Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 121–130 of 286

121

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Those to whom We have given the Book recite it with its true recital. They [are the ones who] believe in it. And whoever disbelieves in it - it is they who are the losers.

قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ﴾.

قال ابن مسعود: "ومعنى ﴿حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾، أي: يحل حلاله ويحرم حرامه، ويضعه على مواضعه. فمن قرأ منه شيئاً كان له بكل حرف عشر حسنات".

وعني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام]، فيكون "يتلون" الخبر. وإن شئت "أولئك" الخبر، و "يتلون" حال.

وقيل: عني بذلك من آمن بالنبي [عليه السلام] من بني إسرائيل والنصارى، فيكون "يتلون" الخبر، وهو اختيار الطبري. فيكون مردوداً على ما قبله من ذكرهم ولم يجر لأصحاب محمد ﷺ ذكر فيرد إليهم، ولآلهم ذكر بعدها، فتجعل الآية مبتدأة فيهم، ولا جاء أثر بأن ذلك فيهم. فردها إلى ما قبلها أولى وهو ذكر بني إسرائيل والنصارى.

وأجاز ابن كيسان أن يكون: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ خبراً عن "الذين" على أن يكون "الذين" يراد بهم المرسلون والأنبياء صلوات الله عليهم. وأجاز أن يراد "بالذين" العاملون بالكتاب خاصة منهم؛ فيكون "يتلون" الخبر أيضاً. ويجوز وجوه أخرى أيضاً.

وروي أنها مخصصة نزلت في أربعين رجلاً من أهل نجران بعضهم، ومن الحبشة بعضهم، ومن الروم منهم ثمانية؛ وهم الملاحون أصحاب السفينة الذين أقبلوا إلى النبي ﷺ مع جعفر بن أبي طالب أثنى الله تعالى عليهم إذ آمنوا بكتابهم وبالنبي ﷺ، فأثنى الله عز وجل عليهم في غير موضع من كتابه، فيكون "يتلون" خبراً عنهم.. وإن جعلته عاماً كان "يتلون" حالاً لا غير، لأنك إن جعلته خبراً أوجبت أن كل منْ أوتي الكتاب من النصارى ومن بني إسرائيل يتلونه حق تلاوته، وليسوا كذلك.

* *

قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.

أي: بمحمد ﷺ لأنهم إذا تلوا التوراة حق تلاوتها وجدوه مكتوباً فيها. فهم يؤمنون بمحمد ﷺ ضرورة إذا أنصفوا في التلاوة.

* *

ومعنى ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ أي: يتبعونه حق اتباعه. كذلك رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قاله. أي: يتبعون ما فيه حق اتباعه. وقيل: معناه: يقرأونه حق قراءته.

وقد قيل: إن الهاء في "به" عائدة على الكتاب كالهاء في "يتلونه" والهاء في "ومن يكفر به".

قال ابن زيد: "تعود على محمد ﷺ". وقيل تعود على الكتاب.

Al-Baqara 2:121Listen in Qur'an →
122

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

قوله: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾. أي: على عالم زمانكم، وقد تقدم ذكر النعم وما فضلوا به، ومن أجَلّ نعمة أنعم بها عليهم أن موسى [عليه السلام] أخبرهم بعيسى وبمحمد ﷺ وأمرهم باتباعهما، فلم يحتاجوا إلى آية لو كانوا موفقين لأنهم قد سبق عندهم خبر الصادق بذلك، ففضلوا على سائر الخلق بما عندهم من العلم في أمر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ولم يتبعوهما، واتبعهما من لم يكن عنده مقدمة ولا خبر عنهما. كل ذلك بخذلان الله تعالى لهم وتوفيقه لغيرهم.

Al-Baqara 2:122Listen in Qur'an →
123

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, and no compensation will be accepted from it, nor will any intercession benefit it, nor will they be aided.

Explained together with ayah 122

Al-Baqara 2:123Listen in Qur'an →
124

۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Abraham was tried by his Lord with commands and he fulfilled them. [Allah] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allah] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

قوله: ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.

قيل: فاعل "أتمهن": الله عز وجل، أي أكملهن الله له.

وقيل: الفاعل إبراهيم ﷺ أخبره الله عز وجل بما سبق في علمه فيه ليكون الامتحان موجوداً معقولاً فتقع عليه المجازاة والثواب، إذ لا يقع جزاء على ما في علم الله تعالى دون ظهوره من العبد. أخبر الله عز وجل أنه أتمهن هنا، وقال في غير هذا الموضع: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ [النجم: ٣٧].

