Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 101–110 of 200

101

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allah and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allah has [indeed] been guided to a straight path.

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا﴾، أولًا هذا الحكم مُصَدَّر بالنداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به، وذلك لأن النداء يتضمن تنبيه المخاطَب، والتنبيه لا يكون إلا لأمر هام تجب العناية به، ثم صار النداء موجهًا للذين آمنوا من باب الإغراء، من باب الإغراء؛ لأن وصفهم بالإيمان يقتضي أن يقوموا بمقتضى هذا الخطاب الموجه لهمن كما لو قلت لشخص: يا رجل افعل كذا، يعني أن مقتضى رجوليتك أيش؟ أن تفعل هذا، فإذا قلت: يا مؤمن افعل هذا، فالمعنى أنه من مقتضى إيمانك أن تفعل هذا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني من مقتضى إيمانكم أن تنتبهوا لما سيُلقى عليكم، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ »أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).، ثم إن الخطاب بوصف الإيمان يقتضي أن امتثال ذلك من مقتضيات الإيمان، ويقتضي أيضًا أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأن المؤمن يقتضي إيمانه أن يقوم بما أُمِر به، وأن يدع ما نُهِيَ عنه.

* طالب: فيه ناس يا شيخ هم يحبون فعل الخير والسنة، يقول: (...) سنن الناس ينكرون علي (...)، ربما إذا فعلوها ينفر الناس منهم، هل نقول فعلها من الصد؟

* الشيخ: لا، لا يمكن، يعني يقول: بعض الناس يفعل سننًا لا يعرفها الناس، ينكرونها، فهل نقول: إن فعلها من الصد عن سبيل الله؟ لا، ما نقول: إنها من الصد، لكن قد نقول: إن تركها من باب التأليف من سبيل الله، كما ترك النبي عليه الصلاة والسلام بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ لقرب عهد الناس بالكفر خوفًا عليهم من الفتنة.

* طالب: قلنا إن الإسلام هو دين الله في (...) فموافق للفطرة، الآن نرى أن الملل والأهواء يعني النِّحَل الأخر الناس أسرع إليها ما السبب في ذلك؟

* الشيخ: أيش؟

* طالب: يعني نرى أن الديانات الأخرى غير الإسلام الناس أسرع إليها دخولًا فيها من الشيوعية والاشتراكية والنصرانية، وغير ذلك حتى أن بلادًا إسلامية قد دخلوا، أيش السبب؟

* الشيخ: السبب في ذلك أن هؤلاء..

* الطالب: هذه مخالفة للفطرة.

* الشيخ: نعم هذه مخالفة للفطرة؛ لأنه وُجِد دافع قوي يقوى على الفطرة، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة.، فهؤلاء تجد أنهم عاشوا في أحضان الشيوعية مثلًا، أو درسوا آراءها وأفكارها، أو عاشوا في أحضان الغرب ودرسوا آراءه وأفكاره، فصار هذا المانع حائلًا دون مقتضى الفطرة، وإلا لو تُرِكَ الناس وشأنهم لكانوا على الفطرة.

* طالب: شيخ، خطاب الله سبحانه تعالى لأهل الكتاب: ﴿يا أهل الكتاب لما تصدون﴾ هل هو لعلماء أهل الكتاب ولّا يشمل جميع..؟

* الشيخ: الآية تشمل كل من صد، كل من صد عن سبيل الله، سواء كان من العلماء أو من المتعصبين.

* طالب: كيف يا شيخ يصدون؟

* الشيخ: نعم، العامي فيه عوام الآن يجادلون وهم عوام، أحيانًا يجادلون بأفعال المسلمين، يقولون هذا: شوف الإسلام عندكم كذب وغش وخيانة وخديعة، وما أشبه ذلك فيجادل.

* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، المنظمات الصليبية والنصرانية يا شيخ الآن رفعت شعار يعني اخلع عنك الإسلام – يقولون- نخلع عنك لباس الفقر والجوع، كذا جهارًا، وما زال بعض المسلمين يا شيخ يجاملونهم؟

* الشيخ: والله كون الناس يجاملونهم ويسكتون في مقابلة هؤلاء لا شك أنه ضعف إيمان، لا شك أنه ضعف الإيمان، …

Aal-i-Imraan 3:101Listen in Qur'an →
102

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

O you who have believed, fear Allah as He should be feared and do not die except as Muslims [in submission to Him].

