الٓمٓ
Alif, Lam, Meem.
سُورَةُ البَقَرَةِ
فَصْلٌ في فَضِيلَتِها
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكم مَقابِرَ، فَإنَّ البَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ لا يَدْخُلُهُ الشَّيْطانُ" .»
وَرَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "اقْرَؤُوا الزَّهْراوَيْنِ: البَقَرَةَ وآَلَ عِمْرانَ، فَإنَّهُما يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ غَيايَتانِ، أوْ فَرْقانِ، مِن طَيْرِ صَوّافٍ، اقْرَؤُوا البَقَرَةَ، فَإنَّ أخْذَها بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا تَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ" .»
والمُرادُ بِالزَّهْراوَيْنِ: المُنِيرَتَيْنِ. يُقالُ: لِكُلِّ مُنِيرٍ: زاهِرٌ. والغَيايَةُ: كُلُّ شَيْءٍ أظَلَّ إنْسانٍ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِثْلُ السَّحابَةِ والغَبَرَةِ. يُقالُ: غايا القَوْمَ فَوْقَ رَأْسِ فُلانٍ بِالسَّيْفِ، كَأنَّهم أظَلُّوهُ بِهِ. قالَ لَبِيدٌ: .
؎ فَتَدَلَّيْتُ عَلَيْهِ قافِلًا وعَلى الأرْضِ غَياياتُ الطِّفْلِ
وَمَعْنى فَرْقانِ: قِطْعَتانِ. والفَرْقُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٦٣ ] والصَّوّافُ: المُصْطَفَّةُ المُتَضامَّةُ لِتُظِلَّ قارِئَها. والبَطَلَةُ: السَّحَرَةُ.
**
فَصْلٌ في نُزُولِها
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي أوَّلُ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وَجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّها مَدَنِيَّةٌ سِوى آَيَةٍ، وهي قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٨١ ] فَإنَّها أُنْزِلَتْ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى في حِجَّةِ الوَداعِ.
فَصْلٌ وأمّا التَّفْسِيرُ
فَقَوْلُهُ: ﴿الـم﴾ اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيها وفي سائِرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها مِنَ المُتَشابِهِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ في كُلِّ كِتابٍ سِرٌّ، وسِرُّ اللَّهِ في القُرْآَنِ أوائِلُ السُّوَرِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وأبُو صالِحٍ وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ، فَإذا أُلِّفَتْ ضَرْبًا مِنَ التَّأْلِيفِ كانَتْ أسْماءً مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: هي أسْماءٌ مُقَطَّعَةٌ لَوْ عَلِمَ النّاسُ تَأْلِيفَها عَلِمُوا اسْمَ اللَّهِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ.
وَسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ "الر" و"حم" و"نُونِ" فَقالَ: اسْمُ الرَّحْمَنِ عَلى الجِهاءِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها حُرُوفٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أقْسَمَ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ كُلِّها، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ بَعْضِها كَما يَقُولُ القائِلُ: تَعَلَّمْتُ "أ ب ت ث" وهو يُرِيدُ سائِرَ الحُرُوفِ، وكَما يَقُولُ: قَرَأْتُ الحَمْدَ، يُرِيدُ فاتِحَةَ الكِتابِ، فَيُسَمِّيها بِأوَّلِ حَرْفٍ مِنها، وإنَّما أقْسَمَ بِحُرُوفِ المُعْجَمِ لِشَرَفِها ولِأنَّها مَبانِيَ كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وبِها يُذْكَرُ ويُوَحَّدُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وحُرُوفُ المُعْجَمِ لَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمُ السَّبِيلَ، وأنْهَجْتُ لَكُمُ الدَّلالاتِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ، وإنَّما حُذِفَ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِهِ، ولِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ أشارَ بِما ذَكَرَ مِنَ …