Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 131–140 of 286

131

إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

When his Lord said to him, "Submit", he said "I have submitted [in Islam] to the Lord of the worlds."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا النَّوْعَ الخامِسَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَوْضِعُ ”إذْ“ نَصْبٌ وفي عامِلِهِ وجْهانِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ بِـاصْطَفَيْناهُ، أيِ اصْطَفَيْناهُ في الوَقْتِ الَّذِي قالَ لَهُ رَبُّهُ: أسْلِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الِاصْطِفاءَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ سَبَبِ الِاصْطِفاءِ، فَكَأنَّهُ لَمّا أسْلَمَ نَفْسَهُ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وخَضَعَ لَها وانْقادَ عَلِمَ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ عَلى الأوْقاتِ وأنَّهُ مُسْتَمِرٌّ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُطَهَّرٌ مِن كُلِّ الذُّنُوبِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اخْتارَهُ لِلرِّسالَةِ واخْتَصَّهُ بِها لِأنَّهُ تَعالى لا يَخْتارُ لِلرِّسالَةِ إلّا مَن هَذا حالُهُ في البَدْءِ والعاقِبَةِ، فَإسْلامُهُ لِلَّهِ تَعالى وحُسْنُ إجابَتِهِ مَنطُوقٌ بِهِ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ إخْبارٌ عَنِ النَّفْسِ وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾ إخْبارٌ عَنِ المُغايَبَةِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ هَذا النَّظْمُ واحِدًا ؟ قُلْنا: هَذا مِن بابِ الِالتِفاتِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِرارًا.

الثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ الَّذِي لا يُرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ مِثْلِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَتى قالَ لَهُ أسْلِمْ ؟ ومَنشَأُ الإشْكالِ أنَّهُ إنَّما يُقالُ لَهُ: أسْلِمْ في زَمانٍ لا يَكُونُ مُسْلِمًا فِيهِ، فَهَلْ كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ مُسْلِمٍ في بَعْضِ الأزْمِنَةِ لِيُقالَ لَهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ أسْلِمْ ؟ فالأكْثَرُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما قالَ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وقَبْلَ البُلُوغِ، وذَلِكَ عِنْدَ اسْتِدْلالِهِ بِالكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ، واطِّلاعِهِ عَلى أماراتِ الحُدُوثِ فِيها، وإحاطَتِهِ بِافْتِقارِها إلى مُدَبِّرٍ يُخالِفُها في الجِسْمِيَّةِ وأماراتِ الحُدُوثِ، فَلَمّا عَرَفَ رَبَّهُ قالَ لَهُ تَعالى: ﴿أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ عَرَفَ رَبَّهُ ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أسْلِمْ﴾ كانَ قَبْلَ الِاسْتِدْلالِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِن هَذا القَوْلِ لا نَفْسَ القَوْلِ بَلْ دَلالَةَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ عَلى حَسَبِ مَذاهِبِ العَرَبِ في هَذا كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي

وأصْدَقُ دَلالَةٍ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الرُّومِ: ٣٥] فَجَعَلَ دَلالَةَ البُرْهانِ كَلامًا، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: هَذا الأمْرُ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أسْلِمْ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الإسْلامَ والإيمانَ بَلْ أُمُورٌ أُخَرُ.

أحَدُها: الِانْقِيادُ لِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى، والمُسارَعَةُ إلى تَلَقِّيها بِالقَبُولِ، وتَرْكُ الإعْراضِ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ .

وثانِيها: قالَ الأصَمُّ: ”أسْلِمْ“ أيْ أخْلِصْ عِبادَتَكَ واجْعَلْها سَلِيمَةً مِنَ الشِّرْكِ ومُلاحَظَةِ الأغْيارِ.

وثالِثُها: اسْتَقِمْ عَلى الإسْلامِ واثْبُتْ عَلى التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٩] .

ورابِعُها: أنَّ الإيمانَ …

Al-Baqara 2:131Listen in Qur'an →
132

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِۦمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ

And Abraham instructed his sons [to do the same] and [so did] Jacob, [saying], "O my sons, indeed Allah has chosen for you this religion, so do not die except while you are Muslims."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يابَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ السّادِسُ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَحْسَنَةِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْ إبْراهِيمَ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”وأوْصى“ بِالألِفِ وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِ المَدِينَةِ والشّامِ والباقُونَ بِغَيْرِ ألِفٍ بِالتَّشْدِيدِ وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ والمَعْنى واحِدٌ إلّا أنَّ في ”وصّى“ دَلِيلُ مُبالَغَةٍ وتَكْثِيرٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في ”بِها“ إلى أيِّ شَيْءٍ يَعُودُ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ والجُمْلَةِ، ونَحْوُهُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٧] وقَوْلُهُ: ﴿كَلِمَةً باقِيَةً﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٨] دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّأْنِيثَ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ.

