Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 161–170 of 286

161

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allah and of the angels and the people, all together,

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

صفحة ١٥١

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ مَن كانَ كَذَلِكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الآياتِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ مِنهم، ذَكَرَ أيْضًا حالَ مَن يَمُوتُ مِنهم مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أُولَئِكَ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ حالَ الحَياةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ هَذا إنَّما يَصِحُّ مَتى كانَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ لا يَكُونُونَ داخِلِينَ تَحْتَ الآيَةِ الأُولى، فَأمّا إذا دَخَلُوا تَحْتَ الأُولى: اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَيَجِبُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى أمْرٍ مُسْتَأْنَفٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ؛ لَمّا ذُكِرَ في الكَلامِ أنَّهُ إذا ماتَ عَلى كُفْرِهِ صارَ الوَعِيدُ لازِمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ، ولَمّا كانَ المُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ؛ عَلِمْنا أنَّ الكافِرَ إذا تابَ قَبْلَ المَوْتِ لَمْ يَكُنْ حالُهُ كَذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ، وأهْلُ دِينِهِ لا يَلْعَنُونَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ أهْلَ دِينِهِ يَلْعَنُونَهُ في الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] .

وثانِيها: قالَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ: أرادَ بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِغَيْرِهِمْ، وحَكَمَ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ النّاسُ لا غَيْرَ.

وثالِثُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهِلَ والظّالِمَ؛ لِأنَّ قُبْحَ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في العُقُولِ، فَإذا كانَ هو في نَفْسِهِ جاهِلًا أوْ ظالِمًا وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ هو مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ كَذَلِكَ، كانَتْ لَعْنَتُهُ عَلى الجاهِلِ والظّالِمِ تَتَناوَلُ نَفْسَهُ؛ عَنِ السُّدِّيِّ.

ورابِعُها: أنْ يُحْمَلَ وُقُوعُ اللَّعْنِ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّعْنِ، وحِينَئِذٍ يَعُمُّ ذَلِكَ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عَلى المُسْلِمِينَ لَعْنَ مَن ماتَ كافِرًا، وأنَّ زَوالَ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنّا لَعْنَهُ والبَراءَةَ مِنهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قَدِ اقْتَضى أمْرَنا بِلَعْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ لَوْ جُنَّ لَمْ يَكُنْ زَوالُ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالجُنُونِ مُسْقِطًا لِلَعْنِهِ والبَراءَةِ مِنهُ، وكَذَلِكَ السَّبِيلُ فِيما يُوجِبُ المَدْحَ والمُوالاةَ مِنَ الإيمانِ والصَّلاحِ، فَإنَّ مَوْتَ مَن كانَ كَذَلِكَ أوْ جُنُونَهُ، لا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُدُوثِ الحالِ بِهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القائِلُونَ بِالمُوافاةِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: عَلَّقَ تَعالى وُجُوبَ لَعْنَتِهِ بِأنْ يَمُوتَ عَلى كُفْرِهِ، فَلَوِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ قَبْلَ المَوْتِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ الكُفْرَ إنَّما يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ …

Al-Baqara 2:161Listen in Qur'an →
162

خَٰلِدِينَ فِيهَا ۖ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

صفحة ١٥١

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ مَن كانَ كَذَلِكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الآياتِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ مِنهم، ذَكَرَ أيْضًا حالَ مَن يَمُوتُ مِنهم مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أُولَئِكَ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ حالَ الحَياةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ هَذا إنَّما يَصِحُّ مَتى كانَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ لا يَكُونُونَ داخِلِينَ تَحْتَ الآيَةِ الأُولى، فَأمّا إذا دَخَلُوا تَحْتَ الأُولى: اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَيَجِبُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى أمْرٍ مُسْتَأْنَفٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ؛ لَمّا ذُكِرَ في الكَلامِ أنَّهُ إذا ماتَ عَلى كُفْرِهِ صارَ الوَعِيدُ لازِمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ، ولَمّا كانَ المُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ؛ عَلِمْنا أنَّ الكافِرَ إذا تابَ قَبْلَ المَوْتِ لَمْ يَكُنْ حالُهُ كَذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ، وأهْلُ دِينِهِ لا يَلْعَنُونَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ أهْلَ دِينِهِ يَلْعَنُونَهُ في الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] .

وثانِيها: قالَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ: أرادَ بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِغَيْرِهِمْ، وحَكَمَ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ النّاسُ لا غَيْرَ.

وثالِثُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهِلَ والظّالِمَ؛ لِأنَّ قُبْحَ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في العُقُولِ، فَإذا كانَ هو في نَفْسِهِ جاهِلًا أوْ ظالِمًا وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ هو مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ كَذَلِكَ، كانَتْ لَعْنَتُهُ عَلى الجاهِلِ والظّالِمِ تَتَناوَلُ نَفْسَهُ؛ عَنِ السُّدِّيِّ.

