Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 191–200 of 286

191

وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ

And kill them wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al- Haram until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الثَّقْفُ وُجُودُهُ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ ومِنهُ رَجُلٌ ثَقِيفٌ سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ، قالَ:

فَإمّا تَثْقَفُونِي فاقْتُلُونِي فَمَن أُثْقَفَ فَلَيْسَ إلى خُلُودٍ

ثُمَّ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ الخِطابُ فِيهِ واقِعٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ومَن هاجَرَ مَعَهُ وإنْ كانَ الغَرَضُ بِهِ لازِمًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ في الآيَةِ الأُولى وهُمُ الكُفّارُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ كانُوا في الحِلِّ والحَرَمِ، وفي الشَّهْرِ الحَرامِ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالجِهادِ في الآيَةِ الأُولى بِشَرْطِ إقْدامِ الكُفّارِ عَلى المُقاتَلَةِ، وفي هَذِهِ زادَ في التَّكْلِيفِ فَأمَرَ بِالجِهادِ مَعَهم سَواءٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، واسْتَثْنى مِنهُ المُقاتَلَةَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا فِي﴾

صفحة ١١١

﴿سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، ثُمَّ تِلْكَ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وهَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ.

أمّا قَوْلُهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، فَهَذا مِن بابِ التَّخْصِيصِ لا مِن بابِ النَّسْخِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَهو خَطَأٌ أيْضًا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالقِتالِ في الحَرَمِ، وهَذا الحُكْمُ ما نُسِخَ بَلْ هو باقٍ؛ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ ضَعِيفٌ ولِأنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ آياتٍ مُتَوالِيَةٍ تَكُونُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها ناسِخَةً لِلْأُخْرى.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإخْراجَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم كَلَّفُوهُمُ الخُرُوجَ قَهْرًا.

والثّانِي: أنَّهم بالَغُوا في تَخْوِيفِهِمْ وتَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، حَتّى صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الخُرُوجِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ صِيغَةَ ”حَيْثُ“ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أخْرِجُوهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي أخْرَجُوكم وهو مَكَّةُ.

والثّانِي: أخْرِجُوهم مِن مَنازِلِكم. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُخْرِجُوا أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن مَكَّةَ إنْ أقامُوا عَلى شِرْكِهِمْ إنْ تَمَكَّنُوا مِنهُ، لَكِنَّهُ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يَتَمَكَّنُونَ مِنهُ فِيما بَعْدُ، ولِهَذا السَّبَبِ أجْلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ مُشْرِكٍ مِنَ الحَرَمِ، ثُمَّ أجْلاهم أيْضًا مِنَ المَدِينَةِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَجْتَمِعُ دِينانِ في جَزِيرَةِ …

Al-Baqara 2:191Listen in Qur'an →
192

فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And if they cease, then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الثَّقْفُ وُجُودُهُ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ ومِنهُ رَجُلٌ ثَقِيفٌ سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ، قالَ:

فَإمّا تَثْقَفُونِي فاقْتُلُونِي فَمَن أُثْقَفَ فَلَيْسَ إلى خُلُودٍ

ثُمَّ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ الخِطابُ فِيهِ واقِعٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ومَن هاجَرَ مَعَهُ وإنْ كانَ الغَرَضُ بِهِ لازِمًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ في الآيَةِ الأُولى وهُمُ الكُفّارُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ كانُوا في الحِلِّ والحَرَمِ، وفي الشَّهْرِ الحَرامِ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالجِهادِ في الآيَةِ الأُولى بِشَرْطِ إقْدامِ الكُفّارِ عَلى المُقاتَلَةِ، وفي هَذِهِ زادَ في التَّكْلِيفِ فَأمَرَ بِالجِهادِ مَعَهم سَواءٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا، واسْتَثْنى مِنهُ المُقاتَلَةَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا فِي﴾

صفحة ١١١

﴿سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، ثُمَّ تِلْكَ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وهَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ.

أمّا قَوْلُهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ إبْطالُهُ، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، فَهَذا مِن بابِ التَّخْصِيصِ لا مِن بابِ النَّسْخِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَهو خَطَأٌ أيْضًا لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الِابْتِداءُ بِالقِتالِ في الحَرَمِ، وهَذا الحُكْمُ ما نُسِخَ بَلْ هو باقٍ؛ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ ضَعِيفٌ ولِأنَّهُ يَبْعُدُ مِنَ الحَكِيمِ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ آياتٍ مُتَوالِيَةٍ تَكُونُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها ناسِخَةً لِلْأُخْرى.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الإخْراجَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهم كَلَّفُوهُمُ الخُرُوجَ قَهْرًا.

والثّانِي: أنَّهم بالَغُوا في تَخْوِيفِهِمْ وتَشْدِيدِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، حَتّى صارُوا مُضْطَرِّينَ إلى الخُرُوجِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ صِيغَةَ ”حَيْثُ“ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أخْرِجُوهم مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي أخْرَجُوكم وهو مَكَّةُ.

