Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 101–110 of 200

101

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allah and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allah has [indeed] been guided to a straight path.

ولَمّا حَذَّرَهم مِنهم عَظَّمَ عَلَيْهِمْ طاعَتَهم بِالإنْكارِ؛ والتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ؛ مَعَ ما هم عَلَيْهِ؛ بَعْدَ اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ؛ مِنَ الأحْوالِ الشَّرِيفَةِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَكَيْفَ تُطِيعُونَهم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ عَداوَتَهُمْ؟“ -: ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: يَقَعُ مِنكم ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ ﴿وأنْتُمْ تُتْلى﴾؛ أيْ: تُواصَلُ بِالقِراءَةِ؛ ﴿عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: عَلاماتُ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ البَيِّناتِ؛ ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾؛ الهادِي مِنَ الضَّلالَةِ؛ المُنْقِذُ مِنَ الجَهالَةِ؛ فَتَكُونُونَ قَدْ جَمَعْتُمْ إلى مُوافَقَةِ العَدُوِّ؛ مُخالَفَةَ الوَلِيِّ؛ وأنْتُمْ بِعَيْنِهِ؛ وفِيكم أمِينُهُ؛ ﴿ومَن﴾؛ أيْ: ”والحالُ أنَّهُ مَن“؛ ﴿يَعْتَصِمْ﴾؛ أيْ: ”يُجْهِدْ نَفْسَهُ في رَبْطِ أُمُورِهِ“؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ في جَمِيعِ أحْوالِهِ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ولَمّا كانَ مَن قَصَرَ نَفْسَهُ عَلى مَن لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ مُتَوَقِّعًا لِلْفَلاحِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّوَقُّعِ مَقْرُونَةً؛ بِفاءِ السَّبَبِ؛ فَقالَ:﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾؛ وعَبَّرَ بِالمَجْهُولِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ؛ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

Aal-i-Imraan 3:101Listen in Qur'an →
102

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

O you who have believed, fear Allah as He should be feared and do not die except as Muslims [in submission to Him].

ولَمّا انْقَضى هَذا التَّحْذِيرُ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ والتَّعْجِيبُ؛ والتَّرْغِيبُ؛ أمَرَ بِما يُثْمِرُ ذَلِكَ مِن رِضاهُ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: ادَّعَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ؛ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: صَدِّقُوا دَعْواكم بِتَقْوى ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾؛ فَأدِيمُوا الِانْقِيادَ لَهُ؛ بِدَوامِ مُراقَبَتِهِ؛ ولا تَقْطَعُوا أمْرًا دُونَهُ؛ ﴿ولا تَمُوتُنَّ﴾؛ عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ ﴿إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ: مُنْقادُونَ أتَمَّ الِانْقِيادِ؛ ونُقِلَ عَنِ العارِفِ أبِي الحَسَنِ الشّاذِلِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في أصْلِ الدِّينِ؛ وهو التَّوْحِيدُ؛ وقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]؛ في فُرُوعِهِ.

Aal-i-Imraan 3:102Listen in Qur'an →
103

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And hold firmly to the rope of Allah all together and do not become divided. And remember the favor of Allah upon you - when you were enemies and He brought your hearts together and you became, by His favor, brothers. And you were on the edge of a pit of the Fire, and He saved you from it. Thus does Allah make clear to you His verses that you may be guided.