(القَوْلُ الثّانِي): أنَّهُ عائِدٌ إلى المِلَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ القاضِي وهَذا القَوْلُ أوْلى مِنَ الأوَّلِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ ورَدُّ الإضْمارِ إلى المُصَرَّحِ بِذِكْرِهِ إذا أمْكَنَ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى المَدْلُولِ والمَفْهُومِ.

الثّانِي: أنَّ المِلَّةَ أجْمَعُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما وصّى ولَدَهُ إلّا بِما يَجْمَعُ فِيهِمُ الفَلاحَ والفَوْزَ بِالآخِرَةِ، والشَّهادَةُ وحْدَها لا تَقْتَضِي ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى دَقائِقَ مُرَغِّبَةٍ في قَبُولِ الدِّينِ.

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ وأمَرَ إبْراهِيمُ بَنِيهِ بَلْ قالَ: وصّاهم ولَفْظُ الوَصِيَّةِ أوْكَدُ مِنَ الأمْرِ، لِأنَّ الوَصِيَّةَ عِنْدَ الخَوْفِ مِنَ المَوْتِ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ احْتِياطُ الإنْسانِ لِدِينِهِ أشَدَّ وأتَمَّ، فَإذا عَرَفَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مُهْتَمًّا بِهَذا الأمْرِ مُتَشَدِّدًا فِيهِ، كانَ القَوْلُ إلى قَبُولِهِ أقْرَبَ.

وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَصَّصَ بَنِيهِ بِذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ شَفَقَةَ الرَّجُلِ عَلى أبْنائِهِ أكْثَرُ مِن شَفَقَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَلَمّا خَصَّهم بِذَلِكَ في آخِرِ عُمْرِهِ، عَلِمْنا أنَّ اهْتِمامَهُ بِذَلِكَ كانَ أشَدَّ مِنَ اهْتِمامِهِ بِغَيْرِهِ.

وثالِثُها: أنَّهُ عَمَّمَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ جَمِيعَ بَنِيهِ ولَمْ يَخُصَّ أحَدًا مِنهم بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ.

ورابِعُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْلَقَ هَذِهِ الوَصِيَّةَ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ ومَكانٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ زَجَرَهم أبْلَغَ الزَّجْرِ عَنْ أنْ يَمُوتُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ.

وخامِسُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما مَزَجَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ وصِيَّةً أُخْرى، وهَذا يَدُلُّ أيْضًا عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ، ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الرَّجُلُ المَشْهُودُ لَهُ بِالفَضْلِ وحُسْنِ الطَّرِيقَةِ وكَمالِ السِّيرَةِ، ثُمَّ عُرِفَ أنَّهُ كانَ في نِهايَةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ، عُرِفَ حِينَئِذٍ أنَّ هَذا الأمْرَ أوْلى الأُمُورِ بِالِاهْتِمامِ، وأجْراها بِالرِّعايَةِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في أنَّهُ خَصَّ …

Al-Baqara 2:132Listen in Qur'an →
133

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنۢ بَعْدِى قَالُوا۟ نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Or were you witnesses when death approached Jacob, when he said to his sons, "What will you worship after me?" They said, "We will worship your God and the God of your fathers, Abraham and Ishmael and Isaac - one God. And we are Muslims [in submission] to Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ بالَغَ في وصِيَّةِ بَنِيهِ في الدِّينِ والإسْلامِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّ يَعْقُوبَ وصّى بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، ومُبالَغَةً في البَيانِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ ”أمْ“ مَعْناها حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ، أوْ حَرْفُ العَطْفِ، وهي تُشْبِهُ مِن حُرُوفِ العَطْفِ ”أوْ“ وهي تَأْتِي عَلى وجْهَيْنِ: مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها ومُنْقَطِعَةً مِنهُ، أمّا المُتَّصِلَةُ فاعْلَمْ أنَّكَ إذا قُلْتَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ فَأنْتَ لا تَعْلَمُ كَوْنَ أحَدِهِما عِنْدَهُ فَتَسْألُ: هَلْ أحَدُ هَذَيْنِ عِنْدَكَ فَلا جَرَمَ كانَ جَوابُهُ لا أوْ نَعَمْ، أمّا إذا عَلِمْتَ كَوْنَ أحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَهُ لَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ أنَّ الكائِنَ عِنْدَهُ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو فَسَألْتَهُ عَنِ التَّعْيِينِ قُلْتَ: أزْيَدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ أيِ اعْلَمْ أنَّ أحَدَهُما عِنْدَكَ لَكِنْ أهُوَ هَذا أوْ ذاكَ ؟ وأمّا المُنْقَطِعَةُ فَقالُوا: إنَّها بِمَعْنى ”بَلْ“ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، مِثالُهُ: إذا قالَ إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ، فَكَأنَّ قائِلَ هَذا الكَلامِ سَبَقَ بَصَرُهُ إلى الأشْخاصِ فَقَدَّرَ أنَّها إبِلٌ فَأخْبَرَ عَلى مُقْتَضى ظَنِّهِ أنَّها الإبِلُ، ثُمَّ جاءَهُ الشَّكُّ وأرادَ أنْ يُضْرِبَ عَنْ ذَلِكَ الخَبَرِ وأنْ يَسْتَفْهِمَ أنَّها هَلْ هي شاءٌ أمْ لا، فالإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ هو مَعْنى ”بَلْ“ والِاسْتِفْهامُ عَنْ أنَّها شاءٌ هو المُرادُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقَوْلُكَ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ جارٍ مَجْرى قَوْلِكَ: إنَّها لَإبِلٌ أهِيَ شاءٌ فَقَوْلُكَ: أهِيَ شاءٌ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: إنَّها لَإبِلٌ، وكَيْفَ وذَلِكَ قَدْ وقَعَ الإضْرابُ عَنْهُ بِخِلافِ المُتَّصِلَةِ فَإنَّ قَوْلَكَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ بِمَعْنى أيُّهُما عِنْدَكَ ولَمْ يَكُنْ ”ما“ بَعْدَ ”أمْ“ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ بِدَلِيلِ أنَّ عَمْرًا قَرِينُ زَيْدٍ وكَفى دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ أنَّكَ تُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ باسِمٍ مُفْرَدٍ فَتَقُولُ: أيُّهُما عِنْدَكَ؟ وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ

صفحة ٦٨

تَعالى مِنَ النَّوْعَيْنِ كَثِيرٌ، أمّا المُتَّصِلَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ [النّازِعاتِ: ٢٨] أيْ أيُّكُما أشَدُّ، وأمّا المُنْقَطِعَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السَّجْدَةِ: ١-٣] واللَّهُ أعْلَمُ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، فَدَلَّ عَلى الإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِفْهامِ عَمّا بَعْدَهُ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ مَعْنًى، أيْ كَما كانَ في قَوْلِكَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ ومَن لا يُحَقِّقُ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ إنَّ ”أمْ“ هَهُنا بِمَنزِلَةِ الهَمْزَةِ وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِما ذَكَرْنا أنَّ ”أمْ“ هَذِهِ المُنْقَطِعَةَ: تَتَضَمَّنُ مَعْنى بَلْ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: ”أمْ“ في هَذِهِ الآيَةِ مُنْفَصِلَةٌ أمْ مُتَّصِلَةٌ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها …

Al-Baqara 2:133Listen in Qur'an →
134

تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

That was a nation which has passed on. It will have [the consequence of] what it earned, and you will have what you have earned. And you will not be asked about what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ بالَغَ في وصِيَّةِ بَنِيهِ في الدِّينِ والإسْلامِ، ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّ يَعْقُوبَ وصّى بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، ومُبالَغَةً في البَيانِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ ”أمْ“ مَعْناها حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ، أوْ حَرْفُ العَطْفِ، وهي تُشْبِهُ مِن حُرُوفِ العَطْفِ ”أوْ“ وهي تَأْتِي عَلى وجْهَيْنِ: مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها ومُنْقَطِعَةً مِنهُ، أمّا المُتَّصِلَةُ فاعْلَمْ أنَّكَ إذا قُلْتَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ فَأنْتَ لا تَعْلَمُ كَوْنَ أحَدِهِما عِنْدَهُ فَتَسْألُ: هَلْ أحَدُ هَذَيْنِ عِنْدَكَ فَلا جَرَمَ كانَ جَوابُهُ لا أوْ نَعَمْ، أمّا إذا عَلِمْتَ كَوْنَ أحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَهُ لَكِنَّكَ لا تَعْلَمُ أنَّ الكائِنَ عِنْدَهُ زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو فَسَألْتَهُ عَنِ التَّعْيِينِ قُلْتَ: أزْيَدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ أيِ اعْلَمْ أنَّ أحَدَهُما عِنْدَكَ لَكِنْ أهُوَ هَذا أوْ ذاكَ ؟ وأمّا المُنْقَطِعَةُ فَقالُوا: إنَّها بِمَعْنى ”بَلْ“ مَعَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، مِثالُهُ: إذا قالَ إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ، فَكَأنَّ قائِلَ هَذا الكَلامِ سَبَقَ بَصَرُهُ إلى الأشْخاصِ فَقَدَّرَ أنَّها إبِلٌ فَأخْبَرَ عَلى مُقْتَضى ظَنِّهِ أنَّها الإبِلُ، ثُمَّ جاءَهُ الشَّكُّ وأرادَ أنْ يُضْرِبَ عَنْ ذَلِكَ الخَبَرِ وأنْ يَسْتَفْهِمَ أنَّها هَلْ هي شاءٌ أمْ لا، فالإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ هو مَعْنى ”بَلْ“ والِاسْتِفْهامُ عَنْ أنَّها شاءٌ هو المُرادُ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقَوْلُكَ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ جارٍ مَجْرى قَوْلِكَ: إنَّها لَإبِلٌ أهِيَ شاءٌ فَقَوْلُكَ: أهِيَ شاءٌ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ: إنَّها لَإبِلٌ، وكَيْفَ وذَلِكَ قَدْ وقَعَ الإضْرابُ عَنْهُ بِخِلافِ المُتَّصِلَةِ فَإنَّ قَوْلَكَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ بِمَعْنى أيُّهُما عِنْدَكَ ولَمْ يَكُنْ ”ما“ بَعْدَ ”أمْ“ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ بِدَلِيلِ أنَّ عَمْرًا قَرِينُ زَيْدٍ وكَفى دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ أنَّكَ تُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ باسِمٍ مُفْرَدٍ فَتَقُولُ: أيُّهُما عِنْدَكَ؟ وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ

صفحة ٦٨

تَعالى مِنَ النَّوْعَيْنِ كَثِيرٌ، أمّا المُتَّصِلَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ [النّازِعاتِ: ٢٨] أيْ أيُّكُما أشَدُّ، وأمّا المُنْقَطِعَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السَّجْدَةِ: ١-٣] واللَّهُ أعْلَمُ بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، فَدَلَّ عَلى الإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِفْهامِ عَمّا بَعْدَهُ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ مَعْنًى، أيْ كَما كانَ في قَوْلِكَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ أمْ عَمْرٌو؟ ومَن لا يُحَقِّقُ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ إنَّ ”أمْ“ هَهُنا بِمَنزِلَةِ الهَمْزَةِ وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِما ذَكَرْنا أنَّ ”أمْ“ هَذِهِ المُنْقَطِعَةَ: تَتَضَمَّنُ مَعْنى بَلْ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَنَقُولُ: ”أمْ“ في هَذِهِ الآيَةِ مُنْفَصِلَةٌ أمْ مُتَّصِلَةٌ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها …

Al-Baqara 2:134Listen in Qur'an →
135

وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟ ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِۦمَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ صِحَّةَ دِينِ الإسْلامِ حَكى بَعْدَها أنْواعًا مِن شُبَهِ المُخالِفِينَ الطّاعِنِينَ في الإسْلامِ.

الشُّبْهَةُ الأُولى: حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا في تَقْرِيرِ ذَلِكَ شُبْهَةً، بَلْ أصَرُّوا عَلى التَّقْلِيدِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: ذَكَرَ جَوابًا إلْزامِيًّا وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّهُ إنْ كانَ طَرِيقُ الدِّينِ التَّقْلِيدَ فالأوْلى في ذَلِكَ اتِّباعُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، لِأنَّ هَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلى صِحَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ والأخْذُ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ إنْ كانَ المُعَوَّلُ في الدِّينِ عَلى التَّقْلِيدِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنْ كانَ المُعَوَّلُ في الدِّينِ عَلى الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ، فَقَدْ قَدَّمْنا الدَّلائِلَ، وإنْ كانَ المُعَوَّلُ عَلى التَّقْلِيدِ فالرُّجُوعُ إلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَرْكُ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ أوْلى.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى يَدَّعِي أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قُلْنا: لَمّا ثَبَتَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قائِلًا بِالتَّوْحِيدِ، وثَبَتَ أنَّ النَّصارى يَقُولُونَ بِالتَّثْلِيثِ، واليَهُودَ يَقُولُونَ بِالتَّشْبِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا إلى التَّوْحِيدِ، كانَ هو عَلى دِينِ إبْراهِيمَ.

ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ التَّخْيِيرَ، إذِ المَعْلُومُ مِن حالِ اليَهُودِ أنَّها لا تُجَوِّزُ اخْتِيارَ النَّصْرانِيَّةِ عَلى اليَهُودِيَّةِ، بَلْ تَزْعُمُ أنَّهُ كُفْرٌ. والمَعْلُومُ مِن حالِ النَّصارى أيْضًا ذَلِكَ بَلِ المُرادُ أنَّ اليَهُودَ تَدْعُو إلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصارى إلى النَّصْرانِيَّةِ، فَكُلُّ فَرِيقٍ يَدْعُو إلى دِينِهِ، ويَزْعُمُ أنَّهُ الهُدى فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَهْتَدُوا﴾ أيْ أنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اهْتَدَيْتُمْ وصِرْتُمْ عَلى سَنَنِ الِاسْتِقامَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ فَفي انْتِصابِ ”مِلَّةَ“ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: لِأنَّهُ عُطِفَ في المَعْنى عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ وتَقْدِيرُهُ قالُوا: اتَّبِعُوا اليَهُودِيَّةَ قُلْ بَلِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ.

الثّانِي: عَلى الحَذْفِ تَقْدِيرُهُ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ.

الثّالِثُ: تَقْدِيرُهُ: بَلْ نَكُونُ أهْلَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ أهْلَها.