ورابِعُها: أنْ يُحْمَلَ وُقُوعُ اللَّعْنِ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّعْنِ، وحِينَئِذٍ يَعُمُّ ذَلِكَ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عَلى المُسْلِمِينَ لَعْنَ مَن ماتَ كافِرًا، وأنَّ زَوالَ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنّا لَعْنَهُ والبَراءَةَ مِنهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قَدِ اقْتَضى أمْرَنا بِلَعْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ لَوْ جُنَّ لَمْ يَكُنْ زَوالُ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالجُنُونِ مُسْقِطًا لِلَعْنِهِ والبَراءَةِ مِنهُ، وكَذَلِكَ السَّبِيلُ فِيما يُوجِبُ المَدْحَ والمُوالاةَ مِنَ الإيمانِ والصَّلاحِ، فَإنَّ مَوْتَ مَن كانَ كَذَلِكَ أوْ جُنُونَهُ، لا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُدُوثِ الحالِ بِهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القائِلُونَ بِالمُوافاةِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: عَلَّقَ تَعالى وُجُوبَ لَعْنَتِهِ بِأنْ يَمُوتَ عَلى كُفْرِهِ، فَلَوِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ قَبْلَ المَوْتِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ الكُفْرَ إنَّما يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ …

Al-Baqara 2:162Listen in Qur'an →
163

وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ

And your god is one God. There is no deity [worthy of worship] except Him, the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

صفحة ١٥٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تَفْسِيرِ لَفْظِ الإلَهِ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] أمّا الواحِدُ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُهم واحِدٌ اسْمٌ جَرى عَلى وجْهَيْنِ في كَلامِهِمْ. أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ اسْمًا، والآخَرُ أنْ يَكُونَ وصْفًا، فالِاسْمُ الَّذِي لَيْسَ بِصِفَةٍ قَوْلُهم: واحِدٌ المُسْتَعْمَلُ في العَدَدِ نَحْوُ: واحِدٌ اثْنانِ ثَلاثَةٌ، فَهَذا اسْمٌ لَيْسَ بِوَصْفٍ كَما أنَّ سائِرَ أسْماءِ العَدَدِ كَذَلِكَ، وأمّا كَوْنُهُ صِفَةً فَنَحْوُ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ واحِدٍ وهَذا شَيْءٌ واحِدٌ فَإذا أُجْرِيَ هَذا الِاسْمُ عَلى الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، جازَ أنْ يَكُونَ الَّذِي هو الوَصْفُ كالعالِمِ والقادِرِ، وجازَ أنْ يَكُونَ الَّذِي هو الِاسْمُ كَقَوْلِنا شَيْءٌ، ويُقَوِّي الأوَّلَ قَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وأقُولُ: تَحْقِيقُ هَذا الكَلامِ في العَقْلِ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها واحِدٌ مُشْتَرِكَةٌ في مَفْهُومِ الوَحْدانِيَّةِ، ومُخْتَلِفَةٌ في خُصُوصِيّاتِ ماهِيّاتِها، أعْنِي كَوْنَها جَوْهَرًا، أوْ عَرَضًا، أوْ جِسْمًا، أوْ مُجَرَّدًا، ويَصِحُّ أيْضًا فِعْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، أعْنِي ماهِيَّتَهُ وكَوْنَهُ واحِدًا مَعَ الذُّهُولِ عَنِ الآخَرِ، فَإذَنْ كَوْنُ الجَوْهَرِ جَوْهَرًا مَثَلًا غَيْرٌ، وكَوْنُهُ واحِدًا غَيْرٌ، والمُرَكَّبُ مِنهُما غَيْرٌ، فَلَفْظُ الواحِدِ تارَةً يُفِيدُ مُجَرَّدَ مَعْنى أنَّهُ واحِدٌ، وهَذا هو الِاسْمُ، وتارَةً يُفِيدُ مَعْنى أنَّهُ واحِدٌ حِينَ ما يَحْصُلُ نَعْتًا لِشَيْءٍ آخَرَ، وهَذا مَعْنى كَوْنِهِ نَعْتًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواحِدِيَّةُ هَلْ هي صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ أمْ لا ؟ اخْتَلَفُوا فِيها فَقالَ قَوْمٌ: إنَّها صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنّا إذا قُلْنا؛ هَذا الجَوْهَرُ واحِدٌ، فالمَفْهُومُ مِن كَوْنِهِ جَوْهَرًا غَيْرُ المَفْهُومِ مِن كَوْنِهِ واحِدًا، بِدَلِيلِ أنَّ الجَوْهَرَ يُشارِكُهُ العَرَضُ في كَوْنِهِ واحِدًا، ولا يُشارِكُهُ في كَوْنِهِ جَوْهَرًا، ولِأنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُعْقَلَ كَوْنُهُ جَوْهَرًا حالَ الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِهِ واحِدًا، والمَعْلُومُ مُغايِرٌ لِغَيْرِ المَعْلُومِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ كَوْنُهُ واحِدًا نَفْسَ كَوْنِهِ جَوْهَرًا، لَكانَ قَوْلُنا الجَوْهَرُ واحِدٌ جارِيًا مَجْرى قَوْلِنا: الجَوْهَرُ جَوْهَرٌ، ولِأنَّ مُقابِلَ الجَوْهَرِ هو العَرَضُ، ومُقابِلَ الواحِدِ هو الكَثِيرُ، فَثَبَتَ أنَّ المَفْهُومَ مِن كَوْنِهِ واحِدًا، إمّا أنْ يَكُونَ سَلْبِيًّا أوْ ثُبُوتِيًّا لا جائِزَ أنْ يَكُونَ سَلْبِيًّا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ سَلْبِيًّا لَكانَ سَلْبًا لِلْكَثْرَةِ، والكَثْرَةُ إمّا أنْ تَكُونَ سَلْبِيَّةً أوْ ثُبُوتِيَّةً، فَإنْ كانَتِ الكَثْرَةُ سَلْبِيَّةً، والوَحْدَةُ سَلْبُ الكَثْرَةِ، كانَتِ الوَحْدَةُ سَلْبًا لِلسَّلْبِ وسَلْبُ السَّلْبِ ثُبُوتٌ، فالوَحْدَةُ ثُبُوتِيَّةٌ وهو المَطْلُوبُ، وإنْ كانَتِ الكَثْرَةُ ثُبُوتِيَّةً ولا مَعْنًى لِلْكَثْرَةِ إلّا مَجْمُوعَ الوَحَداتِ، فَلَوْ كانَتِ الوَحْدَةُ سَلْبِيَّةً مَعَ الكَثْرَةِ كانَ مَجْمُوعُ المَعْدُوماتِ أمْرًا مَوْجُودًا وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ الوَحْدَةَ صِفَةٌ زائِدَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ، ثُمَّ هَذِهِ الصِّفَةُ الزّائِدَةُ إمّا أنْ يُقالَ إنَّهُ لا تَحَقُّقَ لَها إلّا في الذِّهْنِ، أوْ لَها تَحَقُّقٌ خارِجَ الذِّهْنِ، والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَمْ يَكُنِ الذِّهْنِيُّ …