ولَمّا كانَ عَزْمُ الإنْسانِ فاتِرًا؛ وعَقْلُهُ قاصِرًا؛ دَلَّهم - بَعْدَ أنْ أوْقَفَتْهُمُ التَّقْوى - عَلى الأصْلِ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ؛ المُتَكَفِّلِ بِالحِفْظِ مِن جَمِيعِ الزَّلّاتِ؛ فَقالَ: ﴿واعْتَصِمُوا﴾؛ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكم الِارْتِباطَ الشَّدِيدَ؛ والِانْضِباطَ العَظِيمَ؛ ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: طَرِيقِ دِينِ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ الَّتِي نَهَجَها لَكُمْ؛ ومَهَّدَها؛ وأصْلُ الحَبْلِ: السَّبَبُ الَّذِي يُوصَلُ بِهِ إلى البُغْيَةِ؛ والحاجَةِ؛ وكُلُّ مَن يَمْشِي عَلى طَرِيقٍ دَقِيقٍ يَخافُ أنْ تُزْلَقَ رِجْلُهُ عَنْهُ إذا تَمَسَّكَ بِحَبْلٍ مَشْدُودِ الطَّرَفَيْنِ بِجانِبَيْ ذَلِكَ الطَّرِيقِ أمِنَ الخَوْفَ؛ ولا يَخْفى دِقَّةُ الصِّراطِ بِما ورَدَ بِهِ النَّقْلُ الصَّحِيحُ؛ وهَذا الدِّينُ مِثالُهُ؛ فَصُعُوبَتُهُ وشِدَّتُهُ عَلى النُّفُوسِ؛ بِما لَها مِنَ النَّوازِعِ؛ والحُظُوظِ؛ مِثالُ دِقَّتِهِ؛ فَمَن قَهَرَ نَفْسَهُ؛ وحَفِظَها عَلى التَّمَسُّكِ بِهِ؛ حُفِظَ عَنِ السُّقُوطِ عَمّا هو مِثالُهُ.

ولَمّا أفْهَمَ كُلٌّ مِنَ الضَّمِيرِ؛ والحَبْلِ؛ والِاسْمِ الجامِعِ؛ إحاطَةَ الأمْرِ بِالكُلِّ؛ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾؛ لا تَدَعُوا أحَدًا مِنكم يَشِذُّ عَنْها؛ بَلْ كُلَّما عَثَرْتُمْ عَلى أحَدٍ فارَقَها؛ ولَوْ قَيْدَ شِبْرٍ؛ فَرُدُّوهُ إلَيْها؛ ولا تُناظِرُوهُ؛ ولا تُهْمِلُوا أمْرَهُ؛ ولا تَغْفُلُوا عَنْهُ؛ فَيَخْتَلَّ النِّظامُ؛ وتَتْعَبُوا عَلى الدَّوامِ؛ بَلْ لا تَزالُوا كالرّابِطِ رَبْطًا شَدِيدًا حُزْمَةَ نِبْلٍ بِحَبْلٍ؛ لا يَدَعُ واحِدَةً مِنها تَنْفَرِدُ عَنِ الأُخْرى؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾؛ ثُمَّ ذَكَّرَهم نِعْمَةَ الِاجْتِماعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ باعِثٌ عَلى شُكْرِها؛ وهو باعِثٌ عَلى عَلى إدامَةِ الِاعْتِصامِ والتَّقْوى؛ وبَدَأ مِنها بِالدُّنْيَوِيَّةِ؛ لِأنَّها أُسُّ الأُخْرَوِيَّةِ فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٧]؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ يا مَنِ اعْتَصَمَ بِعِصامِ الدِّينِ؛ ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾؛ مُتَنافِرِينَ أشَدَّ تَنافُرٍ؛ ﴿فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾؛ بِالجَمْعِ عَلى هَذا الصِّراطِ القَوِيمِ؛ والمَنهَجِ العَظِيمِ؛ ﴿فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾؛ قَدْ نَزَعَ ما في قُلُوبِكم مِنَ الإحَنِ؛ وأزالَ تِلْكَ الفِتَنَ؛ والمِحَنَ.