الرّابِعُ: التَّقْدِيرُ: بَلِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ، وقَرَأ

صفحة ٧٤

الأعْرَجُ: ”مِلَّةُ إبْراهِيمَ“ بِالرَّفْعِ أيْ مِلَّتُهُ مِلَّتُنا، أوْ دِينُنا مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وبِالجُمْلَةِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في أنْ تَجْعَلَهُ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرًا.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِأهْلِ اللُّغَةِ في الحَنِيفِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الحَنِيفَ هو المُسْتَقِيمُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأعْرَجِ: أحْنَفُ، تَفاؤُلًا …

Al-Baqara 2:135Listen in Qur'an →
136

قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ

Say, [O believers], "We have believed in Allah and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ بِالجَوابِ الجَدَلِيِّ أوَّلًا، ذَكَرَ بَعْدَهُ جَوابًا بُرْهانِيًّا في هَذِهِ الآيَةِ وهو: أنَّ الطَّرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِمْ، ولَمّا ظَهَرَ المُعْجِزُ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ والإيمانُ بِرِسالَتِهِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ البَعْضِ بِالقَبُولِ وتَخْصِيصَ البَعْضِ بِالرَّدِّ يُوجِبُ المُناقَضَةَ في الدَّلِيلِ وأنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وهَذا هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ الإيمانُ بِإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى مَعَ القَوْلِ بِأنَّ شَرائِعَهم مَنسُوخَةٌ ؟ قُلْنا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الشَّرائِعِ كانَ حَقًّا في زَمانِهِ فَلا يَلْزَمُ مِنّا المُناقَضَةُ، أمّا اليَهُودُ والنَّصارى لَمّا اعْتَرَفُوا بِنُبُوَّةِ بَعْضِ مَن ظَهَرَ المُعْجِزُ عَلَيْهِ، وأنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ قِيامِ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُمُ المُناقَضَةُ فَظَهَرَ الفَرْقُ، ثُمَّ نَقُولُ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ ذَكَرُوا في مُقابَلَتِهِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ ثُمَّ قالَ لِأُمَّتِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ، أعْنِي النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمَّتَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُولُوا﴾ خِطابٌ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ ﷺ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ هو داخِلًا فِيهِ، واحْتَجَّ الحَسَنُ عَلى قَوْلِهِ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ .

الثّانِي: أنَّهُ في نِهايَةِ الشَّرَفِ، والظّاهِرُ إفْرادُهُ بِالخِطابِ.

والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ القَرائِنَ وإنْ كانَتْ مُحْتَمَلَةً إلّا أنَّها لا تَبْلُغُ في القُوَّةِ إلى حَيْثُ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ فَإنَّما قَدَّمَهُ لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ أصْلُ الإيمانِ بِالشَّرائِعِ، فَمَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ اسْتَحالَ أنْ يَعْرِفَ نَبِيًّا أوْ كِتابًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ التَّعْلِيمِيَّةِ والمُقَلِّدَةِ القائِلِينَ بِأنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى: الكِتابُ والسُّنَّةُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿والأسْباطِ﴾ قالَ الخَلِيلُ: السِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبِيلَةِ في العَرَبِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ السِّبْطُ: الحافِدُ، وكانَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ سِبْطَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والأسْباطُ: الحَفَدَةُ وهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَرارِيُّ أبْنائِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ.

* * *

صفحة ٧٦

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنّا لا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، فَإنّا لَوْ فَعَلْنا كانَتِ المُناقَضَةُ …

Al-Baqara 2:136Listen in Qur'an →
137

فَإِنْ ءَامَنُوا۟ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍۢ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allah will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الطَّرِيقَ الواضِحَ في الدِّينِ، وهو أنْ يَعْتَرِفَ الإنْسانُ بِنُبُوَّةِ مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأنْ يَحْتَرِزَ في ذَلِكَ عَنِ المُناقَضَةِ: رَغَّبَهم في مِثْلِ هَذا الإيمانِ فَقالَ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ .

مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّثْبِيتُ والمَعْنى: إنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم ومُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، لَمّا اسْتَحالَ أنْ يُوجَدَ دِينٌ آخَرُ يُساوِي هَذا الدِّينَ في السَّدادِ اسْتَحالَ الِاهْتِداءُ بِغَيْرِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ الَّذِي تُشِيرُ عَلَيْهِ: هَذا هو الرَّأْيُ والصَّوابُ فَإنْ كانَ عِنْدَكَ رَأْيٌ أصْوَبَ مِنهُ فاعْمَلْ بِهِ وقَدْ عَلِمْتَ أنْ لا أصْوَبَ مِن رَأْيِكَ ولَكِنَّكَ تُرِيدُ تَثْبِيتَ صاحِبِكَ وتَوْقِيفَهُ عَلى أنَّ ما رَأيْتَ لا رَأْيَ وراءَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يُوجَدَ دِينٌ آخَرُ يُساوِي هَذا الدِّينَ في السَّدادِ لِأنَّ هَذا الدِّينَ مَبْناهُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن ظَهَرَ عَلَيْهِ المُعْجِزُ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ، وكُلُّ ما غايَرَ هَذا الدِّينَ لا بُدَّ وأنْ يَشْتَمِلَ عَلى المُناقَضَةِ، والمُتَناقِضُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِغَيْرِ المُتَناقِضِ في السَّدادِ والصِّحَّةِ.

