Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 151–160 of 286

151

كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًۭا مِّنكُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ

Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom and teaching you that which you did not know.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَدَلَّ عَلى صِحَّةِ دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِوُجُوهٍ: بَعْضُها إلْزامِيَّةٌ، وهو أنَّ هَذا الدِّينَ دِينُ إبْراهِيمَ فَوَجَبَ قَبُولُهُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وبَعْضُها بُرْهانِيَّةٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَقَّبَ هَذا الِاسْتِدْلالَ بِحِكايَةِ شُبْهَتَيْنِ لَهم. إحْداهُما: قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] . والثّانِيَةُ: اسْتِدْلالُهم بِإنْكارِ النَّسْخِ عَلى القَدْحِ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] وأطْنَبَ اللَّهُ

صفحة ١٢٩

تَعالى في الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ وبِالحَقِّ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ أعْظَمَ شُبْهَةٍ لِلْيَهُودِ في إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنْكارُ النَّسْخِ، فَلا جَرَمَ أطْنَبَ اللَّهُ تَعالى في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وخَتَمَ ذَلِكَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ فَصارَ هَذا الكَلامُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أشَدُّ اسْتِمالَةً لِحُصُولِ العِزِّ والشَّرَفِ في الدُّنْيا، والتَّخَلُّصُ مِنَ الذُّلِّ والمَهانَةِ يَكُونُ مَرْغُوبًا فِيهِ، وعِنْدَ اجْتِماعِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ بَلَغَ النِّهايَةَ في هَذا البابِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الكافُ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ أوْ بِما بَعْدَهُ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ أيْ ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في الدُّنْيا بِإرْسالِ الرَّسُولِ.

الثّانِي: أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقالَ أيْضًا: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا﴾ [البقرة: ١٢٨] فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم بِبَيانِ الشَّرائِعِ، وأهْدِيكم إلى الدِّينِ إجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ، كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ.

الثّالِثُ: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، وهو أنَّ التَّقْدِيرَ: وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا، أيْ كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِن شَأْنِهِ وصِفَتِهِ كَذا وكَذا، فَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، فالتَّقْدِيرُ: كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يُعَلِّمُكُمُ الدِّينَ والشَّرْعَ، فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم وهو اخْتِيارُ الأصَمِّ، وتَقْرِيرُهُ: إنَّكم كُنْتُمْ عَلى صُورَةٍ لا تَتْلُونَ كِتابًا، ولا تَعْلَمُونَ رَسُولًا، ومُحَمَّدٌ ﷺ رَجُلٌ مِنكم لَيْسَ بِصاحِبِ كِتابٍ، ثُمَّ أتاكم بِأعْجَبِ الآياتِ يَتْلُوهُ عَلَيْكم بِلِسانِكم وفِيهِ ما في …

Al-Baqara 2:151Listen in Qur'an →
152

فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ

So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّفَنا في هَذِهِ الآيَةِ بِأمْرَيْنِ: الذِّكْرِ، والشُّكْرِ، أمّا الذِّكْرُ فَقَدْ يَكُونُ بِاللِّسانِ، وقَدْ يَكُونُ بِالقَلْبِ، وقَدْ يَكُونُ بِالجَوارِحِ، فَذِكْرُهم إيّاهُ بِاللِّسانِ أنْ يَحْمَدُوهُ ويُسَبِّحُوهُ ويُمَجِّدُوهُ ويَقْرَءُوا كِتابَهُ، وذِكْرُهم إيّاهُ بِقُلُوبِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ:

أحَدُها: أنْ يَتَفَكَّرُوا في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِهِ وصِفاتِهِ، ويَتَفَكَّرُوا في الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ القادِحَةِ في تِلْكَ الدَّلائِلِ.

وثانِيها: أنْ يَتَفَكَّرُوا في الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَيْفِيَّةِ تَكالِيفِهِ وأحْكامِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، فَإذا عَرَفُوا كَيْفِيَّةَ التَّكْلِيفِ وعَرَفُوا ما في الفِعْلِ مِنَ الوَعْدِ، وفي التَّرْكِ مِنَ الوَعِيدِ سَهُلَ فِعْلُهُ عَلَيْهِمْ.

