُفْرًا فَنَفاهُ. وسَمّى نَفْسَهُ الشَّكُورَ.

وقَدْ عُدِّيَ الكُفْرانُ هُنا إلى النِّعْمَةِ عَلى أصْلِ تَعْدِيَتِهِ.

Aal-i-Imraan 3:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allah at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

صفحة ٦٠

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَّرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ إلى ذِكْرِ وعِيدِ المُشْرِكِينَ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ وعْدِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ.

وإنَّما عَطْفُ الأوْلادِ هُنا لِأنَّ الغَناءَ في مُتَعارَفِ النّاسِ يَكُونُ بِالمالِ والوَلَدِ، فالمالُ يَدْفَعُ بِهِ المَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ في فِداءٍ أوْ نَحْوِهِ، والوَلَدُ يُدافِعُونَ عَنْ أبِيهِمْ بِالنَّصْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ في طالِعَةِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وكَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ مَعَ المَعْطُوفِ في قَوْلِهِ ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾ لِتَأْكِيدِ عَدَمِ غَناءِ أوْلادِهِمْ عَنْهم لِدَفْعِ تَوَهُّمِ ما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ الأوْلادَ لا يَقْعُدُونَ عَنِ الذَّبِّ عَنْ آبائِهِمْ.

ويَتَعَلَّقُ مِنَ اللَّهِ بِفِعْلِ لَنْ تُغْنِيَ عَلى مَعْنى مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ أيْ غَناءٍ يَصْدُرُ مِن جانِبِ اللَّهِ بِالعَفْوِ عَنْ كُفْرِهِمْ.

وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِفِعْلِ لَنْ تُغْنِيَ أيْ شَيْئًا مِن غَناءٍ. وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّقْلِيلِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ . وجِيءَ بِالجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً، عَلى خِلافِ الغالِبِ في أمْثالِها أنْ يَكُونَ بِدُونِ عَطْفٍ، لِقَصْدِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُنْصَبًّا عَلَيْها التَّأْكِيدُ بِحَرْفِ إنْ فَيَكْمُلُ لَها مِن أدِلَّةِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِها خَمْسَةُ أدِلَّةٍ هي: التَّأْكِيدُ بِأنَّ، ومَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ، والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم أصْحابُ النّارِ، وضَمِيرُ الفَصْلِ، ووَصْفُ خالِدُونَ.

Aal-i-Imraan 3:116Listen in Qur'an →
117

مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍۢ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍۢ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves and destroys it. And Allah has not wronged them, but they wrong themselves.

صفحة ٦١

﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٦] . إلَخْ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ إنْفاقِهِمُ الأمْوالَ في الخَيْرِ مِن إغاثَةِ المَلْهُوفِ وإعْطاءِ الدِّياتِ في الصُّلْحِ عَنِ القَتْلى.

ضَرَبَ لِأعْمالِهِمُ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْوالِ مَثَلًا، فَشَبَّهَ هَيْئَةَ إنْفاقِهِمُ المُعْجِبِ ظاهِرُها، المُخَيِّبِ آخِرُها، حِينَ يُحْبِطُها الكُفْرُ، بِهَيْئَةِ زَرْعٍ أصابَتْهُ رِيحٌ بارِدَةٌ فَأهْلَكَتْهُ، تَشْبِيهُ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. ولَمّا كانَ التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيًّا لَمْ يَتَوَخَّ فِيهِ مُوالاةَ ما شَبَّهَ بِهِ إنْفاقَهم لِأداةِ التَّمْثِيلِ، فَقِيلَ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾، ولَمْ يَقُلْ كَمَثَلِ حَرْثِ قَوْمٍ.