Al-Baqara 2:163Listen in Qur'an →
164

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ

Indeed, in the creation of the heavens and earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allah has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and the earth are signs for a people who use reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكَمَ بِالفَرْدانِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ ذَكَرَ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ أوَّلًا وعَلى تَوْحِيدِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ.

ثانِيًا: وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكُمُ الدَّلائِلِ لا بُدَّ مِن بَيانِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: وهي أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ الخَلْقَ هَلْ هو المَخْلُوقُ أوْ غَيْرُهُ ؟ فَقالَ عالَمٌ مِنَ النّاسِ: الخَلْقُ هو المَخْلُوقُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالآيَةِ والمَعْقُولِ، أمّا الآيَةُ فَهي هَذِهِ الآيَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إلى قَوْلِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ الآياتِ لَيْسَتْ إلّا في المَخْلُوقِ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وأمّا المَعْقُولُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ:

أحَدُها: أنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَهَذا الإخْراجُ لَوْ كانَ أمْرًا مُغايِرًا لِلْقُدْرَةِ والأثَرِ فَهو إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حادِثًا، فَإنْ كانَ قَدِيمًا فَقَدْ حَصَلَ في الأزَلِ مُسَمّى الإخْراجِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، والإخْراجُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ مَسْبُوقٌ بِالعَدَمِ، والأزَلُ هو نَفْيُ المَسْبُوقِيَّةِ، فَلَوْ حَصَلَ الإخْراجُ في الأزَلِ لَزِمَ اجْتِماعُ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ مُحْدَثًا فَلا بُدَّ لَهُ أيْضًا مِن مُخْرِجٍ يُخْرِجُهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن إخْراجٍ آخَرَ، والكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجًا لِلْأشْياءِ مِن عَدَمِها إلى وُجُودِها، ثُمَّ في الأزَلِ هَلْ أحْدَثَ أمْرًا أوْ لَمْ يُحْدِثْ ؟ فَإنْ أحْدَثَ أمْرًا فَذَلِكَ الأمْرُ الحادِثُ هو المَخْلُوقُ، وإنْ لَمْ يُحْدِثْ أمْرًا فاللَّهُ تَعالى قَطُّ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا.

وثالِثُها: أنَّ المُؤَثِّرِيَّةَ نِسْبَةٌ بَيْنَ ذاتِ المُؤَثِّرِ وذاتِ الأثَرِ، والنِّسْبَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ يَسْتَحِيلُ تَقْرِيرُها بِدُونِ المُنْتَسِبِ، فَهَذِهِ المُؤَثِّرِيَّةُ إنْ كانَتْ حادِثَةً لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وإنْ كانَتْ قَدِيمَةً كانَتْ مِن لَوازِمِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، وحُصُولُ الأثَرِ إمّا في الحالِ أوْ في الِاسْتِقْبالِ مِن لَوازِمِ هَذِهِ الصِّفَةِ القَدِيمَةِ العَظِيمَةِ، ولازِمُ اللّازِمِ لازِمٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الأثَرُ مِن لَوازِمِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، فَلا يَكُونُ اللَّهُ تَعالى قادِرًا مُخْتارًا، بَلْ مُلْجِأً مُضْطَرًّا إلى ذَلِكَ التَّأْثِيرِ، فَيَكُونُ عِلَّةً مُوجِبَةً، وذَلِكَ كُفْرٌ.

واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الخَلْقَ غَيْرُ المَخْلُوقِ بِوُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنْ قالُوا: لا نِزاعَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ خالِقٌ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأشْياءَ، والخالِقُ هو المَوْصُوفُ بِالخَلْقِ، فَلَوْ كانَ الخَلْقُ هو المَخْلُوقُ لَزِمَ كَوْنُهُ تَعالى

صفحة ١٦٢

مَوْصُوفًا بِالمَخْلُوقاتِ …

Al-Baqara 2:164Listen in Qur'an →
165

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًۭا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَشَدُّ حُبًّۭا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ

And [yet], among the people are those who take other than Allah as equals [to Him]. They love them as they [should] love Allah. But those who believe are stronger in love for Allah. And if only they who have wronged would consider [that] when they see the punishment, [they will be certain] that all power belongs to Allah and that Allah is severe in punishment.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا قَرَّرَ التَّوْحِيدَ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ القاطِعَةِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِتَقْبِيحِ ما يُضادُّ التَّوْحِيدَ؛ لِأنَّ تَقْبِيحَ ضِدِّ الشَّيْءِ مِمّا يُؤَكِّدُ حُسْنَ الشَّيْءِ، ولِذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ:

وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ

وقالُوا أيْضًا: النِّعْمَةُ مَجْهُولَةٌ، فَإذا فُقِدَتْ عُرِفَتْ، والنّاسُ لا يَعْرِفُونَ قَدْرَ الصِّحَّةِ، فَإذا مَرِضُوا ثُمَّ عادَتِ الصِّحَّةُ إلَيْهِمْ عَرَفُوا قَدْرَها، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ النِّعَمِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أرْدَفَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمّا النِّدُّ فَهو المِثْلُ المُنازِعُ، وقَدْ بَيَّنّا تَحْقِيقَهُ في قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالأنْدادِ عَلى أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها هي الأوْثانُ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً لِتُقَرِّبَهَمْ إلى اللَّهِ زُلْفى، ورَجَوْا مِن عِنْدِها النَّفْعَ والضُّرَّ، وقَصَدُوها بِالمَسائِلِ، ونَذَرُوا لَها النُّذُورَ، وقَرَّبُوا لَها القَرابِينَ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وعَلى هَذا الأصْنامُ أنْدادٌ بَعْضُها لِبَعْضٍ، أيْ أمْثالٌ لَيْسَ إنَّها أنْدادًا لِلَّهِ، أوِ المَعْنى: إنَّها أنْدادٌ لِلَّهِ تَعالى بِحَسَبِ ظُنُونِهِمُ الفاسِدَةِ.

وثانِيها: أنَّهُمُ السّادَةُ الَّذِينَ كانُوا يُطِيعُونَهم فَيُحِلُّونَ لِمَكانِ طاعَتِهِمْ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ويُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ، عَنِ السُّدِّيِّ. والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ رَجَّحُوا هَذا القَوْلَ عَلى الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الهاءُ والمِيمُ فِيهِ ضَمِيرُ العُقَلاءِ.

الثّانِي: أنَّهُ يَبْعُدُ أنَّهم كانُوا يُحِبُّونَ الأصْنامَ كَمَحَبَّتِهِمُ اللَّهِ تَعالى مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.

الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِمَنِ اتَّخَذَ الرِّجالَ أنْدادًا وأمْثالًا لِلَّهِ تَعالى، يَلْتَزِمُونَ مِن تَعْظِيمِهِمْ والِانْقِيادِ لَهم ما يَلْتَزِمُهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الِانْقِيادِ لِلَّهِ تَعالى.

القَوْلُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ الأنْدادِ: قَوْلُ الصُّوفِيَّةِ والعارِفِينَ، وهو أنَّ كُلَّ شَيْءٍ شَغَلْتَ قَلْبَكَ بِهِ سِوى اللَّهِ تَعالى، فَقَدْ جَعَلْتَهُ في قَلْبِكَ نِدًّا لِلَّهِ تَعالى، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ [الجاثِيَةِ: ٢٣] .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مَحَبَّةَ ذاتِهِمْ، فَلا بُدَّ مِن مَحْذُوفٍ، والمُرادُ يُحِبُّونَ عادَتَهم أوِ التَّقَرُّبَ إلَيْهِمْ والِانْقِيادَ لَهم، أوْ جَمِيعَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