ولَمّا ذَكَرَ النِّعْمَةَ الَّتِي أنْقَذَتْهم مِن هَلاكِ الدُّنْيا؛ ثَنّى بِما تَبِعَ ذَلِكَ مِن نِعْمَةِ الدِّينِ الَّتِي عَصَمَتْ مِنَ الهَلاكِ الأبَدِيِّ؛ فَقالَ: ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا﴾؛ أيْ: حَرْفٍ؛ وطَرْفِ ﴿حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾؛ بِما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الجاهِلِيَّةِ؛ ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾

ولَمّا تَمَّ هَذا البَيانُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الغَرِيبِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن يَقُولُ: "لِلَّهِ دَرُّ هَذا البَيانِ! ما أغْرَبَهُ مِن بَيانٍ! - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا البَيانِ البَعِيدِ المَنالِ؛ البَدِيعِ المِثالِ؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾؛ المُحِيطُ عِلْمُهُ؛ الشّامِلَةُ قُدْرَتُهُ بِعَظَمَتِهِ؛ ﴿لَكم آياتِهِ﴾؛ وعَظَّمَ الأمْرَ بِتَخْصِيصِهِمْ بِهِ؛ وإضافَةِ الآيِ إلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِبَيانِ دَقائِقِ الكُفّارِ في إرادَةِ إضْلالِهِمْ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم عِنْدَ مَن يَنْظُرُكم حالَ مَن تُرْجى وتُتَوَقَّعُ هِدايَتُهُ؛ هَذا التَّرَجِّي حالُكم فِيما بَيْنَكُمْ؛ وأمّا هو - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَقَدْ أحاطَ عِلْمُهُ بِالسَّعِيدِ؛ والشَّقِيِّ؛ ثُمَّ الأمْرُ إلَيْهِ؛ فَمَن شاءَ هَداهُ؛ ومَن أرادَ أرْداهُ.

Aal-i-Imraan 3:103Listen in Qur'an →
104

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong, and those will be the successful.

ولَمّا عابَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الكُفّارَ بِالضَّلالِ؛ ثُمَّ بِالإضْلالِ؛ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالهُدى في أنْفُسِهِمْ؛ وأتْبَعَهُ الأمْرَ بِهِدايَةِ الغَيْرِ بِالِاجْتِماعِ؛ وكانَ الأمْرُ بِالِاجْتِماعِ المُؤَكَّدِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ رُبَّما أفْهَمَ الوُجُوبَ؛ لِتَفَرُّدِ الجَمِيعِ في كُلِّ جُزْئِيَّةٍ مِن جُزْئِيّاتِ العِبادَةِ؛ في كُلِّ وقْتٍ؛ عَلى سَبِيلِ الِاجْتِماعِ؛ مَعَ الإعْراضِ عَنْ كُلِّ عائِقٍ عَنْ ذَلِكَ؛ سَواءٌ كانَ وسِيلَةً؛ أوْ لا؛ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ؛ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ - مُنَبِّهًا عَلى الرِّضا بِإيقاعِ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ؛ سَواءٌ كانَ بِالبَعْضِ؛ أوِ الكُلِّ؛ كَما هو شَأْنُ فُرُوضِ الكِفاياتِ -: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ تَصْلُحُ لِأنْ يَقْصِدَها غَيْرُها؛ ويَكُونَ بَعْضُها قاصِدًا بَعْضًا؛ حَتّى تَكُونَ أشَدَّ شَيْءٍ ائْتِلافًا؛ واجْتِماعًا في كُلِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ عَلى البَدَلِ؛ ﴿يَدْعُونَ﴾؛ مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ؛ ﴿إلى الخَيْرِ﴾؛ أيْ: بِالجِهادِ؛ والتَّعْلِيمِ؛ والوَعْظِ؛ والتَّذْكِيرِ.

