Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 101–110 of 200

101

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allah and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allah has [indeed] been guided to a straight path.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

إقْبالٌ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ لِتَحْذِيرِهِمْ مِن كَيْدِ أهْلِ الكِتابِ وسُوءِ دُعائِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنْ خاطَبَهم بِغَيْرِ واسِطَةٍ خِلافَ خِطابِهِ أهْلَ الكِتابِ إذْ قالَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٩] ولَمْ يَقُلْ: قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا.

والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وأشارَ بِهِ هُنا إلى فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ وهم شاسُ بْنُ قَيْسٍ وأصْحابُهُ، أوْ أرادَ شاسًا وحْدَهُ، وجَعَلَهُ فَرِيقًا كَما جَعَلَ أبا سُفْيانَ ناسًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وسِياقُ الآيَةِ مُؤْذِنٌ بِأنَّها جَرَتْ

صفحة ٢٨

عَلى حادِثَةٍ حَدَثَتْ وأنَّ لِنُزُولِها سَبَبًا. وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ قَدْ تَخاذَلُوا وتَحارَبُوا حَتّى تَفانَوْا، وكانَتْ بَيْنَهم حُرُوبٌ وآخِرُها يَوْمُ بُعاثٍ الَّتِي انْتَهَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا عَلى الإسْلامِ زالَتْ تِلْكَ الأحْقادُ مِن بَيْنِهِمْ وأصْبَحُوا عُدَّةً لِلْإسْلامِ، فَساءَ ذَلِكَ يَهُودَ يَثْرِبَ فَقامَ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وهو شَيْخٌ قَدِيمٌ مِنهم، فَجَلَسَ إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ، أوْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن جَلَسَ إلَيْهِمْ يُذَكِّرُهم حُرُوبَ بُعاثٍ، فَكادُوا أنْ يَقْتَتِلُوا، ونادى كُلُّ فَرِيقٍ: يا لَلْأوْسِ ! ويا لَلْخَزْرَجِ ! وأخَذُوا السِّلاحَ، فَجاءَ النَّبِيءُ ﷺ فَدَخَلَ بَيْنَهم وقالَ: «أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ وفي رِوايَةٍ: أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ» ؟ أيْ أتَدْعُونَ بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَما فَرَغَ مِنها حَتّى ألْقَوُا السِّلاحَ، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ما كانَ طالِعٌ أكْرَهَ إلَيْنا مِن طُلُوعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا أصْلَحَ اللَّهُ بَيْنَنا ما كانَ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُ يَوْمًا أقْبَحَ ولا أوْحَشَ أوَّلًا وأحْسَنَ آخِرًا مِن ذَلِكَ اليَوْمِ.

وأصْلُ الرَّدِّ الصَّرْفُ والإرْجاعُ قالَ تَعالى: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَغَيُّرِ الحالِ بَعْدَ المُخالَطَةِ فَيُفِيدُ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ فِيما أنْشَدَهُ أهْلُ اللُّغَةِ:

فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًا

وكافِرِينَ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وقَوْلُهُ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ والقَصْدُ مِنَ التَّصْرِيحِ تَوْضِيحُ فَواتِ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ كانُوا فِيها لَوْ يَكْفُرُونَ.

وقَوْلُهُ وكَيْفَ تَكْفُرُونَ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِبْعادِ اسْتِبْعادًا لِكُفْرِهِمْ ونَفْيٌ لَهُ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ:

كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ∗∗∗ مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي

صفحة ٣٩

وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ حالِيَّةٌ، وهي مَحَطُّ الِاسْتِبْعادِ والنَّفْيِ لِأنَّ كُلًّا مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ وإقامَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِمْ وازِعٌ لَهم عَنِ الكُفْرِ، وأيُّ وازِعٍ، فالآياتُ هُنا هي القُرْآنُ ومَواعِظُهُ.

والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾ حَقِيقِيَّةٌ …

Aal-i-Imraan 3:101Listen in Qur'an →
102

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

O you who have believed, fear Allah as He should be feared and do not die except as Muslims [in submission to Him].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ .

صفحة ٣٠

انْتَقَلَ مِن تَحْذِيرِ المُخاطَبِينَ مِنَ الِانْخِداعِ لِوَساوِسِ بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ، إلى تَحْرِيضِهِمْ عَلى تَمامِ التَّقْوى، لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةَ صَلاحٍ لَهم ورُسُوخًا لِإيمانِهِمْ، وهو خِطابٌ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ويَسْرِي إلى جَمِيعِ مَن يَكُونُ بَعْدَهم.

وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ الأخْلاقِ الإسْلامِيَّةِ. والتَّقْوى تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . وحاصِلُ امْتِثالِ الأمْرِ، واجْتِنابُ المَنهِيِّ عَنْهُ في الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، والنَّوايا الباطِلَةِ. وحَقُّ التَّقْوى هو أنْ لا يَكُونَ فِيها تَقْصِيرٌ، وتَظاهُرٌ بِما لَيْسَ مِن عَمَلِهِ، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] لِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ هي القُدْرَةُ، والتَّقْوى مَقْدُورٌ لِلنّاسِ. وبِذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَعارُضٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، ولا نَسْخٌ، وقِيلَ: هاتِهِ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] لِأنَّ هاتِهِ دَلَّتْ عَلى تَقْوى كامِلَةٍ كَما فَسَّرَها ابْنُ مَسْعُودٍ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ورَوَوْا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن يَقْوى لِهَذا فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَنَسَخَ هَذِهِ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ في الآيَتَيْنِ في الوُجُوبِ، وعَلى اخْتِلافِ المُرادِ مِنَ التَّقَوَيَيْنِ. والحَقُّ أنَّ هَذا بَيانٌ لا نَسْخٌ، كَما حَقَّقَهُ المُحَقِّقُونَ، ولَكِنْ شاعَ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ إطْلاقُ النَّسْخِ عَلى ما يَشْمَلُ البَيانَ.

والتُّقاةُ اسْمُ مَصْدَرِ. اتَّقى وأصْلُهُ وُقَيَةٌ ثُمَّ وُقاةٌ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الواوُ تاءً تَبَعًا لِإبْدالِها في الِافْتِعالِ إبْدالًا قَصَدُوا مِنهُ الإدْغامَ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] .

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ نُهِيَ عَنْ أنْ يَمُوتُوا عَلى حالَةٍ في الدِّينِ إلّا عَلى حالَةِ الإسْلامِ فَمَحَطُّ النَّهْيِ هو القَيْدُ: أعْنِي المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفَ والمُسْتَثْنى هو جُمْلَةُ الحالِ، لِأنَّها اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ، وهَذا المُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ عَنْ مُفارَقَةِ الدِّينِ بِالإسْلامِ

صفحة ٣١

مُدَّةَ الحَياةِ، وهو مَجازٌ تَمْثِيلِيٌّ عِلاقَتُهُ اللُّزُومُ، لِما شاعَ بَيْنَ النّاسِ مِن أنَّ ساعَةَ المَوْتِ أمْرٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ كَما قالَ الصِّدِّيقُ:

كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ في أهْلِهِ والمَوْتُ أدْنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ

فالنَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى غَيْرِ الإسْلامِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ مُفارَقَةِ الإسْلامِ في سائِرِ أحْيانِ الحَياةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ مَعْناهُ الأصْلِيُّ لَكانَ تَرْخِيصًا في مُفارَقَةِ الإسْلامِ إلّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، وهو مَعْنًى فاسِدٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .

وقَوْلُهُ …

Aal-i-Imraan 3:102Listen in Qur'an →
103

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍۢ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And hold firmly to the rope of Allah all together and do not become divided. And remember the favor of Allah upon you - when you were enemies and He brought your hearts together and you became, by His favor, brothers. And you were on the edge of a pit of the Fire, and He saved you from it. Thus does Allah make clear to you His verses that you may be guided.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ .

صفحة ٣٠

انْتَقَلَ مِن تَحْذِيرِ المُخاطَبِينَ مِنَ الِانْخِداعِ لِوَساوِسِ بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ، إلى تَحْرِيضِهِمْ عَلى تَمامِ التَّقْوى، لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةَ صَلاحٍ لَهم ورُسُوخًا لِإيمانِهِمْ، وهو خِطابٌ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ويَسْرِي إلى جَمِيعِ مَن يَكُونُ بَعْدَهم.

وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ الأخْلاقِ الإسْلامِيَّةِ. والتَّقْوى تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . وحاصِلُ امْتِثالِ الأمْرِ، واجْتِنابُ المَنهِيِّ عَنْهُ في الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، والنَّوايا الباطِلَةِ. وحَقُّ التَّقْوى هو أنْ لا يَكُونَ فِيها تَقْصِيرٌ، وتَظاهُرٌ بِما لَيْسَ مِن عَمَلِهِ، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] لِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ هي القُدْرَةُ، والتَّقْوى مَقْدُورٌ لِلنّاسِ. وبِذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَعارُضٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، ولا نَسْخٌ، وقِيلَ: هاتِهِ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] لِأنَّ هاتِهِ دَلَّتْ عَلى تَقْوى كامِلَةٍ كَما فَسَّرَها ابْنُ مَسْعُودٍ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ورَوَوْا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن يَقْوى لِهَذا فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَنَسَخَ هَذِهِ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ في الآيَتَيْنِ في الوُجُوبِ، وعَلى اخْتِلافِ المُرادِ مِنَ التَّقَوَيَيْنِ. والحَقُّ أنَّ هَذا بَيانٌ لا نَسْخٌ، كَما حَقَّقَهُ المُحَقِّقُونَ، ولَكِنْ شاعَ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ إطْلاقُ النَّسْخِ عَلى ما يَشْمَلُ البَيانَ.