والثّانِي: أخْرِجُوهم مِن مَنازِلِكم. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يُخْرِجُوا أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن مَكَّةَ إنْ أقامُوا عَلى شِرْكِهِمْ إنْ تَمَكَّنُوا مِنهُ، لَكِنَّهُ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يَتَمَكَّنُونَ مِنهُ فِيما بَعْدُ، ولِهَذا السَّبَبِ أجْلى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ مُشْرِكٍ مِنَ الحَرَمِ، ثُمَّ أجْلاهم أيْضًا مِنَ المَدِينَةِ، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا يَجْتَمِعُ دِينانِ في جَزِيرَةِ …

Al-Baqara 2:192Listen in Qur'an →
193

وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] worship is [acknowledged to be] for Allah. But if they cease, then there is to be no aggression except against the oppressors.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ القَوْمُ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] والصَّحِيحُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ البِدايَةَ بِالمُقاتَلَةِ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ نَفَتْ حُرْمَتَهُ أقْصى ما في البابِ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ عامَّةٌ، ولَكِنْ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو الصَّحِيحُ أنَّ العامَّ سَواءٌ كانَ مُقَدَّمًا عَلى المُخَصَّصِ أوْ مُتَأخِّرًا عَنْهُ فَإنَّهُ يَصِيرُ مَخْصُوصًا بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المُرادِ بِالفِتْنَةِ هَهُنا وُجُوهٌ:

أحَدُهُما: أنَّها الشِّرْكُ والكُفْرُ، قالُوا: كانَتْ فِتْنَتُهم أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ ويُؤْذُونَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ حَتّى ذَهَبُوا إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ واظَبُوا عَلى ذَلِكَ الإيذاءِ حَتّى ذَهَبُوا إلى المَدِينَةِ وكانَ غَرَضُهم مِن إثارَةِ تِلْكَ الفِتْنَةِ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم ويَرْجِعُوا كُفّارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَعْنى: قاتِلُوهم حَتّى تَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ فَلا يَفْتِنُوكم عَنْ دِينِكم فَلا تَقَعُوا في الشِّرْكِ.

وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى الفِتْنَةِ هَهُنا الجُرْمُ، قالَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِقِتالِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ مِنهُمُ القِتالُ الَّذِي إذا بَدَأُوا بِهِ كانَ فِتْنَةً عَلى المُؤْمِنِينَ لِما يَخافُونَ عِنْدَهُ مِن أنْواعِ المَضارِّ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقالُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ مَعَ عِلْمِنا بِأنَّ قِتالَهم لا يُزِيلُ الكُفْرَ ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ خَبَرَ اللَّهِ لا يَكُونُ حَقًّا ؟

قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى الأغْلَبِ لِأنَّ الأغْلَبَ عِنْدَ قِتالِهِمْ زَوالُ الكُفْرِ والشِّرْكِ، لِأنَّ مَن قُتِلَ فَقَدْ زالَ كُفْرُهُ، ومَن لا يُقْتَلُ يُخافُ مِنهُ الثَّباتُ عَلى الكُفْرِ، فَإذا كانَ هَذا هو الأغْلَبُ جازَ أنْ يُقالَ ذَلِكَ.

الجَوابُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ قاتِلُوهم قَصْدًا مِنكم إلى زَوالِ الكُفْرِ، لِأنَّ الواجِبَ عَلى المُقاتِلِ لِلْكُفّارِ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ هَذا، ولِذَلِكَ مَتى ظَنَّ أنَّ مَن يُقاتِلُهُ يُقْلِعُ عَنِ الكُفْرِ بِغَيْرِ القِتالِ وجَبَ عَلَيْهِ العُدُولُ عَنْهُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى حَمْلِ الفِتْنَةِ عَلى الشِّرْكِ، لِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الشِّرْكِ وبَيْنَ أنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ واسِطَةٌ، والمُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ تَعالى هو المَعْبُودَ المُطاعَ دُونَ سائِرِ ما يُعْبَدُ ويُطاعُ غَيْرُهُ، فَصارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وقاتِلُوهم حَتّى يَزُولَ الكُفْرُ ويَثْبُتَ الإسْلامُ، وحَتّى يَزُولَ ما يُؤَدِّي إلى العِقابِ

صفحة ١١٤

ويَحْصُلَ ما يُؤَدِّي إلى الثَّوابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]، وفي ذَلِكَ بَيانُ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِالقِتالِ لِهَذا المَقْصُودِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ فالمُرادُ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الأمْرِ الَّذِي لِأجْلِهُ وجَبَ قِتالُهم، وهو إمّا كُفْرُهم أوْ قِتالُهم، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يَجُوزُ قِتالُهم، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى …

Al-Baqara 2:193Listen in Qur'an →
194

ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَٰتُ قِصَاصٌۭ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ

[Fighting in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month, and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allah and know that Allah is with those who fear Him.

قُوَلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أباحَ القِتالَ وكانَ ذَلِكَ مُنْكَرًا فِيما بَيْنَهم، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُزِيلُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾، وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ لِلْعُمْرَةِ وكانَ ذَلِكَ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، فَصَدَّهُ أهْلُ مَكَّةَ عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ صالَحُوهُ عَنْ أنْ يَنْصَرِفَ ويَعُودَ في العامِ القابِلِ حَتّى يَتْرُكُوا لَهُ مَكَّةَ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في العامِ القابِلِ وهو في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ ودَخَلَ مَكَّةَ واعْتَمَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» يَعْنِي: أنَّكَ دَخَلْتَ الحَرَمَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، والقَوْمُ كانُوا صَدُّوكَ في السَّنَةِ الماضِيَةِ في هَذا الشَّهْرِ فَهَذا الشَّهْرُ بِذاكَ الشَّهْرِ.

وثانِيها: ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الكُفّارَ سَمِعُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى الرَّسُولَ ﷺ عَنْ أنْ يُقاتِلَهم في الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَأرادُوا مُقاتَلَتَهُ وظَنُّوا أنَّهُ لا يُقاتِلُهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِبَيانِ الحُكْمِ في هَذِهِ الواقِعَةِ، فَقالَ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ أيْ مَنِ اسْتَحَلَّ دَمَكم مِنَ المُشْرِكِينَ في الشَّهْرِ الحَرامِ فاسْتَحِلُّوهُ فِيهِ.

وثالِثُها: ما ذَكَرَهُ قَوْمٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ وهو أنَّ الشَّهْرَ الحَرامَ لَمّا لَمْ يَمْنَعْكم عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ، فَكَيْفَ يَمْنَعُنا عَنْ مُقاتَلَتِكم، فالشَّهْرُ الحَرامُ مِن جانِبِنا، مُقابَلٌ بِالشَّهْرِ الحَرامِ مِن جانِبِكم، والحاصِلُ في

صفحة ١١٥

الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ أنَّ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرامِ لَمّا لَمْ تَمْنَعْهم عَنِ الكُفْرِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ، فَكَيْفَ جَعَلُوهُ سَبَبًا في أنْ يَمْنَعَ لِلْقِتالِ مِن شَرِّهِمْ وفَسادِهِمْ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ فالحُرُماتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ والحُرْمَةُ ما مُنِعَ مِنِ انْتِهاكِهِ والقِصاصُ المُساواةُ وإذا عَرَفْتَ هَذا فَفي هَذِهِ الآيَةِ تَعُودُ تِلْكَ الوُجُوهُ.

أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ المُرادَ بِالحُرُماتِ: الشَّهْرُ الحَرامُ، والبَلَدُ الحَرامُ، وحُرْمَةُ الإحْرامِ، فَقَوْلُهُ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ مَعْناهُ أنَّهم لَمّا أضاعُوا هَذِهِ الحُرُماتِ في سَنَةِ سِتٍّ فَقَدْ وُفِّقْتُمْ حَتّى قَضَيْتُمُوهُ عَلى زَعْمِكم في سَنَةِ سَبْعٍ.

وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَهو أنَّ المُرادَ: إنْ أقْدَمُوا عَلى مُقاتَلَتِكم فَقاتِلُوهم أنْتُمْ أيْضًا، قالَ الزَّجّاجُ: وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَهِكُوا هَذِهِ الحُرُماتِ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ القِصاصِ، وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ بِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] وبِما بَعْدَها وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ .

أمّا عَلى القَوْلِ الثّالِثِ: فَقَوْلُهُ: ﴿والحُرُماتُ …

Al-Baqara 2:194Listen in Qur'an →
195

وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

And spend in the way of Allah and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allah loves the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالقِتالِ، والِاشْتِغالُ بِالقِتالِ لا يَتَيَسَّرُ إلّا بِالآلاتِ وأدَواتٍ يُحْتاجُ فِيها إلى المالِ، ورُبَّما كانَ ذُو المالِ عاجِزًا عَنِ القِتالِ وكانَ الشُّجاعُ القادِرُ عَلى القِتالِ فَقِيرًا عَدِيمَ المالِ، فَلِهَذا أمَرَ اللَّهُ تَعالى الأغْنِياءَ بِأنْ يُنْفِقُوا عَلى الفُقَراءِ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى القِتالِ.

