Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 221–230 of 286

221

وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

And do not marry polytheistic women until they believe. And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allah invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses to the people that perhaps they may remember.

الحُكْمُ السّادِسُ

فِيما يَتَعَلَّقُ بِالنِّكاحِ

صفحة ٤٧

﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ولَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكم ولا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ ولَوْ أعْجَبَكم أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ ويُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [المُمْتَحِنَةِ: ١٠] وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ، أيْ لا تُزَوِّجُوهُنَّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يُزَوِّجُونَهُنَّ.

واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ابْتِداءُ حُكْمٍ وشَرْعٍ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما تَقَدَّمَ، فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ ابْتِداءُ شَرْعٍ في بَيانِ ما يَحِلُّ ويَحْرُمُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِقِصَّةِ اليَتامى، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ وأرادَ مُخالَطَةَ النِّكاحِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَبْعَثُ عَلى الرَّغْبَةِ في اليَتامى، وأنَّ ذَلِكَ أوْلى مِمّا كانُوا يَتَعاطَوْنَ مِنَ الرَّغْبَةِ في المُشْرِكاتِ، وبَيَّنَ أنَّ أمَةً مُؤْمِنَةً خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وإنْ بَلَغَتِ النِّهايَةَ فِيما يَقْتَضِي الرَّغْبَةَ فِيها، لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى ما يَبْعَثُ عَلى التَّزَوُّجِ بِاليَتامى، وعَلى تَزْوِيجِ الأيْتامِ عِنْدَ البُلُوغِ لِيَكُونَ ذَلِكَ داعِيَةً لِما أمَرَ بِهِ مِنَ النَّظَرِ في صَلاحِهِمْ وصَلاحِ أمْوالِهِمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَحُكْمُ الآيَةِ لا يَخْتَلِفُ، ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ مَرْثَدَ بْنَ أبِي مَرْثَدٍ حَلِيفًا لِبَنِي هاشِمٍ إلى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِها سِرًّا، فَعِنْدَ قُدُومِهِ جاءَتْهُ امْرَأتُهُ يُقالُ لَها: عَناقُ خَلِيلَةٌ لَهُ في الجاهِلِيَّةِ، أعْرَضَتْ عَنْهُ عِنْدَ الإسْلامِ، فالتَمَسَتِ الخَلْوَةَ، فَعَرَّفَها أنَّ الإسْلامَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ وعَدَها أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّسُولَ ﷺ ثُمَّ يَتَزَوَّجُ بِها، فَلَمّا انْصَرَفَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَّفَهُ ما جَرى في أمْرِ عَناقَ، وسَألَهُ هَلْ يَحِلُّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في لَفْظِ النِّكاحِ، فَقالَ أكْثَرُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ في العَقْدِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ وشُهُودٍ» “ وقَفَ النِّكاحَ عَلى الوَلِيِّ والشُّهُودِ، والمُتَوَقِّفُ عَلى الوَلِيِّ والشُّهُودِ هو العَقْدُ لا الوَطْءُ.

والثّانِي: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وُلِدْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أُولَدْ مِن سِفاحٍ» “ دَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ النِّكاحَ كالمُقابِلِ لِلسِّفاحِ، ومَعْلُومٌ أنَّ السِّفاحَ مُشْتَمِلٌ عَلى الوَطْءِ، فَلَوْ كانَ النِّكاحُ اسْمًا لِلْوَطْءِ لامْتَنَعَ كَوْنُ النِّكاحِ مُقابِلًا لِلسِّفاحِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ …

Al-Baqara 2:221Listen in Qur'an →
222

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ

And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves, then come to them from where Allah has ordained for you. Indeed, Allah loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."

صفحة ٥٤

الحُكْمُ السّابِعُ

فِي المَحِيضِ

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى جَمَعَ في هَذا المَوْضِعِ سِتَّةً مِنَ الأسْئِلَةِ، فَذَكَرَ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ بِغَيْرِ الواوِ، وذَكَرَ الثَّلاثَةَ الأخِيرَةَ بِالواوِ، والسَّبَبُ أنَّ سُؤالَهم عَنْ تِلْكَ الحَوادِثِ الأُوَلِ وقَعَ في أحْوالٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَلَمْ يُؤْتَ فِيها بِحَرْفِ العَطْفِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ السُّؤالاتِ سُؤالٌ مُبْتَدَأٌ، وسَألُوا عَنِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ في وقْتٍ واحِدٍ، فَجِيءَ بِحَرْفِ الجَمْعِ لِذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَجْمَعُونَ لَكَ بَيْنَ السُّؤالِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، والسُّؤالِ عَنْ كَذا، والسُّؤالِ عَنْ كَذا.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: «رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ والمَجُوسَ كانُوا يُبالِغُونَ في التَّباعُدِ عَنِ المَرْأةِ حالَ حَيْضِها، والنَّصارى كانُوا يُجامِعُونَهُنَّ، ولا يُبالُونَ بِالحَيْضِ، وأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا حاضَتِ المَرْأةُ لَمْ يُؤاكِلُوها، ولَمْ يُشارِبُوها، ولَمْ يُجالِسُوها عَلى فُرُشٍ ولَمْ يُساكِنُوها في بَيْتٍ كَفِعْلِ اليَهُودِ والمَجُوسِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أخَذَ المُسْلِمُونَ بِظاهِرِ الآيَةِ فَأخْرَجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ، فَقالَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، البَرْدُ شَدِيدٌ، والثِّيابُ قَلِيلَةٌ، فَإنْ آثَرْناهُنَّ بِالثِّيابِ هَلَكَ سائِرُ أهْلِ البَيْتِ، وإنِ اسْتَأْثَرْناها هَلَكَتِ الحُيَّضُ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما أمَرْتُكم أنْ تَعْتَزِلُوا مُجامَعَتَهُنَّ إذا حِضْنَ، ولَمْ آمُرْكم بِإخْراجِهِنَّ مِنَ البُيُوتِ كَفِعْلِ الأعاجِمِ. فَلَمّا سَمِعَ اليَهُودُ ذَلِكَ قالُوا: هَذا الرَّجُلُ يُرِيدُ أنْ لا يَدَعَ شَيْئًا مِن أمْرِنا إلّا خالَفَنا فِيهِ. ثُمَّ جاءَ عَبّادُ بْنُ بَشِيرٍ، وأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَراهُ بِذَلِكَ وقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نَنْكِحُهُنَّ في المَحِيضِ ؟ فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِما، فَقاما، فَجاءَتْهُ هَدِيَّةٌ مِن لَبَنٍ، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِما فَسَقاهُما فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِما» .