ولَمّا عَمَّ كُلَّ خَيْرٍ؛ خَصَّ؛ لِيَكُونَ المَخْصُوصُ مَأْمُورًا بِهِ مَرَّتَيْنِ؛ دَلالَةً عَلى جَلِيلِ أمْرِهِ؛ وعَلِيِّ قَدْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: مِنَ الدِّينِ؛ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ فِيهِ؛ بِحَيْثُ لا يَخْلُو وقْتٌ مِنَ الأوْقاتِ عَنْ قَوْمٍ قائِمِينَ بِذَلِكَ؛ وهو تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنْ يُلازِمُوا ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ؛ ومَن مَعَهُ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - مِن أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ؛ حِينَ اسْتَفَزَّهُمُ الشَّيْطانُ بِمَكْرِ شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ في التَّذْكِيرِ بِالأحْقادِ؛ والأضْغانِ؛ والأنْكادِ؛ وإعْلامٌ بِأنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ.

ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ مُفْهِمًا لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَإنَّهم يَنالُونَ بِذَلِكَ خَيْرًا كَثِيرًا؛ ولَهم نَعِيمٌ مُقِيمٌ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - مُرَغِّبًا -: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ العَظِيمُو النَّفْعِ؛ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾؛ حَقَّ الإفْلاحِ؛ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ الِاجْتِماعَ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو بِالقُلُوبِ الجاعِلَةِ لَهم كالجَسَدِ الواحِدِ؛ ولا يَضُرُّ فِيهِ صَرْفُ بَعْضِ الأوْقاتِ إلى المَعاشِ؛ وتَنْعِيمِ البَدَنِ بِبَعْضِ المُباحاتِ؛ وإنْ كانَ الأكْمَلُ صَرْفَ الكُلِّ بِالنِّيَّةِ إلى العِبادَةِ.

Aal-i-Imraan 3:104Listen in Qur'an →
105

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment.

ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالنَّهْيِ عَمّا يُضادُّهُ؛ مُعَرِّضًا بِمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ فِيهِمْ؛ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ مُبَكِّتًا لَهم بِضَلالِهِمْ؛ واخْتِلافِهِمْ في دِينِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾؛ بِما ابْتَدَعُوهُ في أُصُولِ دِينِهِمْ؛ وبِما ارْتَكَبُوهُ مِنَ المَعاصِي؛ فَقادَهم ذَلِكَ - ولا بُدَّ - إلى التَّخاذُلِ؛ والتَّواكُلِ؛ والمُداهَنَةِ الَّتِي قَصَدُوا بِها المُسالَمَةَ؛ فَجَرَّتْهم إلى المُصارَمَةِ؛ ولَمّا كانَ التَّفَرُّقُ رُبَّما كانَ بِالأبْدانِ فَقَطْ؛ مَعَ الِاتِّفاقِ في الآراءِ؛ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿واخْتَلَفُوا﴾؛ بِما أثْمَرَ لَهُمُ الحِقْدُ الحامِلُ عَلى الِاتِّصافِ بِحالَةِ مَن يَظُنُّ أنَّهم جَمِيعٌ وقُلُوبُهم شَتّى.

ولَمّا ذَمَّهم بِالِاخْتِلافِ الَّذِي دَلَّ العَقْلُ عَلى ذَمِّهِ؛ زادَ في تَقْبِيحِهِ بِأنَّهم خالَفُوا فِيهِ - بَعْدَ نَهْيِ العَقْلِ - واضِحَ النَّقْلِ؛ فَقالَ: ”مِن“؛ أيْ: وابْتَدَأ اخْتِلافُهم مِنَ الزَّمانِ الَّذِي هو ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾؛ وعَظَّمَهُ بِإعْرائِهِ عَنِ التَّأْنِيثِ؛ ﴿البَيِّناتُ﴾؛ أيْ: بِما يَجْمَعُهُمْ؛ ويُعْلِيهِمْ؛ ويَرْفَعُهُمْ؛ ويُوجِبُ اتِّفاقَهُمْ؛ ويَنْفَعُهُمْ؛ فَأرْداهم ذَلِكَ الِافْتِراقُ؛ وأهْلَكَهم.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأُولَئِكَ قَدْ تَعَجَّلُوا الهَلاكَ في الدُّنْيا؛ فَهُمُ الخائِبُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ؛ ﴿لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: في الدّارِ الآخِرَةِ؛ بَعْدَ عَذابِ الدُّنْيا؛ بِاخْتِلافِهِمْ؛ مُنابِذِينَ لِما مِن شَأْنِهِ الجَمْعُ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ ”المُفْلِحُونَ“؛ أوَّلًا؛ يَدُلُّ عَلى ”الخاسِرُونَ“؛ ثانِيًا؛ والعَذابُ العَظِيمُ؛ ثانِيًا؛ يَدُلُّ عَلى النَّعِيمِ المُقِيمِ؛ أوَّلًا.