والكَلامُ عَلى الرِّيحِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والصِّرُّ: البَرْدُ الشَّدِيدُ المُمِيتُ لِكُلِّ زَرْعٍ أوْ ورَقٍ يَهُبُّ عَلَيْهِ فَيَتْرُكُهُ كالمُحْتَرِقِ، ولَمْ يُعْرَفْ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ الصِّرِّ عَلى الرِّيحِ الشَّدِيدِ البَرْدِ وإنَّما الصِّرُّ اسْمُ البَرْدِ. وأمّا الصَّرْصَرُ فَهو الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ وقَدْ تَكُونُ بارِدَةً. ومَعْنى الآيَةِ غَنِيٌّ عَنِ التَّأْوِيلِ، وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ الصِّرُّ هُنا اسْمًا لِلرِّيحِ البارِدَةِ وجَعَلَهُ مُرادِفَ الصَّرْصَرِ. وقَدْ أقَرَّهُ الكاتِبُونَ عَلَيْهِ ولَمْ يَذْكُرْ هَذا الإطْلاقَ في الأساسِ ولا ذَكَرَهُ الرّاغِبُ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿فِيها صِرٌّ﴾ إفادَةُ شِدَّةِ بِرْدِ هَذِهِ الرِّيحِ، حَتّى كَأنَّ جِنْسَ الصِّرِّ مَظْرُوفٌ فِيها، وهي تَحْمِلُهُ إلى الحَرْثِ.

والحَرْثُ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ: أيْ مَحْرُوثُ قَوْمٍ أيْ أرْضًا مَحْرُوثَةً والمُرادُ أصابَتْ زَرْعَ حَرْثٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعانِي الحَرْثِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] في أوَّلِ السُّورَةِ.

صفحة ٦٢

وقَوْلُهُ ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ إدْماجٌ في خِلالِ التَّمْثِيلِ يُكْسِبُ التَّمْثِيلَ تَفْظِيعًا وتَشْوِيهًا ولَيْسَ جُزْءًا مِنَ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها. وقَدْ يَذْكُرُ البُلَغاءُ مَعَ المُشَبَّهِ بِهِ صِفاتٍ لا يَقْصِدُونَ مِنها غَيْرَ التَّحْسِينِ أوِ التَّقْبِيحِ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءِ مَحْنِيَةٍ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ

تَنْفِي الرِّياحُ القَذى عَنْهُ وأفْرَطَهُ ∗∗∗ مِن صَوْبِ سارِيَةٍ بَيْضٌ يَعالِيلُ

فَأجْرى عَلى الماءِ الَّذِي هو جُزْءُ المُشَبَّهِ بِهِ صِفاتٍ لا أثَرَ لَها في التَّشْبِيهِ.

والسّامِعُونَ عالِمُونَ بِأنَّ عِقابَ الأقْوامِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم غايَةٌ في الشِّدَّةِ، فَذَكَرَ وصْفَهم بِظُلْمِ أنْفُسِهِمْ لِتَذْكِيرِ السّامِعِينَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَوْعِظَةِ، وجِيءَ بِقَوْلِهِ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٦] .

وقَوْلُهُ ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ الضَّمائِرُ فِيهِ عائِدَةٌ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَظْلِمْهم حِينَ لَمْ يَتَقَبَّلْ نَفَقاتِهِمْ بَلْ هم تَسَبَّبُوا في ذَلِكَ، إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا لِأنَّ الإيمانَ جَعَلَهُ اللَّهُ شَرْطًا في قَبُولِ …

Aal-i-Imraan 3:117Listen in Qur'an →
118

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةًۭ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves, for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .

الآنَ إذْ كَشَفَ اللَّهُ دَخائِلَ مَن حَوْلَ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، أتَمَّ كَشْفٍ، جاءَ مَوْقِعُ التَّحْذِيرِ مِن فَرِيقٍ مِنهم، والتَّحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرارِ بِهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ الإلْقاءِ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، لِلْإخْبارِ عَنْهم

صفحة ٦٣

بِقَوْلِهِ ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ [آل عمران: ١١٩] إلَخْ. وأكْثَرُهم مِنَ اليَهُودِ، دُونَ الَّذِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ. وهَذا مَوْقِعُ الِاسْتِنْتاجِ في صِناعَةِ الخَطابَةِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّمْهِيداتِ والإقْناعاتِ. وحَقُّهُ الِاسْتِئْنافُ الِابْتِدائِيُّ كَما هُنا.