وثالِثُها: أنْ يَتَفَكَّرُوا في أسْرارِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَصِيرَ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ المَخْلُوقاتِ كالمِرْآةِ المَجْلُوَّةِ المُحاذِيَةِ لِعالَمِ القُدُسِ، فَإذا نَظَرَ العَبْدُ إلَيْها انْعَكَسَ شُعاعُ بَصَرِهِ مِنها إلى عالَمِ الجَلالِ، وهَذا المَقامُ مَقامٌ لا نِهايَةَ لَهُ، أمّا ذِكْرُهم إيّاهُ تَعالى بِجَوارِحِهِمْ، فَهو أنْ تَكُونَ جَوارِحُهم مُسْتَغْرِقَةً في الأعْمالِ الَّتِي أُمِرُوا بِها، وخالِيَةً عَنِ الأعْمالِ الَّتِي نُهُوا عَنْها، وعَلى هَذا الوَجْهِ سَمّى اللَّهُ تَعالى الصَّلاةَ ذِكْرًا بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فَصارَ الأمْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي﴾ مُتَضَمِّنًا جَمِيعَ الطّاعاتِ، فَلِهَذا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: اذْكُرُونِي بِطاعَتِي، فَأجْمَلَهُ حَتّى يَدْخُلَ الكُلُّ فِيهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِالمَوْضِعِ، والَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ الثَّوابِ والمَدْحِ، وإظْهارِ الرِّضا والإكْرامِ، وإيجابِ

صفحة ١٣١

المَنزِلَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أذْكُرْكُمْ﴾ ثُمَّ لِلنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ عِباراتٌ:

الأُولى: اذْكُرُونِي بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِرَحْمَتِي.

الثّانِيَةُ: اذْكُرُونِي بِالدُّعاءِ أذْكُرْكم بِالإجابَةِ والإحْسانِ وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، قالَ: أمَرَ الخَلْقَ بِأنْ يَذْكُرُوهُ راغِبِينَ راهِبِينَ، وراجِينَ خائِفِينَ، ويُخْلِصُوا الذِّكْرَ لَهُ عَنِ الشُّرَكاءِ، فَإذا هم ذَكَرُوهُ بِالإخْلاصِ في عِبادَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ ذَكَرَهم بِالإحْسانِ والرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ في العاجِلَةِ والآجِلَةِ.

الثّالِثَةُ: اذْكُرُونِي بِالثَّناءِ والطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّناءِ والنِّعْمَةِ.

الرّابِعَةُ: اذْكُرُونِي في الدُّنْيا أذْكُرْكم في الآخِرَةِ.

الخامِسَةُ: اذْكُرُونِي في الخَلَواتِ أذْكُرْكم في الفَلَواتِ.

السّادِسَةُ: اذْكُرُونِي في الرَّخاءِ أذْكُرْكم في البَلاءِ.

السّابِعَةُ: اذْكُرُونِي بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِمَعُونَتِي.

الثّامِنَةُ: اذْكُرُونِي بِمُجاهَدَتِي أذْكُرْكم بِهِدايَتِي.

التّاسِعَةُ: اذْكُرُونِي بِالصِّدْقِ والإخْلاصِ أذْكُرْكم بِالخَلاصِ ومَزِيدِ الِاخْتِصاصِ. العاشِرَةُ: اذْكُرُونِي بِالرُّبُوبِيَّةِ في الفاتِحَةِ أذْكُرْكم بِالرَّحْمَةِ والعُبُودِيَّةِ في الخاتِمَةِ.

Al-Baqara 2:152Listen in Qur'an →
153

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ

O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allah is with the patient.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي﴾ جَمِيعَ العِباداتِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ ما يَتَّصِلُ بِالشُّكْرِ أرْدَفَهُ بِبَيانِ ما يُعِينُ عَلَيْهِما فَقالَ: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ وإنَّما خَصَّهُما بِذَلِكَ لِما فِيهِما مِنَ المَعُونَةِ عَلى العِباداتِ، أمّا الصَّبْرُ فَهو قَهْرُ النَّفْسِ عَلى احْتِمالِ المَكارِهِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وتَوْطِينِها عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ وتَجَنُّبِ الجَزَعِ، ومَن حَمَلَ نَفْسَهُ وقَلْبَهُ عَلى هَذا التَّذْلِيلِ سَهُلَ عَلَيْهِ فِعْلُ الطّاعاتِ وتَحَمُّلُ مَشاقِّ العِباداتِ، وتَجَنُّبُ المَحْظُوراتِ، ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ الصَّبْرَ عَلى الصَّوْمِ، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى الجِهادِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٤] وأيْضًا فَلِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالتَّثَبُّتِ في الجِهادِ فَقالَ: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] وبِالتَّثَبُّتِ في الصَّلاةِ أيْ في الدُّعاءِ فَقالَ: ﴿وما كانَ قَوْلَهم إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]، إلّا أنَّ القَوْلَ الَّذِي اخْتَرْناهُ أوْلى لِعُمُومِ اللَّفْظِ وعَدَمِ تَقْيِيدِهِ، والِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ؛ لِأنَّها يَجِبُ أنْ تُفْعَلَ عَلى طَرِيقِ الخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ لِلْمَعْبُودِ والإخْلاصِ لَهُ، ويَجِبُ أنْ يُوَفِّرَ هَمَّهُ وقَلْبَهُ عَلَيْها وعَلى ما يَأْتِي فِيها مِن قِراءَةٍ فَيَتَدَبَّرُ الوَعْدَ والوَعِيدَ والتَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولِذَلِكَ نَرى أهْلَ الخَيْرِ عِنْدَ النَّوائِبِ مُتَّفِقِينَ عَلى الفَزَعِ إلى الصَّلاةِ، ورُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزَعَ إلى الصَّلاةِ» .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ يَعْنِي في النَّصْرِ لَهم كَما قالَ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] فَكَأنَّهُ تَعالى ضَمِنَ لَهم إذا هُمُ اسْتَعانُوا عَلى طاعاتِهِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ أنْ يَزِيدَهم تَوْفِيقًا وتَسْدِيدًا وألْطافًا كَما قالَ: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] .