Aal-i-Imraan 3:105Listen in Qur'an →
106

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌۭ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌۭ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

ولَمّا قَدَّمَ ما لِأهْلِ الكِتابِ المُقْدِمِينَ عَلى الكُفْرِ؛ عَلى عِلْمِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]؛ وخَتَمَ تِلْكَ الآيَةَ بِأنَّهم لَهم عَذابٌ ألِيمٌ؛ واسْتَمَرَّ حَتّى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّهُ مَعَ ذَلِكَ عَظِيمٌ؛ بَيَّنَ ذَلِكَ اليَوْمَ بِقَوْلِهِ - بادِئًا بِما هو أنَكى لَهم مِن تَنْعِيمِ أضْدادِهِمْ -: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾؛ أيْ: بِما لَها مِنَ المَآثِرِ الحَسَنَةِ؛ ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾؛ بِما عَلَيْها مِنَ الجَرائِرِ السَّيِّئَةِ؛ ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ بَدَأ بِهِمْ لِأنَّ النَّشْرَ المُشَوَّشَ أفْصَحُ؛ ولِأنَّ المَقامَ لِلتَّرْهِيبِ؛ وزِيادَةِ النِّكايَةِ لِأهْلِهِ؛ فَيُقالُ لَهم - تَوْبِيخًا؛ وتَقْرِيعًا -: ﴿أكَفَرْتُمْ﴾؛ يا سُودَ الوُجُوهِ؛ وعَبِيدَ الشَّهَواتِ! ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾؛ بِما جُبِلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الفِطَرِ السَّلِيمَةِ؛ ومُكِّنْتُمْ بِهِ مِنَ العُقُولِ المُسْتَقِيمَةِ؛ مِنَ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ؛ ثُمَّ بِما أخَذَ عَلَيْكم أنْبِياؤُكم مِنَ العُهُودِ؛ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾؛ أيْ: الألِيمَ العَظِيمَ؛ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ؛ فَإنَّكم في لَعْنَةِ اللَّهِ ماكِثُونَ؛

Aal-i-Imraan 3:106Listen in Qur'an →
107

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But as for those whose faces will turn white, [they will be] within the mercy of Allah. They will abide therein eternally.

﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾؛ إشْراقًا؛ وبَهاءً؛ لِأنَّهم آمَنُوا؛ فَأمِنُوا مِنَ العَذابِ؛ ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ثَمَرَةِ فِعْلِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ الَّذِي هو فِعْلُ الرّاحِمِ؛ لا في غَيْرِ رَحْمَتِهِ؛ ثُمَّ أجابَ عَنْ سُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ”هَلْ تَزُولُ عَنْهُمْ؛ كَما هو حالُ النِّعَمِ في الدُّنْيا؟“؛ بِقَوْلِهِ - عَلى وجْهٍ يُفْهِمُ لُزُومَها لَهم في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ -: ﴿هُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿فِيها خالِدُونَ﴾؛ فَلِذا كانُوا يُؤْمِنُونَ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ الكُفْرِ؛ أوَّلًا؛ دَلَّ عَلى إرادَةِ الإيمانِ؛ ثانِيًا؛ وإثْباتُ الرَّحْمَةِ؛ ثانِيًا؛ دَلَّ عَلى حَذْفِ اللَّعْنَةِ أوَّلًا.