وثانِيها: أنَّ المِثْلَ صِلَةٌ في الكَلامِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] أيْ لَيْسَ كَهو شَيْءٌ، وقالَ الشّاعِرُ:

وِصالِيّاتٌ كَكَما يُؤْثَفِينَ

وكانَتْ أُمُّ الأحْنَفِ تُرَقِّصُهُ وتَقُولُ:

واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ

ودِقَّةٌ في ساقِهِ مِن هَزْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ مِنكم أحَدٌ كَمِثْلِهِ

صفحة ٧٧

وثالِثُها: أنَّكم آمَنتُمْ بِالفُرْقانِ مِن غَيْرِ تَصْحِيفٍ وتَحْرِيفٍ، فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ وهو التَّوْراةُ مِن غَيْرِ تَصْحِيفٍ وتَحْرِيفٍ فَقَدِ اهْتَدَوْا لِأنَّهم يَتَّصِلُونَ بِهِ إلى مَعْرِفَةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

ورابِعُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ أيْ فَإنْ صارُوا مُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ما بِهِ صِرْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَقَدِ اهْتَدَوْا، فالتَّمْثِيلُ في الآيَةِ بَيْنَ الإيمانَيْنِ والتَّصْدِيقَيْنِ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ ولَكِنْ قُولُوا فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، قالَ القاضِي: لا وجْهَ لِتَرْكِ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ مِن حَيْثُ يُشْكِلُ المَعْنى ويُلَبِّسُ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ جَعَلَهُ المَرْءُ مَذْهَبًا لَزِمَهُ أنْ يُغَيِّرَ تِلاوَةَ كُلِّ الآياتِ المُتَشابِهاتِ وذَلِكَ مَحْظُورٌ والوَجْهُ الأوَّلُ في الجَوابِ هو المُعْتَمَدُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ فالمُرادُ فَقَدْ عَمِلُوا بِما هُدُوا إلَيْهِ وقَبِلُوهُ، ومَن هَذا حالُهُ يَكُونُ ولِيًّا لِلَّهِ داخِلًا في أهْلِ رِضْوانِهِ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ هَذا الِاهْتِداءِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ لا يُمْكِنُ حَمْلُها إلّا عَلى الدَّلائِلِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى وكَشَفَ عَنْها وبَيَّنَ وُجُوهَ دَلالَتِها.

* * *

ثُمَّ بَيَّنَ عَلى وجْهِ الزَّجْرِ ما يَلْحَقُهم إنْ تَوَلَّوْا فَقالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ وفي الشِّقاقِ بَحْثانِ: …

Al-Baqara 2:137Listen in Qur'an →
138

صِبْغَةَ ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةًۭ ۖ وَنَحْنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ

[And say, "Ours is] the religion of Allah. And who is better than Allah in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الجَوابَ الثّانِيَ وهو أنْ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الدِّينِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلائِلَ هَذا الدِّينِ واضِحَةٌ جَلِيَّةٌ فَقالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الصَّبْغُ ما يُلَوَّنُ بِهِ الثِّيابُ ويُقالُ: صَبَغَ الثَّوْبَ يَصْبُغُهُ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِها وضَمِّها ثَلاثُ لُغاتٍ صَبْغًا بِفَتْحِ الصّادِ وكَسْرِها لُغَتانِ.

والصِّبْغَةُ: فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِصِبْغَةِ اللَّهِ عَلى أقْوالٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ وذَكَرُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ دِينَ اللَّهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ بَعْضَ النَّصارى كانُوا يَغْمِسُونَ أوْلادَهم في ماءٍ أصْفَرَ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَقُولُونَ: هو تَطْهِيرٌ لَهم. وإذا فَعَلَ الواحِدُ بِوَلَدِهِ ذَلِكَ قالَ: الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: اطْلُبُوا صِبْغَةَ اللَّهِ وهي الدِّينُ، والإسْلامُ لا صِبْغَتَهم، والسَّبَبُ في إطْلاقِ لَفْظِ الصِّبْغَةِ عَلى الدِّينِ طَرِيقَةُ المُشاكَلَةِ كَما تَقُولُ لِمَن يَغْرِسُ الأشْجارَ وأنْتَ تُرِيدُ أنْ تَأْمُرَهُ بِالكَرَمِ: اغْرِسْ كَما يَغْرِسُ فُلانٌ تُرِيدُ رَجُلًا مُواظِبًا عَلى الكَرَمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥، ١٤]، ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النِّساءِ:

صفحة ٧٩

١٤٢ ]، ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٤]، ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠]، ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ [هُودٍ: ٣٨] .

