Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 21–30 of 286

21

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -

﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لَمّا عَدَّدَ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ وذَكَرَ خَواصَّهم ومَصارِفَ أُمُورِهِمْ، أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ هَزًّا لِلسّامِعِ وتَنْشِيطًا لَهُ واهْتِمامًا بِأمْرِ العِبادَةِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وجَبْرًا لِكُلْفَةِ العِبادَةِ بِلَذَّةِ المُخاطَبَةِ. و (يا) حَرْفٌ وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ، وقَدْ يُنادى بِهِ القَرِيبُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ. إمّا لِعَظَمَتِهِ كَقَوْلِ الدّاعِي: يا رَبِّ، ويا اللَّهُ، هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ. أوْ لِغَفْلَتِهِ وسُوءِ فَهْمِهِ. أوْ لِلِاعْتِناءِ بِالمَدْعُوِّ لَهُ وزِيادَةِ الحَثِّ عَلَيْهِ. وهو مَعَ المُنادى جُمْلَةٌ مُفِيدَةٌ، لِأنَّهُ نائِبٌ مَنابَ فَعَلَ. وأيُّ: جُعِلَ وصْلَةً إلى نِداءِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ، فَإنَّ إدْخالَ « يا» عَلَيْهِ مُتَعَذِّرٌ لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّعْرِيفِ فَإنَّهُما كَمَثَلَيْنِ وأُعْطِيَ حُكْمَ المُنادى وأُجْرِيَ عَلَيْهِ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ وصْفًا مُوَضِّحًا لَهُ، والتِزامُ رَفْعِهِ إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ، وأُقْحِمَتْ بَيْنَهُما هاءُ التَّنْبِيهِ تَأْكِيدًا وتَعْوِيضًا عَمّا يَسْتَحِقُّهُ، أيْ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وإنَّما كَثُرَ النِّداءُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في القُرْآنِ لِاسْتِقْلالِهِ بِأوْجُهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وكُلُّ ما نادى اللَّهُ لَهُ عِبادَهُ مِن حَيْثُ إنَّها أُمُورٌ عِظامٌ، مِن حَقِّها أنْ يَتَفَطَّنُوا إلَيْها، ويُقْبِلُوا بِقُلُوبِهِمْ عَلَيْها، وأكْثَرُهم عَنْها غافِلُونَ، حَقِيقٌ بِأنْ يُنادى لَهُ بِالآكَدِ الأبْلَغِ، والجُمُوعُ وأسْماؤُها المُحَلّاةُ بِاللّامِ لِلْعُمُومِ حَيْثُ لا عَهْدَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ مِنها. أوِ التَّأْكِيدُ بِما يُفِيدُ العُمُومَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ واسْتِدْلالُ الصَّحابَةِ بِعُمُومِها شائِعًا وذائِعًا، فالنّاسُ يَعُمُّ المَوْجُودِينَ وقْتَ النُّزُولِ لَفْظًا ومَن سَيُوجَدُ، لِما تَواتَرَ مِن دِينِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ مُقْتَضى خِطابِهِ وأحْكامِهِ شامِلٌ لِلْقَبِيلَيْنِ، ثابِتٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وما رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والحَسَنِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ نَزَلَ فِيهِ (يا أيُّها النّاسُ) فَمَكِّيٌّ و (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) فَمَدَّنِيٌّ، إنْ صَحَّ رَفَعَهُ فَلا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِالكَفّارِ، ولا أمَرَهم بِالعِبادَةِ، فَإنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ بَدْءِ العِبادَةِ، والزِّيادَةِ فِيها، والمُواظَبَةِ عَلَيْها، فالمَطْلُوبُ مِنَ الكَفّارِ هو الشُّرُوعُ فِيها بَعْدَ الإتْيانِ بِما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ بِالصّانِعِ، فَإنَّ مِن لَوازِمَ وُجُوبِ الشَّيْءِ وُجُوبَ ما لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وكَما أنَّ الحَدَثَ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلاةِ، فالكُفْرُ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ العِبادَةِ، بَلْ يَجِبُ رَفْعُهُ والِاشْتِغالُ بِها عَقِيبَهُ. ومِنَ المُؤْمِنِينَ ازْدِيادُهم وثَباتُهم عَلَيْها وإنَّما قالَ: ﴿رَبَّكُمُ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لِلْعِبادَةِ هي الرُّبُوبِيَّةُ.

﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صِفَةٌ جَرَتْ عَلَيْهِ تَعالى لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْلِيلِ، ويُحْتَمَلُ التَّقْيِيدُ والتَّوْضِيحُ إنْ خُصَّ الخِطابُ بِالمُشْرِكِينَ، وأُرِيدُ بِالرَّبِّ أعَمُّ مِنَ الرَّبِّ الحَقِيقِيِّ، والآلِهَةُ الَّتِي يُسَمُّونَها أرْبابًا. والخَلْقُ إيجادُ الشَّيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ، وأصْلُهُ التَّقْدِيرُ يُقالُ: خَلَقَ النَّعْلَ إذا قَدَّرَها وسَوّاها بِالمِقْياسِ. …

Al-Baqara 2:21Listen in Qur'an →
22

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًۭا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادًۭا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allah equals while you know [that there is nothing similar to Him].

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ، أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فَلا تَجْعَلُوا﴾ و ﴿جَعَلَ﴾ مِنَ الأفْعالِ العامَّةِ يَجِيءُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى صارَ وطَفِقَ فَلا يَتَعَدّى كَقَوْلِهِ:

؎ فَقَدْ جَعَلْتُ قَلُوصَ بَنِي سُهَيْلٍ... مِنَ الأكْوارِ مَرْتَعُها قَرِيبُ

وَبِمَعْنى أوْجَدَ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ وبِمَعْنى صَيَّرَ، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ والتَّصْيِيرُ يَكُونُ بِالفِعْلِ تارَةً، وبِالقَوْلِ أوِ العَقْدِ أُخْرى.

وَمَعْنى جَعَلَها فِراشًا أنْ جَعَلَ بَعْضَ جَوانِبِها بارِزًا ظاهِرًا عَنِ الماءِ، مَعَ ما في طَبْعِهِ مِنَ الإحاطَةِ بِها، وصَيَّرَها مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الصَّلابَةِ واللَّطافَةِ حَتّى صارَتْ مُهَيَّأةً لِأنْ يَقْعُدُوا ويَنامُوا عَلَيْها كالفِراشِ المَبْسُوطِ، وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي كَوْنَها مُسَطَّحَةً، لِأنَّ كُرِيَّةَ شَكْلِها مَعَ عِظَمِ حَجْمِها. واتِّساعِ جِرْمِها لا تَأْبى الِافْتِراشَ عَلَيْها.

