Muslim99Muslim99
← Tafsir library

3. Aal-i-Imraan

The Family of Imraan · Medinan · 200 ayahs

سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 91–100 of 200

91

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌۭ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًۭا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ لِما كانَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ سَبَبًا لِامْتِناعِ قَبُولِ الفِدْيَةِ أدْخَلَ الفاءَ ها هُنا لِلْإشْعارِ بِهِ، ومِلْءُ الشَّيْءِ ما يَمْلَؤُهُ. وذَهَبًا نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن مِلْءٍ أوِ الخَبَرِ لِمَحْذُوفٍ. ﴿وَلَوِ افْتَدى بِهِ﴾ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَوْ تَقَرَّبَ بِهِ في الدُّنْيا ولَوِ افْتَدى بِهِ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، أوِ المُرادُ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ والمِثْلُ يُحْذَفُ ويُرادُ كَثِيرًا لِأنَّ المِثْلَيْنِ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ وإقْناطٌ لِأنَّ مَن لا يُقْبَلُ مِنهُ الفِداءُ رُبَّما يُعْفى عَنْهُ تَكَرُّمًا ﴿وَما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ في دَفْعِ العَذابِ ومِن مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ.

Aal-i-Imraan 3:91Listen in Qur'an →
92

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌۭ

Never will you attain the good [reward] until you spend [in the way of Allah] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allah is Knowing of it.

﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ﴾ أيْ لَنْ تَبْلُغُوا حَقِيقَةَ البِرِّ الَّذِي هو كَمالُ الخَيْرِ، أوْ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ الَّذِي هو الرَّحْمَةُ والرِّضى والجَنَّةُ. ﴿حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ أيْ مِنَ المالِ، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرُهُ كَبَذْلِ الجاهِ في مُعاوَنَةِ النّاسِ، والبَدَنِ في طاعَةِ اللَّهِ والمُهْجَةِ في سَبِيلِهِ.

رُوِيَ « (أنَّها لَمّا نَزَلَتْ جاءَ أبُو طَلْحَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أحَبَّ أمْوالِي إلَيَّ بَيْرُحاءُ فَضَعْها حَيْثُ أراكَ اللَّهُ، فَقالَ: بَخٍ بَخٍ ذاكَ مالٌ رابِحٌ أوْ رائِحٌ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ).» «وَجاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ كانَ يُحِبُّها فَقالَ: هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَحَمَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَقالَ: زَيْدٌ إنَّما أرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِها فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَها مِنكَ.»

أوْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ إنْفاقَ أحَبِّ الأمْوالِ عَلى أقْرَبِ الأقارِبِ أفْضَلُ، وأنَّ الآيَةَ تَعُمُّ الإنْفاقَ الواجِبَ والمُسْتَحَبَّ. وقُرِئَ «بَعْضَ ما تُحِبُّونَ» وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ ويَحْتَمِلُ التَّبْيِينَ. ﴿وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ مِن أيِّ شَيْءٍ مَحْبُوبٍ أوْ غَيْرِهِ ومِن لِبَيانِ ما. ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ.

Aal-i-Imraan 3:92Listen in Qur'an →
93

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

All food was lawful to the Children of Israel except what Israel had made unlawful to himself before the Torah was revealed. Say, [O Muhammad], "So bring the Torah and recite it, if you should be truthful."

﴿كُلُّ الطَّعامِ﴾ أيِ المَطْعُوماتِ والمُرادُ أكْلُها. ﴿كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ حَلالًا لَهُمْ، وهو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ ﴿إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ﴾ يَعْقُوبُ. ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾ كَلُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها. وقِيلَ كانَ بِهِ عِرْقُ النَّسا فَنَذَرَ إنْ شُفِيَ لَمْ يَأْكُلْ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ أحَبَّهُ إلَيْهِ. وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِلتَّداوِي بِإشارَةِ الأطِبّاءِ. واحْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ، ولِلْمانِعِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ فِيهِ فَهو كَتَحْرِيمِهِ ابْتِداءً. ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إنْزالِها مُشْتَمِلَةً عَلى تَحْرِيمِ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا، وذَلِكَ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ في دَعْوى البَراءَةِ مِمّا نَعى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآيَتَيْنِ، بِأنْ قالُوا لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومِن بَعْدِهِ حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا فَحَرُمَتْ عَلَيْنا كَما حَرُمَتْ عَلى مَن قَبْلَنا، وفي مَنعِ النَّسْخِ والطَّعْنِ في دَعْوى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُوافَقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَحْلِيلِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أمْرٌ بِمُحاجَّتِهِمْ بِكِتابِهِمْ وتَبْكِيَتِهِمْ بِما فِيهِ مِن أنَّهُ قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ما لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا.

رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَهُ لَهم بُهِتُوا ولَمْ يَجْسُرُوا أنْ يُخْرِجُوا التَّوْراةَ.» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ.

Aal-i-Imraan 3:93Listen in Qur'an →
94

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And whoever invents about Allah untruth after that - then those are [truly] the wrongdoers.

﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ ابْتَدَعَهُ عَلى اللَّهِ بِزَعْمِهِ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومَن قَبْلَهم. ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ ما لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ لا يُنْصِفُونَ مِن أنْفُسِهِمْ ويُكابِرُونَ الحَقَّ بَعْدَ ما وضُحَ لَهم.

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ، أيْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ صادِقٌ فِيما أنْزَلَ وأنْتُمُ الكاذِبُونَ. ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أيْ مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي هي في الأصْلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ، أوْ مِثْلُ مِلَّتِهِ حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي اضْطَرَّتْكم إلى التَّحْرِيفِ والمُكابَرَةِ لِتَسْوِيَةِ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وألْزَمَتْكم تَحْرِيمَ طَيِّباتٍ أحَلَّها اللَّهُ لِإبْراهِيمَ ومَن تَبِعَهُ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اتِّباعَهُ واجِبٌ في التَّوْحِيدِ الصَّرْفِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والتَّجَنُّبِ عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وتَعْرِيضٌ بِشِرْكِ اليَهُودِ.

Aal-i-Imraan 3:94Listen in Qur'an →
95

قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ ۗ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Allah has told the truth. So follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of the polytheists."

﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ ابْتَدَعَهُ عَلى اللَّهِ بِزَعْمِهِ أنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ومَن قَبْلَهم. ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ مِن بَعْدِ ما لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ لا يُنْصِفُونَ مِن أنْفُسِهِمْ ويُكابِرُونَ الحَقَّ بَعْدَ ما وضُحَ لَهم.

﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ، أيْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ صادِقٌ فِيما أنْزَلَ وأنْتُمُ الكاذِبُونَ. ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أيْ مِلَّةَ الإسْلامِ الَّتِي هي في الأصْلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ، أوْ مِثْلُ مِلَّتِهِ حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِنَ اليَهُودِيَّةِ الَّتِي اضْطَرَّتْكم إلى التَّحْرِيفِ والمُكابَرَةِ لِتَسْوِيَةِ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وألْزَمَتْكم تَحْرِيمَ طَيِّباتٍ أحَلَّها اللَّهُ لِإبْراهِيمَ ومَن تَبِعَهُ. ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ اتِّباعَهُ واجِبٌ في التَّوْحِيدِ الصَّرْفِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والتَّجَنُّبِ عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وتَعْرِيضٌ بِشِرْكِ اليَهُودِ.

Aal-i-Imraan 3:95Listen in Qur'an →
96

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًۭا وَهُدًۭى لِّلْعَٰلَمِينَ

Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Makkah - blessed and a guidance for the worlds.

﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ أيْ وُضِعَ لِلْعِبادَةِ وجُعِلَ مُتَعَبَّدًا لَهُمْ، والواضِعُ هو اللَّهُ تَعالى. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ لَلْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ، وهي لُغَةٌ في مَكَّةَ كالنَّبِيطِ والنَّمِيطِ، وأمْرٌ راتِبٌ وراتِمٌ ولازِبٌ ولازِمٌ، وقِيلَ هي مَوْضِعُ المَسْجِدِ. ومَكَّةُ البَلَدُ مِن بَكَّةَ إذا زَحَمَهُ، أوْ مِن بَكَّهُ إذا دَقَّهُ فَإنَّها تَبُكُّ أعْناقَ الجَبابِرَةِ.

رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ عَنْ أوَّلِ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ فَقالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ. وسُئِلَ كَمْ بَيْنَهُما فَقالَ أرْبَعُونَ سَنَةً» . وقِيلَ أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ ثُمَّ هُدِمَ فَبَناهُ قَوْمٌ مِن جُرْهُمَ، ثُمَّ العَمالِقَةُ، ثُمَّ قُرَيْشٌ. وقِيلَ هو أوَّلُ بَيْتٍ بَناهُ آدَمُ فانْطَمَسَ في الطُّوفانِ، ثُمَّ بَناهُ إبْراهِيمُ. وقِيلَ: كانَ في مَوْضِعِهِ قَبْلَ آدَمَ بَيْتٌ يُقالُ لَهُ الضِّراحُ يَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ، فَلَمّا أُهْبِطَ آدَمُ أُمِرَ بِأنْ يَحُجَّهُ ويَطُوفَ حَوْلَهُ ورُفِعَ في الطُّوفانِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ تَطُوفُ بِهِ مَلائِكَةُ السَّمَواتِ وهو لا يُلائِمُ ظاهِرَ الآيَةِ. وقِيلَ المُرادُ إنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ بِالشَّرَفِ لا بِالزَّمانِ. ﴿مُبارَكًا﴾ كَثِيرَ الخَيْرِ والنَّفْعِ لِمَن حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ واعْتَكَفَ دُونَهُ وطافَ حَوْلَهُ، حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ ﴿وَهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ قِبْلَتُهم ومُتَعَبَّدُهُمْ، ولِأنَّ فِيهِ آياتٍ عَجِيبَةً كَما قالَ:

Aal-i-Imraan 3:96Listen in Qur'an →
97

فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌۭ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًۭا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ

In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it shall be safe. And [due] to Allah from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves - then indeed, Allah is free from need of the worlds.

﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ كانْحِرافِ الطُّيُورِ عَنْ مُوازاةِ البَيْتِ عَلى مَدى الأعْصارِ، وأنَّ ضَوارِيَ السِّباعِ تُخالِطُ الصُّيُودَ في الحَرَمِ ولا تَتَعَرَّضُ لَها، وإنَّ كُلَّ جَبّارٍ قَصَدَهُ بِسُوءٍ قَهَرَهُ اللَّهُ كَأصْحابِ الفِيلِ. والجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْهُدى، أوْ حالٌ أُخْرى. ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ خَبَرُهُ أيْ مِنها مَقامُ إبْراهِيمَ، أوْ بَدَلٌ مِن آياتٍ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ. وقِيلَ عَطْفُ بَيانٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ أثَرُ القَدَمِ في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ وغَوْصُها فِيها إلى الكَعْبَيْنِ، وتَخْصِيصُها بِهَذِهِ الإلانَةِ مِن بَيْنَ الصِّخارِ وإبْقاؤُهُ دُونَ سائِرِ آثارِ الأنْبِياءِ وحِفْظِهِ مَعَ كَثْرَةِ أعْدائِهِ أُلُوفُ سَنَةٍ. ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «آيَةٌ» بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ. وسَبَبُ هَذا الأثَرِ أنَّهُ لَمّا ارْتَفَعَ بُنْيانُ الكَعْبَةِ قامَ عَلى هَذا الحَجَرِ لِيَتَمَكَّنَ مِن رَفْعِ الحِجارَةِ فَغاصَتْ فِيهِ قَدَماهُ. ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ شَرْطِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ مِن حَيْثُ المَعْنى عَلى مَقامٍ لِأنَّهُ في مَعْنى أمِنَ مَن دَخَلَهُ أيْ ومِنها أمْنُ مَن دَخَلَهُ، أوْ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ وأمْنُ مَن دَخَلَهُ. اقْتَصَرَ بِذِكْرِهِما مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ وطَوى ذِكْرَ غَيْرِهِما كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكم ثَلاثٌ: الطِّيبُ والنِّساءُ وقُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ».»

لِأنَّ فِيها غِنْيَةً عَنْ غَيْرِها في الدّارَيْنِ بَقاءَ الأثَرِ مَدى الدَّهْرِ والأمْنَ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مَن ماتَ في أحَدِ الحَرَمَيْنِ، بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ آمِنًا».» وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مَن لَزِمَهُ القَتْلُ بِرِدَّةٍ أوْ قَصاصٍ أوْ غَيْرِهِما والتَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ ولَكِنْ أُلْجِئَ إلى الخُرُوجِ. ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ قَصْدُهُ لِلزِّيارَةِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ حِجُّ بِالكَسْرِ وهو لُغَةُ نَجْدٍ. ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ مُخَصَّصٌ لَهُ، وقَدْ فَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِطاعَةَ «بِالزّادِ والرّاحِلَةِ» وهو يُؤَيِّدُ قَوْلَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّها بِالمالِ، ولِذَلِكَ أوْجَبَ الِاسْتِنابَةَ عَلى الزَّمَنِ إذا وجَدَ أُجْرَةَ مَن يَنُوبُ عَنْهُ. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى إنَّها بِالبَدَنِ فَيَجِبُ عَلى مَن قَدِرَ عَلى المَشْيِ والكَسْبِ في الطَّرِيقِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى إنَّها بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ. والضَّمِيرُ في إلَيْهِ لِلْبَيْتِ، أوِ الحَجِّ وكُلُّ ما أتى إلى الشَّيْءِ فَهو سَبِيلُهُ. ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ وضَعَ كَفَرَ مَوْضِعَ مَن لَمْ يَحُجَّ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِهِ وتَغْلِيظًا عَلى تارِكِهِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ «مَن ماتَ ولَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إنْ شاءَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا».»