والبِطانَةُ - بِكَسْرِ الباءِ - في الأصْلِ داخِلُ الثَّوْبِ، وجَمْعُها بَطائِنُ، وفي القُرْآنِ ﴿بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] وظاهِرُ الثَّوْبِ يُسَمّى الظِّهارَةُ - بِكَسْرِ الظّاءِ - والبِطانَةُ أيْضًا الثَّوْبُ الَّذِي يُجْعَلُ تَحْتَ ثَوْبٍ آخَرَ، ويُسَمّى الشِّعارَ، وما فَوْقَهُ الدِّثارَ، وفي الحَدِيثِ «الأنْصارُ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ» ثُمَّ أُطْلِقَتِ البِطانَةُ عَلى صَدِيقِ الرَّجُلِ وخِصِّيصِهِ الَّذِي يَطَّلِعُ عَلى شُئُونِهِ، تَشْبِيهًا بِبِطانَةِ الثِّيابِ في شِدَّةِ القُرْبِ مِن صاحِبِها.

ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً أنَّهم كانُوا يُخالِفُونَهم ويَوَدُّونَهم مِن قَبْلِ الإسْلامِ فَلَمّا أسْلَمَ مَن أسْلَمَ مِنَ الأنْصارِ بَقِيَتِ المَوَدَّةُ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن كانُوا أحْلافَهم مِنَ اليَهُودِ، ثُمَّ كانَ مِنَ اليَهُودِ مَن أظْهَرُوا الإسْلامَ، ومِنهم مَن بَقِيَ عَلى دِينِهِ.

وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن فِيهِ زائِدَةٌ و(دُونَ) اسْمُ مَكانٍ بِمَعْنى حَوْلَكم، وهو الِاحْتِمالُ الأظْهَرُ كَقَوْلِهِ تَعالى في نَظِيرِهِ ﴿ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْعِيضِ و(دُونَ) بِمَعْنى غَيْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم، وقَدْ عَلِمَ السّامِعُونَ أنَّ المَنهِيَّ عَنِ اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً هُمُ الَّذِينَ كانُوا يُمَوِّهُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم مِنهم، ودَخائِلُهم تَقْتَضِي التَّحْذِيرَ مِنِ اسْتِبْطانِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ صِفَةٌ لِبِطانَةٍ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهَذا الوَصْفُ لَيْسَ مِنَ الأوْصافِ الظّاهِرَةِ الَّتِي تُفِيدُ تَخْصِيصَ النَّكِرَةِ عَمّا شارَكَها، لَكِنَّهُ يَظْهَرُ بِظُهُورِ آثارِهِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةٍ هَذا شَأْنُها وسَمْتُها، ووَكَلَهم إلى تَوَسُّمِ الأحْوالِ والأعْمالِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ وقَوْلُهُ ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ﴾ جُمْلَتَيْنِ في مَحَلِّ الوَصْفِ أيْضًا عَلى طَرِيقَةِ تَرْكِ عَطْفِ الصِّفاتِ، ويُومِئُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

صفحة ٦٤

أيْ: قَدْ بَيَّنّا لَكم عَلاماتِ عَداوَتِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَتَتَوَسَّمُونَ تِلْكَ الصِّفاتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي يُجْعَلُ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ وصْفًا، وتَكُونُ الجُمَلُ بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفاتٍ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ …

Aal-i-Imraan 3:118Listen in Qur'an →
119

هَٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it. And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts."

﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، قُصِدَ مِنهُ المُقابَلَةُ بَيْنَ خُلُقِ الفَرِيقَيْنِ، فالمُؤْمِنُونَ يُحِبُّونَ أهْلَ الكِتابِ، وأهْلُ الكِتابِ يُبْغِضُونَهم، وكُلُّ إناءٍ بِما فِيهِ يَرْشَحُ، والشَّأْنُ أنَّ المَحَبَّةَ تَجْلِبُ المَحَبَّةَ إلّا إذا اخْتَلَفَتِ المَقاصِدُ والأخْلاقُ.