Aal-i-Imraan 3:107Listen in Qur'an →
108

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعَٰلَمِينَ

These are the verses of Allah. We recite them to you, [O Muhammad], in truth; and Allah wants no injustice to the worlds.

ولَمّا حازَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ التَّهْذِيبِ؛ وإحْكامِ التَّرْتِيبِ؛ وحُسْنِ السِّياقِ؛ قَصَبَ السِّباقِ؛ أشارَ إلَيْها - مَعَ قُرْبِها - بِأداةِ البُعْدِ؛ وأضافَها إلى أعْظَمِ أسْمائِهِ؛ فَقالَ: ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: هَذِهِ دَلائِلُ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ العالِيَةُ الرُّتَبِ؛ البَعِيدَةُ المُتَناوَلِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عَنْها؛ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ قائِلًا: ﴿نَتْلُوها﴾؛ أيْ: نُلازِمُ قَصَّها؛ وزادَ في تَعْظِيمِها بَعْدَ المُبْتَدَإ بِالمُنْتَهى؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْكَ﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: ثابِتَةَ المَعانِي؛ راسِخَةَ المَقاصِدِ؛ صادِقَةَ الأقْوالِ في كُلِّ ما أخْبَرَتْ بِهِ؛ مِن فَوْزِكُمْ؛ وهَلاكِهِمْ؛ مِن غَيْرِ أنْ نَظْلِمَ أحَدًا مِنهُمْ؛ ﴿وما اللَّهُ﴾؛ أيْ: الحائِزُ لِجَمِيعِ الكَمالِ؛ ﴿يُرِيدُ ظُلْمًا﴾؛ قَلَّ؛ أوْ جَلَّ؛ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: ما ظَلَمَهُمْ؛ ولا يُرِيدُ ظُلْمَ أحَدٍ مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ؛ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ؛ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ؛ لِأنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ.

Aal-i-Imraan 3:108Listen in Qur'an →
109

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allah will [all] matters be returned.

ولَمّا كانَ أمْرُهم بِالإقْبالِ عَلَيْهِ؛ ونَهْيُهم عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ؛ رُبَّما أوْقَعَ في وهْمِ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى ضَبْطِهِمْ؛ أوْ مُحْتاجٌ إلى رَبْطِهِمْ؛ أزالَ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الظُّلْمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿ما﴾؛ أيْ: كُلُّ شَيْءٍ؛ في السَّمَواتِ و؛ كُلُّ؛ ما في الأرْضِ؛ مِن جَوْهَرٍ؛ وعَرَضٍ؛ مِلْكًا ومُلْكًا؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ سَعَةَ المُلْكِ لَمْ يُضْمِرْ؛ لِئَلّا يُظَنَّ تَخْصِيصُ الثّانِي بِما في حَيِّزِ الأوَّلِ؛ فَقالَ: ﴿وإلى اللَّهِ﴾؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾؛ أيْ: كُلُّها؛ الَّتِي فِيهِما؛ والَّتِي في غَيْرِهِما؛ فَلا داعِيَ لَهُ إلى الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ وقادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

Aal-i-Imraan 3:109Listen in Qur'an →
110

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allah. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.