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أصْلُ الحَيْضِ في اللُّغَةِ السَّيْلُ، يُقالُ: حاضَ السَّيْلُ وفاضَ، قالَ الأزْهَرِيُّ: ومِنهُ قِيلَ لِلْحَوْضِ: حَوْضٌ؛ لِأنَّ الماءَ يَحِيضُ إلَيْهِ أيْ يَسِيلُ إلَيْهِ، والعَرَبُ تُدْخِلُ الواوَ عَلى الياءِ والياءَ عَلى الواوِ؛ لِأنَّهُما مِن جِنْسٍ واحِدٍ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ هَذا البِناءَ قَدْ يَجِيءُ لِلْمَوْضِعِ، كالمَبِيتِ، والمَقِيلِ، والمَغِيبِ، وقَدْ يَجِيءُ أيْضًا بِمَعْنى المَصْدَرِ، يُقالُ: حاضَتْ مَحِيضًا، وجاءَ مَجِيئًا، وباتَ مَبِيتًا، وحَكى الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: إذا كانَ الفِعْلُ مِن ذَواتِ الثَّلاثَةِ، نَحْوَ: كالَ يَكِيلُ، وحاضَ يَحِيضُ، وأشْباهُهُ فَإنَّ الِاسْمَ مِنهُ مَكْسُورٌ، والمَصْدَرَ مَفْتُوحٌ، مِن ذَلِكَ مالَ مُمالًا، …

Al-Baqara 2:222Listen in Qur'an →
223

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌۭ لَّكُمْ فَأْتُوا۟ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Your wives are a place of sowing of seed for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allah and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.

صفحة ٦١

الحُكْمُ الثّامِنُ

﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

أحَدُها: «رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: مَن جامَعَ امْرَأتَهُ في قُبُلِها مِن دُبُرِها كانَ ولَدُها أحْوَلَ مُخَبَّلًا، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ في التَّوْراةِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: كَذَبَتِ اليَهُودُ. ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وثانِيها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ عُمَرَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ»، وحَكى وُقُوعَ ذَلِكَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

وثالِثُها: كانَتِ الأنْصارُ تُنْكِرُ أنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ المَرْأةَ مِن دُبُرِها في قُبُلِها، وكانُوا أخَذُوا ذَلِكَ مِنَ اليَهُودِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَأنْكَرَتِ الأنْصارُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ أيْ مَزْرَعٌ ومَنبَتٌ لِلْوَلَدِ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، فَفَرْجُ المَرْأةِ كالأرْضِ، والنُّطْفَةُ كالبَذْرِ، والوَلَدُ كالنَّباتِ الخارِجِ، والحَرْثُ مَصْدَرٌ، ولِهَذا وحَّدَ الحَرْثَ فَكانَ المَعْنى نِساؤُكم ذَواتُ حَرْثٍ لَكم فِيهِنَّ تَحْرُثُونَ لِلْوَلَدِ، فَحَذَفَ المُضافَ، وأيْضًا قَدْ يُسَمّى مَوْضِعُ الشَّيْءِ بِاسْمِ الشَّيْءِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ:

فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ

ويُقالُ: هَذا أمْرُ اللَّهِ، أيْ مَأْمُورُهُ، وهَذا شَهْوَةُ فُلانٍ، أيْ مُشْتَهاهُ، فَكَذَلِكَ حَرْثُ الرَّجُلِ مَحْرَثُهُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَهَبَ أكْثَرُ العُلَماءِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّ الرَّجُلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَأْتِيَها مِن قُبُلِها في قُبُلِها، وبَيْنَ أنْ يَأْتِيَها مِن دُبُرِها في قُبُلِها، فَقَوْلُهُ: (أنّى شِئْتُمْ) مَحْمُولٌ عَلى ذَلِكَ، ونَقَلَ نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ تَجْوِيزُ إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ، وسائِرُ النّاسِ كَذَّبُوا نافِعًا في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، واخْتِيارُ السَّيِّدِ المُرْتَضى مِنَ الشِّيعَةِ، والمُرْتَضى رَواهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إتْيانُ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ مِن وُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في آيَةِ المَحِيضِ: ﴿قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ جَعَلَ قِيامَ الأذى عِلَّةً لِحُرْمَةِ إتْيانِ مَوْضِعِ الأذى، ولا مَعْنى لِلْأذى إلّا ما يَتَأذّى الإنْسانُ مِنهُ، وهَهُنا يَتَأذّى الإنْسانُ بِنَتَنِ رَوائِحِ ذَلِكَ الدَّمِ. وحُصُولُ هَذِهِ العِلَّةِ في مَحَلِّ النِّزاعِ أظْهَرُ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ العِلَّةُ قائِمَةً هَهُنا وجَبَ حُصُولُ الحُرْمَةِ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَ إتْيانِهِنَّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ واجِبٍ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ مَن أتى المَرْأةَ وجَبَ أنْ