Al-Baqara 2:153Listen in Qur'an →
154

وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتٌۢ ۚ بَلْ أَحْيَآءٌۭ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ

And do not say about those who are killed in the way of Allah, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.

صفحة ١٣٢

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَظِيرُ قَوْلِهِ في آلِ عِمْرانَ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ووَجْهُ تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ في إقامَةِ دِينِي، فَإنِ احْتَجْتُمْ في تِلْكَ الإقامَةِ إلى مُجاهَدَةِ عَدُوِّي بِأمْوالِكم وأبْدانِكم فَفَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَتَلِفَتْ نُفُوسُكم فَلا تَحْسَبُوا أنَّكم ضَيَّعْتُمْ أنْفُسَكم، بَلِ اعْلَمُوا أنَّ قَتْلاكم أحْياءٌ عِنْدِي وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَتْلى بَدْرٍ، وقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ وثَمانِيَةٌ مِنَ الأنْصارِ، فَمِنَ المُهاجِرِينَ: عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعُمَرُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وذُو الشَّمالَيْنِ، وعَمْرُو بْنُ نُفَيْلَةَ، وعامِرُ بْنُ بَكْرٍ، ومِهْجَعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ومِنَ الأنْصارِ: سَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، وقَيْسُ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، وزَيْدُ بْنُ الحارِثِ، وتَمِيمُ بْنُ الهُمامِ، ورافِعُ بْنُ المُعَلّى، وحارِثَةُ بْنُ سُراقَةَ، ومُعَوِّذُ بْنُ عَفْراءَ، وعَوْفُ بْنُ عَفْراءَ، وكانُوا يَقُولُونَ: ماتَ فُلانٌ وماتَ فُلانٌ فَنَهى اللَّهُ تَعالى أنْ يُقالَ فِيهِمْ إنَّهم ماتُوا. وعَنْ آخَرِينَ أنَّ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ قالُوا: إنَّ النّاسَ يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم طَلَبًا لِمَرْضاةِ مُحَمَّدٍ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أمْواتٌ) رُفِعَ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لا تَقُولُوا هم أمْواتٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ أقْوالٌ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهم في الوَقْتِ أحْياءٌ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهم لِإيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُطِيعِينَ يَصِلُ ثَوابُهم إلَيْهِمْ وهم في القُبُورِ، فَإنْ قِيلَ: نَحْنُ نُشاهِدُ أجْسادَهم مَيْتَةً في القُبُورِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ ؟ قُلْنا: أمّا عِنْدَنا فالبِنْيَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا في الحَياةِ، ولا امْتِناعَ في أنْ يُعِيدَ اللَّهُ الحَياةَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الذَّرّاتِ والأجْزاءِ الصَّغِيرَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُعِيدَ اللَّهُ الحَياةَ إلى الأجْزاءِ الَّتِي لا بُدَّ مِنها في ماهِيَّةِ الحَيِّ ولا يُعْتَبَرُ بِالأطْرافِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُحْيِيَهم إذا لَمْ يُشاهَدُوا.

القَوْلُ الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: يَعْنِي لا تُسَمُّوهم بِالمَوْتى، وقُولُوا لَهُمُ الشُّهَداءَ الأحْياءَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: هم أمْواتٌ في الدِّينِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] فَقالَ: ولا تَقُولُوا لِلشُّهَداءِ ما قالَهُ المُشْرِكُونَ، ولَكِنْ قُولُوا: هم أحْياءٌ في الدِّينِ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ، يَعْنِي المُشْرِكُونَ لا يَعْلَمُونَ أنَّ مَن قُتِلَ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَيٌّ في الدِّينِ، وعَلى هُدًى مِن رَبِّهِ ونُورٍ، كَما رُوِيَ في بَعْضِ الحِكاياتِ أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَجُلٍ: ما ماتَ رَجُلٌ خَلَفَ مِثْلَكَ، وحُكِيَ عَنْ بُقْراطَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ لِتَلامِذَتِهِ: مُوتُوا بِالإرادَةِ تَحْيَوْا بِالطَّبِيعَةِ أيْ بِالرُّوحِ.