والتُّقاةُ اسْمُ مَصْدَرِ. اتَّقى وأصْلُهُ وُقَيَةٌ ثُمَّ وُقاةٌ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الواوُ تاءً تَبَعًا لِإبْدالِها في الِافْتِعالِ إبْدالًا قَصَدُوا مِنهُ الإدْغامَ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] .

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ نُهِيَ عَنْ أنْ يَمُوتُوا عَلى حالَةٍ في الدِّينِ إلّا عَلى حالَةِ الإسْلامِ فَمَحَطُّ النَّهْيِ هو القَيْدُ: أعْنِي المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفَ والمُسْتَثْنى هو جُمْلَةُ الحالِ، لِأنَّها اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ، وهَذا المُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ عَنْ مُفارَقَةِ الدِّينِ بِالإسْلامِ

صفحة ٣١

مُدَّةَ الحَياةِ، وهو مَجازٌ تَمْثِيلِيٌّ عِلاقَتُهُ اللُّزُومُ، لِما شاعَ بَيْنَ النّاسِ مِن أنَّ ساعَةَ المَوْتِ أمْرٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ كَما قالَ الصِّدِّيقُ:

كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ في أهْلِهِ والمَوْتُ أدْنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ

فالنَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى غَيْرِ الإسْلامِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ مُفارَقَةِ الإسْلامِ في سائِرِ أحْيانِ الحَياةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ مَعْناهُ الأصْلِيُّ لَكانَ تَرْخِيصًا في مُفارَقَةِ الإسْلامِ إلّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، وهو مَعْنًى فاسِدٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .

وقَوْلُهُ …

Aal-i-Imraan 3:103Listen in Qur'an →
104

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌۭ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong, and those will be the successful.

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

هَذا مُفَرَّعٌ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ: لِأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ لَهم نِعْمَةَ نَقْلِهِمْ مِن حالَتَيْ شَقاءٍ وشَناعَةٍ إلى حالَتَيْ نَعِيمٍ وكَمالٍ، وكانُوا قَدْ ذاقُوا بَيْنَ الحالَتَيْنِ الأمَّرَيْنِ ثُمَّ الأحْلَوَيْنِ، فَحَلَبُوا الدَّهْرَ أشَطْرَيْهِ، كانُوا أحْرِياءَ بِأنْ يَسْعَوْا بِكُلِّ عَزْمِهِمْ إلى انْتِشالِ غَيْرِهِمْ مِن سُوءِ ما هو فِيهِ إلى حُسْنى ما هم عَلَيْهِ حَتّى يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً خَيِّرَةً. وفي غَرِيزَةِ البَشَرِ حُبُّ المُشارِكَةِ في الخَيْرِ لِذَلِكَ تَجِدُ الصَّبِيَّ إذا رَأى شَيْئًا أعْجَبَهُ نادى مَن هو حَوْلَهُ لِيَراهُ مَعَهُ.

ولِذَلِكَ كانَ هَذا الكَلامُ حَرِيًّا بِأنْ يُعْطَفَ بِالفاءِ، ولَوْ عُطِفَ بِها لَكانَ أُسْلُوبًا عَرَبِيًّا إلّا أنَّهُ عُدِلَ عَنِ العَطْفِ بِالفاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَضْمُونَ هَذا الكَلامِ

صفحة ٣٧

مَقْصُودٌ لِذاتِهِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ الكَلامُ السّابِقُ لَكانَ هو حَرِيًّا بِأنْ يُؤْمَرَ بِهِ، فَلا يَكُونُ مَذْكُورًا لِأجْلِ التَّفَرُّعِ عَنْ غَيْرِهِ والتَّبَعِ.

وفِيهِ مِن حُسْنِ المُقابَلَةِ في التَّقْسِيمِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الخَطابَةِ: وذَلِكَ أنَّهُ أنْكَرَ عَلى أهْلِ الكِتابِ كُفْرَهم وصَدَّهُمُ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٩] الآيَةَ.

وقابَلَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ والدُّعاءِ إلَيْهِ إذْ قالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقَوْلُهُ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ الآيَةَ.

وصِيغَةُ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ صِيغَةُ وُجُوبٍ لِأنَّها أصْرَحُ في الأمْرِ مِن صِيغَةِ افْعَلُوا لِأنَّها أصْلُها. فَإذا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرَ مَعْلُومٍ بَيْنَهم مِن قِبَلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فالأمْرُ لِتَشْرِيعِ الوُجُوبِ، وإذا كانَ ذَلِكَ حاصِلًا بَيْنَهم مِن قَبْلُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالأمْرُ لِتَأْكِيدِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ ووُجُوبِهِ، وفِيهِ زِيادَةُ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ وقَدْ كانَ الوُجُوبُ مُقَرَّرًا مِن قَبْلُ بِآياتٍ أُخْرى مِثْلِ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، أوْ بِأوامِرَ نَبَوِيَّةٍ. فالأمْرُ لِتَأْكِيدِ الوُجُوبِ أيْضًا لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، مِثْلُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] .