وثانِيها: اليَهُودُ تَصْبُغُ أوْلادَها يَهُودًا والنَّصارى تَصْبُغُ أوْلادَها نَصارى بِمَعْنى يُلْقُونَهم فَيَصْبُغُونَهم بِذَلِكَ لِما يُشْرِبُونَ في قُلُوبِهِمْ، عَنْ قَتادَةَ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ: فُلانٌ يَصْبُغُ فُلانًا في الشَّيْءِ، أيْ يُدْخِلُهُ فِيهِ ويُلْزِمُهُ إيّاهُ كَما يُجْعَلُ الصَّبْغُ لازِمًا لِلثَّوْبِ وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:

دَعِ الشَّرَّ وانْزِلْ بِالنَّجاةِ تَحَرُّزًا إذا أنْتَ لَمْ يَصْبُغْكَ في الشَّرِّ صابِغُ

وثالِثُها: سُمِّيَ الدِّينُ صِبْغَةً لِأنَّ هَيْئَتَهُ تَظْهَرُ بِالمُشاهَدَةِ مِن أثَرِ الطَّهارَةِ والصَّلاةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] .

ورابِعُها: قالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَوَصَفَ هَذا الإيمانَ مِنهم بِأنَّهُ صِبْغَةُ اللَّهِ تَعالى لِيُبَيِّنَ أنَّ المُبايَنَةَ بَيْنَ هَذا الدِّينِ الَّذِي اخْتارَهُ اللَّهُ، وبَيْنَ الدِّينِ الَّذِي اخْتارَهُ المُبْطِلُ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، كَما تَظْهَرُ المُبايَنَةُ بَيْنَ الألْوانِ والأصْباغِ لِذِي الحِسِّ السَّلِيمِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ فِطْرَتُهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٣٠] ومَعْنى هَذا الوَجْهِ أنَّ الإنْسانَ مَوْسُومٌ في تَرْكِيبِهِ وبِنْيَتِهِ بِالعَجْزِ والفاقَةِ، والآثارُ الشّاهِدَةُ عَلَيْهِ بِالحُدُوثِ والِافْتِقارِ إلى الخالِقِ فَهَذِهِ الآثارُ كالصِّبْغَةِ لَهُ وكالسِّمَةِ اللّازِمَةِ.

قالَ القاضِي: مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ عَلى الفِطْرَةِ فَهو مُقارِبٌ …

Al-Baqara 2:138Listen in Qur'an →
139

قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُخْلِصُونَ

Say, [O Muhammad], "Do you argue with us about Allah while He is our Lord and your Lord? For us are our deeds, and for you are your deeds. And we are sincere [in deed and intention] to Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في تِلْكَ المُحاجَّةِ وذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ كانَ قَوْلَهم إنَّهم أوْلى بِالحَقِّ والنُّبُوَّةِ لِتَقَدُّمِ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ والمَعْنى: أتُجادِلُونَنا في أنَّ اللَّهَ اصْطَفى رَسُولًا مِنَ العَرَبِ لا مِنكم وتَقُولُونَ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ لَأنْزَلَ عَلَيْكم، وتَرَوْنَكم أحَقَّ بِالنُّبُوَّةِ مِنّا.

وثانِيها: قَوْلُهم: نَحْنُ أحَقُّ بِالإيمانِ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ عَبَدُوا الأوْثانَ.

وثالِثُها: قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةِ: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البَقَرَةِ: ١١١] وقَوْلُهم: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ عَنِ الحَسَنِ.

ورابِعُها: ﴿أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ: أتُحاجُّونَنا في دِينِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ المُحاجَّةُ كانَتْ مَعَ مَن ؟ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى.

وثانِيها: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ مُشْرِكِي العَرَبِ حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣١] والعَرَبُ كانُوا مُقِرِّينَ بِالخالِقِ.

وثالِثُها: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ الكُلِّ، والقَوْلُ الأوَّلُ ألْيَقُ بِنَظْمِ الآيَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ أعْلَمُ بِتَدْبِيرِ خَلْقِهِ وبِمَن يَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ وبِمَن لا يَصْلُحُ لَها، فَلا تَعْتَرِضُوا عَلى رَبِّكم، فَإنَّ العَبْدَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَعْتَرِضَ عَلى رَبِّهِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَفْوِيضُ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ لَهُ.