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ …

Al-Baqara 2:154Listen in Qur'an →
155

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ

And We will surely test you with something of fear and hunger and a loss of wealth and lives and fruits, but give good tidings to the patient,

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾

صفحة ١٣٦

اعْلَمْ أنَّ القَفّالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قالَ: هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أيِ: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ فَإنّا نَبْلُوكم بِالخَوْفِ وبِكَذا وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: فَإنْ قِيلَ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ والشُّكْرُ يُوجِبُ المَزِيدَ عَلى ما قالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فَكَيْفَ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ﴾ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ إكْمالَ الشَّرائِعِ إتْمامُ النِّعْمَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلشُّكْرِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ القِيامَ بِتِلْكَ الشَّرائِعِ لا يُمْكِنُ إلّا بِتَحَمُّلِ المِحَنِ، فَلا جَرَمَ أمَرَ فِيها بِالصَّبْرِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ أوَّلًا فَأمَرَ بِالشُّكْرِ، ثُمَّ ابْتَلى وأمَرَ بِالصَّبْرِ، لِيَنالَ الرَّجُلُ دَرَجَةَ الشّاكِرِينَ والصّابِرِينَ مَعًا، فَيَكْمُلُ إيمانُهُ عَلى ما قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «”الإيمانُ نِصْفانِ: نِصْفُ صَبْرٍ ونِصْفُ شُكْرٍ“» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ المُخاطَبَةِ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الهِجْرَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا أنَّ الِابْتِلاءَ كَيْفَ يَصِحُّ عَلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى فَقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] وأمّا الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ تَعْرِيفِ هَذا الِابْتِلاءِ فَفِيها وُجُوهٌ:

أحَدُها: لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ عَلَيْها إذا ورَدَتْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْعَدَ لَهم عَنِ الجَزَعِ، وأسْهَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الوُرُودِ.

وثانِيها: أنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ سَتَصِلُ إلَيْهِمْ تِلْكَ المِحَنُ، اشْتَدَّ خَوْفُهم، فَيَصِيرُ ذَلِكَ الخَوْفُ تَعْجِيلًا لِلِابْتِلاءِ، فَيَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَزِيدَ الثَّوابِ.

وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ إذا شاهَدُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مُقِيمِينَ عَلى دِينِهِمْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ مَعَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن نِهايَةِ الضُّرِّ والمِحْنَةِ والجُوعِ، يَعْلَمُونَ أنَّ القَوْمَ إنَّما اخْتارُوا هَذا الدِّينَ لِقَطْعِهِمْ بِصِحَّتِهِ، فَيَدْعُوهم ذَلِكَ إلى مَزِيدِ التَّأمُّلِ في دَلائِلِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ الظّاهِرِ أنَّ التَّبَعَ إذا عَرَفُوا أنَّ المَتْبُوعَ في أعْظَمِ المِحَنِ بِسَبَبِ المَذْهَبِ الَّذِي يَنْصُرُهُ، ثُمَّ رَأوْهُ مَعَ ذَلِكَ مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ كانَ ذَلِكَ أدْعى لَهم إلى اتِّباعِهِ مِمّا إذا رَأوْهُ مُرَفَّهَ الحالِ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ المَذْهَبِ.

ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الِابْتِلاءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَوُجِدَ مُخْبِرُ ذَلِكَ الخَبَرِ عَلى ما أخْبَرَ عَنْهُ، فَكانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَكانَ مُعْجِزًا.

وخامِسُها: أنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن أظْهَرَ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ طَمَعًا مِنهُ في المالِ وسَعَةِ الرِّزْقِ، فَإذا اخْتَبَرَهُ تَعالى بِنُزُولِ هَذِهِ المِحَنِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَمَيَّزُ المُنافِقُ عَنِ المُوافِقِ؛ لِأنَّ المُنافِقَ إذا سَمِعَ ذَلِكَ نَفَرَ مِنهُ وتَرَكَ دِينَهُ فَكانَ في هَذا الِاخْتِبارِ هَذِهِ الفائِدَةُ.