صفحة ٦٢

يَأْتِيَها في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ثُمَّ هَذا غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلى الدُّبُرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ بِالإجْماعِ …

Al-Baqara 2:223Listen in Qur'an →
224

وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And do not make [your oath by] Allah an excuse against being righteous and fearing Allah and making peace among people. And Allah is Hearing and Knowing.

الحُكْمُ التّاسِعُ

فِي الأيْمانِ

﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

والمُفَسِّرُونَ أكْثَرُوا مِنَ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ، وأجْوَدُ ما ذَكَرُوهُ وجْهانِ:

الأوَّلُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ

صفحة ٦٥

الأصْفَهانِيُّ، وهو الأحْسَنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ نَهى عَنِ الجَراءَةِ عَلى اللَّهِ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ؛ لِأنَّ مَن أكْثَرَ ذِكْرَ شَيْءٍ في مَعْنًى مِنَ المَعانِي فَقَدْ جَعَلَهُ عُرْضَةً لَهُ، يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ جَعَلْتَنِي عُرْضَةً لِلَوْمِكَ، وقالَ الشّاعِرُ:

ولا تَجْعَلْنِي عُرْضَةً لِلَّوائِمِ

وقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعالى مَن أكْثَرَ الحَلِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القَلَمِ: ١٠] وقالَ تَعالى: ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٨٩] والعَرَبُ كانُوا يَمْدَحُونَ الإنْسانَ بِالإقْلالِ مِنَ الحَلِفِ، كَما قالَ كُثَيِّرٌ:

قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ ∗∗∗ وإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ

والحِكْمَةُ في الأمْرِ بِتَقْلِيلِ الأيْمانِ أنَّ مَن حَلَفَ في كُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ بِاللَّهِ انْطَلَقَ لِسانُهُ بِذَلِكَ ولا يَبْقى لِلْيَمِينِ في قَلْبِهِ وقْعٌ، فَلا يُؤْمَنُ إقْدامُهُ عَلى اليَمِينِ الكاذِبَةِ، فَيَخْتَلُّ ما هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ في اليَمِينِ، وأيْضًا كُلَّما كانَ الإنْسانُ أكْثَرَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى كانَ أكْمَلَ في العُبُودِيَّةِ، ومِن كَمالِ التَّعْظِيمِ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى أجَلَّ وأعْلى عِنْدَهُ مِن أنْ يَسْتَشْهِدَ بِهِ في غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: (أنْ تَبَرُّوا) فَهو عِلَّةٌ لِهَذا النَّهْيِ، فَقَوْلُهُ: (أنْ تَبَرُّوا) أيْ إرادَةَ أنْ تَبَرُّوا، والمَعْنى: إنَّما نَهَيْتُكم عَنْ هَذا لِما أنَّ تَوَقِّيَ ذَلِكَ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ، فَتَكُونُونَ يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ بَرَرَةً أتْقِياءَ مُصْلِحِينَ في الأرْضِ غَيْرَ مُفْسِدِينَ.

فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَلْزَمُ مِن تَرْكِ الحَلِفِ حُصُولُ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ؟

قُلْنا: لِأنَّ مَن تَرَكَ الحَلِفَ لِاعْتِقادِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أجَلُّ وأعْظَمُ أنْ يُسْتَشْهَدَ بِاسْمِهِ العَظِيمِ في مَطالِبِ الدُّنْيا وخَسائِسِ مَطالِبِ الحَلِفِ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أعْظَمِ أبْوابِ البِرِّ، وأمّا مَعْنى التَّقْوى فَظاهِرٌ أنَّهُ اتَّقى أنْ يَصْدُرَ مِنهُ ما يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ، وأمّا الإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ فَمَتى اعْتَقَدُوا في صِدْقِ لَهْجَتِهِ وبُعْدِهِ عَنِ الأغْراضِ الفاسِدَةِ فَيَقْبَلُونَ قَوْلَهُ، فَيَحْصُلُ الصُّلْحُ بِتَوَسُّطِهِ.