واختلف في الكلمات؛ فقال ابن عباس: "هي ثلاثون سهماً، عشر منها في براءة ﴿ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]. وعشر في الأحزاب. ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. في (المؤمنين) إلى قوله: ﴿يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩] وعشر في ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ [المعارج: ١] إلى ﴿حَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٩]. أيضاً. وقيل: هي عشر خمس في الرأس، وخمس في البدن، فالتي في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الشعر.

وروي في موضع الفرق: إعفاء اللحية.

وفي الجسد تقليم الأظافر، وحلق العانة، ونتف الإبط، وغسل المخرجين بالماء، والختان.

وعن ابن عباس أيضاً قال: "هي عشرة: ستة في الإنسان وهي: حلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة. وأربع في المشاعر وهي: الطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة".

وعن مجاهد قال: "هي أن الله تعالى قال لإبراهيم ﷺ. إني مبتليك بأمر، فما هو؟ قال: تجعلني للناس إماماً؟، قال الله: نعم. قال إبراهيم: ومن ذريتي؟ قال الله [عز وجل] : لا ينال عهدي الظالمين. قال إبراهيم: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وأمنا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: [تجعلنا مسلمين لك] ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترينا مناسكنا وتتوب علينا؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وتجعل هذا البلد آمناً؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات من آمن؟ قال الله: نعم".

وقال جماعة: "تلك الكلمات مناسك الحج خاصة".

وقال الحسن: "الكلمات هي الخلال الست التي ابتلي بها، وهي: الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، ابتلي بهن فصبر عليهن ولم يزغ".

وقيل: من ذلك الذبح.

وقال السدي: "الكلمات: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾، ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً﴾.

وروي عن النبي [ﷺ] أنه قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ "عَمَلُ يَوْمِهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ

ورُوي عنه ﷺ أنه قال: "أَلاَ أُخْبِرُكُم لِمَ سَمَّى اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ ﴿ٱلَّذِي وَفَّىٰ﴾ الآية. قال: كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ، وَكُلَّمَا أَمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾

وروي أن الله جلَّ ذكره أوحى إليه أن تطهر فتمضمض، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستنشق. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستاك. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأخذ شاربه. ثم أوحى الله إليه أن تطهر ففرق شعره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فاستنجى. ثم أوحى الله إليه أن تطهر فحلق عانته، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فنتف إبطه، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أوحى الله إليه أن تطهر فأقبل بوجهه على جسده ينظر ما يصنع، فردد البصر، فاختتن بعد عشرين ومائة سنة، فأوحى الله إليه: إني جاعلك للناس إماماً؛ أي: يقتدي بك الصالحون من بعدك. فأعجب ذلك إبراهيم صلى الله عليه سلم فقال: ومن ذريتي، أي: اجعل يا رب منهم أئمة، فقال له الله: لا ينال عهدي الظالمين، أي: من كان من ولدك ظالماً فلا يكون إماماً.

قوله: ﴿لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾.

أي يقتدي بك من في عصرك ومن يأتي بعدك.

* *

قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي …

Al-Baqara 2:124Listen in Qur'an →
125

وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةًۭ لِّلنَّاسِ وَأَمْنًۭا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِۦمَ مُصَلًّۭى ۖ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ

And [mention] when We made the House a place of return for the people and [a place of] security. And take, [O believers], from the standing place of Abraham a place of prayer. And We charged Abraham and Ishmael, [saying], "Purify My House for those who perform Tawaf and those who are staying [there] for worship and those who bow and prostrate [in prayer]."

وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ﴾.

"إذ" في موضع نصب عطف على "إذ" في قوله: ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. و "إذ" في: ﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ﴾ معطوفة على النعمة في قوله ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ أي واذكروا إذ ابتلى، واذكروا إذ جعلنا.

والهاء في "مثابة" دخلت للمبالغة عند الأخفش مثل نسَّابة وعلاَّمة.

وقال الكوفيون: "أُنِّثَ" لأنه أريد به البقعة التي يثاب إليها، أي: يرجع إليها، كما قالوا: المقامة على تأنيث البقعة، والمقام على تذكير المكان.

ومعنى: ﴿مَثَابَةً﴾: "لا يقضون منه وطراً". قاله مجاهد:

وقال السدي: "إذا أتاه مرة لا يدعه حتى يعود إليه".