ولَمّا كانَ مِن رُجُوعِ الأُمُورِ إلَيْهِ هِدايَتُهُ مَن يَشاءُ؛ وإضْلالُهُ مَن يَشاءُ؛ قالَ - مادِحًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِيُمْعِنُوا في رِضاهُ حَمْدًا؛ وشُكْرًا؛ ومُؤَيِّسًا لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ إضْلالِهِمْ لِيَزْدادُوا حَيْرَةً؛ وسُكْرًا -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾؛ أيْ: وُجِدْتُمْ عَلى هَذا الوَصْفِ الثّابِتِ لَكُمْ؛ جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ثُمَّ وصَفَ الأُمَّةَ بِما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرِّسالَةِ؛ وأنَّهم سَيَقْهَرُونَ أهْلَ الكِتابِ؛ فَقالَ: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ وجْهَ الخَيْرِيَّةِ بِما لَمْ يَحْصُلْ؛ مَجْمُوعَةً لِغَيْرِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ المُكْنَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿تَأْمُرُونَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: كُلِّ ما عَرَّفَهُ الشَّرْعُ؛ وأجازَهُ؛ ﴿وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ وهو ما خالَفَ ذَلِكَ؛ ولَوْ وصَلَ الأمْرُ إلى القِتالِ؛ مُبَشِّرًا لَهم بِأنَّهُ قَضى في الأزَلِ أنَّهم يَمْتَثِلُونَ ما أمَرَهم بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]؛ إراحَةً لَهم مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ في أنَّهم هَلْ يَمْتَثِلُونَ فَيُفْلِحُوا؛ وإزاحَةً لِحَمْلِهِمْ أعْباءَ الخَطَرِ بِكَوْنِهِمْ يُعانُونَ عَلَيْهِ لِيَفُوزُوا؛ ويَرْبَحُوا؛ فَصارَتْ فائِدَةُ الأمْرِ كَثِيرَةَ الثَّوابِ؛ بِقَصْدِ امْتِثالِ الواجِبِ؛ ولِلتِّرْمِذِيِّ - وقالَ: حَسَنٌ - عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ؛ «أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ”أنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً؛ أنْتُمْ خَيْرُها؛ وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى“؛» ولِلْبُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: ”أنْتُمْ خَيْرُ النّاسِ لِلنّاسِ؛ تَأْتُونَ بِهِمْ في السَّلاسِلِ في أعْناقِهِمْ؛ حَتّى يَدْخُلُوا في الإسْلامِ“.

ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِهَذا الوَصْفِ الشَّرِيفِ في نَفْسِهِ؛ أتْبَعَهُ ما زادَهُ شَرَفًا؛ وهو أنَّهم فَعَلُوهُ في حالِ إيمانِهِمْ؛ فَهو مُعْتَبَرٌ بِهِ؛ لِوُجُودِ شَرْطِهِ؛ الَّذِي هو أساسُ كُلِّ خَيْرٍ؛ فَقالَ ﴿وتُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي تاهَتِ الأفْكارُ في مَعْرِفَةِ كُنْهِ ذاتِهِ؛ وارْتَدَّتْ نَوافِذُ أبْصارِ البَصائِرِ خاسِئَةً عَنْ حَصْرِ صِفاتِهِ؛ أيْ: تُصَدِّقُونَ أنْبِياءَهُ؛ ورُسُلَهُ بِسَبَبِهِ؛ في كُلِّ ما أخْبَرُوا بِهِ؛ قَوْلًا؛ وفِعْلًا؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا؛ وتَفْعَلُونَ جَمِيعَ أوامِرِهِ؛ وتَنْهَوْنَ عَنْ جَمِيعِ مَناهِيهِ؛ وهَذا يُفْهِمُ أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن كَإيمانِهِمْ؛ فَلَيْسَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أصْلًا؛ لِأنَّ الكَوْنَ المَذْكُورَ لا يَحْصُلُ إلّا بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ؛ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ؛ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ؛ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا؟!

قالَ الإمامُ أبُو عُمَرَ؛ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ البَرِّ النَّمَرِيُّ؛ في خُطْبَةِ كِتابِ الِاسْتِيعابِ: رَوى ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ”لَمّا دَخَلَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الشّامَ؛ نَظَرَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالَ: ما كانَ أصْحابُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ الَّذِينَ قُطِّعُوا بِالمَناشِيرِ؛ وصُلِبُوا عَلى الخَشَبِ؛ بِأشَدَّ اجْتِهادًا مِن هَؤُلاءِ“؛ انْتَهى.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّقْدِيرَ: "وذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ؛ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ …

Aal-i-Imraan 3:110Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.