وسادِسُها: أنَّ إخْلاصَ الإنْسانِ حالَةَ البَلاءِ ورُجُوعَهُ إلى بابِ اللَّهِ تَعالى أكْثَرُ مِن إخْلاصِهِ حالَ إقْبالِ الدُّنْيا …

Al-Baqara 2:155Listen in Qur'an →
156

ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۭ قَالُوٓا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who, when disaster strikes them, say, "Indeed we belong to Allah, and indeed to Him we will return."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لِما قالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ كَيْفَ يَكُونُ صابِرًا، وأنَّ تِلْكَ البِشارَةَ كَيْفَ هي ؟ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٤٠

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَصائِبَ قَدْ تَكُونُ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَكُونُ مِن فِعْلِ العَبْدِ، أمّا الخَوْفُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ اللَّهِ فَمِثْلُ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ والحَرْقِ والصّاعِقَةِ وغَيْرِها، والَّذِي مِن فِعْلِ العَبْدِ، فَهو أنَّ العَرَبَ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأمّا الجُوعُ فَلِأجْلِ الفَقْرِ، وقَدْ يَكُونُ الفَقْرُ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يُتْلِفَ أمْوالَهم، وقَدْ يَكُونُ مِنَ العَبْدِ بِأنْ يُغْلَبُوا عَلَيْهِ فَيُتْلِفُوهُ، ونَقْصُ الأمْوالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنَّما يَكُونُ بِالجَوائِحِ الَّتِي تُصِيبُ الأمْوالَ والثَّمَراتِ، ومِنَ العَدُوِّ إنَّما يَكُونُ لِأنَّ القَوْمَ لِاشْتِغالِهِمْ لا يَتَفَرَّغُونَ لِعِمارَةِ الأراضِي، ونَقْصُ الأنْفُسِ مِنَ اللَّهِ بِالإماتَةِ ومِنَ العِبادِ بِالقَتْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُضِفْ هَذِهِ المُصِيبَةَ إلى نَفْسِهِ بَلْ عَمَّمَ، وقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَها كُلُّ مَضَرَّةٍ يَنالُها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ويَنالُها مِن قِبَلِ العِبادِ؛ لِأنَّ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَلَيْهِ تَكْلِيفًا، وإنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى خِلافِهِ كانَ تارِكًا لِلتَّمَسُّكِ بِأدائِهِ، فالَّذِي يَنالُهُ مِن قِبَلِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أنَّهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ وعَدْلٌ وخَيْرٌ وصَلاحٌ، وأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ الرِّضا بِهِ وتَرْكُ الجَزَعِ، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ لِأنَّ في إقْرارِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضَ الأُمُورِ إلَيْهِ والرِّضا بِقَضائِهِ فِيما يَبْتَلِيهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أمّا إذا نَزَلَتْ بِهِ المُصِيبَةُ مِن غَيْرِهِ فَتَكْلِيفُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى في الِانْتِصافِ مِنهُ، وأنْ يَكْظِمَ غَيْظَهُ وغَضَبَهُ فَلا يَتَعَدّى إلى ما لا يَحِلُّ لَهُ مِن شُفَعاءَ غَيْظُهُ، ويَدْخُلُ أيْضًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ الَّذِي ألْزَمَهُ سُلُوكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ حَتّى لا يُجاوِزَ أمْرَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ في الأوَّلِ: إنّا لِلَّهِ يُدَبِّرُ فِينا كَيْفَ يَشاءُ، وفي الثّانِي يَقُولُ: إنّا لِلَّهِ يَنْتَصِفُ لَنا كَيْفَ يَشاءُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمالَ الكِسائِيُّ في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن (إنّا) ولامِ (لِلَّهِ) والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وإنَّما جازَتِ الإمالَةُ في هَذِهِ الألِفِ لِلْكَسْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: لا يَجُوزُ إمالَةُ (إنّا) مَعَ غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وجَبَ ذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ في الحُرُوفِ وما جَرى مَجْراها امْتِناعُ الإمالَةِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ إمالَةُ (حَتّى) و(لَكِنَّ) .

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ إقْرارٌ مِنّا لَهُ بِالمُلْكِ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ …

Al-Baqara 2:156Listen in Qur'an →
157

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌۭ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ

Those are the ones upon whom are blessings from their Lord and mercy. And it is those who are the [rightly] guided.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لِما قالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ كَيْفَ يَكُونُ صابِرًا، وأنَّ تِلْكَ البِشارَةَ كَيْفَ هي ؟ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٤٠