قِيلَ فِيهِ: كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ، وقِيلَ فِيهِ: كالحُبِّ اللّازِمِ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ، وقِيلَ فِيهِ: كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا هَذا الِاخْتِلافَ مِن حَيْثُ إنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّهم هَلْ كانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ أمْ لا ؟ …

Al-Baqara 2:165Listen in Qur'an →
166

إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ

[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ عَلى طَرِيقِ التَّهْدِيدِ زادَ في هَذا الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ أفْنَوْا عُمْرَهم عَلى عِبادَتِهِمْ واعْتَقَدُوا أنَّهم أوْكَدُ أسْبابِ نَجاتِهِمْ فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم عِنْدَ احْتِياجِهِمْ إلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقالَ أيْضًا: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقالَ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] وحَكى عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ .

الثّانِي: أنَّ عامِلَ الإعْرابِ في (إذْ) مَعْنى (شَدِيدُ)، كَأنَّهُ قالَ: هو شَدِيدُ العَذابِ إذْ تَبَرَّأ يَعْنِي في وقْتِ التَّبَرُّؤِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ المَتْبُوعِينَ يَتَبَرَّءُونَ مِنَ الأتْباعِ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَبَيَّنَ تَعالى ما لِأجْلِهِ يَتَبَرَّءُونَ مِنهم، وهو عَجْزُهم عَنْ تَخْلِيصِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي رَأوْهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ يَدْخُلُ في مَعْناهُ

صفحة ١٩٠

أنَّهم لَمْ يَجِدُوا إلى تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ وأتْباعِهِمْ سَبَبًا، والآيِسُ مِن كُلِّ وجْهٍ يَرْجُو بِهِ الخَلاصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ وبِأوْلِيائِهِ مِنَ البَلاءِ يُوصَفُ بِأنَّهُ تَقَطَّعَتْ بِهِ الأسْبابُ.

واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَؤُلاءِ المَتْبُوعِينَ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ السّادَةُ والرُّؤَساءُ مِن مُشْرِكِي الإنْسِ؛ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وعَطاءٍ.

وثانِيها: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ الَّذِينَ صارُوا مَتْبُوعِينَ لِلْكُفّارِ بِالوَسْوَسَةِ؛ عَنِ السُّدِّيِّ.

وثالِثُها: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ.

ورابِعُها: الأوْثانُ الَّذِينَ كانُوا يُسَمُّونَها بِالآلِهَةِ.

والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الأقْرَبَ في الَّذِينَ اتَّبَعُوا أنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ مِنهُمُ الأمْرُ والنَّهْيُ حَتّى يُمْكِنَ أنْ يُتَّبَعُوا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالأصْنامِ، ويَجِبُ أيْضًا حَمْلُهم عَلى السّادَةِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ وصْفُهم مِن عِظَمِهِمْ بِأنَّهم يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ دُونَ الشَّياطِينِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقَرَأ مُجاهِدٌ الأوَّلَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والثّانِي عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ التَّبَرُّؤِ وُجُوهًا:

أحَدَها: أنْ يَقَعَ مِنهم ذَلِكَ بِالقَوْلِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ نُزُولُ العَذابِ بِهِمْ وعَجْزُهم عَنْ دَفْعِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ عَنْ غَيْرِهِمْ فَتَبَرَّءُوا.

وثالِثُها: أنَّهُ ظَهَرَ فِيهِمُ النَّدَمُ عَلى ما كانَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ …

Al-Baqara 2:166Listen in Qur'an →
167

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ

Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allah show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ عَلى طَرِيقِ التَّهْدِيدِ زادَ في هَذا الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ أفْنَوْا عُمْرَهم عَلى عِبادَتِهِمْ واعْتَقَدُوا أنَّهم أوْكَدُ أسْبابِ نَجاتِهِمْ فَإنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِنهم عِنْدَ احْتِياجِهِمْ إلَيْهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقالَ أيْضًا: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] وقالَ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] وحَكى عَنْ إبْلِيسَ أنَّهُ قالَ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ .

الثّانِي: أنَّ عامِلَ الإعْرابِ في (إذْ) مَعْنى (شَدِيدُ)، كَأنَّهُ قالَ: هو شَدِيدُ العَذابِ إذْ تَبَرَّأ يَعْنِي في وقْتِ التَّبَرُّؤِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ المَتْبُوعِينَ يَتَبَرَّءُونَ مِنَ الأتْباعِ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَبَيَّنَ تَعالى ما لِأجْلِهِ يَتَبَرَّءُونَ مِنهم، وهو عَجْزُهم عَنْ تَخْلِيصِهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي رَأوْهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ يَدْخُلُ في مَعْناهُ

صفحة ١٩٠

أنَّهم لَمْ يَجِدُوا إلى تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ وأتْباعِهِمْ سَبَبًا، والآيِسُ مِن كُلِّ وجْهٍ يَرْجُو بِهِ الخَلاصَ مِمّا نَزَلَ بِهِ وبِأوْلِيائِهِ مِنَ البَلاءِ يُوصَفُ بِأنَّهُ تَقَطَّعَتْ بِهِ الأسْبابُ.

واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَؤُلاءِ المَتْبُوعِينَ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ السّادَةُ والرُّؤَساءُ مِن مُشْرِكِي الإنْسِ؛ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وعَطاءٍ.

وثانِيها: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ الَّذِينَ صارُوا مَتْبُوعِينَ لِلْكُفّارِ بِالوَسْوَسَةِ؛ عَنِ السُّدِّيِّ.

وثالِثُها: أنَّهم شَياطِينُ الجِنِّ والإنْسِ.

ورابِعُها: الأوْثانُ الَّذِينَ كانُوا يُسَمُّونَها بِالآلِهَةِ.

والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الأقْرَبَ في الَّذِينَ اتَّبَعُوا أنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ مِنهُمُ الأمْرُ والنَّهْيُ حَتّى يُمْكِنَ أنْ يُتَّبَعُوا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالأصْنامِ، ويَجِبُ أيْضًا حَمْلُهم عَلى السّادَةِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَصِحُّ وصْفُهم مِن عِظَمِهِمْ بِأنَّهم يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ دُونَ الشَّياطِينِ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقَرَأ مُجاهِدٌ الأوَّلَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والثّانِي عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ التَّبَرُّؤِ وُجُوهًا:

أحَدَها: أنْ يَقَعَ مِنهم ذَلِكَ بِالقَوْلِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ نُزُولُ العَذابِ بِهِمْ وعَجْزُهم عَنْ دَفْعِهِمْ عَنْ أنْفُسِهِمْ فَكَيْفَ عَنْ غَيْرِهِمْ فَتَبَرَّءُوا.

وثالِثُها: أنَّهُ ظَهَرَ فِيهِمُ النَّدَمُ عَلى ما كانَ مِنهم مِنَ الكُفْرِ بِاللَّهِ …

Al-Baqara 2:167Listen in Qur'an →
168

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌ

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ، وما لِلْمُوَحِّدِينَ مِنَ الثَّوابِ وأتْبَعَهُ بِذِكْرِ الشِّرْكِ ومَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، ويَتَّبِعُ رُؤَساءَ الكُفْرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلى الفَرِيقَيْنِ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ وأنَّ مَعْصِيَةَ مَن عَصاهُ وكُفْرَ مَن كَفَرَ بِهِ لَمْ تُؤَثِّرْ في قَطْعِ إحْسانِهِ ونِعَمِهِ عَنْهم، فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ السَّوائِبَ والوَصائِلَ والبَحائِرَ، وهم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَلالُ المُباحُ الَّذِي انْحَلَّتْ عُقْدَةُ الحَظْرِ عَنْهُ، وأصْلُهُ مِنَ الحَلِّ الَّذِي هو نَقِيضُ العَقْدِ، ومِنهُ: حَلَّ بِالمَكانِ إذا نَزَلَ بِهِ؛ لِأنَّهُ حَلُّ شَدِّ الِارْتِحالِ لِلنُّزُولِ، وحَلَّ الدَّيْنُ إذا وجَبَ لِانْحِلالِ العُقْدَةِ بِانْقِضاءِ المُدَّةِ، وحَلَّ مِن إحْرامِهِ؛ لِأنَّهُ حَلَّ عُقْدَةَ الإحْرامِ، وحَلَّتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ أيْ وجَبَتْ؛ لِانْحِلالِ العُقْدَةِ بِالمانِعَةِ مِنَ العَذابِ، والحُلَّةُ الإزارُ والرِّداءُ؛ لِأنَّهُ يُحَلُّ عَنِ الطَّيِّ لِلُّبْسِ، ومِن هَذا تَحِلَّةُ اليَمِينِ؛ لِأنَّهُ عُقْدَةُ اليَمِينِ تَنْحَلُّ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ الحَرامَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا لِخُبْثِهِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ والخَمْرِ، وقَدْ يَكُونُ حَرامًا لا لِخُبْثِهِ، كَمِلْكِ الغَيْرِ إذا لَمْ يَأْذَنْ في أكْلِهِ، فالحَلالُ هو الخالِي عَنِ القَيْدَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾ إنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى الحالِ مِمّا في الأرْضِ وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الطَّيِّبُ في اللُّغَةِ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الطّاهِرِ والحَلالُ يُوصَفُ بِأنَّهُ طَيِّبٌ؛ لِأنَّ الحَرامَ يُوصَفُ بِأنَّهُ خَبِيثٌ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] والطَّيِّبُ في الأصْلِ هو ما يُسْتَلَذُّ بِهِ ويُسْتَطابُ، ووُصِفَ بِهِ الطّاهِرُ والحَلالُ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ النَّجِسَ تَكْرَهُهُ النَّفْسُ فَلا تَسْتَلِذُّهُ

صفحة ٤

والحَرامُ غَيْرُ مُسْتَلَذٍّ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ يَزْجُرُ عَنْهُ، وفي المُرادِ بِالطَّيِّبِ في الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ المُسْتَلَذُّ؛ لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَلالِ لَزِمَ التَّكْرارُ فَعَلى هَذا إنَّما يَكُونُ طَيِّبًا إذا كانَ مِن جِنْسِ ما يُشْتَهى؛ لِأنَّهُ إنْ تَناوَلَ ما لا شَهْوَةَ لَهُ فِيهِ عادَ حَرامًا وإنْ كانَ يَبْعُدُ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنَ العاقِلِ إلّا عِنْدَ شُبْهَةٍ.