وقيل: معناه: لا ينصرف عنه منصرف إلا وهو يرى أنه لم يقض منه وطراً.

* *

قوله: ﴿وَأَمْناً﴾. هذا كان في الجاهلية لأنهم كانوا إذا لقي أحدهم قاتل أبيه وأخيه في الحرم لم يؤذه حتى يخرج منه، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].

ويروىَ أن عمر قال: "قلت يا رسول الله، لو اتّخذت المقام مصلى، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فهذا على قراءة من كَسَر الخاء، كأنه أمر من الله عز وجل بذلك.

فأما مَن فتح فهو خبر معطوف على النعمة عند الأخفش كأنه قال: اُذكروا نعمتي، واذكروا إذ اتخذوا".

وقال غيره: "هو معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾".

والمقام هو الذي يصلى إليه اليوم. وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم ﷺ حين ارتفع بناؤه وضعف عن حمل الحجارة، فكان إسماعيل ﷺ يُناوِله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾. قاله ابن عباس.

وروي عن ابن عباس أيضاً أن المقام هو الحج كله. وكذلك قال مجاهد وعلماء.

وقيل: هو عرفة والمزدلفة، والجمار. روي ذلك عن عطاء.

وقيل: مقامه عرفة.

وعن مجاهد أنّ "مقامه الحرمُ كله".

وقال الربيع بن أنس: "المقام هو الحجر الذي وضعت زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حين غسلت رأسه، فوضع رجله عليه وهو راكب، فغسلت شقه ثم رفعته من تحته وقد غابت رجله في الحَجَر، فوضعته تحت الشق الآخر فغابت رجله أيضاً فيه".

وقال عمر بن الخطاب: "وافقني ربي في ثلاثة، قلت يا رسول الله، لو اُتخذت [مقام] إبراهيم مصلى. فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وأشرت على النبي ﷺ بالحجاب، فأنزل الله سبحانه آية الحجاب، ووعظت نساء النبي فقلت لهن: لئن لم تنتهين ليبدلنه الله خيراً منكن، فأنزل الله عز وجل: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥].

* *

ومعنى ﴿مُصَلًّى﴾: "مدعى يدعون عنده". قاله مجاهد.

وقال قتادة: "مصلى يصلون إليه".

* *

قوله: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.

أي: من الشرك والأوثان.

وقيل له بيت ولم يكن ثَمَّ بيت، لأنه كان بيتاً في عهد نوح ﷺ فأمره أن يطهره قبل بنيانه من الأوساخ؛ من الأصنام وغيرها.

وقيل: معناه أنهما أمرا ببنيانه مطهراً من الشرك. و ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ هم الغرباء.

وقيل: هم كل من يطوف حوله، وهو أبين.

و ﴿وَٱلْعَاكِفِينَ﴾؛ قال عطاء: "هم الجالسون من غير طواف".

وقال مجاهد: "العاكفون المقيمون به، المجاورون له من الغرباء".

وقال سعيد بن جبير: "العاكفون هم أهل البلد".

وقال ابن عباس: "العاكفون المصلون".

* *

وقوله: ﴿وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ يمنع من هذا القول.

والاختيار عند جماعة أن يكون العاكف المجاور للبيت بغير صلاة ولا طواف. وهو قول عطاء وغيره.

Al-Baqara 2:125Listen in Qur'an →
126

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allah and the Last Day." [Allah] said. "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً﴾.

قيل: إِنّ إِبراهيم ﷺ سأل الله أن يحرم مكة فحرمها، واحتج من قال ذلك بقول النبي ﷺ: "إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ عَبْدُ اللهِ وَخَلِيلُهُ وإني عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا

وقال قائلون: "لَمْ تُحَرَّم بسؤال إبراهيم ﷺ، بل كانت حراماً، [واحتجوا بقول النبي عليه السلام] يوم افتتح مكة : "هَذِهِ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ: لَمْ تَحِلّ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي.. أُحِلَّتْ لِي سَاعَةَ مِنْ نَهَارٍ". واحتجوا بقول إبراهيم ﷺ ﴿رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧].

وكان الطبري يجمع بين الخبرين، ويقول: "إن الله عز وجل حرّم مكة وقضى ذلك، ولم يتعبد الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم أن يتعبد الخلق بذلك فأجابه. فإبراهيم كان سبب تعبد الخلق بتحريمها والتعبد بذلك، والله تعالى قد حرّمها يوم خلق السماوات والأرض".