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢] بَيَّنَّا فيما سبق أن الله إذا صدَّر الخطاب بالنداء فهو دليل على العناية والاهتمام به، ثم إذا وُجِّه الخطاب إلى المؤمنين ففيه فوائد: أولًا: الإغراء والحث، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم ولكونكم مؤمنين افعلوا كيت وكيت أو لا تفعلوا كذا وكذا.ثانيًا: أن ما يُذْكَر فهو من مقتضى الإيمان؛ ولهذا وجه للمؤمنين.ثالثًا: أن المخالفة في هذا الشيء تُنَقِّص الإيمان، فانتبهوا لهذا فصار عندنا أربعة أمور، تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به، وتوجيهه إلى المؤمنين يفيد ثلاث فوائد: الإغراء، وأن القيام بذلك من مقتضى الإيمان، وأن المخالفة فيه نقص في الإيمان.

يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وما أكثر ما أمر الله بالتقوى في كتابه في آيات كثيرة بل جعلها الله تعالى وصيةً لجميع الخلق ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١]، والتقوى مأخوذة من الوقاية؛ ولهذا يقال: إن أصلها وَقْوَى مُؤَنَّث، من الوقاية، والوقاية اتخاذ الإنسان ما يقيه الذي يضره؛ ولهذا نقول: إن أجمع تفسير للتقوى أن يقال: التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما يقال.

وقوله عز وجل: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ﴿حَقَّ﴾ هذا مفعول مطلق مُبِيِّنٌ لنوع التقوى التي أُمِرْنا بها، أي: اتقوا الله على هذا الوجه ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.

ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن تتقوا الله ما استطعتم؛ لأن هذه هي التقوى التي أُمِرْنا بها بآيات أخرى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] أي: ابذلوا كل ما تستطيعون في تقوى الله؛ ولهذا لا تظنوا أن هذه الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنها تُهوِّن التقوى؛ لأن بعض الناس يتخذ من هذه الآية تهوينًا لأمر التقوى ويقول: اتقوا الله ما استطعتم، والحقيقة أنها بالعكس يعني: اتقوا الله بقدر ما تستطيعون، ابذلوا كل الجهد في تقوى الله عز وجل، فيكون قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ موازيًا لقوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وبناء على هذا تكون الآية مُحْكَمَة، أي: غير منسوخة، وهذا القول هو الراجح، ومقابله أن الآية منسوخة وأنها أمر بما فيه مشقة، وأن المراد بتقوى الله أن يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، ويُطاعَ فلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر.

ولكن لدينا قاعدة مهمة جدًّا توجب أن لا يتسرع الإنسان في دعوى النسخ؛ لأن دعوى النسخ ليست دعوى، بسيطة فإن النسخ يتضمن إبطال حكم من الأحكام الشرعية، وإبطال الحكم من أحكام الشرعية ليس بالأمر السهل وإن كان بعض العلماء يتساهل وإذا عجز أن يُوَفِّق بين النصوص أو يرجح ادعى النسخ، وهذا غلط؛ لأنه يترتب عليه إلغاء حكم شرعي. فنحن نقول: ما دام النص من القرآن أو السنة يمكن أن يُحْمَل على وجه صحيح لا يُعارض النصوص الأخرى فهذا هو الواجب؛ لأننا إذا سلكنا هذا المسلك عملنا بكل النصوص، أما إذا قلنا: إن أحدهما منسوخ فإننا نلغي نصًّا جاء به الوحي، وهذا ليس بالأمر الهيِّن، فالصحيح أن الآية غير منسوخة؛ لأنها لا تخالف الآيات، هي مثل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، والغريب أن الذين قالوا بالنسخ قالوا: إنها نسختها هذه الآية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لكن لا وجه لهذا، فالصحيح أن معنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي: بقدر ما تستطيعون، وحَقُّ تقاته ما أمرنا به عز وجل في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

وقال: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هذه مما يدخل تحت الخطاب ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني: …

Aal-i-Imraan 3:102Listen in Qur'an →
103

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And hold firmly to the rope of Allah all together and do not become divided. And remember the favor of Allah upon you - when you were enemies and He brought your hearts together and you became, by His favor, brothers. And you were on the edge of a pit of the Fire, and He saved you from it. Thus does Allah make clear to you His verses that you may be guided.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢] بَيَّنَّا فيما سبق أن الله إذا صدَّر الخطاب بالنداء فهو دليل على العناية والاهتمام به، ثم إذا وُجِّه الخطاب إلى المؤمنين ففيه فوائد: أولًا: الإغراء والحث، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم ولكونكم مؤمنين افعلوا كيت وكيت أو لا تفعلوا كذا وكذا.ثانيًا: أن ما يُذْكَر فهو من مقتضى الإيمان؛ ولهذا وجه للمؤمنين.ثالثًا: أن المخالفة في هذا الشيء تُنَقِّص الإيمان، فانتبهوا لهذا فصار عندنا أربعة أمور، تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به، وتوجيهه إلى المؤمنين يفيد ثلاث فوائد: الإغراء، وأن القيام بذلك من مقتضى الإيمان، وأن المخالفة فيه نقص في الإيمان.

يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وما أكثر ما أمر الله بالتقوى في كتابه في آيات كثيرة بل جعلها الله تعالى وصيةً لجميع الخلق ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء ١٣١]، والتقوى مأخوذة من الوقاية؛ ولهذا يقال: إن أصلها وَقْوَى مُؤَنَّث، من الوقاية، والوقاية اتخاذ الإنسان ما يقيه الذي يضره؛ ولهذا نقول: إن أجمع تفسير للتقوى أن يقال: التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما يقال.

وقوله عز وجل: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ﴿حَقَّ﴾ هذا مفعول مطلق مُبِيِّنٌ لنوع التقوى التي أُمِرْنا بها، أي: اتقوا الله على هذا الوجه ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.

ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن تتقوا الله ما استطعتم؛ لأن هذه هي التقوى التي أُمِرْنا بها بآيات أخرى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] أي: ابذلوا كل ما تستطيعون في تقوى الله؛ ولهذا لا تظنوا أن هذه الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أنها تُهوِّن التقوى؛ لأن بعض الناس يتخذ من هذه الآية تهوينًا لأمر التقوى ويقول: اتقوا الله ما استطعتم، والحقيقة أنها بالعكس يعني: اتقوا الله بقدر ما تستطيعون، ابذلوا كل الجهد في تقوى الله عز وجل، فيكون قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ موازيًا لقوله: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وبناء على هذا تكون الآية مُحْكَمَة، أي: غير منسوخة، وهذا القول هو الراجح، ومقابله أن الآية منسوخة وأنها أمر بما فيه مشقة، وأن المراد بتقوى الله أن يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، ويُطاعَ فلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر.

ولكن لدينا قاعدة مهمة جدًّا توجب أن لا يتسرع الإنسان في دعوى النسخ؛ لأن دعوى النسخ ليست دعوى، بسيطة فإن النسخ يتضمن إبطال حكم من الأحكام الشرعية، وإبطال الحكم من أحكام الشرعية ليس بالأمر السهل وإن كان بعض العلماء يتساهل وإذا عجز أن يُوَفِّق بين النصوص أو يرجح ادعى النسخ، وهذا غلط؛ لأنه يترتب عليه إلغاء حكم شرعي. فنحن نقول: ما دام النص من القرآن أو السنة يمكن أن يُحْمَل على وجه صحيح لا يُعارض النصوص الأخرى فهذا هو الواجب؛ لأننا إذا سلكنا هذا المسلك عملنا بكل النصوص، أما إذا قلنا: إن أحدهما منسوخ فإننا نلغي نصًّا جاء به الوحي، وهذا ليس بالأمر الهيِّن، فالصحيح أن الآية غير منسوخة؛ لأنها لا تخالف الآيات، هي مثل قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، والغريب أن الذين قالوا بالنسخ قالوا: إنها نسختها هذه الآية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لكن لا وجه لهذا، فالصحيح أن معنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي: بقدر ما تستطيعون، وحَقُّ تقاته ما أمرنا به عز وجل في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

وقال: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هذه مما يدخل تحت الخطاب ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يعني: …

Aal-i-Imraan 3:103Listen in Qur'an →
104

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong, and those will be the successful.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾.

قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾، ولام الأمر تجزم الفعل المضارع، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة يدعون إلى الخير، والأمة في القرآن الكريم وردت على معان متعددة منها الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملة، فمثالها في الطائفة هذه الآية.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران ١٠٤] اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك؟

* طلبة: الجزم.

* الشيخ: جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾ ولام الأمر تجزم الفعل المضارع. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة، يدعون إلى الخير. والأمة في القرآن الكريم وردت على معانٍ متعددة؛ منها: الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملّة، فمثالها في الطائفة هذه الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران ١٠٤]، ومثالها في الملة قوله أيش؟

* طلبة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢].

* الشيخ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على ملة، ومثالها في الإمامة؟

* طلبة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠].

* الشيخ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، ومثالها في الزمن: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]. أي: بعد زمن.

وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ (من) يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس، فعلى الأول يكون المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وعلى الثاني: ولتكونوا جميعًا دعاة إلى الخير؛ لأن إذا جعلناها لبيان الجنس صار المعنى أن كل الأمة يجب أن تكون من هذا الطراز؛ يعني وتكون أمة تدعون إلى الخير، وإذا جعلناها للتبعيض صار المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يترتب على ذلك.