والثّانِي: يُرْوى أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾، قالَ رَجُلٌ مِنَ الحاضِرِينَ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما لَنا زادٌ ولَيْسَ أحَدٌ يُطْعِمُنا فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وأنْ يَتَصَدَّقُوا وأنْ لا يَكُفُّوا أيْدِيَهم عَنِ الصَّدَقَةِ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ تُحْمَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَهْلِكُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» عَلى وفْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

صفحة ١١٦

واعْلَمْ أنَّ الإنْفاقَ هو صَرْفُ المالِ إلى وُجُوهِ المَصالِحِ، فَلِذَلِكَ لا يُقالُ في المُضَيِّعِ: إنَّهُ مُنْفِقٌ فَإذا قَيَّدَ الإنْفاقَ بِذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، فالمُرادُ بِهِ في طَرِيقِ الدِّينِ، لا السَّبِيلُ هو الطَّرِيقُ، وسَبِيلُ اللَّهِ هو دِينُهُ، فَكُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في دِينِهِ مِنَ الإنْفاقِ فَهو داخِلٌ في الآيَةِ سَواءٌ كانَ إنْفاقًا في حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ كانَ جِهادًا بِالنَّفْسِ، أوْ تَجْهِيزًا لِلْغَيْرِ، أوْ كانَ إنْفاقًا في صِلَةِ الرَّحِمِ، أوْ في الصَّدَقاتِ أوْ عَلى العِيالِ، أوْ في الزَّكَواتِ والكَفّاراتِ، أوْ عِمارَةِ السَّبِيلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، إلّا أنَّ الأقْرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجِهادِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ الإنْفاقُ في الجِهادِ، بَلْ قالَ: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى العِلَّةِ في وُجُوبِ هَذا الإنْفاقِ، وذَلِكَ لِأنَّ المالَ مالُ اللَّهِ فَيَجِبُ إنْفاقُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ إذا سَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ اهْتَزَّ ونَشِطَ فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ إنْفاقُ المالِ.

الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ وقْتَ ذَهابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى مَكَّةَ لِقَضاءِ العُمْرَةِ، وكانَتْ تِلْكَ العُمْرَةُ لا بُدَّ مِن أنْ تُفْضِيَ إلى القِتالِ إنْ مَنَعَهُمُ المُشْرِكُونَ، فَكانَتْ عُمْرَةً وجِهادًا، واجْتَمَعَ فِيهِ المَعْنَيانِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وأنْفِقُوا في الجِهادِ والعُمْرَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ ”التَّهْلُكَةُ“ الهَلاكُ يُقالُ: هَلَكَ يَهْلِكُ هَلاكًا وهَلَكًا وتَهْلُكَةً. قالَ الخارْزَنْجِيُّ: لا أعْلَمُ في كَلامِ العَرَبِ مَصْدَرًا عَلى تَفْعُلَةٍ بِضَمِّ العَيْنِ إلّا هَذا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: التَّنْصُرَةَ والتَّسْتُرَةَ، وقَدْ جاءَ هَذا المِثالُ اسْمًا غَيْرَ مَصْدَرٍ، قالَ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ أصْلُهُ التَّهْلِكَةُ، كالتَّجْرِبَةِ والتَّبْصِرَةِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ هَكَذا فَأُبْدِلَتِ الضَّمَّةُ بِالكَسْرَةِ، كَما جاءَ الجُوارُ في الجِوارِ.

وأقُولُ: إنِّي لَأتَعَجَّبُ كَثِيرًا مِن تَكَلُّفاتِ هَؤُلاءِ …

Al-Baqara 2:195Listen in Qur'an →
196

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًۭى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌۭ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍۢ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌۭ كَامِلَةٌۭ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

And complete the Hajj and 'umrah for Allah. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity or sacrifice. And when you are secure, then whoever performs 'umrah [during the Hajj months] followed by Hajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during Hajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Haram. And fear Allah and know that Allah is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”الحَجُّ“ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ القَصْدِ وإنَّما يُقالُ: حَجَّ فُلانٌ الشَّيْءَ إذا قَصَدَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وأدامَ الِاخْتِلافَ إلَيْهِ ”والحِجَّةُ“ بِكَسْرِ الحاءِ السَّنَةُ، وإنَّما قِيلَ لَها حِجَّةٌ لِأنَّ النّاسَ يَحُجُّونَ في كُلِّ سَنَةٍ، وأمّا في الشَّرْعِ فَهو اسْمٌ لِأفْعالٍ مَخْصُوصَةٍ مِنها أرْكانٌ ومِنها أبْعاضٌ ومِنها هَيْئاتٌ، فالأرْكانُ ما لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ حَتّى يَأْتِيَ بِهِ والأبْعاضُ هي الواجِباتُ الَّتِي إذا تُرِكَ شَيْءٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ، والهَيْئاتُ ما لا يَجِبُ الدَّمُ عَلى تَرْكِها، والأرْكانُ عِنْدَنا خَمْسَةٌ: الإحْرامُ والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ والطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وفي حَلْقِ الرَّأْسِ أوْ تَقْصِيرِهِ قَوْلانِ: أصَحُّهُما أنَّهُ نُسُكٌ لا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ إلّا بِهِ، وأمّا الأبْعاضُ فَهي الإحْرامُ مِنَ المِيقاتِ والمُقامُ بِعَرَفَةَ إلى الغُرُوبِ في قَوْلٍ والبَيْتُوتَةُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ في قَوْلٍ ورَمْيُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ والبَيْتُوتَةُ بِمِنى لَيالِيَ التَّشْرِيقِ في قَوْلٍ ورَمِيُ أيّامِها.