والأُمَّةُ الجَماعَةُ والطّائِفَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] .

وأصْلُ الأُمَّةِ مِن كَلامِ العَرَبِ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَؤُمُّ قَصْدًا واحِدًا: مِن نَسَبٍ أوْ مَوْطِنٍ أوْ دِينٍ، أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، ويَتَعَيَّنُ ما يَجْمَعُها بِالإضافَةِ أوِ الوَصْفِ كَقَوْلِهِمْ: أُمَّةُ العَرَبِ وأُمَّةُ غَسّانَ وأُمَّةُ النَّصارى.

والمُخاطَبُ بِضَمِيرِ مِنكم إنْ كانَ هم أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ كَما هو ظاهِرُ

صفحة ٣٨

الخِطاباتِ السّابِقَةِ آنِفًا …

Aal-i-Imraan 3:104Listen in Qur'an →
105

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment.

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

هَذا مُفَرَّعٌ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ: لِأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ لَهم نِعْمَةَ نَقْلِهِمْ مِن حالَتَيْ شَقاءٍ وشَناعَةٍ إلى حالَتَيْ نَعِيمٍ وكَمالٍ، وكانُوا قَدْ ذاقُوا بَيْنَ الحالَتَيْنِ الأمَّرَيْنِ ثُمَّ الأحْلَوَيْنِ، فَحَلَبُوا الدَّهْرَ أشَطْرَيْهِ، كانُوا أحْرِياءَ بِأنْ يَسْعَوْا بِكُلِّ عَزْمِهِمْ إلى انْتِشالِ غَيْرِهِمْ مِن سُوءِ ما هو فِيهِ إلى حُسْنى ما هم عَلَيْهِ حَتّى يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً خَيِّرَةً. وفي غَرِيزَةِ البَشَرِ حُبُّ المُشارِكَةِ في الخَيْرِ لِذَلِكَ تَجِدُ الصَّبِيَّ إذا رَأى شَيْئًا أعْجَبَهُ نادى مَن هو حَوْلَهُ لِيَراهُ مَعَهُ.

ولِذَلِكَ كانَ هَذا الكَلامُ حَرِيًّا بِأنْ يُعْطَفَ بِالفاءِ، ولَوْ عُطِفَ بِها لَكانَ أُسْلُوبًا عَرَبِيًّا إلّا أنَّهُ عُدِلَ عَنِ العَطْفِ بِالفاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَضْمُونَ هَذا الكَلامِ

صفحة ٣٧

مَقْصُودٌ لِذاتِهِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ الكَلامُ السّابِقُ لَكانَ هو حَرِيًّا بِأنْ يُؤْمَرَ بِهِ، فَلا يَكُونُ مَذْكُورًا لِأجْلِ التَّفَرُّعِ عَنْ غَيْرِهِ والتَّبَعِ.

وفِيهِ مِن حُسْنِ المُقابَلَةِ في التَّقْسِيمِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الخَطابَةِ: وذَلِكَ أنَّهُ أنْكَرَ عَلى أهْلِ الكِتابِ كُفْرَهم وصَدَّهُمُ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٩] الآيَةَ.

وقابَلَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ والدُّعاءِ إلَيْهِ إذْ قالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقَوْلُهُ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ الآيَةَ.

وصِيغَةُ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ صِيغَةُ وُجُوبٍ لِأنَّها أصْرَحُ في الأمْرِ مِن صِيغَةِ افْعَلُوا لِأنَّها أصْلُها. فَإذا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرَ مَعْلُومٍ بَيْنَهم مِن قِبَلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فالأمْرُ لِتَشْرِيعِ الوُجُوبِ، وإذا كانَ ذَلِكَ حاصِلًا بَيْنَهم مِن قَبْلُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالأمْرُ لِتَأْكِيدِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ ووُجُوبِهِ، وفِيهِ زِيادَةُ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ وقَدْ كانَ الوُجُوبُ مُقَرَّرًا مِن قَبْلُ بِآياتٍ أُخْرى مِثْلِ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، أوْ بِأوامِرَ نَبَوِيَّةٍ. فالأمْرُ لِتَأْكِيدِ الوُجُوبِ أيْضًا لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، مِثْلُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] .

والأُمَّةُ الجَماعَةُ والطّائِفَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] .

وأصْلُ الأُمَّةِ مِن كَلامِ العَرَبِ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَؤُمُّ قَصْدًا واحِدًا: مِن نَسَبٍ أوْ مَوْطِنٍ أوْ دِينٍ، أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، ويَتَعَيَّنُ ما يَجْمَعُها بِالإضافَةِ أوِ الوَصْفِ كَقَوْلِهِمْ: أُمَّةُ العَرَبِ وأُمَّةُ غَسّانَ وأُمَّةُ النَّصارى.