قال: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ يدعون من؟ المفعول محذوف، فهل المراد يدعون أنفسهم أو يدعون غيرهم من الأقارب أو غيرهم من المسلمين، أو غيرهم من جميع الناس؟

* طلبة: يشمل.

* الشيخ: يشمل، يدعون إلى الخير كل من تتوجه الدعوة إليه أي إنسان تتوجه الدعوة إليه فليدعوه، وهل يدعون الجن؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: نعم، يدعون الجن، ولهذا كان المفعول محذوفًا من أجل العموم.

﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ والخير كل ما جاء به الشرع فهو خير، ويشمل ما كان خيرًا في الدين وما كان خيرًا في الدنيا، أما ما كان خيرًا في الدين فأمره ظاهر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧] وأما ما كان من أمر الدنيا فلأن ما كان من مصالح الدنيا التي لا تعارض الدين فهو من الأمور الخيرية المطلوبة، فيكون الخير هنا يشمل خير الدين وخير الدنيا، فمثلًا يدعون إلى فعل الطاعات: صلِّ، زكِّ، صُم، حُجّ، برَّ والديك، صِلْ أرحامك، انصحْ في البيع والشراء، بَيِّن، وما أشبه ذلك كل هذا دعوة إلى الخير، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشرب الخمر، لا تقتل النفس بغير حق، لا تعُقَّ والديك، لا تقطع أرحامك، لا تغشَّ الناس، هذا أيضًا دعوة إلى الخير؛ لأن هذا طلب كفّ، النهي طلب كفّ، فهو بالحقيقة دعوة إلى الخير؛ لأن ترك الشر خير.

ثانيًا: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ جعل الأمر بالمعروف بعد الدعوة؛ لأن الدعوة سابقة على الأمر، فأنت تدعو أولًا، ثم تأمر ثانيًا، ثم تغيّر ثالثًا، وهذا يلتبس على كثير من الطلبة، يظنون أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر شيء واحد، وليس كذلك، فالدعوة إلى الخير عامة، الخطيب إذا خطب الناس في الجمعة وأمر ونهى يقال؟

* طلبة: داعٍ.

* الشيخ: داعٍ إلى الخير، الرجل إذا أمسك بك وقال: …

Aal-i-Imraan 3:104Listen in Qur'an →
105

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾.

قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾، ولام الأمر تجزم الفعل المضارع، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة يدعون إلى الخير، والأمة في القرآن الكريم وردت على معان متعددة منها الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملة، فمثالها في الطائفة هذه الآية.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران ١٠٤] اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك؟

* طلبة: الجزم.

* الشيخ: جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾ ولام الأمر تجزم الفعل المضارع. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة، يدعون إلى الخير. والأمة في القرآن الكريم وردت على معانٍ متعددة؛ منها: الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملّة، فمثالها في الطائفة هذه الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران ١٠٤]، ومثالها في الملة قوله أيش؟

* طلبة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢].

* الشيخ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على ملة، ومثالها في الإمامة؟

* طلبة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠].

* الشيخ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، ومثالها في الزمن: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]. أي: بعد زمن.

وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ (من) يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس، فعلى الأول يكون المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وعلى الثاني: ولتكونوا جميعًا دعاة إلى الخير؛ لأن إذا جعلناها لبيان الجنس صار المعنى أن كل الأمة يجب أن تكون من هذا الطراز؛ يعني وتكون أمة تدعون إلى الخير، وإذا جعلناها للتبعيض صار المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يترتب على ذلك.

قال: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ يدعون من؟ المفعول محذوف، فهل المراد يدعون أنفسهم أو يدعون غيرهم من الأقارب أو غيرهم من المسلمين، أو غيرهم من جميع الناس؟

* طلبة: يشمل.

* الشيخ: يشمل، يدعون إلى الخير كل من تتوجه الدعوة إليه أي إنسان تتوجه الدعوة إليه فليدعوه، وهل يدعون الجن؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: نعم، يدعون الجن، ولهذا كان المفعول محذوفًا من أجل العموم.

﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ والخير كل ما جاء به الشرع فهو خير، ويشمل ما كان خيرًا في الدين وما كان خيرًا في الدنيا، أما ما كان خيرًا في الدين فأمره ظاهر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧] وأما ما كان من أمر الدنيا فلأن ما كان من مصالح الدنيا التي لا تعارض الدين فهو من الأمور الخيرية المطلوبة، فيكون الخير هنا يشمل خير الدين وخير الدنيا، فمثلًا يدعون إلى فعل الطاعات: صلِّ، زكِّ، صُم، حُجّ، برَّ والديك، صِلْ أرحامك، انصحْ في البيع والشراء، بَيِّن، وما أشبه ذلك كل هذا دعوة إلى الخير، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشرب الخمر، لا تقتل النفس بغير حق، لا تعُقَّ والديك، لا تقطع أرحامك، لا تغشَّ الناس، هذا أيضًا دعوة إلى الخير؛ لأن هذا طلب كفّ، النهي طلب كفّ، فهو بالحقيقة دعوة إلى الخير؛ لأن ترك الشر خير.