وأمّا سائِرُ أعْمالِ الحَجِّ فَهي سُنَّةٌ.

وأمّا أرْكانُ العُمْرَةِ فَهي أرْبَعَةٌ: الإحْرامُ، والطَّوافُ، والسَّعْيُ، وفي الحَلْقِ قَوْلانِ، ثُمَّ المُعْتَمِرُ بَعْدَما فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ فَإنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ ذَبَحَهُ ثُمَّ حَلَقَ أوْ قَصَّرَ، ولا يَتَوَقَّفُ التَّحَلُّلُ عَلى ذَبْحِ الهَدْيِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا﴾ أمْرٌ بِالإتْمامِ، وهَلْ هَذا الأمْرُ مُطْلَقٌ أوْ مَشْرُوطٌ بِالدُّخُولِ فِيهِ ؟ ذَهَبَ أصْحابُنا إلى أنَّهُ مُطْلَقٌ، والمَعْنى: افْعَلُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ عَلى نَعْتِ الكَمالِ والتَّمامِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ هَذا الأمْرَ مَشْرُوطٌ، والمَعْنى أنَّ مَن شَرَعَ فِيهِ فَلْيُتِمَّهُ، قالُوا: ومِنَ

صفحة ١١٩

الجائِزِ أنْ لا يَكُونَ الدُّخُولُ في الشَّيْءِ واجِبًا إلّا أنَّ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يَكُونُ إتْمامُهُ واجِبًا، وفائِدَةُ هَذا الخِلافِ أنَّ العُمْرَةَ واجِبَةٌ عِنْدَ أصْحابِنا، وغَيْرُ واجِبَةٍ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

حُجَّةُ أصْحابِنا مِن وُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهِ أنَّ الإتْمامَ قَدْ يُرادُ بِهِ فِعْلُ الشَّيْءِ كامِلًا تامًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إذا شَرَعْتُمْ في الفِعْلِ فَأتِمُّوهُ، وإذا ثَبَتَ الِاحْتِمالُ وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا اللَّفْظِ هو ذاكَ، أمّا بَيانُ الِاحْتِمالِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ فَعَلَهُنَّ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] أيْ فافْعَلُوا الصِّيامَ تامًّا إلى اللَّيْلِ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا أوْلى مِن قَوْلِ مَن قالَ: المُرادُ فاشْرَعُوا في الصِّيامِ ثُمَّ أتِمُّوهُ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُحْتاجُ إلى الإضْمارِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الإتْيانَ بِهِ عَلى نَعْتِ الكَمالِ والتَّمامِ …

Al-Baqara 2:196Listen in Qur'an →
197

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَٰتٌۭ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ

Hajj is [during] well-known months, so whoever has made Hajj obligatory upon himself therein [by entering the state of ihram], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during Hajj. And whatever good you do - Allah knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allah. And fear Me, O you of understanding.

صفحة ١٣٧

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى واتَّقُونِ ياأُولِي الألْبابِ﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ الحَجَّ لَيْسَ نَفْسَ الأشْهُرِ فَلا بُدَّ هَهُنا مِن تَأْوِيلٍ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: التَّقْدِيرُ: أشْهُرُ الحَجِّ أشْهَرٌ مَعْلُوماتٌ، فَحَذَفَ المُضافَ وهو كَقَوْلِهِمْ: البَرْدُ شَهْرانِ، أيْ وقْتُ البَرْدِ شَهْرانِ.

والثّانِي: التَّقْدِيرُ الحَجُّ أشْهَرٌ مَعْلُوماتٌ، أيْ لا حَجَّ إلّا في هَذِهِ الأشْهُرِ، ولا يَجُوزُ في غَيْرِها كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْتَجِيزُونَها في غَيْرِها مِنَ الأشْهُرِ، فَحَذَفَ المَصْدَرَ المُضافَ إلى الأشْهُرِ.