والمُخاطَبُ بِضَمِيرِ مِنكم إنْ كانَ هم أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ كَما هو ظاهِرُ

صفحة ٣٨

الخِطاباتِ السّابِقَةِ آنِفًا …

Aal-i-Imraan 3:105Listen in Qur'an →
106

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌۭ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌۭ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

صفحة ٤٤

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ، مُتَعَلِّقًا بِما في قَوْلِهِ ﴿لَهم عَذابٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] مِن مَعْنى كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ: أيْ يَكُونُ عَذابٌ لَهم يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وهَذا هو الجارِي عَلى أكْثَرِ الِاسْتِعْمالِ في إضافَةِ أسْماءِ الزَّمانِ إلى الجُمَلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ اذْكُرْ مَحْذُوفًا، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ صِفَةً لِيَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ: تَبْيَضُّ فِيهِ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ فِيهِ وُجُوهٌ.

وفِي تَعْرِيفِ هَذا اليَوْمِ بِحُصُولِ بَياضِ وُجُوهٍ وسَوادِ وُجُوهٍ فِيهِ، تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، وتَشْوِيقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن تَفْصِيلِ أصْحابِ الوُجُوهِ المُبْيَضَّةِ، والوُجُوهِ المُسْوَدَّةِ: تَرْهِيبًا لِفَرِيقٍ وتَرْغِيبًا لِفَرِيقٍ آخَرَ. والأظْهَرُ أنَّ عِلْمَ السّامِعِينَ بِوُقُوعِ تَبْيِيضِ وُجُوهٍ وتَسْوِيدِ وُجُوهٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ حاصِلٌ مِن قَبْلُ: في الآياتِ النّازِلَةِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وقَوْلُهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] .

والبَياضُ والسَّوادُ بَياضٌ وسَوادٌ حَقِيقِيّانِ يُوسَمُ بِهِما المُؤْمِنُ والكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهُما بَياضٌ وسَوادٌ خاصّانِ لِأنَّ هَذا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ فَلا داعِيَ لِصَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ السّابِقِ، سُلِكَ فِيهِ طَرِيقُ النَّشْرِ المَعْكُوسِ، وفِيهِ إيجازٌ لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ، فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم فَهُمُ الكافِرُونَ يُقالُ لَهم أكَفَرْتُمْ إلى آخِرِهِ: وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَهُمُ المُؤْمِنُونَ وفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ.

وقُدِّمَ عِنْدَ وصْفِ اليَوْمِ ذِكْرُ البَياضِ، الَّذِي هو شِعارُ أهْلِ النَّعِيمِ، تَشْرِيفًا لِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ ظُهُورِ رَحْمَةِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، ولِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ولِأنَّ في ذِكْرِ سِمَةِ أهْلِ النَّعِيمِ، عَقِبَ وعِيدِ غَيْرِهِمْ بِالعَذابِ، حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، إذْ

صفحة ٤٥

يَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ لَهم عَذابًا عَظِيمًا في يَوْمٍ فِيهِ نُعَيْمٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قَدَّمَ في التَّفْصِيلِ ذِكْرَ سِمَةِ أهْلِ العَذابِ تَعْجِيلًا بِمُساءَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ أكَفَرْتُمْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُحْذَفُ مِثْلُهُ في الكَلامِ لِظُهُورِهِ: لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَصْدُرُ إلّا مِن مُسْتَفْهِمٍ، وذَلِكَ القَوْلُ هو جَوابُ أمّا، ولِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ عَلى أكَفَرْتُمْ لِيَظْهَرَ أنْ لَيْسَ هو الجَوابُ وأنَّ الجَوابَ حُذِفَ بِرُمَّتِهِ.

وقائِلُ هَذا القَوْلِ مَجْهُولٌ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ يَقُولُهُ أهْلُ المَحْشَرِ لَهم وهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهم في الدُّنْيا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ رَأوْهم وعَلَيْهِمْ سِمَةُ الكُفْرِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الحَوْضِ «فَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أقْوامٌ أعْرِفُهم ثُمَّ يُخْتَلَجُونَ …

Aal-i-Imraan 3:106Listen in Qur'an →
107

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But as for those whose faces will turn white, [they will be] within the mercy of Allah. They will abide therein eternally.

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ .

صفحة ٤٤

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ، مُتَعَلِّقًا بِما في قَوْلِهِ ﴿لَهم عَذابٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] مِن مَعْنى كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ: أيْ يَكُونُ عَذابٌ لَهم يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، وهَذا هو الجارِي عَلى أكْثَرِ الِاسْتِعْمالِ في إضافَةِ أسْماءِ الزَّمانِ إلى الجُمَلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ اذْكُرْ مَحْذُوفًا، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ صِفَةً لِيَوْمَ عَلى تَقْدِيرِ: تَبْيَضُّ فِيهِ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ فِيهِ وُجُوهٌ.