* *

وقوله: ﴿عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. معناه الذي حرمته عندك، ولم تتعبد الخلق به. وروي أن إبراهيم ﷺ لما دعا فقال: ﴿وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ﴾ أجاب الله عز وجل دعاءه: فبعث جبريل عليه السلام إلى الشام، فاقتلع منها الطائف من موضع الأردن ثم طاف بها حول الكعبة أسبوعاً، ولذلك سميت الطائف. ثم أنزلها تهامة ولم يكن يومئذ بمكة غير إسماعيل ﷺ، ثم نزلت جرهم مع إسماعيل ﷺ بمكة، فلم يزالوا على الإسلام حتى نشأ عمرو بن [لحي الجرهمي فَغَيَّرَ] دين إبراهيم ﷺ وعَبَدَ الأصنام، وسَيَّبَ السوائب، وبَحَّرَ البحيرة وحَمَى الحامي، وَوَصَلَ الوصيلة، وغلب مكة، وقهر أهلها. وهم ولد إسماعيل ﷺ - وهو [الذي قال فيه النبي عليه السلام]: رَأَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ يَجرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ"أي: أمعاءه.

* *

قوله: ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾.

ذلك إخبار من الله عز وجل لنبيه ﷺ قاله أبي بن كعب. أي: أنا أرزق البر والفاجر فأمتع الفاجر قليلاً.

وقال ابن عباس: "هو من قول إبراهيم ﷺ سأل ربه عز وجل أن يرزق من كفر فيمتعه قليلاً".

ويجب على هذا التأويل وصل ألف "أَضْطَرُّهُ"، وفتح ألفَ أُمتِّعُهُ". ويجب أيضاً بناء الفعلين على السكون لأن طلب كالأمر، ولأنه؟ سؤال من إبراهيم ﷺ لله عز وجل. وإن كان الخبر من عند الله سبحانه كانت الألف في "أمتعه" ألف المتكلم، وكذلك هي في "أضطره"، ويرتفع الفعلان لأنهما إخبار عن الله جل ذكره.

ومعنى: ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ أكرهه وألجئه إلى ذلك.

Al-Baqara 2:126Listen in Qur'an →
127

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِۦمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And [mention] when Abraham was raising the foundations of the House and [with him] Ishmael, [saying], "Our Lord, accept [this] from us. Indeed You are the Hearing, the Knowing.

قوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ﴾.

القواعد أساس البيت.

قال عطاء: هي قواعد آدم ﷺ كانت قد اندرست وخفي أثرها فبوأها الله [إبراهيم. قال عطاء: قال آدم] حين أهبط: ربي إني لأسمع أصوات الملائكة. قال: بخطيئتك، ولكن اُهبط إلى الأرض فابْنِ لي بيتاً، ثم احفُف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فبناه من خمسة أجبل، من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وأبي قبيس".

وروي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "أهبط الله مع آدم ﷺ من السماء إلى الأرض بيتاً يطاف به كما يطاف بعرشه في السماء. ثم رفعه أيام الطوفان، فرفع إبراهيم ﷺ قواعد ذلك البيت. فكانت الأنبياء عليهم السلام يحجونه ولا يعلمونه حتى بوأه الله إبراهيم فأعلمه مكانه".

وقال عطاء: لمَّا أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، وأهبط طوله أي: نقص، شكا أنه استوحش لِفَقْدِ أصوات الملائكة، فَوُجه إلى مكة فكان موضع قدمه قَرْية، وما بين القدمين مفازة، فأنزل الله عز وجل عليه ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت في موضع البيت. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الطوفان، فرفعت إلى أن بعث الله إبراهيم ﷺ فبناه".

وقال مجاهد: "لما أراد الله خلق الأرض علا الماءَ زبدةٌ حمراء أو بيضاء كهيئة القبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وبقيت تلك الزبدة ربوة حتى بوأها الله إبراهيم ﷺ فبناه على أساسه، وأساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة".

وقال ابن عباس: "وضع البيت على أركان الماء؛ أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت".

وفي حرف ابن مسعود: "وإسماعيل يَقُولاَنِ: رَبَّنَا" فدل على أنهما جميعا دَعَوا. وقيل: القائل هو إسماعيل ﷺ وحده. والمعنى إذ يقول إسماعيل "ربنا".