والثّانِي: المُرادُ مِنهُ المُباحُ، وقَوْلُهُ يَلْزَمُ التَّكْرارُ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَلالًا﴾ المُرادُ مِنهُ ما يَكُونُ جِنْسُهُ حَلالًا، وقَوْلُهُ ﴿طَيِّبًا﴾ المُرادُ مِنهُ لا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِهِ حَقُّ الغَيْرِ، فَإنَّ أكْلَ الحَرامِ وإنَّ اسْتِطابَةَ الآكِلِ فَمِن حَيْثُ يُفْضِي إلى العِقابِ يَصِيرُ مَضَرَّةً ولا يَكُونُ مُسْتَطابًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] .

* * *

أمّا قَوْلُهُ …

Al-Baqara 2:168Listen in Qur'an →
169

إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

He only orders you to evil and immorality and to say about Allah what you do not know.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ، وما لِلْمُوَحِّدِينَ مِنَ الثَّوابِ وأتْبَعَهُ بِذِكْرِ الشِّرْكِ ومَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، ويَتَّبِعُ رُؤَساءَ الكُفْرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إنْعامِهِ عَلى الفَرِيقَيْنِ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ وأنَّ مَعْصِيَةَ مَن عَصاهُ وكُفْرَ مَن كَفَرَ بِهِ لَمْ تُؤَثِّرْ في قَطْعِ إحْسانِهِ ونِعَمِهِ عَنْهم، فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ السَّوائِبَ والوَصائِلَ والبَحائِرَ، وهم قَوْمٌ مِن ثَقِيفٍ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الحَلالُ المُباحُ الَّذِي انْحَلَّتْ عُقْدَةُ الحَظْرِ عَنْهُ، وأصْلُهُ مِنَ الحَلِّ الَّذِي هو نَقِيضُ العَقْدِ، ومِنهُ: حَلَّ بِالمَكانِ إذا نَزَلَ بِهِ؛ لِأنَّهُ حَلُّ شَدِّ الِارْتِحالِ لِلنُّزُولِ، وحَلَّ الدَّيْنُ إذا وجَبَ لِانْحِلالِ العُقْدَةِ بِانْقِضاءِ المُدَّةِ، وحَلَّ مِن إحْرامِهِ؛ لِأنَّهُ حَلَّ عُقْدَةَ الإحْرامِ، وحَلَّتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ أيْ وجَبَتْ؛ لِانْحِلالِ العُقْدَةِ بِالمانِعَةِ مِنَ العَذابِ، والحُلَّةُ الإزارُ والرِّداءُ؛ لِأنَّهُ يُحَلُّ عَنِ الطَّيِّ لِلُّبْسِ، ومِن هَذا تَحِلَّةُ اليَمِينِ؛ لِأنَّهُ عُقْدَةُ اليَمِينِ تَنْحَلُّ بِهِ، واعْلَمْ أنَّ الحَرامَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا لِخُبْثِهِ كالمَيْتَةِ والدَّمِ والخَمْرِ، وقَدْ يَكُونُ حَرامًا لا لِخُبْثِهِ، كَمِلْكِ الغَيْرِ إذا لَمْ يَأْذَنْ في أكْلِهِ، فالحَلالُ هو الخالِي عَنِ القَيْدَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾ إنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى الحالِ مِمّا في الأرْضِ وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الطَّيِّبُ في اللُّغَةِ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الطّاهِرِ والحَلالُ يُوصَفُ بِأنَّهُ طَيِّبٌ؛ لِأنَّ الحَرامَ يُوصَفُ بِأنَّهُ خَبِيثٌ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] والطَّيِّبُ في الأصْلِ هو ما يُسْتَلَذُّ بِهِ ويُسْتَطابُ، ووُصِفَ بِهِ الطّاهِرُ والحَلالُ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ النَّجِسَ تَكْرَهُهُ النَّفْسُ فَلا تَسْتَلِذُّهُ

صفحة ٤

والحَرامُ غَيْرُ مُسْتَلَذٍّ؛ لِأنَّ الشَّرْعَ يَزْجُرُ عَنْهُ، وفي المُرادِ بِالطَّيِّبِ في الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ المُسْتَلَذُّ؛ لِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى الحَلالِ لَزِمَ التَّكْرارُ فَعَلى هَذا إنَّما يَكُونُ طَيِّبًا إذا كانَ مِن جِنْسِ ما يُشْتَهى؛ لِأنَّهُ إنْ تَناوَلَ ما لا شَهْوَةَ لَهُ فِيهِ عادَ حَرامًا وإنْ كانَ يَبْعُدُ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنَ العاقِلِ إلّا عِنْدَ شُبْهَةٍ.