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَصائِبَ قَدْ تَكُونُ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَكُونُ مِن فِعْلِ العَبْدِ، أمّا الخَوْفُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ اللَّهِ فَمِثْلُ الخَوْفِ مِنَ الغَرَقِ والحَرْقِ والصّاعِقَةِ وغَيْرِها، والَّذِي مِن فِعْلِ العَبْدِ، فَهو أنَّ العَرَبَ كانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأمّا الجُوعُ فَلِأجْلِ الفَقْرِ، وقَدْ يَكُونُ الفَقْرُ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يُتْلِفَ أمْوالَهم، وقَدْ يَكُونُ مِنَ العَبْدِ بِأنْ يُغْلَبُوا عَلَيْهِ فَيُتْلِفُوهُ، ونَقْصُ الأمْوالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنَّما يَكُونُ بِالجَوائِحِ الَّتِي تُصِيبُ الأمْوالَ والثَّمَراتِ، ومِنَ العَدُوِّ إنَّما يَكُونُ لِأنَّ القَوْمَ لِاشْتِغالِهِمْ لا يَتَفَرَّغُونَ لِعِمارَةِ الأراضِي، ونَقْصُ الأنْفُسِ مِنَ اللَّهِ بِالإماتَةِ ومِنَ العِبادِ بِالقَتْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى لَمْ يُضِفْ هَذِهِ المُصِيبَةَ إلى نَفْسِهِ بَلْ عَمَّمَ، وقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ فالظّاهِرُ أنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَها كُلُّ مَضَرَّةٍ يَنالُها مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ويَنالُها مِن قِبَلِ العِبادِ؛ لِأنَّ في الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا عَلَيْهِ تَكْلِيفًا، وإنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى خِلافِهِ كانَ تارِكًا لِلتَّمَسُّكِ بِأدائِهِ، فالَّذِي يَنالُهُ مِن قِبَلِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أنَّهُ حِكْمَةٌ وصَوابٌ وعَدْلٌ وخَيْرٌ وصَلاحٌ، وأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِ الرِّضا بِهِ وتَرْكُ الجَزَعِ، وكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ لِأنَّ في إقْرارِهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ تَفْوِيضَ الأُمُورِ إلَيْهِ والرِّضا بِقَضائِهِ فِيما يَبْتَلِيهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ كَما قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] أمّا إذا نَزَلَتْ بِهِ المُصِيبَةُ مِن غَيْرِهِ فَتَكْلِيفُهُ أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ تَعالى في الِانْتِصافِ مِنهُ، وأنْ يَكْظِمَ غَيْظَهُ وغَضَبَهُ فَلا يَتَعَدّى إلى ما لا يَحِلُّ لَهُ مِن شُفَعاءَ غَيْظُهُ، ويَدْخُلُ أيْضًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ الَّذِي ألْزَمَهُ سُلُوكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ حَتّى لا يُجاوِزَ أمْرَهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ في الأوَّلِ: إنّا لِلَّهِ يُدَبِّرُ فِينا كَيْفَ يَشاءُ، وفي الثّانِي يَقُولُ: إنّا لِلَّهِ يَنْتَصِفُ لَنا كَيْفَ يَشاءُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمالَ الكِسائِيُّ في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن (إنّا) ولامِ (لِلَّهِ) والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وإنَّما جازَتِ الإمالَةُ في هَذِهِ الألِفِ لِلْكَسْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: لا يَجُوزُ إمالَةُ (إنّا) مَعَ غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وجَبَ ذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ في الحُرُوفِ وما جَرى مَجْراها امْتِناعُ الإمالَةِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ إمالَةُ (حَتّى) و(لَكِنَّ) .

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ إقْرارٌ مِنّا لَهُ بِالمُلْكِ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ …

Al-Baqara 2:157Listen in Qur'an →
158

۞ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ

Indeed, as-Safa and al-Marwah are among the symbols of Allah. So whoever makes Hajj to the House or performs 'umrah - there is no blame upon him for walking between them. And whoever volunteers good - then indeed, Allah is appreciative and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما حَوَّلَ القِبْلَةَ إلى الكَعْبَةِ لِيُتِمَّ إنْعامَهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ بِإحْياءِ شَرائِعِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ عَلى ما قالَ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وكانَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مِن شَعائِرِ إبْراهِيمَ عَلى ما ذَكَرَ في قِصَّةِ بِناءِ الكَعْبَةِ وسَعْيِ هاجَرَ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الحُكْمَ عَقِيبَ تِلْكَ الآيَةِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ قالَ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ وإنَّما جَعَلَهُما كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما مِن آثارِ هاجَرَ وإسْماعِيلَ مِمّا جَرى عَلَيْهِما مِنَ البَلْوى، واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَن صَبَرَ عَلى البَلْوى لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلى أعْظَمِ الدَّرَجاتِ وأعْلى المَقاماتِ.

وثالِثُها: أنَّ أقْسامَ تَكْلِيفِ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةٌ:

أحَدُها: ما يَحْكُمُ العَقْلُ بِحُسْنِهِ في أوَّلِ الأمْرِ فَذَكَرَ هَذا القِسْمَ أوَّلًا وهو قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] فَإنَّ كُلَّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ ذِكْرَ المُنْعِمِ بِالمَدْحِ والثَّناءِ والمُواظَبَةِ عَلى شُكْرِهِ أمْرٌ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ.