وتَرْكِيبُ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ﴾ ونَظائِرِهِ مِثْلُ ها أنا تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] . ولَمّا كانَ التَّعْجِيبُ في الآيَةِ مِن مَجْمُوعِ الحالَيْنِ قَبْلَ ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ فالعَجَبُ مِن مَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ إيّاهم في حالِ بُغْضِهِمُ المُؤْمِنِينَ، ولا يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ جُمْلَةٌ في هَذا التَّرْكِيبِ إلّا والقَصْدُ التَّعَجُّبُ مِن مَضْمُونِ تِلْكَ الجُمْلَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ جُمْلَةُ حالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ تُحِبُّونَهم لِأنَّ مَحَلَّ التَّعَجُّبِ هو مَجْمُوعُ الحالَيْنِ.

ولَيْسَ في هَذا التَّعْجِيبِ شَيْءٌ مِنَ التَّغْلِيطِ، ولَكِنَّهُ مُجَرَّدُ إيقاظٍ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ فَإنَّهُ كالعُذْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ في اسْتِبْطانِهِمْ

صفحة ٦٦

أهْلَ الكِتابِ بَعْدَ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا آمَنُوا بِجَمِيعِ رُسُلِ اللَّهِ وكُتُبِهِمْ كانُوا يَنْسُبُونَ أهْلَ الكِتابِ إلى هُدًى ذَهَبَ زَمانُهُ، وأدْخَلُوا فِيهِ التَّحْرِيفَ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ إذْ يَرْمُقُونَ المُسْلِمِينَ بِعَيْنِ الِازْدِراءِ والضَّلالَةِ واتِّباعِ ما لَيْسَ بِحَقٍّ. وهَذانَ النَّظَرانِ، مِنّا ومِنهم، هُما أصْلُ تَسامُحِ المُسْلِمِينَ مَعَ قُوَّتِهِمْ، وتَصَلُّبِ أهْلِ الكِتابَيْنِ مَعَ ضَعْفِهِمْ.

* * *

﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ .

جُمْلَةُ وتُؤْمِنُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلى تُحِبُّونَهم كَما أنَّ جُمْلَةَ ﴿وإذا لَقُوكُمْ﴾، مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ وكُلُّها أحْوالٌ مُوَزَّعَةٌ عَلى ضَمائِرِ الخِطابِ وضَمائِرِ الغَيْبَةِ.

والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ وأُكِّدَ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ مُراعاةً لِلَفْظِهِ، وأرادَ بِهَذا جَماعَةً مِن مُنافِقِي اليَهُودِ أشْهَرُهم زَيْدُ بْنُ الصِّتِيتِ القَيْنُقاعِيُّ.

والعَضُّ: شَدُّ الشَّيْءِ بِالأسْنانِ. وعَضُّ الأنامِلِ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الغَيْظِ والتَّحَسُّرِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ عَضَّ أنامِلَ مَحْسُوسًا، ولَكِنْ كُنِّيَ بِهِ عَنْ لازَمِهِ في المُتَعارَفِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا اضْطَرَبَ باطِنُهُ مِنَ الِانْفِعالِ صَدَرَتْ عَنْهُ أفْعالٌ تُناسِبُ ذَلِكَ الإنْفِعالَ، فَقَدْ تَكُونُ مُعِينَةً عَلى دَفْعِ انْفِعالِهِ كَقَتْلِ عَدُوِّهِ، وفي ضِدِّهِ تَقْبِيلُ مَن يُحِبُّهُ، وقَدْ تَكُونُ قاصِرَةً عَلَيْهِ يَشْفِي بِها بَعْضَ انْفِعالِهِ، كَتَخَبُّطِ الصَّبِيِّ في الأرْضِ إذا غَضِبَ، وضَرْبِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ مِنَ الغَضَبِ، وعَضِّهِ أصابِعَهُ مِنَ الغَيْظِ، وقَرْعِهِ سِنَّهُ مِنَ النَّدَمِ، وضَرْبِ الكَفِّ بِالكَفِّ مِنَ التَّحَسُّرِ، ومِن ذَلِكَ التَّأوُّهُ والصِّياحُ ونَحْوُها، وهي ضُرُوبٌ مِن عَلاماتِ الجَزَعِ، وبَعْضُها جِبِلِّيٌّ كالصِّياحِ، وبَعْضُها عادِيٌّ يُتَعارَفُهُ النّاسُ ويَكْثُرُ بَيْنَهم، فَيَصِيرُونَ يَفْعَلُونَهُ بِدُونِ تَأمُّلٍ، وقالَ الحارِثُ بْنُ ظالِمٍ المُرِّيُّ:

صفحة ٦٧

فَأقْبَلَ أقْوامٌ لِئامٌ أذِلَّةٌ يَعَضُّونَ مِن غَيْظٍ رُءُوسَ …

Aal-i-Imraan 3:119Listen in Qur'an →
120

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌۭ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌۭ يَفْرَحُوا۟ بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allah, their plot will not harm you at all. Indeed, Allah is encompassing of what they do.