﴿والسَّماءَ بِناءً﴾ قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ عَلَيْكم. والسَّماءُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ كالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وقِيلَ: جَمْعُ سَماءَةٍ. والبِناءُ مَصْدَرٌ، سُمِّيَ بِهِ المَبْنى بَيْتًا كانَ أوْ قُبَّةً أوْ خِباءً، ومِنهُ بَنى عَلى امْرَأتِهِ، لِأنَّهم كانُوا إذا تَزَوَّجُوا ضَرَبُوا عَلَيْها خِباءً جَدِيدًا.

﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿جَعَلَ﴾، وخُرُوجُ الثِّمارِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ جَعْلَ الماءِ المَمْزُوجِ بِالتُّرابِ سَبَبًا في إخْراجِها ومادَّةً لَها كالنُّطْفَةِ لِلْحَيَوانِ، بِأنْ أجْرى عادَتَهُ بِإفاضَةِ صُوَرِها وكَيْفِيّاتِها عَلى المادَّةِ المُمْتَزِجَةِ مِنهُما، أوْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً فاعِلَةً وفي الأرْضِ قُوَّةً قابِلَةً يَتَوَلَّدُ مِنِ اجْتِماعِهِما أنْواعُ الثِّمارِ، وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُوجِدَ الأشْياءَ كُلَّها بِلا أسْبابٍ ومَوادَّ كَما أبْدَعَ نُفُوسَ الأسْبابِ والمَوادِّ، ولَكِنْ لَهُ في إنْشائِها مُدَرَّجًا مِن حالٍ إلى حالٍ صَنائِعُ وحِكَمٌ يُجَدِّدُ فِيها لِأُولِي الأبْصارِ عِبَرًا وسُكُونًا إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لَيْسَ في إيجادِها دَفْعَةٌ، ومِنَ الأوْلى لِلِابْتِداءِ سَواءٌ أُرِيدَ بِالسَّماءِ السَّحابُ فَإنَّ ما عَلاكَ سَماءٌ، أوِ الفَلَكُ فَإنَّ المَطَرَ يَبْتَدِئُ مِنَ السَّماءِ إلى السَّحابِ ومِنهُ إلى الأرْضِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الظَّواهِرُ. أوْ مِن أسْبابٍ سَماوِيَّةٍ تُثِيرُ الأجْزاءَ الرَّطْبَةَ مِن أعْماقِ الأرْضِ إلى جَوِّ الهَواءِ فَتَنْعَقِدُ سَحابًا ماطِرًا. و ﴿مِنَ﴾ الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ واكْتِنافِ المُنْكِرِينَ لَهُ أعْنِي ماءً ورِزْقًا كَأنَّهُ قالَ: وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ فَأخْرَجْنا بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكُمْ، وهَكَذا الواقِعُ إذْ لَمْ يُنْزِلْ مِنَ السَّماءِ الماءَ كُلَّهُ، ولا أخْرَجَ بِالمَطَرِ كُلَّ الثَّمَراتِ، ولا جَعَلَ كُلَّ المَرْزُوقِ ثِمارًا. أوْ لِلتَّبْيِينِ، و ﴿رِزْقًا﴾ مَفْعُولٌ بِمَعْنى المَرْزُوقِ كَقَوْلِكَ أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ ألْفًا. وإنَّما ساغَ الثَّمَراتِ والمَوْضِعُ مَوْضِعُ الكَثْرَةِ، لِأنَّهُ أرادَ بِالثَّمَراتِ جَماعَةَ الثَّمَرَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ أدْرَكْتُ ثَمَرَةَ بُسْتانِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: « مِنَ الثَّمَرَةِ» …

Al-Baqara 2:22Listen in Qur'an →
23

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And if you are in doubt about what We have sent down upon Our Servant [Muhammad], then produce a surah the like thereof and call upon your witnesses other than Allah, if you should be truthful.

﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ لَمّا قَرَّرَ وحْدانِيَّتَهُ تَعالى وبَيَّنَ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى العِلْمِ بِها، ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما هو الحُجَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو القُرْآنُ المُعْجِزُ بِفَصاحَتِهِ الَّتِي بَذَّتْ فَصاحَةَ كُلِّ مِنطِيقٍ وإفْحامِهِ مَن طُولِبَ بِمُعارَضَتِهِ مِن مَصاقِعِ الخُطَباءِ مِنَ العَرَبِ العَرْباءِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وإفْراطِهِمْ في المُضادَّةِ والمُضارَّةِ، وتَهالُكِهِمْ عَلى المَعازَّةِ والمَعارَّةِ، وعَرَّفَ ما يُتَعَرَّفُ بِهِ إعْجازُهُ ويُتَيَقَّنُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما يَدَّعِيهِ.

وَإنَّما قالَ: ﴿مِمّا نَزَّلْنا﴾ لِأنَّ نُزُولَهُ نَجْمًا مُنَجَّمًا بِحَسَبِ الوَقائِعِ عَلى ما تَرى عَلَيْهِ أهْلَ الشِّعْرِ والخَطابَةِ مِمّا يُرِيبُهُمْ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم فَقالَ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ . فَكانَ الواجِبُ تَحَدِّيَهم عَلى هَذا الوَجْهِ إزاحَةً لِلشُّبْهَةِ وإلْزامًا لِلْحُجَّةِ، وأضافَ العَبْدُ إلى نَفْسِهِ تَعالى تَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ مُنْقادٌ لِحُكْمِهِ تَعالى، وقُرِئَ « عِبادِنا» يُرِيدُ مُحَمَّدًا ﷺ وأُمَّتَهُ. والسُّورَةُ الطّائِفَةُ مِنَ القُرْآنِ المُتَرْجَمَةُ الَّتِي أقَلُّها ثَلاثُ آياتٍ، وهي إنْ جُعِلَتْ واوُها أصْلِيَّةً مَنقُولَةً مِن سُوَرِ المَدِينَةِ لِأنَّها مُحِيطَةٌ بِطائِفَةٍ مِنَ القُرْآنِ مُفْرِزَةٍ مُحْوِزَةٍ عَلى حِيالِها، أوْ مُحْتَوِيَةٌ عَلى أنْواعٍ مِنَ العِلْمِ احْتِواءَ سُوَرِ المَدِينَةِ عَلى ما فِيها، أوْ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي هي الرُّتْبَةُ، قالَ النّابِغَةُ:

؎ ولِرَهْطِ حَرّابٍ وقَدٍّ سُورَةٌ... في المَجْدِ لَيْسَ غُرابُها بِمُطارِ

لِأنَّ السُّوَرَ كالمَنازِلِ والمَراتِبِ يَتَرَقّى فِيها القارِئُ، أوَّلُها مَراتِبُ في الطُّولِ والقِصَرِ والفَضْلِ والشَّرَفِ وثَوابِ القِراءَةِ. وإنْ جُعِلَتْ مُبْدَلَةً مِنَ الهَمْزَةِ فَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي هي البَقِيَّةُ والقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ. والحِكْمَةُ في تَقْطِيعِ القُرْآنِ سُوَرًا: إفْرادُ الأنْواعِ، وتَلاحُقُ الأشْكالِ، وتَجاوُبُ النَّظْمِ، وتَنْشِيطُ القارِئِ، وتَسْهِيلُ الحِفْظِ، والتَّرْغِيبُ فِيهِ. فَإنَّهُ إذا خَتَمَ سُورَةً نَفَّسَ ذَلِكَ عَنْهُ، كالمُسافِرِ إذا عَلِمَ أنَّهُ قَطَعَ مِيلًا أوْ طَوى بَرِيدًا، والحافِظُ مَتى حَذَفَها اعْتَقَدَ أنَّهُ أخَذَ مِنَ القُرْآنِ حَظًّا تامًّا، وفازَ بِطائِفَةٍ مَحْدُودَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ بِنَفْسِها، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وابْتَهَجَ بِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ.