وَقَدْ أُكِّدَ أمْرُ الحَجِّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهِ الدَّلالَةِ عَلى وُجُوهٍ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، وإبْرازِهِ في الصُّورَةِ الِاسْمِيَّةِ وإيرادِهِ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ لِلَّهِ تَعالى في رِقابِ النّاسِ، وتَعْمِيمُ الحُكْمِ أوَّلًا ثُمَّ تَخْصِيصُهُ ثانِيًا فَإنَّهُ كَإيضاحٍ بَعْدَ إيهامٍ وتَثْنِيَةٍ وتَكْرِيرٍ لِلْمُرادِ، وتَسْمِيَةُ تَرْكِ الحَجِّ كُفْرًا مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُ الكَفَرَةِ، …

Aal-i-Imraan 3:97Listen in Qur'an →
98

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allah while Allah is Witness over what you do?"

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِآياتِهِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيما يَدَّعِيهِ مِن وُجُوبِ الحَجِّ وغَيْرِهِ، وتَخْصِيصُ أهْلِ الكِتابِ بِالخِطابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُفْرَهم أقْبَحُ، لِأنَّ مَعْرِفَتَهم بِالآياتِ أقْوى وأنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَهم كافِرُونَ بِهِما. ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ والحالُ أنَّهُ شَهِيدٌ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها لا يَنْفَعُكُمُ التَّحْرِيفُ والِاسْتِسْرارُ.

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ كَرَّرَ الخِطابَ والِاسْتِفْهامَ مُبالَغَةً في التَّقْرِيعِ ونَفْيِ العُذْرِ لَهُمْ، وإشْعارًا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ مُسْتَقْبَحٌ في نَفْسِهِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِجْلابِ العَذابِ، وسَبِيلُ اللَّهِ في دِينِهِ الحَقُّ المَأْمُورُ بِسُلُوكِهِ وهو الإسْلامُ. قِيلَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ ويَحْرِشُونَ بَيْنَهم حَتّى أتَوُا الأوْسَ والخَزْرَجَ فَذَكَّرُوهم ما بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّعادِي والتَّحارُبِ لِيَعُودُوا لِمِثْلِهِ ويَحْتالُونَ لِصَدِّهِمْ عَنْهُ. ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ حالٌ مِنَ الواوِ أيْ باغِينَ طالِبِينَ لَها اعْوِجاجًا بِأنْ تَلْبِسُوا عَلى النّاسِ وتُوهِمُوا أنَّ فِيهِ عِوَجًا عَنِ الحَقِّ، بِمَنعِ النَّسْخِ وتَغْيِيرِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَحْوِهِما، أوْ بِأنْ تُحَرِّشُوا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لِتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ويَخْتَلَّ أمْرُ دِينِهِمْ. ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ إنَّها سَبِيلُ اللَّهِ والصَّدُّ عَنْها ضَلالٌ وإضْلالٌ، أوْ أنْتُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أهْلِ مِلَّتِكم يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويَسْتَشْهِدُونَكم في القَضايا. ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمّا كانَ المُنْكَرُ في الآيَةِ الأُولى كُفْرَهم وهم يَجْهَرُونَ بِهِ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ. ولَمّا كانَ في هَذِهِ الآيَةِ صَدُّهم لِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ الإسْلامِ وكانُوا يُخْفُونَهُ ويَحْتالُونَ فِيهِ قالَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ.

Aal-i-Imraan 3:98Listen in Qur'an →
99

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allah those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allah is not unaware of what you do."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِآياتِهِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيما يَدَّعِيهِ مِن وُجُوبِ الحَجِّ وغَيْرِهِ، وتَخْصِيصُ أهْلِ الكِتابِ بِالخِطابِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُفْرَهم أقْبَحُ، لِأنَّ مَعْرِفَتَهم بِالآياتِ أقْوى وأنَّهم وإنْ زَعَمُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَهم كافِرُونَ بِهِما. ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ والحالُ أنَّهُ شَهِيدٌ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيكم عَلَيْها لا يَنْفَعُكُمُ التَّحْرِيفُ والِاسْتِسْرارُ.