قال ابن عباس، "كان إبراهيم يبني، وإسماعيل ينقل الحجارة، فلما انتهى إلى موضع الحجر قال لإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون عَلَماً للناس. فذهب إسماعيل فأتى بحجر فقال له: جئني بأحسن من هذا. فمضى إسماعيل ﷺ يطلب فنادى أبو قبيس: "يا إبراهيم، يا خليل الرحمن، إن لك عندي وديعة فَخُذها، فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان قد نزل به آدم عليه السلام من الجنة".

وروي أن أبا قبيس جبل هاجر من خراسان إلى مكة. وقال النبي [عليه السلام] "الحَجَرَ يَاقُوتَةٌ مِنْ يَاقُوتِ الجَنَّةِ [بَيْضَاءٌ، وَلَولاَ مَا لاَمَسَهُ] مِنْ أَجْنَاسِ المُشْرِكينَ وَأَرْجَاسِهِمْ مَا مَسَّهُ ذُو عَاهَةٍ إلاَّ شَفَاهُ اللهُ عز وجل

وقال عليه السلام: "الحَجَرُ يَمينُ اللهِ يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَهُ وَلَيَأْتِيَنِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالمَقَامُ، وَلَهُمَا لِسَانَانِ وَشَفَتَانِ يَشْهَدَانِ لِمَنْ وَافَاهُمَا بِالوَفَاءِ

وذكر السدي أن إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وسلم لما أرادا البناء لم يدريا أين البيت. فبعث الله عز وجل ريحاً يقال لها الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، فوضعا المعاول يحفران حتى وضعا الأساس فذلك قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ﴾ [ الحج: ٢٦]، فلما بلغا في البناء إلى الركن قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب لي حجراً حسناً أضعه هنا. قال: يا أبت. إني كسلان تعب. قال: على ذلك. فانطلق يطلب [حجراً فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق [يطلب حجراً] وجاء جبريل [عليه السلام] بالحجر الأسود وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة وكان آدم ﷺ هبط به من الجنة فاسودّ من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل ﷺ بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ فقال: جاء به من هو أنشط منك فبنياه".

وقال عبيد بن عمير الليثي: أتى إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلام يَبْرَى نبلاً قريباً من زمزم، فلما رآه [قام إليه]، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله [جل وعز] أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك …

Al-Baqara 2:127Listen in Qur'an →
128

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Our Lord, and make us Muslims [in submission] to You and from our descendants a Muslim nation [in submission] to You. And show us our rites and accept our repentance. Indeed, You are the Accepting of repentance, the Merciful.

وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾.

أي: خاضعين لأمرك، مستسلمين لك، لا نشرك معك في الطاعة أحداً، فالمسلم الذي قد استسلم لأمر الله [عز وجل]. والمؤمن هو الذي أظهر القبول لأمر الله سبحانه فأضمر مثل ذلك.

فأما قوله: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فمعناه ولكن قولوا: خضعنا وأظهرنا الإسلام. فالمسلم على ضربين: مسلم أظهر مثل ما أضمر فهذا مؤمن مسلم، ومسلم يظهر غير ما يبطن، فهذا غير مؤمن. إنما هو مستسلم في الظاهر ولذلك قال لهم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] أي: إنما أظهرتم الإسلام خشية القتل، ولم يدخل في قلوبكم منه شيء.

وقوله في الدعاء: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾.

دخول "مِنْ" يدل على التخصيص لبعض الذرية، لأن الله تعالى قد أعلم إبراهيم ﷺ أن من ذريته من لا يناله عهده لظلمه وفجوره. فخص إبراهيم عليه السلام بدعوته، ولم يعم لما تقدم عنده من الخبر عن الله تعالى.

والأمة هنا عني بها الجماعة.

وتكون الأمة الإمام كقوله في إبراهيم ﷺ ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: إماما يقتدى به.

وتكون الأمة السنين كقوله:﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [هود: ٨]، أي: إلى سنين.

وتكون الأمة الملة كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. أي: على ملة ودين.

وقيل: الأمة هنا محمد وأمته ﷺ.

[قوله] ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾.

يعني [محمداً عليه السلام].

وقول إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ يدل على أن الإسلام والإيمان سواء، إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام.