التَّأْوِيلُ الثّانِي: قالُوا: العُرْضَةُ عِبارَةٌ عَنِ المانِعِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ اللُّغَةِ أنَّهُ يُقالُ: أرَدْتُ أفْعَلُ كَذا فَعَرَضَ لِي أمْرُ كَذا واعْتَرَضَ، أيْ تَحامى ذَلِكَ فَمَنَعَنِي مِنهُ، واشْتِقاقُها مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُوضَعُ في عُرْضِ الطَّرِيقِ فَيَصِيرُ مانِعًا لِلنّاسِ مِنَ السُّلُوكِ والمُرُورِ، ويُقالُ: اعْتَرَضَ فُلانٌ عَلى كَلامِ فُلانٍ، وجَعَلَ كَلامَهُ مُعارِضًا لِكَلامٍ آخَرَ، أيْ ذَكَرَ ما يَمْنَعُهُ مِن تَثْبِيتِ كَلامِهِ. إذا عَرَفْتَ أصْلَ الِاشْتِقاقِ فالعُرْضَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، كالقُبْضَةِ، والغُرْفَةِ، فَيَكُونُ اسْمًا لِما يُجْعَلُ …

Al-Baqara 2:224Listen in Qur'an →
225

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

Allah does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allah is Forgiving and Forbearing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: (اللَّغْوُ): السّاقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ، سَواءٌ كانَ كَلامًا أوْ غَيْرَهُ، أمّا وُرُودُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في الكَلامِ، فَيَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ والرِّوايَةُ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القَصَصِ: ٥٥]، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقِعَةِ: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٦]، وقَوْلُهُ: ﴿عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشِيَةِ: ١١]، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: وإذا مَرُّوا بِالكَلامِ الَّذِي يَكُونُ لَغْوًا، وأنْ يَكُونَ المُرادُ: وإذا مَرُّوا بِالفِعْلِ الَّذِي يَكُونُ لَغْوًا.

وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ ﷺ: ”«مَن قالَ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِصاحِبِهِ: صَهْ، والإمامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغا» “.

وأمّا الرِّوايَةُ فَيُقالُ: لَغا الطّائِرُ يَلْغُو لَغْوًا: إذا صَوَّتَ، ولَغْوُ الطّائِرِ: تَصْوِيتُهُ، وأمّا وُرُودُ هَذا اللَّفْظِ في غَيْرِ الكَلامِ، فَهو أنَّهُ يُقالُ لِما لا يُعْتَدُّ بِهِ مِن أوْلادِ الإبِلِ: لَغْوٌ، قالَ جَرِيرٌ:

يَعُدُّ النّاسِبُونَ بَنِي تَمِيمٍ بُيُوتَ المَجْدِ أرْبَعَةً كِبارا

وتُخْرِجُ مِنهُمُ المَرْئِيَّ لَغْوًا ∗∗∗ كَما ألْغَيْتَ في الدِّيَةِ الحُوارا

وقالَ العَجّاجُ:

ورُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ∗∗∗ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ

قالَ الفَرّاءُ: اللَّغا، مَصْدَرٌ لِلَغَيْتُ، و(اللَّغْوُ) مَصْدَرٌ لِلَغَوْتُ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ.

أمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّهُ قَوْلُ العَرَبِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، مِمّا يُؤَكِّدُونَ بِهِ كَلامَهم ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمُ الحَلِفُ، ولَوْ قِيلَ لِواحِدٍ مِنهم: سَمِعْتُكَ اليَوْمَ تَحْلِفُ في المَسْجِدِ الحَرامِ ألْفَ مَرَّةٍ، لَأنْكَرَ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ قالَ: لا واللَّهِ، ألْفَ مَرَّةٍ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ اللَّغْوَ هو أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَعْتَقِدُ أنَّهُ كانَ ثُمَّ بانَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ، فَهَذا هو اللَّغْوُ، وفائِدَةُ هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ الشّافِعِيَّ لا يُوجِبُ الكَفّارَةَ في قَوْلِ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، ويُوجِبُها فِيما إذا حَلَفَ عَلى شَيْءٍ يَعْتَقِدُ أنَّهُ كانَ ثُمَّ بانَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ. وأبُو حَنِيفَةَ يَحْكُمُ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ هو قَوْلُ عائِشَةَ والشَّعْبِيِّ وعِكْرِمَةَ. وقَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ ومَكْحُولٍ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى قَوْلِهِ وُجُوُهٌ، الأوَّلُ: ما رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَغْوُ اليَمِينِ قَوْلُ الرَّجُلِ في كَلامِهِ: كَلّا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، ولا واللَّهِ» “ ورُوِيَ «أنَّهُ ﷺ مَرَّ

صفحة ٦٧

بِقَوْمٍ يَنْتَضِلُونَ ومَعَهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ، فَرَمى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: أصَبْتَ واللَّهِ. ثُمَّ أخْطَأ، ثُمَّ قالَ الَّذِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ: حَنِثَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ ﷺ: ”كُلُّ أيْمانِ الرُّماةِ لَغْوٌ، لا كَفّارَةَ فِيها ولا عُقُوبَةَ» “ . وعَنْ …

Al-Baqara 2:225Listen in Qur'an →
226

لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍۢ ۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

For those who swear not to have sexual relations with their wives is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

صفحة ٦٩

”الحُكْمُ العاشِرُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالإيلاءِ والطَّلاقِ“ ١

﴿لِلَّذِينِ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: آلى يُؤالِي إيلاءً، وتَألّى يَتَألّى تَألِّيًا، وائْتَلى يَأْتَلِي ائْتِلاءً، والِاسْمُ مِنهُ ألِيَّةٌ وألُوَّةٌ، كِلاهُما بِالتَّشْدِيدِ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ ألْوَةً وأُلْوَةً وإلْوَةً، ثَلاثَ لُغاتٍ، وبِالجُمْلَةِ فالألِيَّةُ والقَسَمُ واليَمِينُ والحَلِفُ كُلُّها عِباراتٌ عَنْ مَعْنًى واحِدٍ، وفي الحَدِيثِ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«آلَيْتُ أفْعَلُ خِلافَ المُقَدِّرِينَ» “ . وقالَ كُثَيِّرٌ:

قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ فَإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بُرَّتِ

هَذا هو مَعْنى اللَّفْظِ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ، أمّا في عُرْفِ الشَّرْعِ فَهو اليَمِينُ عَلى تَرْكِ الوَطْءِ، كَما إذا قالَ: واللَّهِ لا أُجامِعُكِ، ولا أُباضِعُكِ، ولا أقْرَبُكِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: في الآيَةِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ أنْ يَعْتَزِلُوا مِن نِسائِهِمْ، إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ، وأنا أقُولُ: هَذا الإضْمارُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإيلاءِ عَلى المَعْهُودِ اللُّغَوِيِّ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المُتَعارَفِ في الشَّرْعِ اسْتَغْنَيْنا عَنْ هَذا الإضْمارِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ الإيلاءَ في الجاهِلِيَّةِ كانَ طَلاقًا، قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ الرَّجُلُ لا يُرِيدُ المَرْأةَ ولا يُحِبُّ أنْ يَتَزَوَّجَها غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ أنْ لا يَقْرَبَها، فَكانَ يَتْرُكُها بِذَلِكَ لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، والغَرَضُ مِنهُ مُضارَّةُ المَرْأةِ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ الإسْلامِ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ أيْضًا، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وأمْهَلَ لِلزَّوْجِ مُدَّةً حَتّى يَتَرَوّى ويَتَأمَّلَ، فَإنْ رَأى المَصْلَحَةَ في تَرْكِ هَذِهِ المُضارَّةِ فَعَلَها، وإنْ رَأى المَصْلَحَةَ في المُفارَقَةِ عَنِ المَرْأةِ فارَقَها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”آلَوْا مِن نِسائِهِمْ“ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”يُقْسِمُونَ مِن نِسائِهِمْ“.

أمّا قَوْلُهُ: (مِن نِسائِهِمْ) فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ يُقالُ: المُتَعارَفُ أنْ يُقالَ: حَلَفَ فُلانٌ عَلى كَذا أوْ آلى عَلى كَذا، فَلِمَ أُبْدِلَتْ لَفْظَةُ (عَلى) هاهُنا بِلَفْظَةِ (مِن) ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يُرادَ: لَهم مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، كَما يُقالُ: لِي مِنكَ كَذا.

والثّانِي: أنَّهُ ضَمَّنَ في هَذا القَسَمِ مَعْنى البُعْدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَبْعُدُونَ مِن نِسائِهِمْ مُوَلِّينَ أوْ مُقْسِمِينَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّرَبُّصَ التَّلَبُّثُ والِانْتِظارُ، يُقالُ: تَرَبَّصْتُ الشَّيْءَ

صفحة ٧٠

تَرَبُّصًا، ويُقالُ: ما لِي عَلى هَذا الأمْرِ رُبْصَةٌ، أيْ تَلَبُّثٌ، وإضافَةُ التَّرَبُّصِ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ، كَقَوْلِهِ: بَيْنَهُما مَسِيرَةُ يَوْمٍ، أيْ مَسِيرَةٌ في يَوْمٍ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.

أمّا قَوْلُهُ: (فَإنْ فاءُوا) فَمَعْناهُ: فَإنْ رَجَعُوا، والفَيْءُ في اللُّغَةِ هو رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، …

Al-Baqara 2:226Listen in Qur'an →
227

وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ

And if they decide on divorce - then indeed, Allah is Hearing and Knowing.

صفحة ٦٩

”الحُكْمُ العاشِرُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالإيلاءِ والطَّلاقِ“ ١

﴿لِلَّذِينِ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: آلى يُؤالِي إيلاءً، وتَألّى يَتَألّى تَألِّيًا، وائْتَلى يَأْتَلِي ائْتِلاءً، والِاسْمُ مِنهُ ألِيَّةٌ وألُوَّةٌ، كِلاهُما بِالتَّشْدِيدِ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ ألْوَةً وأُلْوَةً وإلْوَةً، ثَلاثَ لُغاتٍ، وبِالجُمْلَةِ فالألِيَّةُ والقَسَمُ واليَمِينُ والحَلِفُ كُلُّها عِباراتٌ عَنْ مَعْنًى واحِدٍ، وفي الحَدِيثِ حِكايَةً عَنِ اللَّهِ تَعالى: ”«آلَيْتُ أفْعَلُ خِلافَ المُقَدِّرِينَ» “ . وقالَ كُثَيِّرٌ:

قَلِيلُ الألايا حافِظٌ لِيَمِينِهِ فَإنْ سَبَقَتْ مِنهُ الألِيَّةُ بُرَّتِ

هَذا هو مَعْنى اللَّفْظِ بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ، أمّا في عُرْفِ الشَّرْعِ فَهو اليَمِينُ عَلى تَرْكِ الوَطْءِ، كَما إذا قالَ: واللَّهِ لا أُجامِعُكِ، ولا أُباضِعُكِ، ولا أقْرَبُكِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: في الآيَةِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ أنْ يَعْتَزِلُوا مِن نِسائِهِمْ، إلّا أنَّهُ حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ، وأنا أقُولُ: هَذا الإضْمارُ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا حَمَلْنا لَفْظَ الإيلاءِ عَلى المَعْهُودِ اللُّغَوِيِّ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى المُتَعارَفِ في الشَّرْعِ اسْتَغْنَيْنا عَنْ هَذا الإضْمارِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ الإيلاءَ في الجاهِلِيَّةِ كانَ طَلاقًا، قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: كانَ الرَّجُلُ لا يُرِيدُ المَرْأةَ ولا يُحِبُّ أنْ يَتَزَوَّجَها غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ أنْ لا يَقْرَبَها، فَكانَ يَتْرُكُها بِذَلِكَ لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، والغَرَضُ مِنهُ مُضارَّةُ المَرْأةِ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ الإسْلامِ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ أيْضًا، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وأمْهَلَ لِلزَّوْجِ مُدَّةً حَتّى يَتَرَوّى ويَتَأمَّلَ، فَإنْ رَأى المَصْلَحَةَ في تَرْكِ هَذِهِ المُضارَّةِ فَعَلَها، وإنْ رَأى المَصْلَحَةَ في المُفارَقَةِ عَنِ المَرْأةِ فارَقَها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”آلَوْا مِن نِسائِهِمْ“ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”يُقْسِمُونَ مِن نِسائِهِمْ“.

أمّا قَوْلُهُ: (مِن نِسائِهِمْ) فَفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ يُقالُ: المُتَعارَفُ أنْ يُقالَ: حَلَفَ فُلانٌ عَلى كَذا أوْ آلى عَلى كَذا، فَلِمَ أُبْدِلَتْ لَفْظَةُ (عَلى) هاهُنا بِلَفْظَةِ (مِن) ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يُرادَ: لَهم مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، كَما يُقالُ: لِي مِنكَ كَذا.

والثّانِي: أنَّهُ ضَمَّنَ في هَذا القَسَمِ مَعْنى البُعْدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَبْعُدُونَ مِن نِسائِهِمْ مُوَلِّينَ أوْ مُقْسِمِينَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ فاعْلَمْ أنَّ التَّرَبُّصَ التَّلَبُّثُ والِانْتِظارُ، يُقالُ: تَرَبَّصْتُ الشَّيْءَ

صفحة ٧٠

تَرَبُّصًا، ويُقالُ: ما لِي عَلى هَذا الأمْرِ رُبْصَةٌ، أيْ تَلَبُّثٌ، وإضافَةُ التَّرَبُّصِ إلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ إضافَةُ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ، كَقَوْلِهِ: بَيْنَهُما مَسِيرَةُ يَوْمٍ، أيْ مَسِيرَةٌ في يَوْمٍ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.

أمّا قَوْلُهُ: (فَإنْ فاءُوا) فَمَعْناهُ: فَإنْ رَجَعُوا، والفَيْءُ في اللُّغَةِ هو رُجُوعُ الشَّيْءِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن قَبْلُ، …

Al-Baqara 2:227Listen in Qur'an →
228

وَٱلْمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٍۢ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِىٓ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوٓا۟ إِصْلَٰحًۭا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

Divorced women remain in waiting for three periods, and it is not lawful for them to conceal what Allah has created in their wombs if they believe in Allah and the Last Day. And their husbands have more right to take them back in this [period] if they want reconciliation. And due to the wives is similar to what is expected of them, according to what is reasonable. But the men have a degree over them [in responsibility and authority]. And Allah is Exalted in Might and Wise.

الحُكْمُ الحادِي عَشَرَ

فِي الطَّلاقِ

﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ أحْكامًا كَثِيرَةً لِلطَّلاقِ:

فالحُكْمُ الأوَّلُ لِلطَّلاقِ وُجُوبُ العِدَّةِ: اعْلَمْ أنَّ المُطَّلَقَةَ هي المَرْأةُ الَّتِي أُوقِعَ الطَّلاقُ عَلَيْها، وهي إمّا أنْ تَكُونَ أجْنَبِيَّةً أوْ مَنكُوحَةً، فَإنْ كانَتْ أجْنَبِيَّةً فَإذا أُوقِعَ الطَّلاقُ عَلَيْها فَهي مُطَلَّقَةٌ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، لَكِنَّها غَيْرُ مُطَلَّقَةٍ بِحَسَبِ عُرْفِ الشَّرْعِ، والعِدَّةُ غَيْرُ واجِبَةٍ عَلَيْها بِالإجْماعِ، وأمّا المَنكُوحَةُ فَهي إمّا أنْ تَكُونَ مَدْخُولًا بِها أوْ لا تَكُونَ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِها لَمْ تَجِبِ العِدَّةُ عَلَيْها، قالَ اللَّهُ تَعالى:

صفحة ٧٤

﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحْزابِ: ٤٩] وأمّا إنْ كانَتْ مَدْخُولًا بِها فَهي إمّا أنْ تَكُونَ حائِلًا أوْ حامِلًا، فَإنْ كانَتْ حامِلًا فَعِدَّتُها بِوَضْعِ الحَمْلِ لا بِالأقْراءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطَّلاقِ: ٤] وأمّا إنْ كانَتْ حائِلًا فَإمّا أنْ يَكُونَ الحَيْضُ مُمْكِنًا في حَقِّها أوْ لا يَكُونُ، فَإنِ امْتَنَعَ الحَيْضُ في حَقِّها إمّا لِلصِّغَرِ المُفْرِطِ أوْ لِلْكِبَرِ المُفْرِطِ كانَتْ عِدَّتُها بِالأشْهُرِ لا بِالأقْراءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ﴾ [الطَّلاقِ ٤] وأمّا إذا كانَ الحَيْضُ في حَقِّها مُمْكِنًا فَإمّا أنْ تَكُونَ رَقِيقَةً، وإمّا أنْ تَكُونَ حُرَّةً، فَإنْ كانَتْ رَقِيقَةً كانَتْ عِدَّتُها بِقُرْأيْنِ لا بِثَلاثَةٍ، أمّا إذا كانَتِ المَرْأةُ مَنكُوحَةً، وكانَتْ مُطَلَّقَةً بَعْدَ الدُّخُولِ، وكانَتْ حائِلًا، وكانَتْ مِن ذَواتِ الحَيْضِ وكانَتْ حُرَّةً، فَعِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الصِّفاتِ كانَتْ عِدَّتُها بِالأقْراءِ الثَّلاثَةِ عَلى ما بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَها في هَذِهِ الآيَةِ.

* * *

وفِي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: العامُّ إنَّما يَحْسُنُ تَخْصِيصُهُ إذا كانَ الباقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ أكْثَرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ جَرَتِ العادَةُ بِإطْلاقِ لَفْظِ الكُلِّ عَلى الغالِبِ، يُقالُ في الثَّوْبِ: إنَّهُ أسْوَدُ: إذا كانَ الغالِبُ عَلَيْهِ السَّوادُ، أوْ حَصَلَ فِيهِ بَياضٌ قَلِيلٌ، فَأمّا إذا كانَ الغالِبُ عَلَيْهِ البَياضُ، وكانَ السَّوادُ قَلِيلًا، كانَ انْطِلاقُ لَفْظِ الأسْوَدِ عَلَيْهِ كَذِبًا، فَثَبَتَ أنَّ الشَّرْطَ في كَوْنِ العامِّ مَخْصُوصًا أنْ يَكُونَ الباقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ أكْثَرَ، وهَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَإنَّكم أخْرَجْتُمْ مِن عُمُومِها خَمْسَةَ أقْسامٍ وتَرَكْتُمْ قِسْمًا واحِدًا، فَإطْلاقُ لَفْظِ العامِّ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى.

والجَوابُ: أمّا الأجْنَبِيَّةُ فَخارِجَةٌ عَنِ اللَّفْظِ؛ فَإنَّ الأجْنَبِيَّةَ لا يُقالُ فِيها: إنَّها مُطَلَّقَةٌ، وأمّا غَيْرُ المَدْخُولِ بِها فالقَرِينَةُ تُخْرِجُها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِدَّةِ بَراءَةُ الرَّحِمِ، والحاجَةُ إلى البَراءَةِ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ سَبْقِ الشَّغْلِ، وأمّا …

Al-Baqara 2:228Listen in Qur'an →
229

ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَٰنٍۢ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا۟ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Divorce is twice. Then, either keep [her] in an acceptable manner or release [her] with good treatment. And it is not lawful for you to take anything of what you have given them unless both fear that they will not be able to keep [within] the limits of Allah. But if you fear that they will not keep [within] the limits of Allah, then there is no blame upon either of them concerning that by which she ransoms herself. These are the limits of Allah, so do not transgress them. And whoever transgresses the limits of Allah - it is those who are the wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُكْمُ الثّالِثُ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ، وهو الطَّلاقُ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ ثُمَّ يُراجِعُها قَبْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ولَوْ طَلَّقَها ألْفَ مَرَّةٍ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى المُراجَعَةِ ثابِتَةً لَهُ، «فَجاءَتِ امْرَأةٌ إلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَشَكَتْ أنَّ زَوْجَها يُطَلِّقُها ويُراجِعُها يُضارُّها بِذَلِكَ، فَذَكَرَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ»﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ هَذا الكَلامَ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، قالَ قَوْمٌ: إنَّهُ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ، ومَعْناهُ أنَّ التَّطْلِيقَ الشَّرْعِيَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ تَطْلِيقَةً بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَّفْرِيقِ دُونَ الجَمْعِ والإرْسالِ

صفحة ٨٣

دُفْعَةً واحِدَةً، وهَذا التَّفْسِيرُ هو قَوْلُ مَن قالَ: الجَمْعُ بَيْنَ الثَّلاثِ حَرامٌ، وزَعَمَ أبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في الأسْرارِ: أنَّ هَذا هو قَوْلُ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وعِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وأبِي الدَّرْداءِ وحُذَيْفَةَ.

والقَوْلُ الأوَّلُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ هَذا لَيْسَ ابْتِداءَ كَلامٍ، بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى أنَّ الطَّلاقَ الرَّجْعِيَّ مَرَّتانِ، ولا رَجْعَةَ بَعْدَ الثَّلاثِ، وهَذا التَّفْسِيرُ هو قَوْلُ مَن جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ الثَّلاثِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

حُجَّةُ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ: أنَّ لَفْظَ الطَّلاقِ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ؛ لِأنَّ الألِفَ واللّامَ إذا لَمْ يَكُونا لِلْمَعْهُودِ أفادا الِاسْتِغْراقَ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: كُلُّ الطَّلاقِ مَرَّتانِ، ومَرَّةٌ ثالِثَةٌ، ولَوْ قالَ هَكَذا لَأفادَ أنَّ الطَّلاقَ المَشْرُوعَ مُتَفَرِّقٌ؛ لِأنَّ المَرّاتِ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ تَفَرُّقٍ بِالإجْماعِ.

فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ لِبَيانِ الطَّلاقِ المَسْنُونِ، وعِنْدِي الجَمْعُ مُباحٌ لا مَسْنُونٌ.

قُلْنا: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ صِفَةِ السُّنَّةِ، بَلْ كانَ تَفْسِيرُ الأصْلِ الطَّلاقَ، ثُمَّ قالَ: هَذا الكَلامُ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ، إلّا أنَّ مَعْناهُ هو الأمْرُ، أيْ طَلِّقُوا مَرَّتَيْنِ، يَعْنِي دَفْعَتَيْنِ، وإنَّما وقَعَ العُدُولُ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ لِما ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الأمْرِ بِلَفْظِ الخَبَرِ يُفِيدُ تَأْكِيدَ مَعْنى الأمْرِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الأمْرِ بِتَفْرِيقِ الطَّلَقاتِ، وعَلى التَّشْدِيدِ في ذَلِكَ الأمْرِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ: الأوَّلُ: وهو اخْتِيارُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ الدِّينِ، أنَّهُ لَوْ طَلَّقَها اثْنَيْنِ أوْ ثَلاثًا لا يَقَعُ إلّا الواحِدَةُ، وهَذا القَوْلُ هو الأقْيَسُ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِ المَنهِيِّ عَنْهُ عَلى مَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ، والقَوْلُ بِالوُقُوعِ سَعْيٌ في إدْخالِ تِلْكَ المَفْسَدَةِ في الوُجُودِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ أنْ يُحْكَمَ بِعَدَمِ الوُقُوعِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ …

Al-Baqara 2:229Listen in Qur'an →
230

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُۥ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him. And if the latter husband divorces her [or dies], there is no blame upon the woman and her former husband for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allah. These are the limits of Allah, which He makes clear to a people who know.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُكْمُ الخامِسُ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ، وهو بَيانُ أنَّ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ قاطِعَةٌ لِحَقِّ الرَّجْعَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ إشارَةٌ إلى الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ الأوْلى أنْ لا يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ لِلزَّوْجِ مَعَ المَرْأةِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ أحْوالًا ثَلاثَةً، أحَدُها: أنْ يُراجِعَها، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ والثّانِي: أنْ لا يُراجِعَها، بَلْ يَتْرُكَها حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ وتَحْصُلَ البَيْنُونَةُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ والثّالِثُ: أنْ يُطَلِّقَها طَلْقَةً ثالِثَةً، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ فَإذا كانَتِ الأقْسامُ ثَلاثَةً، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ألْفاظًا ثَلاثَةً وجَبَ تَنْزِيلُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ عَلى مَعْنًى مِنَ المَعانِي الثَّلاثَةِ، فَأمّا إنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ عِبارَةً عَنِ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ كُنّا قَدْ صَرَفْنا لَفْظَيْنِ إلى مَعْنًى واحِدٍ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ، وأهْمَلْنا القِسْمَ الثّالِثَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأوَّلَ أوْلى.

واعْلَمْ أنَّ وُقُوعَ آيَةِ الخُلْعِ فِيما بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ كالشَّيْءِ الأجْنَبِيِّ، ونَظْمُ الآيَةِ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ النَّظْمُ الصَّحِيحُ هو هَذا فَما السَّبَبُ في إيقاعِ آيَةِ الخُلْعِ فِيما بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ؟

صفحة ٩٠

قُلْنا: السَّبَبُ أنَّ الرَّجْعَةَ والخُلْعَ لا يَصِحّانِ إلّا قَبْلَ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، أمّا بَعْدَها فَلا يَبْقى شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ حُكْمَ الرَّجْعَةِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِحُكْمِ الخُلْعِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ الكُلِّ حُكْمَ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ؛ لِأنَّها كالخاتِمَةِ لِجَمِيعِ الأحْكامِ المُعْتَبَرَةِ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ المُجْتَهِدِينَ أنَّ المُطَلَّقَةَ بِالثَّلاثِ لا تَحِلُّ لِذَلِكَ الزَّوْجِ إلّا بِخَمْسِ شَرائِطَ: تَعْتَدُّ مِنهُ، وتَعْقِدُ لِلثّانِي، ويَطَؤُها، ثُمَّ يُطَلِّقُها، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ شَرْطَ الوَطْءِ بِالسُّنَّةِ أوْ بِالكِتابِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الأمْرانِ مَعْلُومانِ بِالكِتابِ. وهَذا هو المُخْتارُ.

وقَبْلَ الخَوْضِ في الدَّلِيلِ لا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى مُقَدِّمَةٍ، قالَ عُثْمانُ بْنُ جِنِّي: سَألْتُ أبا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِمْ: نَكَحَ المَرْأةَ، فَقالَ: فَرَّقَتِ العَرَبُ بِالِاسْتِعْمالِ، فَإذا قالُوا: نَكَحَ فُلانٌ فُلانَةَ، أرادُوا أنَّهُ عَقَدَ عَلَيْها، وإذا قالُوا: نَكَحَ امْرَأتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ، أرادُوا بِهِ المُجامَعَةَ. وأقُولُ: هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو …

Al-Baqara 2:230Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.