﴿مِن مِثْلِهِ﴾ صِفَةُ سُورَةٍ أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِن مِثْلِهِ، والضَّمِيرُ لِما نَزَلْنا، و ﴿مِن﴾ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلتَّبْيِينِ. وزائِدَةٌ عِنْدَ الأخْفَشِ أيْ بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ. أوْ لِعَبْدِنا، و ﴿مِن﴾ لِلِابْتِداءِ أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِمَّنْ هو عَلى حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كَوْنِهِ بَشَرًا أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأِ الكُتُبَ ولَمْ يَتَعَلَّمِ العُلُومَ.

أوْ صِلَةُ ﴿فَأْتُوا﴾، والضَّمِيرُ لِلْعَبْدِ ﷺ، والرَّدُّ إلى المُنْزِلِ أوْجَهُ لِأنَّهُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ ولِسائِرِ آياتِ التَّحَدِّي، ولِأنَّ الكَلامَ فِيهِ لا في المُنَزَّلِ عَلَيْهِ فَحَقُّهُ أنْ لا يَنْفَكَّ عَنْهُ لِيَتَّسِقَ التَّرْتِيبُ والنَّظْمُ، ولِأنَّ مُخاطَبَةَ الجَمِّ الغَفِيرِ بِأنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما أتى بِهِ واحِدٌ مِن أبْناءِ جِلْدَتِهِمْ …

Al-Baqara 2:23Listen in Qur'an →
24

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ

But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is men and stones, prepared for the disbelievers.

﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ لَمّا بَيَّنَ لَهم ما يَتَعَرَّفُونَ بِهِ أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ وما جاءَ بِهِ، ومَيَّزَ لَهُمُ الحَقَّ عَنِ الباطِلِ، رَتَّبَ عَلَيْهِ ما هو كالفَذْلَكَةِ لَهُ، وهو أنَّكم إذا اجْتَهَدْتُمْ في مُعارَضَتِهِ وعَجَزْتُمْ جَمِيعًا عَنِ الإتْيانِ بِما يُساوِيهِ أوْ يُدانِيهِ، ظَهَرَ أنَّهُ مُعْجِزٌ والتَّصْدِيقُ بِهِ واجِبٌ، فَآمَنُوا بِهِ واتَّقَوُا العَذابَ المُعَدَّ لِمَن كَذَّبَ، فَعَبَّرَ عَنِ الإتْيانِ المُكَيَّفِ بِالفِعْلِ الَّذِي يَعُمُّ الإتْيانَ وغَيْرَهُ إيجازًا، ونَزَلَ لازِمُ الجَزاءِ مُنْزِلَتَهُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ تَقْرِيرًا لِلْمُكَنّى عَنْهُ، وتَهْوِيلًا لِشَأْنِ العِنادِ، وتَصْرِيحًا بِالوَعِيدِ مَعَ الإيجازِ، وصَدَّرَ الشُّرْطِيَّةَ بِإنِ الَّتِي لِلشَّكِّ والحالُ يَقْتَضِي إذا الَّذِي لِلْوُجُوبِ، فَإنَّ القائِلَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَكُنْ شاكًّا في عَجْزِهِمْ، ولِذَلِكَ نَفى إتْيانَهم مُعْتَرِضًا بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وخِطابًا مَعَهم عَلى حَسَبِ ظَنِّهِمْ، فَإنَّ العَجْزَ قَبْلَ التَّأمُّلِ لَمْ يَكُنْ مُحَقَّقًا عِنْدَهم. و ﴿تَفْعَلُوا﴾ جُزِمَ بِ ﴿لَمْ﴾ لِأنَّها واجِبَةُ الإعْمالِ مُخْتَصَّةٌ بِالمُضارِعِ مُتَّصِلَةٌ بِالمَعْمُولِ، ولِأنَّها لَمّا صَيَّرَتْهُ ماضِيًا صارَتْ كالجُزْءِ مِنهُ، وحَرْفُ الشَّرْطِ كالدّاخِلِ عَلى المَجْمُوعِ فَكَأنَّهُ قالَ: فَإنْ تَرَكْتُمُ الفِعْلَ، ولِذَلِكَ ساغَ اجْتِماعُهُما. ﴿وَلَنْ﴾ كَلا في نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ غَيْرَ أنَّهُ أبْلَغُ وهو حَرْفٌ مُقْتَضَبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وفي الرِّوايَةِ الأُخْرى أصْلُهُ لا أنْ، وعِنْدَ الفَرّاءِ لا فَأُبْدِلَتْ ألِفُها نُونًا. والوَقُودُ بِالفَتْحِ ما تُوقَدُ بِهِ النّارُ، وبِالضَّمِّ المَصْدَرُ وقَدْ جاءَ المَصْدَرُ بِالفَتْحِ قالَ سِيبَوَيْهِ: وسَمِعْنا مَن يَقُولُ وقَدَتِ النّارُ وقُودًا عالِيًا، والِاسْمُ بِالضَّمِّ ولَعَلَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ كَما قِيلَ: فُلانٌ فَخْرُ قَوْمِهِ وزَيْنُ بَلَدِهِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ الِاسْمُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرُ فَعَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: وقُودُها احْتِراقُ النّاسِ، والحِجارَةُ: وهي جَمْعُ حَجَرٍ. كَجِمالَةٍ جَمْعُ جَمَلٍ وهو قَلِيلٌ غَيْرُ مُنْقاسٍ، والمُرادُ بِها الأصْنامُ الَّتِي نَحَتُوها وقَرَنُوا بِها أنْفُسَهم وعَبَدُوها طَمَعًا في شَفاعَتِها والِانْتِفاعِ بِها واسْتِدْفاعِ المَضارِّ لِمَكانَتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ . عُذِّبُوا بِما هو مَنشَأُ جُرْمِهِمْ كَما عُذِّبَ الكافِرُونَ بِما كَنَزُوهُ. أوْ بِنَقِيضِ ما كانُوا يَتَوَقَّعُونَ زِيادَةً في تَحَسُّرِهِمْ. وقِيلَ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ الَّتِي كانُوا يَكْنِزُونَها ويَغْتَرُّونَ بِها، وعَلى هَذا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ إعْدادِ هَذا النَّوْعِ مِنَ العَذابِ بِالكُفّارِ وجْهٌ، وقِيلَ: حِجارَةُ الكِبْرِيتِ وهو تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وإبْطالٌ لِلْمَقْصُودِ، إذِ الغَرَضُ تَهْوِيلُ شَأْنِها وتَفاقُمُ لَهَبِها بِحَيْثُ تَتَّقِدُ بِما لا يَتَّقِدُ بِهِ غَيْرُها، والكِبْرِيتُ تَتَّقِدُ بِهِ كُلُّ نارٍ وإنْ ضَعُفَتْ، فَإنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَلَعَلَّهُ عَنى بِهِ أنَّ الأحْجارَ كُلَّها لِتِلْكَ النّارِ كالحِجارَةِ الكِبْرِيتِ لِسائِرِ النِّيرانِ. ولَمّا كانَتِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً نَزَلَتْ بَعْدَ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ …

Al-Baqara 2:24Listen in Qur'an →
25

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍۢ رِّزْقًۭا ۙ قَالُوا۟ هَٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَٰبِهًۭا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والمَقْصُودُ عَطْفُ حالِ مَن آمَنَ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ ووَصْفِ ثَوابِهِ، عَلى حالِ مَن كَفَرَ بِهِ، وكَيْفِيَّةِ عِقابِهِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ مِن أنْ يَشْفَعَ التَّرْغِيبَ بِالتَّرْهِيبِ، تَنْشِيطًا لِاكْتِسابِ ما يُنْجِي، وتَثْبِيطًا عَنِ اقْتِرافِ ما يُرْدِي، لا عَطْفُ الفِعْلِ نَفْسِهِ حَتّى يَجِبَ أنْ يُطْلَبَ لَهُ ما يُشاكِلُهُ مِن أمْرٍ أوْ نَهْيٍ فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ أوْ عَلى ﴿فاتَّقُوا﴾، لِأنَّهم إذا لَمْ يَأْتُوا بِما يُعارِضُهُ بَعْدَ التَّحَدِّي ظَهَرَ إعْجازُهُ، وإذا ظَهَرَ ذَلِكَ فَمَن كُفْرٍ بِهِ اسْتَوْجَبَ العِقابَ، ومَن آمَنَ بِهِ اسْتَحَقَّ الثَّوابَ، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ يُخَوِّفَ هَؤُلاءِ ويُبَشِّرَ هَؤُلاءِ، وإنَّما أمَرَ الرَّسُولَ ﷺ، أوْ عالِمَ كُلِّ عَصْرِ، أوْ كُلِّ أحَدٍ يَقْدِرُ عَلى البِشارَةِ بِأنْ يُبَشِّرَهم. ولَمْ يُخاطِبْهم بِالبِشارَةِ كَما خاطَبَ الكَفَرَةَ، تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ وإيذانًا بِأنَّهم أحِقّاءُ بِأنْ يُبَشَّرُوا ويُهَنَّأُوا بِما أُعِدَّ لَهم.

وَقُرِئَ « وبُشِّرَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَطْفًا عَلى أُعِدَّتْ فَيَكُونُ اسْتِئْنافًا. والبِشارَةُ: الخَبَرُ السّارُّ فَإنَّهُ يَظْهَرُ أثَرُ السُّرُورِ في البَشْرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: البِشارَةُ هي الخَبَرُ الأوَّلُ، حَتّى لَوْ قالَ الرَّجُلُ لِعَبِيدِهِ: مَن بَشَّرَنِي بِقُدُومِ ولَدِي فَهو حُرٌّ، فَأخْبَرُوهُ فُرادى عَتَقَ أوَلُهُمْ، ولَوْ قالَ: مَن أخْبَرَنِي، عَتَقُوا جَمِيعًا، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ فَعَلى التَّهَكُّمِ أوْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ.

وَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ جُمَعُ صالِحَةٍ وهي مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرى الأسْماءِ كالحَسَنَةِ، قالَ الحُطَيْئَةُ:

؎ كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ... مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي

وَهِيَ مِنَ الأعْمالِ ما سَوَّغَهُ الشَّرْعُ وحَسَّنَهُ، وتَأْنِيثُها عَلى تَأْوِيلِ الخَصْلَةِ، أوِ الخَلَّةِ، واللّامُ فِيها لِلْجِنْسِ، وعَطَفَ العَمَلَ عَلى الإيمانِ مُرَتِّبًا لِلْحُكْمِ عَلَيْهِما إشْعارًا بِأنَّ السَّبَبَ في اسْتِحْقاقِ هَذِهِ البِشارَةِ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ والجَمْعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّحْقِيقِ والتَّصْدِيقِ أُسٌّ، والعَمَلُ الصّالِحُ كالبِناءِ عَلَيْهِ، ولا غِناءَ بَأُسٍّ لا بِناءَ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ قَلَّما ذُكِرا مُنْفَرِدَيْنِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها خارِجَةٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ، إذِ الأصْلُ أنَّ الشَّيْءَ لا يُعْطَفُ عَلى نَفْسِهِ ولا عَلى ما هو داخِلٌ فِيهِ.

﴿أنَّ لَهُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ، أوْ مَجْرُورٌ بِإضْمارِهِ مِثْلَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. والجَنَّةُ: المَرَّةُ مِنَ الجَنِّ وهو مَصْدَرُ جَنَّهُ إذا سَتَرَهُ، ومَدارُ التَّرْكِيبِ عَلى السَّتْرِ، سُمِّيَ بِها الشَّجَرُ المُظَلِّلُ لِالتِفافِ أغْصانِهِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ يَسْتُرُ ما تَحْتَهُ سُتْرَةً واحِدَةً قالَ زُهَيْرٌ:

؎ كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مَقْتَلَةٍ... ∗∗∗ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا

أيْ نَخْلًا طُوالًا، ثُمَّ البُسْتانُ لِما فِيهِ مِنَ الأشْجارِ المُتَكاثِفَةِ المُظَلَّلَةِ، ثُمَّ دارُ الثَّوابِ لِما فِيها مِنَ الجِنانِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَتَرَ في الدُّنْيا ما أعَدَّ فِيها لِلْبَشَرِ مِن أفْنانِ النِّعَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى:

﴿فَلا تَعْلَمُ …

Al-Baqara 2:25Listen in Qur'an →
26

۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًۭا مَّا بَعُوضَةًۭ فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًۭا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًۭا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًۭا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَٰسِقِينَ

Indeed, Allah is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allah intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً﴾ لَمّا كانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ مُتَضَمِّنَةً لِأنْواعٍ مِنَ التَّمْثِيلِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ حُسْنِهِ، وما هو الحَقُّ لَهُ والشَّرْطُ فِيهِ، وهو أنْ يَكُونَ عَلى وفْقِ المُمَثِّلِ لَهُ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي تُعَلِّقُ بِها التَّمْثِيلَ في العِظَمِ والصِّغَرِ والخِسَّةِ والشَّرَفِ دُونَ المُمَثِّلِ، فَإنَّ التَّمْثِيلَ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ لِكَشْفِ المَعْنى المُمَثِّلِ لَهُ ورَفْعِ الحِجابِ عَنْهُ وإبْرازِهِ في صُورَةِ المُشاهَدِ المَحْسُوسِ، لِيُساعِدَ فِيهِ الوَهْمُ العَقْلَ ويُصالِحُهُ عَلَيْهِ فَإنَّ المَعْنى الصِّرْفَ إنَّما يُدْرِكُهُ العَقْلُ مَعَ مُنازَعَةٍ مِنَ الوَهْمِ، لِأنَّ مِن طَبْعِهِ المَيْلَ إلى الحِسِّ وحُبِّ المُحاكاةِ، ولِذَلِكَ شاعَتِ الأمْثالُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وفَشَتْ في عِباراتِ البُلَغاءِ، وإشاراتِ الحُكَماءِ، فَيُمَثَّلُ الحَقِيرُ بِالحَقِيرِ كَما يُمَثَّلُ العَظِيمُ بِالعَظِيمِ، وإنْ كانَ المَثَلُ أعْظَمَ مِن كُلِّ عَظِيمٍ، كَما مَثَّلَ في الإنْجِيلِ غِلَّ الصُّدُورِ بِالنُّخالَةِ، والقُلُوبَ القاسِيَةَ بِالحَصاةِ. ومُخاطَبَةَ السُّفَهاءِ بِإثارَةِ الزَّنابِيرِ. وجاءَ في كَلامِ العَرَبِ: أسْمَعُ مِن قُرادٍ وأطْيَشُ مِن فَراشَةٍ، وأعَزُّ مِن مُخِّ البَعُوضِ. لا ما قالَتِ الجَهَلَةُ، مِنَ الكُفّارِ: لَمّا مَثَّلَ اللَّهُ حالَ المُنافِقِينَ بِحالِ المُسْتَوْقِدِينَ؟

وَأصْحابِ الصَّيِّبِ وعِبادَةِ الأصْنامِ في الوَهَنِ والضَّعْفِ بِبَيْتِ العَنْكَبُوتِ؟ وجَعَلَها أقَلَّ مِنَ الذُّبابِ وأخَسَّ قَدْرًا مِنهُ؟ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلى وأجَلَّ مِن أنْ يَضْرِبَ الأمْثالَ ويَذْكُرَ الذُّبابَ والعَنْكَبُوتَ. وأيْضًا، لَمّا أرْشَدَهم إلى ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَحَدِّيَ بِهِ وحْيٌ مُنَزَّلٌ؟ ورَتَّبَ عَلَيْهِ وعِيدَ مَن كَفَرَ بِهِ ووَعْدَ مَن آمَنَ بِهِ بَعْدَ ظُهُورِ أمْرِهِ؟ شَرَعَ في جَوابِ ما طَعَنُوا بِهِ فِيهِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي﴾ أيْ لا يَتْرُكُ ضَرْبَ المَثَلِ بِالبَعُوضَةِ تَرْكَ مَن يَسْتَحْيِي أنْ يُمَثِّلَ بِها لِحَقارَتِها. والحَياءُ: انْقِباضُ النَّفْسِ عَنِ القَبِيحِ مَخافَةَ الذَّمِّ، وهو الوَسَطُ بَيْنَ الوَقاحَةِ:

الَّتِي هي الجَراءَةُ عَلى القَبائِحِ وعَدَمُ المُبالاةِ بِها، والخَجَلُ: الَّذِي هو انْحِصارُ النَّفْسِ عَنِ الفِعْلِ مُطْلَقًا.

واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَياةِ فَإنَّهُ انْكِسارٌ يَعْتَرِي القُوَّةَ الحَيَوانِيَّةَ فَيَرُدُّها عَنْ أفْعالِها فَقِيلَ: حَيِيَ الرَّجُلُ كَما يُقالُ نَسِيَ وحَشِيَ، إذا اعْتَلَّتْ نَساهُ وحَشاهُ. وإذا وُصِفَ بِهِ البارِي تَعالى كَما جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِي مِن ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ أنْ يُعَذِّبَهُ» . «إنَّ اللَّهَ حَيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إذا رَفَعَ العَبْدُ يَدَيْهِ أنْ يَرُدَّهُما صِفْرًا حَتّى يَضَعَ فِيهِما خَيْرًا»

فالمُرادُ بِهِ التَّرْكُ اللّازِمُ لِلِانْقِباضِ، كَما أنَّ المُرادَ مِن رَحْمَتِهِ وغَضَبِهِ إصابَةُ المَعْرُوفِ والمَكْرُوهِ اللّازِمَيْنِ لِمَعْنَيَيْهِما، ونَظِيرُهُ قَوْلُ مَن يَصِفُ إبِلًا:

؎ إذا ما اسْتَحْيَنَ الماءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ... كَرَعْنَ بِسَبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ

وَإنَّما عَدَلَ بِهِ عَنِ التَّرْكِ، لِما فِيهِ مِنَ التَّمْثِيلِ والمُبالَغَةِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةَ خاصَّةً أنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ عَلى المُقابَلَةِ لِما وقَعَ في كَلامِ الكَفَرَةِ. وضَرْبُ المَثَلِ اعْتِمالُهُ مِن ضَرْبِ الخاتَمِ، وأصْلُهُ وقْعُ شَيْءٍ عَلى آخَرَ، وأنْ بِصِلَتِها مَخْفُوضُ المَحَلِّ عِنْدَ الخَلِيلِ بِإضْمارِ مَن، …

Al-Baqara 2:26Listen in Qur'an →
27

ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Who break the covenant of Allah after contracting it and sever that which Allah has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.

﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلْفاسِقِينَ لِلذَّمِّ وتَقْرِيرِ الفِسْقِ. والنَّقْضُ: فَسْخُ التَّرْكِيبِ، وأصْلُهُ في طاقاتِ الحَبْلِ، واسْتِعْمالُهُ في إبْطالِ العَهْدِ مِن حَيْثُ إنَّ العَهْدَ يُسْتَعارُ لَهُ الحَبْلُ لِما فِيهِ مِن رَبْطِ أحَدِ المُتَعاهِدَيْنِ بِالآخَرِ، فَإنْ أُطْلِقَ مَعَ لَفْظِ الحَبْلِ كانَ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ، وإنْ ذُكِرَ مَعَ العَهْدِ كانَ رَمْزًا إلى ما هو مِن رَوادِفِهِ وهو أنَّ العَهْدَ حَبْلٌ في ثَباتِ الوَصْلَةِ بَيْنَ المُتَعاهِدَيْنِ كَقَوْلِكَ شُجاعٌ يَفْتَرِسُ أقْرانَهُ وعالِمٌ يَفْتَرِقُ مِنهُ النّاسُ فَإنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أسَدٌ في شَجاعَتِهِ بَحْرٌ بِالنَّظَرِ إلى إفادَتِهِ. والعَهْدُ: المُوَثَّقُ ووَضْعُهُ لِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُراعِيَ ويَتَعَهَّدَ كالوَصِيَّةِ واليَمِينِ، ويُقالُ لِلدّارِ، مِن حَيْثُ إنَّها تُراعى بِالرُّجُوعِ إلَيْها. والتّارِيخُ لِأنَّهُ يَحْفَظُ، وهَذا العَهْدُ: إمّا العَهْدُ المَأْخُوذُ بِالعَقْلِ، وهو الحُجَّةُ القائِمَةُ عَلى عِبادِهِ الدّالَّةُ عَلى تَوْحِيدِهِ ووُجُوبِ وجُودِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ، وعَلَيْهِ أوَّلَ قَوْلِهِ تَعالى: وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ. أوِ: المَأْخُوذُ بِالرُّسُلِ عَلى الأُمَمِ، بِأنَّهم إذا بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ بِالمُعْجِزاتِ صَدَّقُوهُ واتَّبَعُوهُ، ولَمْ يَكْتُمُوا أمْرَهُ ولَمْ يُخالِفُوا حُكْمَهُ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ونَظائِرَهُ. وقِيلَ: عُهُودُ اللَّهِ تَعالى ثَلاثَةٌ: عَهْدٌ أخَذَهُ عَلى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِأنْ يُقِرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، وعَهْدٌ أخَذَهُ عَلى النَّبِيِّينَ بِأنْ يُقِيمُوا الدِّينَ ولا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ، وعَهْدٌ أخَذَهُ عَلى العُلَماءِ بِأنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ ولا يَكْتُمُوهُ.

﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلْعَهْدِ والمِيثاقِ: اسْمٌ لَمّا يَقَعُ بِهِ الوَثاقَةُ وهي الِاسْتِحْكامُ، والمُرادُ بِهِ ما وثَّقَ اللَّهُ بِهِ عَهْدَهُ مِنَ الآياتِ والكُتُبِ، أوْ ما وثَّقُوهُ بِهِ مِنَ الِالتِزامِ والقَبُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَصْدَرِ. و (مِن) لِلِابْتِداءِ فَإنَّ ابْتِداءَ النَّقْضِ بَعْدَ المِيثاقِ.

وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ يَحْتَمِلُ كُلَّ قَطِيعَةٍ لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى، كَقَطْعِ الرَّحِمِ، والإعْراضِ عَنْ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، والتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والكُتُبِ في التَّصْدِيقِ، وتَرْكِ الجَماعاتِ المَفْرُوضَةِ، وسائِرِ ما فِيهِ رَفْضُ خَيْرٍ. أوْ تَعاطِي شَرٍّ فَإنَّهُ يَقْطَعُ الوَصْلَةَ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ المَقْصُودَةَ بِالذّاتِ مِن كُلِّ وصْلٍ وفَصْلٍ، والأمْرُ هو لِلْقَوْلِ الطّالِبِ لِلْفِعْلِ، وقِيلَ: مَعَ العُلُوِّ، وقِيلَ: مَعَ الِاسْتِعْلاءِ، وبِهِ سُمِّيَ الأمْرُ الَّذِي هو واحِدُ الأُمُورِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِهِ بِالمَصْدَرِ، فَإنَّهُ مِمّا يُؤْمَرُ بِهِ كَما قِيلَ: لَهُ شَأْنٌ وهو الطَّلَبُ والقَصْدُ يُقالُ:

شَأنْتُ شَأْنَهُ، إذا قَصَدْتَ قَصْدَهُ. و ﴿أنْ يُوصَلَ﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ والخَفْضَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ما، أوْ ضَمِيرُهُ.

والثّانِي أحْسَنُ لَفْظًا ومَعْنًى.

وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ بِالمَنعِ عَنِ الإيمانِ والِاسْتِهْزاءِ بِالحَقِّ، وقَطَعَ الوَصْلَ الَّتِي بِها نِظامُ العالَمِ وصَلاحُهُ.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ الَّذِينَ خَسِرُوا بِإهْمالِ العَقْلِ عَنِ النَّظَرِ واقْتِناصِ ما يُفِيدُهُمُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ، واسْتِبْدالِ الإنْكارِ والطَّعْنِ في الآياتِ بِالإيمانِ بِها، …

Al-Baqara 2:27Listen in Qur'an →
28

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًۭا فَأَحْيَٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

How can you disbelieve in Allah when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ اسْتِخْبارٌ فِيهِ إنْكارٌ، وتَعْجِيبٌ لِكُفْرِهِمْ بِإنْكارِ الحالِ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، فَإنَّ صُدُورَهُ لا يَنْفِكُّ عَنْ حالٍ وصِفَةٍ فَإذا أنْكَرَ أنْ يَكُونَ لِكُفْرِهِمْ حالٌ يُوجَدُ عَلَيْها اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ إنْكارُ وجُودِهِ، فَهو أبْلَغُ وأقْوى في إنْكارِ الكُفْرِ، مِن (أتَكْفُرُونَ) وأوْفَقُ لِما بَعْدَهُ مِنَ الحالِ، والخِطابُ مَعَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَمّا وصَفَهم بِالكُفْرِ وسُوءِ المَقالِ وخُبْثِ الفِعالِ، خاطَبَهم عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ووَبَّخَهم عَلى كُفْرِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحالِهِمُ المُقْتَضِيَةِ خِلافَ ذَلِكَ، والمَعْنى أخْبَرُونِي عَلى أيِّ حالٍ تَكْفُرُونَ.

﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾ أيْ أجْسامًا لا حَياةَ لَها، عَناصِرَ وأغْذِيَةً، وأخْلاطًا ونُطَفًا، ومُضَغًا مُخَلَّقَةً وغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ.

﴿فَأحْياكُمْ﴾ بِخَلْقِ الأرْواحِ ونَفْخِها فِيكُمْ، وإنَّما عَطَفَهُ بِالفاءِ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُتَراخٍ عَنْهُ بِخِلافِ البَواقِي.

﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عِنْدَما تُقْضى آجالُكم. ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بِالنُّشُورِ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ أوْ لِلسُّؤالِ في القُبُورِ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بَعْدَ الحَشْرِ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم. أوْ تُنْشَرُونَ إلَيْهِ مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ، فَما أعْجَبَ كُفْرَكم مَعَ عِلْمِكم بِحالِكم هَذِهِ. فَإنْ قِيلَ: إنْ عَلِمُوا أنَّهم كانُوا أمْواتًا فَأحْياهم ثُمَّ يُمِيتُهُمْ، لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ يُحْيِيهِمْ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ. قُلْتُ: تَمَكُّنُهم مِنَ العِلْمِ بِهِما لِما نَصَبَ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ عِلْمِهِمْ في إزاحَةِ العُذْرِ، سِيَّما وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِما وهُوَ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى إحْيائِهِمْ أوَّلًا قَدَرَ عَلى أنْ يُحْيِيَهم ثانِيًا، فَإنَّ بَدْءَ الخَلْقِ لَيْسَ بِأهْوَنَ عَلَيْهِ مِن إعادَتِهِ. أوِ الخِطابُ مَعَ القَبِيلَيْنِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، ووَعَدَهم عَلى الإيمانِ، وأوْعَدَهم عَلى الكُفْرِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ العامَّةَ والخاصَّةَ، واسْتَقْبَحَ صُدُورَ الكُفْرِ مِنهم واسْتَبْعَدَهُ عَنْهم مَعَ تِلْكَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ، فَإنَّ عِظَمِ النِّعَمِ يُوجِبُ عِظَمِ مَعْصِيَةِ المُنْعِمِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تُعَدُّ الإماتَةُ مِنَ النِّعَمِ المُقْتَضِيَةِ لِلشُّكْرِ؟ قُلْتُ: لَمّا كانَتْ وصْلَةً إلى الحَياةِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي الحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾، كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ مَعَ أنَّ المَعْدُودَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ هو المَعْنى المُنْتَزَعُ مِنَ القِصَّةِ بِأسْرِها، كَما أنَّ الواقِعَ حالًا هو العِلْمُ بِها لا كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمَلِ، فَإنَّ بَعْضَها ماضٍ وبَعْضَها مُسْتَقْبَلٌ وكِلاهُما لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ حالًا. أوْ مَعَ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً لِتَقْرِيرِ المِنَّةِ عَلَيْهِمْ، وتَبْعِيدِ الكُفْرِ عَنْهم عَلى مَعْنًى، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنكُمُ الكُفْرَ وكُنْتُمْ أمْواتًا جُهّالًا، فَأحْياكم بِما أفادَكم مِنَ العِلْمِ والإيمانِ، ثُمَّ يُمِيتُكُمُ المَوْتَ المَعْرُوفَ، ثُمَّ يُحْيِيكُمُ الحَياةَ الحَقِيقِيَّةَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَيُثِيبُكم بِما لا عَيْنَ رَأتْ، ولا أُذُنَ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ. والحَياةُ حَقِيقَةٌ في القُوَّةِ الحَسّاسَةِ، أوْ ما يَقْتَضِيها وبِها سُمِّي الحَيَوانُ حَيَوانًا مَجازًا في القُوَّةِ …

Al-Baqara 2:28Listen in Qur'an →
29

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ بَيانُ نِعْمَةٍ أُخْرى مُرَتَّبَةٍ عَلى الأُولى، فَإنَّها خَلْقُهم أحْياءً قادِرِينَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وهَذِهِ خَلْقُ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَقاؤُهم وتَمَّ بِهِ مَعاشُهم. ومَعْنى ﴿لَكُمْ﴾ لِأجْلِكم وانْتِفاعِكم في دُنْياكم بِاسْتِنْفاعِكم بِها في مَصالِحِ أبْدانِكم بِوَسَطٍ أوْ بِغَيْرِ وسَطٍ، ودِينِكم بِالِاسْتِدْلالِ والِاعْتِبارِ والتَّعَرُّفِ لِما يُلائِمُها مِن لَذّاتِ الآخِرَةِ وآلامِها، لا عَلى وجْهِ الغَرَضِ، فَإنَّ الفاعِلَ لِغَرَضٍ مُسْتَكْمَلٌ بِهِ، بَلْ عَلى أنَّهُ كالغَرَضِ مِن حَيْثُ إنَّهُ عاقِبَةُ الفِعْلِ ومُؤَدّاهُ وهو يَقْتَضِي إباحَةَ الأشْياءِ النّافِعَةِ، ولا يَمْنَعُ اخْتِصاصَ بَعْضِها بِبَعْضٍ لِأسْبابٍ عارِضَةٍ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ لِلْكُلِّ لا أنَّ كُلَّ واحِدٍ لِكُلِّ واحِدٍ. وما يَعُمُّ كُلَّ ما في الأرْضِ، إلّا إذا أُرِيدَ بِها جِهَةُ السُّفْلِ كَما يُرادُ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ. وجَمِيعًا: حالٌ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي.

﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ قَصَدَ إلَيْها بِإرادَتِهِ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَوى إلَيْهِ كالسَّهْمِ المُرْسَلِ، إذا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِن غَيْرِ أنْ يَلْوِيَ عَلى شَيْءٍ. وأصْلُ الِاسْتِواءِ طَلَبُ السَّواءِ، وإطْلاقُهُ عَلى الِاعْتِدالِ لِما فِيهِ مِن تَسْوِيَةِ وضْعِ الأجْزاءِ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مِن خَواصِّ الأجْسامِ وقِيلَ اسْتَوى أيِ: اسْتَوْلى ومَلَكَ، قالَ:

؎ قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ... مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ

والأوَّلُ أوْفَقُ لِلْأصْلِ والصِّلَةِ المُعْدّى بِها والتَّسْوِيَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ بِالفاءِ، والمُرادُ بِالسَّماءِ هَذِهِ الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ، أوْ جِهاتُ العُلُوِّ، و ﴿ثُمَّ﴾ لَعَلَّهُ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الخَلْقَيْنِ وفَضْلِ خَلْقِ السَّماءِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لا لِلتَّراخِي في الوَقْتِ، فَإنَّهُ يُخالِفُ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَأخُّرِ دَحْوِ الأرْضِ المُتَقَدِّمِ عَلى خَلْقِ ما فِيها عَنْ خَلْقِ السَّماءِ وتَسْوِيَتِها، إلّا أنْ تَسْتَأْنِفَ بَدَحاها مُقَدَّرًا لِنَصْبِ الأرْضِ فِعْلًا آخَرَ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا﴾ مِثْلَ تَعَرَّفِ الأرْضَ وتَدَبَّرْ أمْرَها بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.