وثانِيها: ما يَحْكُمُ العَقْلُ بِقُبْحِهِ في أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ بِسَبَبِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ يُسَلِّمُ حُسْنَهُ، وذَلِكَ مِثْلُ إنْزالِ الآلامِ والفَقْرِ والمِحَنِ، فَإنَّ ذَلِكَ كالمُسْتَقْبَحِ في العُقُولِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْتَفِعُ بِهِ ويَتَألَّمُ العَبْدُ مِنهُ، فَكانَ ذَلِكَ كالمُسْتَقْبَحِ إلّا أنَّ الشَّرْعَ لَمّا ورَدَ بِهِ وبَيَّنَ الحِكْمَةَ فِيهِ، وهي الِابْتِلاءُ والِامْتِحانُ عَلى ما قالَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ فَحِينَئِذٍ يَعْتَقِدُ المُسْلِمُ حُسْنَهُ وكَوْنَهُ حِكْمَةً وصَوابًا.

وثالِثُها: الأمْرُ الَّذِي لا يُهْتَدى لا إلى حُسْنِهِ ولا إلى قُبْحِهِ، بَلْ يَراهُ كالعَبَثِ الخالِي عَنِ

صفحة ١٤٣

المَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ وهو مِثْلُ أفْعالِ الحَجِّ مِنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا القِسْمَ عَقِيبَ القِسْمَيْنِ الأوَّلِينَ لِيَكُونَ قَدْ نَبَّهَ عَلى جَمِيعِ أقْسامِ تَكالِيفِهِ وذاكِرًا لِكُلِّها عَلى سَبِيلِ الِاسْتِيفاءِ والِاسْتِقْصاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ عَلَمانِ لِلْجَبَلَيْنِ المَخْصُوصَيْنِ إلّا أنَّ النّاسَ تَكَلَّمُوا في أصْلِ اشْتِقاقِهِما، قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قِيلَ إنَّ الصَّفا واحِدٌ ويُجْمَعُ عَلى صِفِيِّ وأصْفاءٍ كَما يُقالُ عَصا وعِصِيٌّ، ورَحا وأرْحاءٌ قالَ الرّاجِزُ:

كَأنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ مَواقِعُ الطَّيْرِ مِنَ الصِّفِيِّ

وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى جَمْعٍ واحِدَتُهُ صَفاةٌ، قالَ جَرِيرٌ:

إنّا إذا قَرَعَ العَدُوُّ صَفاتَنا ∗∗∗ لاقَوْا لَنا حَجَرًا أصَمَّ صَلُودا

وفِي كِتابِ الخَلِيلِ: الصَّفا الحَجَرُ الضَّخْمُ الصُّلْبُ الأمْلَسُ، وإذا نَعَتُوا الصَّخْرَةَ قالُوا: صَفاةٌ صَفْواءُ، وإذا ذَكَّرُوا قالُوا: صَفا صَفْوانُ. …

Al-Baqara 2:158Listen in Qur'an →
159

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَٰبِ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ

Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allah and cursed by those who curse,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ يَجْرِي عَلى ظاهِرِهِ في العُمُومِ ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن زَعَمَ أنَّهُ في اليَهُودِ خاصَّةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ سَألُوا نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ عَمّا في التَّوْراةِ مِن صِفاتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ومِنَ الأحْكامِ، فَكَتَمُوا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والسُّدِّيِّ، والأصَمِّ. والأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والعارِضُ المَوْجُودُ وهو نُزُولُهُ عِنْدَ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ يَقْتَضِي الخُصُوصَ عَلى ما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أيْضًا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ لا سِيَّما إذا كانَ الوَصْفُ مُناسِبًا لِلْحُكْمِ، ولا شَكَّ أنَّ