ثانيًا: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ جعل الأمر بالمعروف بعد الدعوة؛ لأن الدعوة سابقة على الأمر، فأنت تدعو أولًا، ثم تأمر ثانيًا، ثم تغيّر ثالثًا، وهذا يلتبس على كثير من الطلبة، يظنون أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر شيء واحد، وليس كذلك، فالدعوة إلى الخير عامة، الخطيب إذا خطب الناس في الجمعة وأمر ونهى يقال؟

* طلبة: داعٍ.

* الشيخ: داعٍ إلى الخير، الرجل إذا أمسك بك وقال: …

Aal-i-Imraan 3:105Listen in Qur'an →
106

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌۭ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌۭ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ يحتمل أنها جملة استئنافية، وأنها متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر يوم تبيضّ وجوه وتسود وجوه؛ يعني واذكر هذا اليوم الذي ينقسم فيه الناس إلى هذين القسمين، ويحتمل أنها متعلقة بالخبر لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني لهم عذاب عظيم في ذلك اليوم.

وقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ الابيضاض معروف أي: تكون بيضاء، وهذه الوجوه التي تكون بيضاء هي وجوه المؤمنين، وتختص هذه الأمة بأنها يكون لابيضاضها نور تُعرف به يوم القيامة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»أخرجه مسلم (٢٤٧ / ٣٦) من حديث أبي هريرة..

وقوله: ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قد يبدو للإنسان من أول وهلة أن هذين القسمين متساويان؛ لأنه قال: ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ولكن هذا غير مراد؛ وذلك لأن أكثر بني آدم من أهل النار وجوههم مسودة والعياذ بالله، «فإِنَّ مِنْ بَنِي آدَمَ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ مِنَ الْأَلْفِ فِي الْجَنَّةِ. »متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري. كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ.

قوله: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ أي تكون سوداء، وسبب هذا الابيضاض والاسوداد -والله أعلم- أنه مما يبشّر به هؤلاء ويوبّخ به هؤلاء، فإن المؤمنين يبشَّرون إذا بعثوا من قبورهم برحمة الله عز وجل: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٣] وأما الكافرون فبالعكس، ومن المعلوم أن الإنسان إذا بشّر بما يسرّه يستنير وجهه ويظهر عليه علامة السرور.

قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الفاء للتفريع وأما للتفصيل؛ لأنه قال بعدها: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾.

قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ بدأ بذكر الذين اسودّت وجوههم مع أنه أخّر ذكرها فيما قبل؛ لأنه قال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ﴾ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وكان المتوقّع أن يقول: فأما الذين ابيضت وجوههم؛ لأن هذا هو الترتيب، ولكنه كان الأمر بخلاف المتوقّع. ويسمي علماء البلاغة هذا النوع من السياق لفًّا ونشرًا مشوشًا، أو أحسن نقول: غير مرتّب.

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ جواب (أما) محذوف والتقدير: فيقال: أكفرتم، وأما الجملة: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فهي مقول للقول المحذوف أي: فيقال أكفرتم. ومَن القائل؟ يحتمل أن القائل هو الله عز وجل، ويحتمل أن يكون القائل الملائكة، وعلى كل تقدير فالمراد بالاستفهام هنا التوبيخ والتنديم، يقال لهم: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ فهذا الاستفهام للتوبيخ أي: أن هؤلاء يوبّخون فيُجمع لهم بين الألم البدني والألم القلبي النفسي؛ وذلك لأن العذاب قد يكون على البدن وقد يكون على النفس وقد يكون عليهما جميعًا، من الناس مثلًا من تضربه ولا توبّخه نقول: هذا العذاب على أيش؟

* طلبة: البدن.

* الشيخ: ومن الناس من يوبّخه في مقام يرى فيه الإكرام والاحترام فتهينه، فهذا عذاب نفسي قلبي، ومن الناس من يُجمع له بين الأمرين كالكفار، فإن الكفار يوبّخون في عرصات القيامة ويوبخون عند دخول النار ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي …

Aal-i-Imraan 3:106Listen in Qur'an →
107

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But as for those whose faces will turn white, [they will be] within the mercy of Allah. They will abide therein eternally.

قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٠٧]، الواو حرف عطف، و(أما) تفصيلية كما مر في الأولى، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وهم المؤمنون، وهذا البياض يكون على قسمين: بياض عام لكل مؤمن، وبياض خاص لهذه الأمة، حيث قال النبي ﷺ: «سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ»متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.، يعني: فيكم، «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة بلفظ «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ».، فهذه الأمة تكون وجوهها بيضاء، ولكن لها نورًا بخلاف غيرهم، أيضًا هذه الأمة يكون النور لها حيث يبلغ الوضوء، يعني يكون في اليدين وفي الرجلين، ولهذا قال: «غُرًّا مُحَجَّلِينَ»، وأما من سواها فلم نعلم إلا أن وجوههم فقط هي التي تكون بيضاء، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المؤمنون، ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (في) للظرفية، و(رحمة الله) هنا ليست هي الرحمة المذكورة في قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]؛ لأن هذه صفة الله، أما هنا ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهي مخلوق الله، والمراد بها الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح أن الله قال لها أي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.، ويمتنع أن يكون المراد بها الصفة؛ لأن الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، وإذا امتنع أن تكون ظرفًا للبشر امتنع أن يراد بالرحمة هنا الرحمة التي هي صفة الله، بل هي الرحمة المخلوقة لله، وأطلق عليها اسم الرحمة؛ لأنها كانت برحمة الله، يرحم الله بها من يشاء من عباده.

وقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧]، (هم) مبتدأ وليست ضمير فصل، بل لها محل من الإعراب، و﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، و(فيها) جار ومجرور متعلق بـ(خالدون)، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، وقد دلت الآيات على أن هذا الخلود مؤبَّد، فذكر الله التأبيد في عدة آيات من كتابه على أن هذا الخلود خلود أبدي.

ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (تلك) المشار إليه ما سبق من الآيات التي ذكر الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يكون المراد بها كل القرآن، وربما يرشَّح هذا، أي: يقوَّى بالإشارة، حيث جاءت بصيغة البعد، فتكون الإشارة هنا شاملة لجميع القرآن، وقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾، أي: العلامات الدالة على الله عز وجل، على وجوده وعلى ما تضمنته من الأسماء والصفات والأفعال، وهنا المراد بالآيات الآيات الشرعية.

وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران ١٠٨] أي: نقرؤها عليك، وهل المراد أن الله سبحانه وتعالى يقرؤها على النبي ﷺ مباشرة أو بواسطة جبريل؟

* الطلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني، وربما يقع الأول أيضًا، ربما يُلقى في قلب النبي عليه الصلاة والسلام الوحي إلقاء، ولكن الأول هو الأكثر، بل قد يكون بالنسبة للقرآن هو المتعين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٤]، وظاهر الآية أن جميع القرآن نزل به جبريل، وعلى هذا فتكون إضافة التلاوة إلى الله في هذه الآية يراد بها أيش؟ يراد بها تلاوة جبريل، ونسبت إلى الله؛ لأنه - أي جبريل- أرسل بها من عنده، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا …

Aal-i-Imraan 3:107Listen in Qur'an →
108

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعَٰلَمِينَ

These are the verses of Allah. We recite them to you, [O Muhammad], in truth; and Allah wants no injustice to the worlds.

قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٠٧]، الواو حرف عطف، و(أما) تفصيلية كما مر في الأولى، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وهم المؤمنون، وهذا البياض يكون على قسمين: بياض عام لكل مؤمن، وبياض خاص لهذه الأمة، حيث قال النبي ﷺ: «سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ»متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.، يعني: فيكم، «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة بلفظ «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ».، فهذه الأمة تكون وجوهها بيضاء، ولكن لها نورًا بخلاف غيرهم، أيضًا هذه الأمة يكون النور لها حيث يبلغ الوضوء، يعني يكون في اليدين وفي الرجلين، ولهذا قال: «غُرًّا مُحَجَّلِينَ»، وأما من سواها فلم نعلم إلا أن وجوههم فقط هي التي تكون بيضاء، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المؤمنون، ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (في) للظرفية، و(رحمة الله) هنا ليست هي الرحمة المذكورة في قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]؛ لأن هذه صفة الله، أما هنا ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهي مخلوق الله، والمراد بها الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح أن الله قال لها أي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.، ويمتنع أن يكون المراد بها الصفة؛ لأن الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، وإذا امتنع أن تكون ظرفًا للبشر امتنع أن يراد بالرحمة هنا الرحمة التي هي صفة الله، بل هي الرحمة المخلوقة لله، وأطلق عليها اسم الرحمة؛ لأنها كانت برحمة الله، يرحم الله بها من يشاء من عباده.

وقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧]، (هم) مبتدأ وليست ضمير فصل، بل لها محل من الإعراب، و﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، و(فيها) جار ومجرور متعلق بـ(خالدون)، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، وقد دلت الآيات على أن هذا الخلود مؤبَّد، فذكر الله التأبيد في عدة آيات من كتابه على أن هذا الخلود خلود أبدي.

ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (تلك) المشار إليه ما سبق من الآيات التي ذكر الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يكون المراد بها كل القرآن، وربما يرشَّح هذا، أي: يقوَّى بالإشارة، حيث جاءت بصيغة البعد، فتكون الإشارة هنا شاملة لجميع القرآن، وقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾، أي: العلامات الدالة على الله عز وجل، على وجوده وعلى ما تضمنته من الأسماء والصفات والأفعال، وهنا المراد بالآيات الآيات الشرعية.

وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران ١٠٨] أي: نقرؤها عليك، وهل المراد أن الله سبحانه وتعالى يقرؤها على النبي ﷺ مباشرة أو بواسطة جبريل؟

* الطلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني، وربما يقع الأول أيضًا، ربما يُلقى في قلب النبي عليه الصلاة والسلام الوحي إلقاء، ولكن الأول هو الأكثر، بل قد يكون بالنسبة للقرآن هو المتعين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٤]، وظاهر الآية أن جميع القرآن نزل به جبريل، وعلى هذا فتكون إضافة التلاوة إلى الله في هذه الآية يراد بها أيش؟ يراد بها تلاوة جبريل، ونسبت إلى الله؛ لأنه - أي جبريل- أرسل بها من عنده، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا …

Aal-i-Imraan 3:108Listen in Qur'an →
109

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allah will [all] matters be returned.

قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ١٠٧]، الواو حرف عطف، و(أما) تفصيلية كما مر في الأولى، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ وهم المؤمنون، وهذا البياض يكون على قسمين: بياض عام لكل مؤمن، وبياض خاص لهذه الأمة، حيث قال النبي ﷺ: «سِيمَا لَيْسَتْ لِغَيْرِكُمْ»متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٧) واللفظ له من حديث أبي هريرة.، يعني: فيكم، «إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»متفق عليه؛ البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦ / ٣٥) من حديث أبي هريرة بلفظ «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ».، فهذه الأمة تكون وجوهها بيضاء، ولكن لها نورًا بخلاف غيرهم، أيضًا هذه الأمة يكون النور لها حيث يبلغ الوضوء، يعني يكون في اليدين وفي الرجلين، ولهذا قال: «غُرًّا مُحَجَّلِينَ»، وأما من سواها فلم نعلم إلا أن وجوههم فقط هي التي تكون بيضاء، ﴿الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المؤمنون، ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (في) للظرفية، و(رحمة الله) هنا ليست هي الرحمة المذكورة في قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]؛ لأن هذه صفة الله، أما هنا ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهي مخلوق الله، والمراد بها الجنة، كما جاء في الحديث الصحيح أن الله قال لها أي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.، ويمتنع أن يكون المراد بها الصفة؛ لأن الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، الصفة لا تكون ظرفًا للبشر، وإذا امتنع أن تكون ظرفًا للبشر امتنع أن يراد بالرحمة هنا الرحمة التي هي صفة الله، بل هي الرحمة المخلوقة لله، وأطلق عليها اسم الرحمة؛ لأنها كانت برحمة الله، يرحم الله بها من يشاء من عباده.

وقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧]، (هم) مبتدأ وليست ضمير فصل، بل لها محل من الإعراب، و﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، و(فيها) جار ومجرور متعلق بـ(خالدون)، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون، وقد دلت الآيات على أن هذا الخلود مؤبَّد، فذكر الله التأبيد في عدة آيات من كتابه على أن هذا الخلود خلود أبدي.

ثم قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ [آل عمران ١٠٨] (تلك) المشار إليه ما سبق من الآيات التي ذكر الله سبحانه وتعالى، ويحتمل أن يكون المراد بها كل القرآن، وربما يرشَّح هذا، أي: يقوَّى بالإشارة، حيث جاءت بصيغة البعد، فتكون الإشارة هنا شاملة لجميع القرآن، وقوله: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾، أي: العلامات الدالة على الله عز وجل، على وجوده وعلى ما تضمنته من الأسماء والصفات والأفعال، وهنا المراد بالآيات الآيات الشرعية.