﴿فَسَوّاهُنَّ﴾ عَدَّلَهُنَّ وخَلَقَهُنَّ مَصُونَةً مِنَ العِوَجِ والفُطُورِ. و (هُنَّ) ضَمِيرُ السَّماءِ إنْ فُسِّرَتْ بِالأجْرامِ لِأنَّهُ جَمْعٌ. أوْ هو في مَعْنى الجَمْعِ، وإلّا فَمُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِمْ: رُبَّهُ رَجُلًا.

﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ بَدَلٌ أوْ تَفْسِيرٌ. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ إنَّ أصْحابَ الأرْصادِ أثْبَتُوا تِسْعَةَ أفْلاكٍ؟ قُلْتُ: فِيما ذَكَرُوهُ شُكُوكٌ، وإنْ صَحَّ فَلَيْسَ في الآيَةِ نَفْيُ الزّائِدِ مَعَ أنَّهُ إنْ ضُمَّ إلَيْها العَرْشُ والكُرْسِيُّ لَمْ يَبْقَ خِلافٌ. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ تَعْلِيلٌ كَأنَّهُ قالَ: ولِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُنْهِ الأشْياءِ كُلِّها، خَلَقَ ما خَلَقَ عَلى هَذا النَّمَطِ الأكْمَلِ والوَجْهِ الأنْفَعِ، واسْتِدْلالٌ بِأنَّ مَن كانَ فِعْلُهُ عَلى هَذا النَّسَقِ العَجِيبِ، والتَّرْتِيبِ الأنِيقِ كانَ عَلِيمًا، فَإنَّ إتْقانَ الأفْعالِ وإحْكامَها وتَخْصِيصَها بِالوَجْهِ الأحْسَنِ الأنْفَعِ، لا يُتَصَوَّرُ إلّا مِن عالِمٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ، وإزاحَةٌ لِما يَخْتَلِجُ في صُدُورِهِمْ مِن أنَّ الأبْدانَ بَعْدَ ما تَبَدَّدَتْ وتَفَتَّتَتْ …

Al-Baqara 2:29Listen in Qur'an →
30

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And [mention, O Muhammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority." They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we declare Your praise and sanctify You?" Allah said, "Indeed, I know that which you do not know."

﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ تَعْدادٌ لِنِعْمَةٍ ثالِثَةٍ تَعُمُّ النّاسَ كُلَّهُمْ، فَإنَّ خَلْقَ آدَمَ وإكْرامَهُ وتَفْضِيلَهُ عَلى مَلائِكَتِهِ بِأنْ أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ، إنْعامٌ يَعُمُّ ذُرِّيَّتَهُ. وإذْ: ظَرْفٌ وُضِعَ لِزَمانِ نِسْبَةٍ ماضِيَةٍ وقَعَ فِيهِ أُخْرى، كَما وُضِعَ إذا لِزَمانِ نِسْبَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ يَقَعُ فِيهِ أُخْرى، ولِذَلِكَ يَجِبُ إضافَتُهُما إلى الجُمَلِ كَحَيْثُ في المَكانِ، وبُنِيَتا تَشْبِيهًا لَهُما بِالمَوْصُولاتِ، واسْتُعْمِلَتا لِلتَّعْلِيلِ والمُجازاةِ، ومَحَلُّهُما النَّصْبُ أبَدًا بِالظَّرْفِيَّةِ فَإنَّهُما مِنَ الظُّرُوفِ الغَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ لِما ذَكَرْناهُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾ ونَحْوُهُ، فَعَلى تَأْوِيلِ: اذْكُرِ الحادِثَ إذْ كانَ كَذا، فَحُذِفَ الحادِثُ وأُقِيمَ الظَّرْفُ مَقامَهُ، وعامِلُهُ في الآيَةِ قالُوا، أوِ اذْكُرْ عَلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ جاءَ مَعْمُولًا لَهُ صَرِيحًا في القُرْآنِ كَثِيرًا، أوْ مُضْمَرٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، مِثْلَ وبَدَأ خَلْقَكم إذْ قالَ، وعَلى هَذا فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَلَقَ لَكم داخِلَةٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ. وعَنْ مَعْمَرٍ أنَّهُ مَزِيدٌ. والمَلائِكَةُ جَمْعُ مَلْأكٍ عَلى الأصْلِ كالشَّمائِلِ جَمْعِ شَمْألٍ، والتّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، وهو مَقْلُوبُ مَأْلَكٍ مِنَ الألُوكَةِ وهِيَ: الرِّسالَةُ، لِأنَّهم وسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ النّاسِ، فَهم رُسُلُ اللَّهِ. أوْ كالرُّسُلِ إلَيْهِمْ. واخْتَلَفَ العُقَلاءُ في حَقِيقَتِهِمْ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّها ذَواتٌ مَوْجُودَةٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها. فَذَهَبَ أكْثَرُ المُسْلِمِينَ إلى أنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ قادِرَةٌ عَلى التَّشَكُّلِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّ الرُّسُلَ كانُوا يَرَوْنَهم كَذَلِكَ. وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النَّصارى: هي النُّفُوسُ الفاضِلَةُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِلْأبْدانِ. وزَعَمَ الحُكَماءُ أنَّهم جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ مُخالِفَةٌ لِلنُّفُوسِ النّاطِقَةِ في الحَقِيقَةِ، مُنْقَسِمَةٌ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ شَأْنُهُمُ الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ والتَّنَزُّهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ، كَما وصَفَهم في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وهُمُ العِلِّيُّونَ والمَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ. وقِسْمٌ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ وجَرى بِهِ القَلَمُ الإلَهِيُّ ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ وهُمُ المُدَبِّراتُ أمْرًا، فَمِنهم سَماوِيَّةٌ، ومِنهم أرْضِيَّةٌ، عَلى تَفْصِيلٍ أُثْبِتُهُ في كِتابِ الطَّوالِعِ.

والمَقُولُ لَهُمُ: المَلائِكَةُ كُلُّهم لِعُمُومِ اللَّفْظِ وعَدَمِ المُخَصَّصِ، وقِيلَ مَلائِكَةُ الأرْضِ، وقِيلَ إبْلِيسُ ومَن كانَ مَعَهُ في مُحارَبَةِ الجِنِّ، فَإنَّهُ تَعالى أسْكَنَهم في الأرْضِ أوَّلًا فَأفْسَدُوا فِيها، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ إبْلِيسَ في جُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَدَمَّرَهم وفَرَّقَهم في الجَزائِرِ والجِبالِ. وجاعِلٌ: مِن جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولانِ وهُما في الأرْضِ خَلِيفَةً أعْمَلَ فِيهِما، لِأنَّهُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ ومُعْتَمِدٌ عَلى مُسْنَدٍ إلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى خالِقٍ. والخَلِيفَةُ مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ ويَنُوبُ مَنابَهُ، والهاءُ فِيهِ لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ كانَ خَلِيفَةَ …

Al-Baqara 2:30Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.