وفِي تَعْرِيفِ هَذا اليَوْمِ بِحُصُولِ بَياضِ وُجُوهٍ وسَوادِ وُجُوهٍ فِيهِ، تَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ، وتَشْوِيقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن تَفْصِيلِ أصْحابِ الوُجُوهِ المُبْيَضَّةِ، والوُجُوهِ المُسْوَدَّةِ: تَرْهِيبًا لِفَرِيقٍ وتَرْغِيبًا لِفَرِيقٍ آخَرَ. والأظْهَرُ أنَّ عِلْمَ السّامِعِينَ بِوُقُوعِ تَبْيِيضِ وُجُوهٍ وتَسْوِيدِ وُجُوهٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ حاصِلٌ مِن قَبْلُ: في الآياتِ النّازِلَةِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] وقَوْلُهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩] ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١] .

والبَياضُ والسَّوادُ بَياضٌ وسَوادٌ حَقِيقِيّانِ يُوسَمُ بِهِما المُؤْمِنُ والكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وهُما بَياضٌ وسَوادٌ خاصّانِ لِأنَّ هَذا مِن أحْوالِ الآخِرَةِ فَلا داعِيَ لِصَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ السّابِقِ، سُلِكَ فِيهِ طَرِيقُ النَّشْرِ المَعْكُوسِ، وفِيهِ إيجازٌ لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ، فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم فَهُمُ الكافِرُونَ يُقالُ لَهم أكَفَرْتُمْ إلى آخِرِهِ: وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَهُمُ المُؤْمِنُونَ وفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ.

وقُدِّمَ عِنْدَ وصْفِ اليَوْمِ ذِكْرُ البَياضِ، الَّذِي هو شِعارُ أهْلِ النَّعِيمِ، تَشْرِيفًا لِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ ظُهُورِ رَحْمَةِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ، ولِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ولِأنَّ في ذِكْرِ سِمَةِ أهْلِ النَّعِيمِ، عَقِبَ وعِيدِ غَيْرِهِمْ بِالعَذابِ، حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، إذْ

صفحة ٤٥

يَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ لَهم عَذابًا عَظِيمًا في يَوْمٍ فِيهِ نُعَيْمٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ قَدَّمَ في التَّفْصِيلِ ذِكْرَ سِمَةِ أهْلِ العَذابِ تَعْجِيلًا بِمُساءَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ أكَفَرْتُمْ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُحْذَفُ مِثْلُهُ في الكَلامِ لِظُهُورِهِ: لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَصْدُرُ إلّا مِن مُسْتَفْهِمٍ، وذَلِكَ القَوْلُ هو جَوابُ أمّا، ولِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ عَلى أكَفَرْتُمْ لِيَظْهَرَ أنْ لَيْسَ هو الجَوابُ وأنَّ الجَوابَ حُذِفَ بِرُمَّتِهِ.

وقائِلُ هَذا القَوْلِ مَجْهُولٌ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ يَقُولُهُ أهْلُ المَحْشَرِ لَهم وهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوهم في الدُّنْيا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ رَأوْهم وعَلَيْهِمْ سِمَةُ الكُفْرِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الحَوْضِ «فَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أقْوامٌ أعْرِفُهم ثُمَّ يُخْتَلَجُونَ …

Aal-i-Imraan 3:107Listen in Qur'an →
108

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًۭا لِّلْعَٰلَمِينَ

These are the verses of Allah. We recite them to you, [O Muhammad], in truth; and Allah wants no injustice to the worlds.

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

تَذْيِيلاتٌ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ تِلْكَ إلى طائِفَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ السّابِقَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ .

والتِّلاوَةُ اسْمٌ لِحِكايَةِ كَلامٍ لِإرادَةِ تَبْلِيغِهِ بِلَفْظِهِ وهي كالقِراءَةِ إلّا أنَّ القِراءَةَ تَخْتَصُّ بِحِكايَةِ كَلامٍ مَكْتُوبٍ فَيَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ المَقْصُودَةُ بِالإشارَةِ هي الآياتُ المَبْدُوءَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] إلى هُنا لِأنَّ ما قَبْلَهُ خُتِمَ بِتَذْيِيلٍ قَرِيبٍ مِن هَذا التَّذْيِيلِ، وهو قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] فَيَكُونُ كُلُّ تَذْيِيلٍ مُسْتَقِلًّا بِطائِفَةِ الجُمَلِ الَّتِي وقَعَ هو عَقِبَها.

وخُصَّتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ بِالإشارَةِ لِما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ المُثْبِتَةِ صِحَّةَ عَقِيدَةِ الإسْلامِ، والمُبْطِلَةِ لِدَعاوى الفِرَقِ الثَّلاثِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى

صفحة ٤٧

والمُشْرِكِينَ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] وقَوْلِهِ ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ [آل عمران: ٩٣] . وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن أمْثالٍ ومَواعِظَ وشَواهِدَ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهي مُلابَسَةُ الإخْبارِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، أيْ لِما في نَفْسِ الأمْرِ والواقِعِ، فَهَذِهِ الآياتُ بَيَّنَتْ عَقائِدَ أهْلِ الكِتابِ وفَصَّلَتْ أحْوالَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ومِنَ الحَقِّ اسْتِحْقاقُ كِلا الفَرِيقَيْنِ لِما عُومِلَ بِهِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ النّاسَ ولَوْ شاءَ ذَلِكَ لِفَعَلَهُ، لَكِنَّهُ وعَدَ بِأنْ لا يَظْلِمَ أحَدًا فَحَقَّ وعْدُهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى اسْتِحالَةِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى الظُّلْمَ إذْ لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في انْتِفاءِ وُقُوعِهِ، وإنَّما الخِلافُ في جَوازِ ذَلِكَ واسْتِحالَتِهِ.