والثّانِي: المُرادُ مِنهُ المُباحُ، وقَوْلُهُ يَلْزَمُ التَّكْرارُ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَلالًا﴾ المُرادُ مِنهُ ما يَكُونُ جِنْسُهُ حَلالًا، وقَوْلُهُ ﴿طَيِّبًا﴾ المُرادُ مِنهُ لا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِهِ حَقُّ الغَيْرِ، فَإنَّ أكْلَ الحَرامِ وإنَّ اسْتِطابَةَ الآكِلِ فَمِن حَيْثُ يُفْضِي إلى العِقابِ يَصِيرُ مَضَرَّةً ولا يَكُونُ مُسْتَطابًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] .

* * *

أمّا قَوْلُهُ …

Al-Baqara 2:169Listen in Qur'an →
170

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

And when it is said to them, "Follow what Allah has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: (لَهُمُ) عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ عائِدٌ عَلى (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] وهم مُشْرِكُو العَرَبِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهم.

وثانِيها: يَعُودُ عَلى (النّاسُ) في قَوْلِهِ: ﴿أيُّها النّاسُ﴾ فَعَدَلَ عَنِ المُخاطَبَةِ إلى المُغايَبَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مُبالَغَةً في بَيانِ ضَلالِهِمْ، كَأنَّهُ يَقُولُ لِلْعُقَلاءِ: انْظُرُوا إلى هَؤُلاءِ الحَمْقى ماذا يَقُولُونَ.

وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وذَلِكَ حِينَ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ إلى الإسْلامِ، فَقالُوا: نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، فَهم كانُوا خَيْرًا مِنّا، وأعْلَمَ مِنّا، فَعَلى هَذا الآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، والكِنايَةُ في (لَهُمُ) تَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، إلّا أنَّ الضَّمِيرَ قَدْ يَعُودُ عَلى المَعْلُومِ، كَما يَعُودُ عَلى المَذْكُورِ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الكِسائِيُّ يُدْغِمُ لامَ ”هَلْ“ و”بَلْ“ في ثَمانِيَةِ أحْرُفٍ: التّاءُ كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ [الأعلى: ١٦] والنُّونُ ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾ والثّاءُ ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ [المطففين: ٣٦] والسِّينُ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ [يوسف: ١٨] والزّايُ ﴿بَلْ زُيِّنَ﴾ [الرعد: ٣٣] والضّادُ ﴿بَلْ ضَلُّوا﴾ [الأحقاف: ٢٨] والظّاءُ ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ والطّاءُ ﴿بَلْ طَبَعَ﴾ [النساء: ١٥٥] وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الإظْهارِ، ومِنهم مَن يُوافِقُهُ في البَعْضِ، والإظْهارُ هو الأصْلُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ألْفَيْنا﴾ بِمَعْنى وجَدْنا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [لقمان: ٢١] ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ [يوسف: ٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا﴾

صفحة ٧

﴿آباءَهم ضالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] .

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِأنْ يَتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ فَهم قالُوا: لا نَتَّبِعُ ذَلِكَ، وإنَّما نَتَّبِعُ آباءَنا وأسْلافَنا، فَكَأنَّهم عارَضُوا الدَّلالَةَ بِالتَّقْلِيدِ، وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ في ”أوَلَوْ“ واوُ العَطْفِ، دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ المَنقُولَةُ إلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وإنَّما جُعِلَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ لِلتَّوْبِيخِ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي الإقْرارَ بِشَيْءٍ يَكُونُ الإقْرارُ بِهِ فَضِيحَةً، كَما يَقْتَضِي الِاسْتِفْهامُ الإخْبارَ عَنِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنْ يُقالَ لِلْمُقَلِّدِ: هَلْ تَعْتَرِفُ بِأنَّ شَرْطَ جَوازِ تَقْلِيدِ الإنْسانِ أنْ يَعْلَمَ كَوْنَهُ مُحِقًّا أمْ لا ؟ فَإنِ اعْتَرَفْتَ بِذَلِكَ لَمْ نَعْلَمْ جَوازَ تَقْلِيدِهِ إلّا بَعْدَ أنْ تَعْرِفَ كَوْنَهُ مُحِقًّا، فَكَيْفَ عَرَفْتَ أنَّهُ مُحِقٌّ ؟ وإنْ عَرَفْتَهُ بِتَقْلِيدِ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ عَرَفْتَهُ بِالعَقْلِ فَذاكَ كافٍ، فَلا حاجَةَ إلى التَّقْلِيدِ، وإنْ قُلْتَ: لَيْسَ مِن شَرْطِ جَوازِ تَقْلِيدِهِ أنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ …

Al-Baqara 2:170Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.