الثّالِثُ: يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الآيَةِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ، وهو أنَّهُ جَعَلَ الأشْهُرَ نَفْسَ الحَجِّ لَمّا كانَ الحَجُّ فِيها كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ قائِمٌ، ونَهارٌ صائِمٌ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ شَوّالًا وذا القِعْدَةِ مِن أشْهُرِ الحَجِّ، واخْتَلَفُوا في ذِي الحِجَّةِ، فَقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: إنَّها بِكُلِّيَّتِها مِن أشْهُرِ الحَجِّ وهو قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: العَشْرُ الأُوَلُ مِن ذِي الحِجَّةِ مِن أشْهُرِ الحَجِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ والنَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: التِّسْعَةُ الأُولى مِن ذِي الحِجَّةِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ مِن أشْهُرِ الحَجِّ.

حُجَّةُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الأشْهُرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وأقَلُّهُ ثَلاثَةٌ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ أيّامَ النَّحْرِ يُفْعَلُ فِيها بَعْضُ ما يَتَّصِلُ بِالحَجِّ، وهو رَمْيُ الجِمارِ، والمَرْأةُ إذا حاضَتْ فَقَدْ تُؤَخِّرُ الطَّوافَ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ إلى انْقِضاءِ أيّامٍ بَعْدَ العَشْرِ، ومَذْهَبُ عُرْوَةَ جَوازُ تَأْخِيرِ طَوافِ الزِّيارَةِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ لَفْظَ الجَمْعِ يَشْتَرِكُ فِيهِ ما وراءَ الواحِدِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التَّحْرِيمِ: ٤] .

والثّانِي: أنَّهُ نَزَّلَ بَعْضَ الشَّهْرِ مَنزِلَةَ كُلِّهِ، كَما يُقالُ: رَأيْتُكَ سَنَةَ كَذا؛ إنَّما رَآهُ في ساعَةٍ مِنها.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ رَمْيَ الجِمارِ يَفْعَلُهُ الإنْسانُ وقَدْ حَجَّ بِالحَلْقِ والطَّوافِ والنَّحْرِ مِن إحْرامِهِ، فَكَأنَّهُ لَيْسَ مِن أعْمالِ الحَجِّ، والحائِضُ إذا طافَتْ بَعْدَهُ فَكَأنَّهُ في حُكْمِ القَضاءِ لا في حُكْمِ الأداءِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّ عَشَرَةَ أيّامٍ مِن أوَّلِ ذِي الحِجَّةِ هي مِن أشْهُرِ الحَجِّ، فَقَدْ تَمَسَّكُوا فِيهِ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن زَعَمَ أنَّ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ، والثّانِي: أنَّ يَوْمَ النَّحْرِ وقْتٌ لِرُكْنٍ مِن أرْكانِ الحَجِّ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، وأمّا الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ احْتَجَّ عَلى قَوْلِهِ بِأنَّ الحَجَّ يَفُوتُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، والعِبادَةُ لا تَكُونُ فائِتَةً مَعَ بَقاءِ وقْتِها، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذِهِ المَذاهِبِ.

بَقِيَ هَهُنا إشْكالانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ مِن قَبْلُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ …

Al-Baqara 2:197Listen in Qur'an →
198

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ

There is no blame upon you for seeking bounty from your Lord [during Hajj]. But when you depart from 'Arafat, remember Allah at al- Mash'ar al-Haram. And remember Him, as He has guided you, for indeed, you were before that among those astray.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واذْكُرُوهُ كَما هَداكم وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ: لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الشُّبْهَةَ كانَتْ حاصِلَةً في حُرْمَةِ التِّجارَةِ في الحَجِّ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى مَنَعَ عَنِ الجِدالِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والتِّجارَةُ كَثِيرَةُ الإفْضاءِ إلى المُنازَعَةِ بِسَبَبِ المُنازَعَةِ في قِلَّةِ القِيمَةِ وكَثْرَتِها، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ مُحَرَّمَةً وقْتَ الحَجِّ.

وثانِيها: أنَّ التِّجارَةَ كانَتْ مُحَرَّمَةً وقْتَ الحَجِّ في دِينِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَظاهِرُ ذَلِكَ شَيْءٌ مُسْتَحْسَنٌ؛ لِأنَّ المُشْتَغِلَ بِالحَجِّ مُشْتَغِلٌ بِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَلَطَّخَ هَذا العَمَلُ مِنهُ بِالأطْماعِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

وثالِثُها: أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ صارَ كَثِيرٌ مِنَ المُباحاتِ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ في وقْتِ الحَجِّ، كاللُّبْسِ والطِّيبِ والِاصْطِيادِ والمُباشَرَةِ مَعَ الأهْلِ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّ الحَجَّ لَمّا صارَ سَبَبًا لِحُرْمَةِ اللُّبْسِ مَعَ مَساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ فَبِأنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِحُرْمَةِ التِّجارَةِ مَعَ قِلَّةِ الحاجَةِ إلَيْها كانَ أوْلى.