صفحة ١٤٨

كِتْمانَ الدِّينِ يُناسِبُهُ اسْتِحْقاقُ اللَّعْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ هَذا الوَصْفُ عِلَّةً لِهَذا الحُكْمِ وجَبَ عُمُومُ هَذا الحُكْمِ عِنْدَ عُمُومِ الوَصْفِ. وثالِثُها: أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ حَمَلُوا هَذا اللَّفْظَ عَلى العُمُومِ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ فَحُمِلَتِ الآيَةُ عَلى العُمُومِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: لَوْلا آيَتانِ مِن كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُ حَدِيثًا بَعْدَ أنْ قالَ النّاسُ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ. وتَلا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ واحْتَجَّ مَن خَصَّ الآيَةَ بِأهْلِ الكِتابِ، أنَّ الكِتْمانَ لا يَصِحُّ إلّا مِنهم في شَرْعِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَأمّا القُرْآنُ فَإنَّهُ مُتَواتِرٌ، فَلا يَصِحُّ كِتْمانُهُ، قُلْنا: القُرْآنُ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ مُتَواتِرًا يَصِحُّ كِتْمانُهُ، والمُجْمَلُ مِنَ القُرْآنِ إذا كانَ بَيانُهُ عِنْدَ الواحِدِ صَحَّ كِتْمانُهُ، وكَذا القَوْلُ فِيما يَحْتاجُ المُكَلَّفُ إلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: الكِتْمانُ تَرْكُ إظْهارِ الشَّيْءِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وحُصُولُ الدّاعِي إلى إظْهارِهِ؛ لِأنَّهُ مَتى لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لا يُعَدُّ كِتْمانًا، فَلَمّا كانَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن أشَدِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ، وصَفَ مَن عَلِمَهُ ولَمْ يُظْهِرْهُ بِالكِتْمانِ، كَما يُوصَفُ أحَدُنا في أُمُورِ الدُّنْيا بِالكِتْمانِ، إذا كانَتْ مِمّا تَقْوى الدَّواعِي عَلى إظْهارِها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُمْدَحُ مَن يَقْدِرُ عَلى كِتْمانِ السِّرِّ؛ لِأنَّ الكِتْمانَ مِمّا يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما …

Al-Baqara 2:159Listen in Qur'an →
160

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَبَيَّنُوا۟ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of repentance, the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَظِيمَ الوَعِيدِ في الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ الوَعِيدَ يَلْحَقُهم عَلى كُلِّ حالٍ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم إذا تابُوا تَغَيَّرَ حُكْمُهم، ودَخَلُوا في أهْلِ الوَعِيدِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّوْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ النَّدَمِ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ لا لِغَرَضٍ سِواهُ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ رَدَّ الوَدِيعَةِ ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهِ لِأنَّ النّاسَ ذَمُّوهُ، أوْ لِأنَّ الحاكِمَ رَدَّ شَهادَتَهُ لَمْ يَكُنْ تائِبًا، وكَذَلِكَ لَوْ عَزَمَ عَلى رَدِّ كُلِّ ودِيعَةٍ، والقِيامِ بِكُلِّ واجِبٍ، لِكَيْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُ، أوْ يُمْدَحَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ تائِبًا، وهَذا مَعْنى الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن إصْلاحِ ما أفْسَدَهُ، مَثَلًا لَوْ أفْسَدَ عَلى غَيْرِهِ دِينَهُ بِإيرادِ شُبْهَةٍ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ إزالَةُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ ثالِثًا أنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ ضِدِّ الكِتْمانِ، وهو البَيانُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَيَّنُوا﴾ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي وبِفِعْلِ كُلِّ ما يَنْبَغِي، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ عَنْ بَعْضِ المَعاصِي مَعَ الإصْرارِ عَلى البَعْضِ لا تَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ عامٌّ في الكُلِّ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ اللَّفْظَ المُطْلَقَ يَكْفِي في صِدْقِهِ حُصُولُ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِهِ. قالَ أصْحابُنا: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ المَدْحِ والثَّناءِ عَلى نَفْسِهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ واجِبًا لَما حَسُنَ هَذا المَدْحُ، ومَعْنى: ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقْبَلُ تَوْبَتَهم، وقَبُولُ التَّوْبَةِ يَتَضَمَّنُ إزالَةَ عِقابِ ما تابَ مِنها، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قُلْتُمْ أنَّ مَعْنى ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ هو قَبُولُ التَّوْبَةِ بِمَعْنى المُجازاةِ والثَّوابِ كَما تَقُولُونَ في قَبُولِ الطّاعَةِ ؟ قُلْنا: الطّاعَةُ إنَّما أفادَ قَبُولُها اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْتَحَقُّ بِها سِواهُ، وهو الغَرَضُ بِفِعْلِها، ولَيْسَ كَذَلِكَ التَّوْبَةُ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِإسْقاطِ العِقابِ، وهو الغَرَضُ بِفِعْلِها، وإنْ كانَ لا بُدَّ مِن أنْ يَسْتَحِقَّ بِها الثَّوابَ إذا لَمْ يَكُنْ مُخْطِئًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنا التَّوّابُ﴾ القابِلُ لِتَوْبَةِ كُلِّ ذِي تَوْبَةٍ، فَهو مُبالَغَةٌ في هَذا البابِ، ومَعْنى الرَّحِيمِ عَقِيبَ ذَلِكَ: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لِرَحْمَتِهِ بِالمُكَلَّفِينَ مِن عِبادِهِ، يَقْبَلُ تَوْبَتَهم بَعْدَ التَّفْرِيطِ العَظِيمِ مِنهم.

Al-Baqara 2:160Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.