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا لِإفادَةِ تَقْوى الحُكْمِ، وهو انْتِفاءُ إرادَةِ ظُلْمِ العالَمِينَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وتَنْكِيرُ ظُلْمًا في سِياقِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جِنْسِ الظُّلْمِ عَنْ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ إرادَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ ما يُعَدُّ ظُلْمًا في مَجالِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ مُنْتَفٍ أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى التَّذْيِيلِ: لِأنَّهُ إذا كانَ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَهو يُرِيدُ صَلاحَ حالِهِمْ، ولا حاجَةَ لَهُ بِإضْرارِهِمْ إلّا لِلْجَزاءِ عَلى أفْعالِهِمْ. فَلا يُرِيدُ ظُلْمَهم، وإلَيْهِ تُرْجَعُ الأشْياءُ كُلُّها فَلا …

Aal-i-Imraan 3:108Listen in Qur'an →
109

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ

To Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allah will [all] matters be returned.

﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

تَذْيِيلاتٌ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ تِلْكَ إلى طائِفَةٍ مِن آياتِ القُرْآنِ السّابِقَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ .

والتِّلاوَةُ اسْمٌ لِحِكايَةِ كَلامٍ لِإرادَةِ تَبْلِيغِهِ بِلَفْظِهِ وهي كالقِراءَةِ إلّا أنَّ القِراءَةَ تَخْتَصُّ بِحِكايَةِ كَلامٍ مَكْتُوبٍ فَيَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ الطّائِفَةُ المَقْصُودَةُ بِالإشارَةِ هي الآياتُ المَبْدُوءَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] إلى هُنا لِأنَّ ما قَبْلَهُ خُتِمَ بِتَذْيِيلٍ قَرِيبٍ مِن هَذا التَّذْيِيلِ، وهو قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] فَيَكُونُ كُلُّ تَذْيِيلٍ مُسْتَقِلًّا بِطائِفَةِ الجُمَلِ الَّتِي وقَعَ هو عَقِبَها.

وخُصَّتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ بِالإشارَةِ لِما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ المُثْبِتَةِ صِحَّةَ عَقِيدَةِ الإسْلامِ، والمُبْطِلَةِ لِدَعاوى الفِرَقِ الثَّلاثِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى

صفحة ٤٧

والمُشْرِكِينَ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] وقَوْلِهِ ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها﴾ [آل عمران: ٩٣] . وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن أمْثالٍ ومَواعِظَ وشَواهِدَ.

والباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهي مُلابَسَةُ الإخْبارِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ، أيْ لِما في نَفْسِ الأمْرِ والواقِعِ، فَهَذِهِ الآياتُ بَيَّنَتْ عَقائِدَ أهْلِ الكِتابِ وفَصَّلَتْ أحْوالَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ومِنَ الحَقِّ اسْتِحْقاقُ كِلا الفَرِيقَيْنِ لِما عُومِلَ بِهِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ لا يُرِيدُ أنْ يَظْلِمَ النّاسَ ولَوْ شاءَ ذَلِكَ لِفَعَلَهُ، لَكِنَّهُ وعَدَ بِأنْ لا يَظْلِمَ أحَدًا فَحَقَّ وعْدُهُ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى اسْتِحالَةِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى الظُّلْمَ إذْ لا خِلافَ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في انْتِفاءِ وُقُوعِهِ، وإنَّما الخِلافُ في جَوازِ ذَلِكَ واسْتِحالَتِهِ.

وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا لِإفادَةِ تَقْوى الحُكْمِ، وهو انْتِفاءُ إرادَةِ ظُلْمِ العالَمِينَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وتَنْكِيرُ ظُلْمًا في سِياقِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ جِنْسِ الظُّلْمِ عَنْ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ إرادَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ ما يُعَدُّ ظُلْمًا في مَجالِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ مُنْتَفٍ أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى التَّذْيِيلِ: لِأنَّهُ إذا كانَ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَهو يُرِيدُ صَلاحَ حالِهِمْ، ولا حاجَةَ لَهُ بِإضْرارِهِمْ إلّا لِلْجَزاءِ عَلى أفْعالِهِمْ. فَلا يُرِيدُ ظُلْمَهم، وإلَيْهِ تُرْجَعُ الأشْياءُ كُلُّها فَلا …

Aal-i-Imraan 3:109Listen in Qur'an →
110

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ

You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allah. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .

يَتَنَزَّلُ هَذا مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِأمْرِهِمْ بِالدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ وما بَعْدَهُ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ كُنْتُمْ، فَهو مُؤْذِنٌ بِتَعْلِيلِ كَوْنِهِمْ خَيْرَ أُمَّةٍ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أنَّ ما كانَ فِيهِ خَيْرِيَّتُهم يَجْدُرُ أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، إنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا مِن قَبْلُ، وأنْ يُؤَكَّدَ عَلَيْهِمْ فَرْضُهُ، إنْ كانَ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلُ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ كُنْتُمْ إمّا لِأصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ. قالَ عُمَرُ: هَذِهِ لِأوَّلِنا ولا تَكُونُ لِآخِرِنا. وإضافَةُ خَيْرَ إلى أُمَّةٍ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ: أيْ كُنْتُمْ أُمَّةً خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، فالمُرادُ بِالأُمَّةِ الجَماعَةُ، وأهْلُ العَصْرِ النَّبَوِيِّ، مِثْلُ القَرْنِ، وهو إطْلاقٌ مَشْهُورٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أيْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ كَمُدَّةِ عَصْرٍ كامِلٍ. ولا شَكَّ أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا أفْضَلَ القُرُونِ الَّتِي ظَهَرَتْ في العالَمِ، لِأنَّ رَسُولَهم أفْضَلُ الرُّسُلِ، ولِأنَّ الهَدْيَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ لا يُماثِلُهُ هَدْيُ أصْحابِ الرُّسُلِ الَّذِينَ مَضَوْا، فَإنْ أخَذْتَ الأُمَّةَ بِاعْتِبارِ الرَّسُولِ فِيها فالصَّحابَةُ أفْضَلُ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مَعَ رَسُولِها، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» . والفَضْلُ ثابِتٌ لِلْمَجُمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ، وإنْ أُخِذَتِ الأُمَّةُ مَن عَدا الرَّسُولَ، فَكَذَلِكَ الصَّحابَةُ أفْضَلُ الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ بِدُونِ رُسُلِها، وهَذا تَفْضِيلٌ لِلْهُدى الَّذِي اهْتَدَوْا بِهِ، وهو هُدى رَسُولِهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ وشَرِيعَتِهِ.

وإمّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ بِضَمِيرِ كُنْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ في كُلِّ جِيلٍ ظَهَرُوا

صفحة ٤٩

فِيهِ، ومَعْنى تَفْضِيلِهِمْ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ لا تَقُومُ بِهِ جَمِيعُ أفْرادِ الأُمَّةِ أنَّهُ لا يَخْلُو مُسْلِمٌ مِنَ القِيامِ بِما يَسْتَطِيعُ القِيامَ بِهِ مِن هَذا الأمْرِ، عَلى حَسْبِ مَبْلَغِ العِلْمِ ومُنْتَهى القُدْرَةِ، فَمِنَ التَّغْيِيرِ عَلى الأهْلِ والوَلَدِ إلى التَّغْيِيرِ عَلى جَمِيعِ أهْلِ البَلَدِ، أوْ لِأنَّ وُجُودَ طَوائِفِ القائِمِينَ بِهَذا الأمْرِ في مَجْمُوعِ الأُمَّةِ أوْجَبُ فَضِيلَةٍ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، لِكَوْنِ هَذِهِ الطَّوائِفِ مِنها كَما كانَتِ القَبِيلَةُ تَفْتَخِرُ بِمَحامِدِ طَوائِفِها، وفي هَذا ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ لا يَنْقَطِعُ مِنَ المُسْلِمِينَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وفِعْلُ (كانَ) يَدُلُّ عَلى وُجُودِ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ في زَمَنٍ مَضى، دُونَ دَلالَةٍ عَلى اسْتِمْرارٍ، ولا عَلى انْقِطاعٍ، قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] أيْ وما زالَ فَمَعْنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وُجِدْتُمْ عَلى حالَةِ الأخْيَرِيَّةِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ، أيْ حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ الأخْيَرِيَّةُ بِحُصُولِ أسْبابِها ووَسائِلِها، ولِأنَّهُمُ اتَّصَفُوا بِالإيمانِ، والدَّعْوَةِ لِلْإسْلامِ، وإقامَتِهِ عَلى وجْهِهِ، والذَّبِّ عَنِ النُّقْصانِ والإضاعَةِ لِتَحَقُّقِ أنَّهم لَمّا جُعِلَ ذَلِكَ مِن واجِبِهِمْ، وقَدْ قامَ كُلٌّ بِما اسْتَطاعَ، فَقَدْ تَحَقَّقَ مِنهُمُ القِيامُ بِهِ، أوْ قَدْ ظَهَرَ مِنهُمُ العَزْمُ عَلى امْتِثالِهِ، كُلَّما سَنَحَ سانِحٌ يَقْتَضِيهِ، …

Aal-i-Imraan 3:110Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.