ورابِعُها: عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِالصَّلاةِ يَحْرُمُ الِاشْتِغالُ بِسائِرِ الطّاعاتِ فَضْلًا عَنِ المُباحاتِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في الحَجِّ؛ فَهَذِهِ الوُجُوهُ تَصْلُحُ أنْ تَصِيرَ شُبْهَةً في تَحْرِيمِ الِاشْتِغالِ بِالتِّجارَةِ عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِالحَجِّ، فَلِهَذا السَّبَبِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا أنَّ التِّجارَةَ جائِزَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، فَإذا عَرَفْتَ

صفحة ١٤٦

هَذا فَنَقُولُ: المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ هو التِّجارَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المُزَّمِلِ: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القَصَصِ: ٧٣] ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّفْسِيرِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: ما رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُما قَرَآ: ”أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم في مَواسِمِ الحَجِّ“ .

والثّانِي: الرِّواياتُ المَذْكُورَةُ في سَبَبِ النُّزُولِ.

فالرِّوايَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَحْتَرِزُونَ مِنَ التِّجارَةِ في أيّامِ الحَجِّ وإذا دَخَلَ العَشْرُ بالَغُوا في تَرْكِ البَيْعِ والشِّراءِ بِالكُلِّيَّةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ التّاجِرَ في الحَجِّ الدّاجَّ؛ ويَقُولُونَ: هَؤُلاءِ الدّاجُّ، ولَيْسُوا بِالحاجِّ، ومَعْنى الدّاجِّ: المُكْتَسِبُ المُلْتَقِطُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّجاجَةِ، وبالَغُوا في الِاحْتِرازِ عَنِ الأعْمالِ، إلى أنِ امْتَنَعُوا عَنْ إغاثَةِ المَلْهُوفِ، وإغاثَةِ الضَّعِيفِ وإطْعامِ الجائِعِ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا جُناحَ في التِّجارَةِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ في أحْكامِ الحَجِّ، وما بَعْدَها أيْضًا في الحَجِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ واقِعٌ في زَمانِ الحَجِّ، …

Al-Baqara 2:198Listen in Qur'an →
199

ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allah. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِهِ الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فالأكْثَرُونَ مِنهم ذَهَبُوا إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أمْرٌ لِقُرَيْشٍ وحُلَفائِها وهُمُ الحُمْسُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يَتَجاوَزُونَ المُزْدَلِفَةَ ويَحْتَجُّونَ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الحَرَمَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الوُقُوفُ بِهِ أوْلى.

وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَتَرَفَّعُونَ عَلى النّاسِ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ اللَّهِ فَلا نُحِلُّ حَرَمَ اللَّهِ.

وثالِثُها: أنَّهم كانُوا لَوْ سَلَّمُوا أنَّ المَوْقِفَ هو عَرَفاتٌ لا الحَرَمُ، لَكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ نَقْصًا في الحَرَمِ، ثُمَّ ذَلِكَ النَّقْصُ كانَ يَعُودُ إلَيْهِمْ، ولِهَذا كانَ الحُمْسُ لا يَقِفُونَ إلّا في المُزْدَلِفَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ أمْرًا لَهم بِأنْ يَقِفُوا في عَرَفاتٍ، وأنْ يُفِيضُوا مِنها كَما تَفْعَلُهُ سائِرُ النّاسِ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا جَعَلَ أبا بَكْرٍ أمِيرًا في الحَجِّ أمَرَهُ بِإخْراجِ النّاسِ إلى عَرَفاتٍ، فَلَمّا ذَهَبَ مَرَّ عَلى الحُمْسِ وتَرَكَهم، فَقالُوا لَهُ: إلى أيْنَ وهَذا مَقامُ آبائِكَ وقَوْمِكَ فَلا تَذْهَبْ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ومَضى بِأمْرِ اللَّهِ إلى عَرَفاتٍ ووَقَفَ بِها، وأمَرَ سائِرَ النّاسِ بِالوُقُوفِ بِها»، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ يَعْنِي لِتَكُنْ إفاضَتُكم مِن حَيْثُ أفاضَ سائِرُ النّاسِ الَّذِينَ هم واقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ مَن يَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ أمْرٌ عامٌّ لِكُلِّ النّاسِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ المُرادُ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ سُنَّتَهُما كانَتِ الإفاضَةَ مِن عَرَفاتٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقِفُ في الجاهِلِيَّةِ بِعَرَفَةَ كَسائِرِ النّاسِ، ويُخالِفُ الحُمْسَ»، وإيقاعُ اسْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ جائِزٌ إذا كانَ رَئِيسًا يُقْتَدى بِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] يَعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] يَعْنِي أبا سُفْيانَ، وإيقاعُ اسْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ المُعَظَّمِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] وفي الآيَةِ وجْهٌ ثالِثٌ ذَكَرَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ عِبارَةً عَنْ تَقادُمِ الإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، وأنَّهُ هو الأمْرُ القَدِيمُ، وما سِواهُ فَهو مُبْتَدَعٌ مُحْدَثٌ كَما يُقالُ: هَذا مِمّا فَعَلَهُ النّاسُ قَدِيمًا، فَهَذا جُمْلَةُ الوُجُوهِ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِ مَن قالَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ.

القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الضَّحّاكِ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الإفاضَةُ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلرَّمْيِ والنَّحْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ﴾ المُرادُ بِالنّاسِ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ وأتْباعُهُما، وذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ طَرِيقَتُهُمُ الإفاضَةَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والعَرَبُ الَّذِينَ كانُوا واقِفِينَ بِالمُزْدَلِفَةِ كانُوا يُفِيضُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فاللَّهُ تَعالى …

Al-Baqara 2:199Listen in Qur'an →
200

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًۭا ۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍۢ

And when you have completed your rites, remember Allah like your [previous] remembrance of your fathers or with [much] greater remembrance. And among the people is he who says, "Our Lord, give us in this world," and he will have in the Hereafter no share.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾؛ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ العَرَبَ كانُوا عِنْدَ الفَراغِ مِن حَجَّتِهِمْ بَعْدَ أيّامِ التَّشْرِيقِ يَقِفُونَ بَيْنَ مَسْجِدِ مِنًى وبَيْنَ الجَبَلِ، ويَذْكُرُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم فَضائِلَ آبائِهِ في السَّماحَةِ والحَماسَةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، ويَتَناشَدُونَ فِيها الأشْعارَ، ويَتَكَلَّمُونَ بِالمَنثُورِ مِنَ الكَلامِ، ويُرِيدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مِن ذَلِكَ الفِعْلِ حُصُولَ الشُّهْرَةِ والتَّرَفُّعَ بِمَآثِرِ سَلَفِهِ، فَلَمّا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ أمَرَهم أنْ يَكُونَ ذِكْرُهم لِرَبِّهِمْ كَذِكْرِهِمْ لِآبائِهِمْ، ورَوى القَفّالُ في ”تَفْسِيرِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «طافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى راحِلَتِهِ القُصْوى يَوْمَ الفَتْحِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ”أمّا بَعْدُ، أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكم حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وتَفَكُّكَها، يا أيُّها النّاسُ إنَّما النّاسُ رَجُلانِ؛ بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، أوْ فاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ تَلا ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحُجُراتِ: ١٣]، أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكم» “ وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ العَرَبَ بِمِنًى بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ الحَجِّ كانَ أحَدُهم يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، عَظِيمَ القَدْرِ، كَثِيرَ المالِ، فَأعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

* * *

صفحة ١٥٧

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ القَضاءَ إذا عُلِّقَ بِفِعْلِ النَّفْسِ، فالمُرادُ بِهِ الإتْمامُ والفَراغُ، وإذا عُلِّقَ عَلى فِعْلِ الغَيْرِ فالمُرادُ بِهِ الإلْزامُ، نَظِيرُ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فُصِّلَتَ: ١٢]، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وما فاتَكم فاقْضُوا» “ ويُقالُ في الحاكِمِ عِنْدَ فَصْلِ الخُصُومَةِ قَضى بَيْنَهُما. ونَظِيرُ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ [الإسْراءِ: ٢٣] وإذا اسْتُعْمِلَ في الإعْلامِ، فالمُرادُ أيْضًا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ [الإسْراءِ: ٤] يَعْنِي أعْلَمْناهم.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ لا يَحْتَمِلُ إلّا الفَراغَ مِن جَمِيعِهِ خُصُوصًا، وذِكْرُ كَثِيرٍ مِنهُ قَدْ تَقَدَّمَ مِن قَبْلُ، وقالَ بَعْضُهم: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَناسِكِ، ويَكُونُ المُرادُ مِن هَذا الذِّكْرِ ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الدُّعاءِ بِعَرَفاتٍ والمَشْعَرِ الحَرامِ، والطَّوافِ، والسَّعْيِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ كَقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَطُفْ وقِفْ بِعَرَفَةَ، ولا يَعْنِي بِهِ الفَراغَ مِنَ الحَجِّ بَلِ الدُّخُولَ فِيهِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ مُشْعِرٌ بِالفَراغِ والإتْمامِ مِنَ الكُلِّ، وهَذا مُفارِقٌ لِقَوْلِ القائِلِ: إذا حَجَجْتَ فَقِفْ بِعَرَفاتٍ، لِأنَّ مُرادَهُ هُناكَ الدُّخُولُ في الحَجِّ لا الفَراغُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها إلّا الفَراغَ مِنَ الحَجِّ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”المَناسِكُ“ جَمْعُ مَنسَكٍ، الَّذِي هو المَصْدَرُ بِمَنزِلَةِ النُّسُكِ، أيْ إذا قَضَيْتُمْ عِباداتِكُمُ …

Al-Baqara 2:200Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.