وقوله: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران ١٠٨] أي: نقرؤها عليك، وهل المراد أن الله سبحانه وتعالى يقرؤها على النبي ﷺ مباشرة أو بواسطة جبريل؟

* الطلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني، وربما يقع الأول أيضًا، ربما يُلقى في قلب النبي عليه الصلاة والسلام الوحي إلقاء، ولكن الأول هو الأكثر، بل قد يكون بالنسبة للقرآن هو المتعين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٢ - ١٩٤]، وظاهر الآية أن جميع القرآن نزل به جبريل، وعلى هذا فتكون إضافة التلاوة إلى الله في هذه الآية يراد بها أيش؟ يراد بها تلاوة جبريل، ونسبت إلى الله؛ لأنه - أي جبريل- أرسل بها من عنده، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا …

Aal-i-Imraan 3:109Listen in Qur'an →
110

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allah. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.

ثم قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، سبق أيضًا تفسير هذه الآية، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الخطاب لهذه الأمة، وقوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ قيل: في علم الله، وذلك لأن (كان) للمضيّ، ومعلوم أن هذه الأمة آخر الأمم، فلا يمكن أن يُتحدث عنها على أنها أمة بائدة، فمن ثَمّ قال بعض العلماء: إن فعل المضيّ هنا باعتبار لعلم الله، يعني: كنتم في علم الله، وعلم الله سابق على وجود الأمم، ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، وقيل وهو الصحيح: إن (كان) هنا مبينة لاتصاف المبتدأ بالخبر وتحقق وجوده فيه، وليست دالة على زمان، وهذا هو الأصح، ولهذا أمثلة منها قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١٥٨]، هل نقول: إن (كان) هنا تدل على المضي وأن هذه صفة زالت عن الله؟ لا، لكنها مسلوبة الزمان تدل على تحقق اتصاف اسمها بما دل عليه خبرها، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، أمة، أي: طائفة، وسبق لنا أن كلمة (أمة) تطلق في القرآن على أربعة معان، ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني أخرجها الله عز وجل وأظهرها وبيّنها وأبرزها، ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ ولم يقل: خُلِقت؛ لأن هذه الأمة من وصفها الخروج وهو الظهور والبروز، فخير أمة ظهرت وبرزت هي هذه الأمة، هناك أمم أخرجت للناس وظهرت وبانت لكنها لم تحصل لها الخيرية التي كانت لهذه الأمة.

ثم بيّن الله تعالى وجه هذه الخيرية في قوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ سبق معنى الأمر ومعنى المعروف ومعنى النهي ومعنى المنكر في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران ١٠٤].

وقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ هذا يشمل الإيمان بكل ما أمر الله بالإيمان به، وتشمل أيضًا تطبيق كل ما أمر الله به فعلًا، وكل ما نهى الله عنه تركًا؛ لأن من مقتضى الإيمان بالله أن تؤمن بما أخبر به، أليس كذلك؟ وعلى هذا فيكون جميع ما أخبر الله به من أمور الغيب داخلًا في الإيمان بالله، من تحقيق الإيمان بالله أن تذعن له وتقبل حكمه، وهذا يشمل جميع الإسلام، جميع الأعمال الصالحة. ولذلك كان من مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وتأمل كيف أخّر الإيمان بالله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن شأن الأمة أن تكون قاهرة، غالبة، آمرة ناهية، فقُدِّم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله، وإن كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدون إيمان بالله لا ينفع، ولكن لما كانت الأمة بمظهرها عنوان قوتها أن تكون آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر.

يقول عز وجل: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الإيمان بالله دائمًا نسمع من كثير من المؤلفين رحمهم الله يقولون: إن الإيمان هو الإقرار، وبعضهم يقول: الإيمان هو التصديق، ولكن هذا على إطلاقه لا يصح باعتبار الإيمان الشرعي، الإيمان الشرعي هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، فمن صدّق وأقرّ ولكن لم يقبل ويذعن فليس بمؤمن، ودليل ذلك أن أبا طالب عمّ رسول الله ﷺ كان مقرًّا ومعترفًا بصدق رسول الله ﷺ، ومع ذلك لم يكن مؤمنًا؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له، وإلا فإنه يقول في قصائده:

وَلَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَــــا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِالْأَبَاطِــــــــلِ

يقول أبو طالب: لقد علموا، يعني قريشًا، أن ابننا، وهو محمد ﷺ، لا مكذَّب لدينا، يعني يصدقه، ولا يُعْنَى بقول الأباطل: لا يهتم بالقول الكذب أو الباطل، ويقول:

وَلَقَــدْ عَلِمْــتُ بِــأَنَّ دِيــنَمُحَمَّــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خَيْــــرِ أَدْيَــــانِ …

Aal-i-Imraan 3:110Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.