الثّانِي: أنَّهُ لا نِسْبَةَ لَكم إلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذِهِ النِّسْبَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَنا وبَيْنَكم، فَلِمَ تُرَجِّحُونَ أنْفُسَكم عَلَيْنا، بَلِ التَّرْجِيحُ مِن جانِبِنا لِأنّا مُخْلِصُونَ لَهُ في العُبُودِيَّةِ، ولَسْتُمْ كَذَلِكَ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ وهَذا التَّأْوِيلُ أقْرَبُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ فالمُرادُ مِنهُ النَّصِيحَةُ في الدِّينِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ لَهم هَذا القَوْلَ عَلى وجْهِ الشَّفَقَةِ والنَّصِيحَةِ، أيْ لا يَرْجِعُ إلَيَّ مِن أفْعالِكُمُ القَبِيحَةِ ضَرَرٌ حَتّى يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذا القَوْلِ دَفْعَ ذَلِكَ الضَّرَرِ وإنَّما المُرادُ نُصْحُكم وإرْشادُكم إلى الأصْلَحِ، وبِالجُمْلَةِ فالإنْسانُ إنَّما يَكُونُ مَقْبُولَ القَوْلِ إذا كانَ خالِيًا عَنِ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإذا كانَ لِشَيْءٍ مِنَ الأغْراضِ لَمْ يَنْجَعْ قَوْلُهُ في القَلْبِ البَتَّةَ فَهَذا هو المُرادُ فَيَكُونُ فِيهِ مِنَ الرَّدْعِ والزَّجْرِ ما يَبْعَثُ عَلى النَّظَرِ وتَحَرُّكِ الطِّباعِ عَلى الِاسْتِدْلالِ وقَبُولِ الحَقِّ، وأمّا مَعْنى الإخْلاصِ فَقَدْ تَقَدَّمَ.

Al-Baqara 2:139Listen in Qur'an →
140

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Or do you say that Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants were Jews or Christians? Say, "Are you more knowing or is Allah?" And who is more unjust than one who conceals a testimony he has from Allah? And Allah is not unaware of what you do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

صفحة ٨١

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسْألَتَيْنِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾ بِالتّاءِ عَلى المُخاطَبَةِ كَأنَّهُ قالَ: أتُحاجُّونَنا أمْ تَقُولُونَ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى فَعَلى الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”أمْ“ مُتَّصِلَةً وتَقْدِيرُهُ: بِأيِّ الحُجَّتَيْنِ تَتَعَلَّقُونَ في أمْرِنا، أبِالتَّوْحِيدِ فَنَحْنُ مُوَحِّدُونَ، أمْ بِاتِّباعِ دِينِ الأنْبِياءِ فَنَحْنُ مُتَّبِعُونَ ؟ وأنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَقُولُونَ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ أيْضًا، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مُنْقَطِعَةً لِانْقِطاعِ مَعْناهُ بِمَعْنى الِانْقِطاعِ إلى حِجاجٍ آخَرَ غَيْرِ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أتَقُولُونَ إنَّ الأنْبِياءَ كانُوا قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ هُودًا أوْ نَصارى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما أنْكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ القَوْلَ عَلَيْهِمْ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ بِسائِرِ المُعْجِزاتِ، وقَدْ أخْبَرَ عَنْ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ فَثَبَتَ لا مَحالَةَ كَذِبُهم فِيهِ.

وثانِيها: شَهادَةُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا عَلى التَّوْحِيدِ والحَنِيفِيَّةِ.

وثالِثُها: أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ أُنْزِلا بَعْدَهم.

ورابِعُها: أنَّهُمُ ادَّعَوْا ذَلِكَ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى الكَلامِ في مَعْرِضِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والغَرَضُ مِنهُ الزَّجْرُ والتَّوْبِيخُ وأنْ يُقَرِّرَ اللَّهُ في نُفُوسِهِمْ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما يَقُولُونَ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فَمَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ وخَبَرَهُ أصْدَقُ وقَدْ أخْبَرَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وفي القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ مُبَرَّئِينَ عَنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما يُقالُ هَذا فِيمَن لا يَعْلَمُ وهم عَلِمُوهُ وكَتَمُوهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ الكَلامُ ؟ قُلْنا: مَن قالَ: إنَّهم كانُوا عَلى ظَنٍّ وتَوَهُّمٍ فالكَلامُ ظاهِرٌ ومَن قالَ: عَلِمُوا وجَحَدُوا فَمَعْناهُ أنَّ مَنزِلَتَكم مَنزِلَةُ المُعْتَرِضِينَ عَلى ما يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِهِ فَلا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَعَ إقْرارِهِ بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا والتَّقْدِيرُ: ومَن أظْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً حَصَلَتْ عِنْدَهُ كَقَوْلِكَ: ومَن أظْلَمُ مِن زَيْدٍ مِن جُمْلَةِ الكاتِمِينَ لِلشَّهادَةِ والمَعْنى: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ وبَنُوهُ هُودًا أوْ نَصارى، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ كَتَمَ هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ يَكْتُمُ شَهادَةً أظْلَمَ مِنهُ لَكِنْ لَمّا اسْتَحالَ ذَلِكَ مَعَ عَدْلِهِ وتَنَزُّهِهِ عَنِ الكَذِبِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ.

وثانِيها: ومَن أظْلَمُ مِنكم مَعاشِرَ اليَهُودِ والنَّصارى إنْ كَتَمْتُمْ هَذِهِ الشَّهادَةَ مِنَ اللَّهِ فَمِن في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ تَتَعَلَّقُ بِالكاتِمِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ وبِالمَكْتُومِ مِنهُ عَلى …

Al-Baqara 2:140Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.