[قال] مالك: "لما وقف إبراهيم على المقام أوحى الله إلى الجبال أن تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه موضع المناسك وهو قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. معناه أظهر لأعيننا مكان المناسك ان جعلته من رؤية العين.

وقيل: معناه عَلِّمناها وعَرِّفناها.

والمناسك: مناسك الحج ومعالمه.

وقال قتادة: "فأراهما الله مناسكهما بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة والإفاضة من عرفات، ومن جمع، ورمي الجمار حتى أكمل لهما الدين".

قال السدي: "لما فرغ إبراهيم ﷺ وعلى محمد من بنيان البيت، أمره الله [أن] ينادي، فقال: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، فنادى بين أخشبي مكة: يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل شيء سمعه من جبل أو شجر أو دابة: لبيك، لبيك - أجابوه بالتلبية -: لبيك اللهم لبيك، فأتاه من أتاه. وأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها الله له فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار اللعين فوقع على الجمرة الثانية [أيضاً فصده]، فرماه وكبّر فطار اللعين فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر. فلما رأى أنه لا يطيقه انطلق حتى أتى ذا المجاز، ولم يدر إبراهيم ﷺ أين يذهب فلما أتى إبراهيم ﷺ ذا المجاز لم يعرفه فجازه، فسمي ذا المجاز. ثم انطلق، حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها إبراهيم ﷺ عرف النعت، فقال: قد عرفت، فسمى ذلك المكان عرفات. فوقف إبراهيم ﷺ بعرفات حتى إذا أمسى ازدلف بجمع، فسميت المزدلفة. فوقف بجمع ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أولاً فرماه بسبع حصيات، سبع حصيات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج".

وقيل: المناسك المذابح. فالمعنى على هذا: وأرنا كيف ننسك لك يا رب نسائكنا، فنذبحها لك.

قال عطاء: "مناسكنا ذبحنا". وعنه: "مذابحنا". وكذلك قال مجاهد.

وقيل: مناسكنا متعبداتنا. ومنه قيل للعابد ناسك.

قال …

Al-Baqara 2:128Listen in Qur'an →
129

رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

Our Lord, and send among them a messenger from themselves who will recite to them Your verses and teach them the Book and wisdom and purify them. Indeed, You are the Exalted in Might, the Wise."

وقوله: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾.

أي: خاضعين لأمرك، مستسلمين لك، لا نشرك معك في الطاعة أحداً، فالمسلم الذي قد استسلم لأمر الله [عز وجل]. والمؤمن هو الذي أظهر القبول لأمر الله سبحانه فأضمر مثل ذلك.

فأما قوله: ﴿قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فمعناه ولكن قولوا: خضعنا وأظهرنا الإسلام. فالمسلم على ضربين: مسلم أظهر مثل ما أضمر فهذا مؤمن مسلم، ومسلم يظهر غير ما يبطن، فهذا غير مؤمن. إنما هو مستسلم في الظاهر ولذلك قال لهم: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] أي: إنما أظهرتم الإسلام خشية القتل، ولم يدخل في قلوبكم منه شيء.

وقوله في الدعاء: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾.

دخول "مِنْ" يدل على التخصيص لبعض الذرية، لأن الله تعالى قد أعلم إبراهيم ﷺ أن من ذريته من لا يناله عهده لظلمه وفجوره. فخص إبراهيم عليه السلام بدعوته، ولم يعم لما تقدم عنده من الخبر عن الله تعالى.

والأمة هنا عني بها الجماعة.

وتكون الأمة الإمام كقوله في إبراهيم ﷺ ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: إماما يقتدى به.

وتكون الأمة السنين كقوله:﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [هود: ٨]، أي: إلى سنين.

وتكون الأمة الملة كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. أي: على ملة ودين.

وقيل: الأمة هنا محمد وأمته ﷺ.

[قوله] ﴿رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾.

يعني [محمداً عليه السلام].

وقول إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ يدل على أن الإسلام والإيمان سواء، إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام.

[قال] مالك: "لما وقف إبراهيم على المقام أوحى الله إلى الجبال أن تأخري عنه، فتأخرت حتى أراه موضع المناسك وهو قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ إلى قوله: ﴿لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. معناه أظهر لأعيننا مكان المناسك ان جعلته من رؤية العين.

وقيل: معناه عَلِّمناها وعَرِّفناها.

والمناسك: مناسك الحج ومعالمه.