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ﴾ كَرَّرَ الخِطابَ والِاسْتِفْهامَ مُبالَغَةً في التَّقْرِيعِ ونَفْيِ العُذْرِ لَهُمْ، وإشْعارًا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ مُسْتَقْبَحٌ في نَفْسِهِ مُسْتَقِلٌّ بِاسْتِجْلابِ العَذابِ، وسَبِيلُ اللَّهِ في دِينِهِ الحَقُّ المَأْمُورُ بِسُلُوكِهِ وهو الإسْلامُ. قِيلَ كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ ويَحْرِشُونَ بَيْنَهم حَتّى أتَوُا الأوْسَ والخَزْرَجَ فَذَكَّرُوهم ما بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّعادِي والتَّحارُبِ لِيَعُودُوا لِمِثْلِهِ ويَحْتالُونَ لِصَدِّهِمْ عَنْهُ. ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ حالٌ مِنَ الواوِ أيْ باغِينَ طالِبِينَ لَها اعْوِجاجًا بِأنْ تَلْبِسُوا عَلى النّاسِ وتُوهِمُوا أنَّ فِيهِ عِوَجًا عَنِ الحَقِّ، بِمَنعِ النَّسْخِ وتَغْيِيرِ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَحْوِهِما، أوْ بِأنْ تُحَرِّشُوا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لِتَخْتَلِفَ كَلِمَتُهم ويَخْتَلَّ أمْرُ دِينِهِمْ. ﴿وَأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ إنَّها سَبِيلُ اللَّهِ والصَّدُّ عَنْها ضَلالٌ وإضْلالٌ، أوْ أنْتُمْ عُدُولٌ عِنْدَ أهْلِ مِلَّتِكم يَثِقُونَ بِأقْوالِكم ويَسْتَشْهِدُونَكم في القَضايا. ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمّا كانَ المُنْكَرُ في الآيَةِ الأُولى كُفْرَهم وهم يَجْهَرُونَ بِهِ خَتَمَها بِقَوْلِهِ: واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ. ولَمّا كانَ في هَذِهِ الآيَةِ صَدُّهم لِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ الإسْلامِ وكانُوا يُخْفُونَهُ ويَحْتالُونَ فِيهِ قالَ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ.

Aal-i-Imraan 3:99Listen in Qur'an →
100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ

O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ كانُوا جُلُوسًا يَتَحَدَّثُونَ، فَمَرَّ بِهِمْ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ فَغاظَهُ تَألُّفُهم واجْتِماعُهم فَأمَرَ شابًّا مِنَ اليَهُودِ أنْ يَجْلِسَ إلَيْهِمْ ويُذَكِّرَهم يَوْمَ بُعاثَ ويَنْشُدَهم بَعْضَ ما قِيلَ فِيهِ، وكانَ الظُّفْرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِلْأوْسِ، فَفَعَلَ فَتَنازَعَ القَوْمُ وتَفاخَرُوا وتَغاضَبُوا وقالُوا السِّلاحَ السِّلاحَ، واجْتَمَعَ مَعَ القَبِيلَتَيْنِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، فَتَوَجَّهَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ: وقالَ «أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم بَعْدَ أنْ أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالإسْلامِ وقَطَعَ بِهِ عَنْكم أمْرَ الجاهِلِيَّةِ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ» فَعَلِمُوا أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وكَيْدٌ مِن عَدُوِّهِمْ، فَألْقَوُا السِّلاحَ واسْتَغْفَرُوا وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا وانْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وإنَّما خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ ما أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يُخاطِبَ أهْلَ الكِتابِ إظْهارًا لِجَلالَةِ قَدْرِهِمْ، وإشْعارًا بِأنَّهم هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يُخاطِبَهُمُ اللَّهُ ويُكَلِّمَهم.

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ لِكُفْرِهِمْ في حالٍ اجْتَمَعَ لَهُمُ الأسْبابُ الدّاعِيَةُ إلى الإيمانِ الصّارِفَةِ عَنِ الكُفْرِ. ﴿وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ ومَن يَتَمَسَّكُ بِدِينِهِ أوْ يَلْتَجِئُ إلَيْهِ في مَجامِعِ أُمُورِهِ. ﴿فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَقَدِ اهْتَدى لا مَحالَةَ.

Aal-i-Imraan 3:100Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.