صفحة ٦٨

﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ .

زادَ اللَّهُ كَشْفًا لِما في صُدُورِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ أيْ تُصِبْكم حَسَنَةٌ والمَسُّ الإصابَةُ، ولا يَخْتَصُّ أحَدُهُما بِالخَيْرِ والآخَرُ بِالشَّرِّ، فالتَّعْبِيرُ بِأحَدِهِما في جانِبِ الحَسَنَةِ، وبِالآخَرِ في جانِبِ السَّيِّئَةِ، تَفَنُّنٌ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كالَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] - في سُورَةِ البَقَرَةِ - .

والحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هُنا الحادِثَةُ أوِ الحالَةُ الَّتِي تَحْسُنُ عِنْدَ صاحِبِها أوْ تَسُوءُ ولَيْسَ المُرادُ بِهِما هُنا الِاصْطِلاحَ الشَّرْعِيَّ.

* * *

﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ .

أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي أذى العَدُوِّ: بِأنْ يَتَلَقَّوْهُ بِالصَّبْرِ والحَذَرِ، وعَبَّرَ عَنِ الحَذَرِ بِالِاتِّقاءِ أيِ اتِّقاءَ كَيْدِهِمْ وخِداعِهِمْ، وقَوْلِهِ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ أيْ بِذَلِكَ يَنْتَفِي الضُّرُّ كُلُّهُ لِأنَّهُ أثْبَتَ في أوَّلِ الآياتِ أنَّهم لا يَضُرُّونَ المُؤْمِنِينَ إلّا أذًى، فالأذى ضُرٌّ خَفِيفٌ، فَلَمّا انْتَفى الضُّرُّ الأعْظَمُ الَّذِي يُحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى شَدِيدِ مُقاوَمَةٍ مِن قِتالٍ وحِراسَةٍ وإنْفاقٍ، كانَ انْتِفاءُ ما بَقِيَ مِنَ الضُّرِّ هَيِّنًا، وذَلِكَ بِالصَّبْرِ عَلى الأذى وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِ، مَعَ الحَذَرِ مِنهم أنْ يَتَوَسَّلُوا بِذَلِكَ الأذى إلى ما يُوصِلُ ضُرًّا عَظِيمًا. وفي الحَدِيثِ «لا أحَدَ أصْبَرُ عَلى أذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ يَدْعُونَ لَهُ نِدًّا وهو يَرْزُقُهم» .

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: ”لا يَضِرْكم“ بِكَسْرِ الضّادِ وسُكُونِ الرّاءِ مِن ضارَهُ يَضِيرُهُ بِمَعْنى أضَرَّهُ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ - بِضَمِّ الضّادِ

صفحة ٦٩

وضَمِّ الرّاءِ مُشَدَّدَةً - مِن ضَرَّهُ يَضُرُّهُ، والضَّمَّةُ ضَمَّةُ إتْباعٍ لِحَرَكَةِ العَيْنِ عِنْدَ الإدْغامِ لِلتَّخَلُّصِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ: سُكُونِ الجَزْمِ وسُكُونِ الإدْغامِ، ويَجُوزُ في مِثْلِهِ مِنَ المَضْمُومِ العَيْنِ في المُضارِعِ ثَلاثَةُ وُجُوهٍ في العَرَبِيَّةِ: الضَّمُّ لِإتْباعِ حَرَكَةِ العَيْنِ، والفَتْحُ لِخِفَّتِهِ، والكَسْرُ لِأنَّهُ الأصْلُ في التَّخَلُّصِ مِنِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَمْ يُقْرَأْ إلّا بِالضَّمِّ في المُتَواتِرِ.

Aal-i-Imraan 3:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.