وقال قتادة: "فأراهما الله مناسكهما بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة والإفاضة من عرفات، ومن جمع، ورمي الجمار حتى أكمل لهما الدين".

قال السدي: "لما فرغ إبراهيم ﷺ وعلى محمد من بنيان البيت، أمره الله [أن] ينادي، فقال: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، فنادى بين أخشبي مكة: يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن تحجوا بيته. قال: فوقرت في قلب كل مؤمن، فأجابه كل شيء سمعه من جبل أو شجر أو دابة: لبيك، لبيك - أجابوه بالتلبية -: لبيك اللهم لبيك، فأتاه من أتاه. وأمره الله عز وجل أن يخرج إلى عرفات، ونعتها الله له فخرج. فلما بلغ الشجرة عند العقبة، استقبله الشيطان يرده، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، فطار اللعين فوقع على الجمرة الثانية [أيضاً فصده]، فرماه وكبّر فطار اللعين فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر. فلما رأى أنه لا يطيقه انطلق حتى أتى ذا المجاز، ولم يدر إبراهيم ﷺ أين يذهب فلما أتى إبراهيم ﷺ ذا المجاز لم يعرفه فجازه، فسمي ذا المجاز. ثم انطلق، حتى وقع بعرفات فلما نظر إليها إبراهيم ﷺ عرف النعت، فقال: قد عرفت، فسمى ذلك المكان عرفات. فوقف إبراهيم ﷺ بعرفات حتى إذا أمسى ازدلف بجمع، فسميت المزدلفة. فوقف بجمع ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أولاً فرماه بسبع حصيات، سبع حصيات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحج".

وقيل: المناسك المذابح. فالمعنى على هذا: وأرنا كيف ننسك لك يا رب نسائكنا، فنذبحها لك.

قال عطاء: "مناسكنا ذبحنا". وعنه: "مذابحنا". وكذلك قال مجاهد.

وقيل: مناسكنا متعبداتنا. ومنه قيل للعابد ناسك.

قال …

Al-Baqara 2:129Listen in Qur'an →
130

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِۦمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

And who would be averse to the religion of Abraham except one who makes a fool of himself. And We had chosen him in this world, and indeed he, in the Hereafter, will be among the righteous.

ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.

أي: ومن يزهد في دين إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من سفه نفسه ورغب عن ملته. واتخاذ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من عند الله، هذا معنى قول قتادة والربيع.

وقيل: المعنى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ويضرها في معادها.

قال ابن زيد: "﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: معناه من أخطأ حظّه".

ومذهب الفراء أن "نفسه" منصوب على التفسير مثل "ضِقْتُ بهِ ذَرْعاً".

قال: وهو من المعرفة كالنكرة، ولا يجوز أن يكون التمييز معرفة عند البصريين ومثلها عنده: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]. ولا يجوز عند الفراء التقديم.

وقال الكسائي وهو أحد قولي الأخفش - المعنى: إلا من سفه في نفسه، فلما حذف الحرف نصب. ويُجيزان التقديم.

ومذهب أهل التأويل أن معناه: سفه نفسه. فهو مفعول به.

وقال يونس: "أراها لغة".

وقال أبو عبيدة: "معناه: [أهلك نفسه".

ومذهب] البصريين أنه مثل: "ضرب فلان الظهر والبطن" أي: في الظهر [والبطن] فلا حذف في نصبه. كذلك معناه: سفه في نفسه، ثم نصب لما حذف "في".

"وقال الزجاج": معناه: جهل نفسه". فهو مفعول به عنده بجهل" أي: لم يفكر في نفسه. فالسفه والجهل سواء.

وقيل: التقدير إلا من جهل رأي نفسه وقول نفسه، ثم حذف، مثل:

﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].

وقيل: التقدير، إلا من جهل قولُه نفسه، ثم حذف المؤكد وأقام التوكيد مقامه.

* *

ثم قال ﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا﴾.

أي اخترناه للخلة والإمامة.

[ثم قال]. ﴿وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾.

أي: وإن إبراهيم ﷺ لمن المؤدين حقوق الله. وتقدير تعلق حرف الجر: "وإنه صالح، في الآخرة، لمن الصالحين"، ثم حذف.

وقيل: إنه متعلق بالصالحين، والألف واللام ليستا بمعنى "الذي"، ولكنه اسم على حدته كالرجل والغلام.

Al-Baqara 2:130Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.