Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 261–270 of 286

261

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

The example of those who spend their wealth in the way of Allah is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allah multiplies [His reward] for whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦١] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: في طاعَتِهِ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ أيْ: مَثَلُ نَفَقَتِهِمْ كَمَثَلِ حَبَّةٍ، أوْ مَثَلُهم كَمَثَلِ باذِرِ حَبَّةٍ، فالحَذْفُ إمّا مِن جانِبِ المُشَبَّهِ أوِ المُشَبَّهِ بِهِ لِتَحْصِيلِ المُناسَبَةِ، أيْ: وتِلْكَ الحَبَّةُ أُلْقِيَتْ في الأرْضِ ثُمَّ: ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ أيْ: أنْبَتَتْ ساقًا انْشَعَبَ سَبْعَ شُعَبٍ، خَرَجَ مِن كُلِّ شُعْبَةٍ سُنْبُلَةٌ فِيها مِائَةُ حَبَّةٍ، فَصارَتِ الحَبَّةُ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ بِمُضاعَفَةِ اللَّهِ لَها. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا المَثَلُ أبْلَغُ في النُّفُوسِ مِن ذِكْرِ عَدَدِ السَّبْعِمِائَةِ، فَإنَّ هَذا فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ يُنَمِّيها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِأصْحابِها، كَما يُنَمِّي الزَّرْعَ لِمَن بَذَرَهُ في الأرْضِ الطَّيِّبَةِ. انْتَهى.

أقُولُ: مِصْداقُ هَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ، ولا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ إلّا الطَّيِّبُ، فَإنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُها بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ، حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ»» .

﴿واللَّهُ يُضاعِفُ﴾ أيْ: هَذا التَّضْعِيفَ أوْ أكْثَرَ مِنهُ: ﴿لِمَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وقَدْ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِتَضْعِيفِ الحَسَنَةِ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ»» وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ بِناقَةٍ مَخْطُومَةٍ فَقالَ: هَذِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعُمِائَةِ ناقَةٍ كُلُّها مَخْطُومَةٌ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««النَّفَقَةُ في الحَجِّ كالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ. الدِّرْهَمُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ»» . وثَمَّةَ آثارٌ أُخْرى في (ابْنِ كَثِيرٍ) و(الدُّرِّ المَنثُورِ)، ثُمَّ مَدَحَ تَعالى مَن حَفِظَ نَفْسَهُ مِنَ المَنِّ والأذى فِيما أنْفَقَ بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:261Listen in Qur'an →
262

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُوا۟ مَنًّۭا وَلَآ أَذًۭى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Those who spend their wealth in the way of Allah and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٢] ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ﴾ أيْ: لا يُعَقِّبُونَ: ﴿ما أنْفَقُوا مَنًّا﴾ وهو ذِكْرُهُ لِمَن أنْفَقَ عَلَيْهِ لِيُرِيَهُ أنَّهُ أوْجَبَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ حَقًّا: ﴿ولا أذًى﴾ وهو ذِكْرُهُ لِغَيْرِهِ، فَيُؤْذِيهِ بِذَلِكَ أوِ التَّطاوُلُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ المَوْعُودُ بِهِ قَبْلُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: فِيما يَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] عَلى فائِتٍ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا، لِصَيْرُورَتِهِمْ إلى ما هو خَيْرٌ مِن ذَلِكَ.

لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْنى (ثُمَّ) إظْهارُ التَّفاوُتِ بَيْنَ الإنْفاقِ وتَرْكَ المَنِّ والأذى. وفي حَواشِيهِ لِلنّاصِرِ ما نَصُّهُ: (ثُمَّ) في أصْلِ وضْعِها تُشْعِرُ بِتَراخِي المَعْطُوفِ بِها عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الزَّمانِ وبُعْدِ ما بَيْنَهُما، والزَّمَخْشَرِيُّ يَحْمِلُها عَلى التَّفاوُتِ في المَراتِبِ والتَّباعُدِ بَيْنَهُما، حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ حَمْلُها عَلى التَّراخِي في الزَّمانِ لِسِياقٍ يَأْبى ذَلِكَ، كَهَذِهِ الآيَةِ، وحاصِلُهُ أنَّها اسْتُعِيرَتْ مِن تَباعُدِ الأزْمِنَةِ لِتَباعُدِ المَرْتَبَةِ، وعِنْدِي فِيها وجْهٌ آخَرُ مُحْتَمَلٌ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، وهو الدَّلالَةُ عَلى دَوامِ الفِعْلِ المَعْطُوفِ بِها وإرْخاءِ الطُّولِ في اسْتِصْحابِهِ، فَهي عَلى هَذا لَمْ تَخْرُجْ عَنِ الإشْعارِ بِبُعْدِ الزَّمَنِ، ولَكِنَّ مَعْناها الأصْلِيَّ تَراخِي زَمَنِ وُقُوعِ الفِعْلِ وحُدُوثِهِ، ومَعْناها المُسْتَعارَةُ إلَيْهِ دَوامُ وُجُودِ الفِعْلِ وتَراخِي زَمَنِ بَقائِهِ، وعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] أيْ: داوَمُوا عَلى الِاسْتِقامَةِ دَوامًا مُتَراخِيًا مُمْتَدَّ الأمَدِ، وتِلْكَ الِاسْتِقامَةُ هي المُعْتَبَرَةُ، لا ما هو مُنْقَطِعٌ إلى ضِدِّهِ مِنَ الحَيْدِ إلى الهَوى والشَّهَواتِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذًى﴾ أيْ: يَدُومُونَ عَلى تَناسِي الإحْسانِ وعَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِهِ والِامْتِنانِ، لَيْسُوا بِتارِكِيهِ في أزْمِنَةٍ إلى الأذِيَّةِ، وتَقْلِيدِ المِنَنِ بِسَبَبِهِ، ثُمَّ يَتُوبُونَ. واللَّهُ أعْلَمُ. وقَرِيبٌ مِن هَذا أوْ مِثْلُهُ، أنَّ السِّينَ يَصْحَبُ الفِعْلَ لِتَنْفِيسِ زَمانِ وُقُوعِهِ وتَراخِيهِ، ثُمَّ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] فَلَيْسَ إلى حَمْلِ السِّينِ عَلى تَراخِي زَمانِ وُقُوعِ الهِدايَةِ لَهُ مِن سَبِيلٍ. فَيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إلى حَمْلِها عَلى الدَّلالَةِ عَلى تَنَفُّسِ دَوامِ الهِدايَةِ الحاصِلَةِ لَهُ وتَراخِي بَقائِها وتَمادِي أمَدِها. انْتَهى.

الثّانِيَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ وقَوْلِهِ فِيما بَعْدُ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] ؟! (قُلْتُ): المَوْصُولُ لَمْ يَضْمَن هَهُنا مَعْنى الشَّرْطِ، وضَمِنَهُ ثَمَّهُ، والفَرْقُ بَيْنَهُما مِن جِهَةِ المَعْنى: أنَّ الفاءَ فِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْفاقَ بِهِ اسْتَحَقَّ الأجْرَ، وطَرْحُها عارٍ عَنْ تِلْكَ الدَّلالَةِ.

وقالَ …

Al-Baqara 2:262Listen in Qur'an →
263

۞ قَوْلٌۭ مَّعْرُوفٌۭ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌۭ مِّن صَدَقَةٍۢ يَتْبَعُهَآ أَذًۭى ۗ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌۭ

Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allah is Free of need and Forbearing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٣] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ .

﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أيْ: مِن كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ودُعاءٍ لِمُسْلِمٍ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: غَفْرٌ عَنْ ظُلْمٍ قَوْلِيٍّ أوْ فِعْلِيٍّ: ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ إذْ لا يَحْصُلُ لِلصَّدَقَةِ ثَوابٌ ويَحْصُلُ إثْمُ الأذى، وقَدْ دَخَلَ في قَوْلِهِ (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ) الرَّدُّ الجَمِيلُ لِلسّائِلِ. و(مَغْفِرَةٌ) العَفْوُ عَنِ السّائِلِ إذا وُجِدَ مِنهُ ما يَثْقُلُ عَلى المَسْؤُولِ ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عَنْ طَلَبِ صَدَقَةٍ لِعَبِيدِهِ مَعَ الأذى لَهم أوِ المَنِّ عَلَيْهِمْ: ﴿حَلِيمٌ﴾ عَنْ مُعالَجَةِ مَن يَمُنُّ ويُؤْذِي بِالعُقُوبَةِ.

Al-Baqara 2:263Listen in Qur'an →
264

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبْطِلُوا۟ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ كَٱلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌۭ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٌۭ فَتَرَكَهُۥ صَلْدًۭا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍۢ مِّمَّا كَسَبُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allah and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allah does not guide the disbelieving people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ أيْ: لا تُحْبِطُوا أجْرَها بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فَإنَّهُما إساءَتانِ يُنافِيانِ الإحْسانَ المُعْتَبَرَ في الصَّدَقَةِ، والمُنافِي مُبْطِلٌ كالرِّياءِ.

فَيَصِيرُ المانُّ والمُؤْذِي: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ في بُطْلانِ صَدَقَتِهِ، و(رِئاءَ) إمّا مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ. أيْ: مُرائِيًا. والهَمْزَةُ الأُولى في (رِئاءَ) عَيْنُ الكَلِمَةِ لِأنَّهُ مِن: راءى، والأخِيرَةُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ لِوُقُوعِها طَرَفًا بَعْدَ ألِفِ زائِدَةٍ كالقَضاءِ، ويَجُوزُ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ الأوْلى بِأنْ تُقْلَبَ ياءً فِرارًا مِن ثِقَلِ الهَمْزَةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ. قالَهُ أبُو البَقاءِ.

﴿فَمَثَلُهُ﴾ أيْ: هَذا المُنْفِقِ رِياءً، في إنْفاقِهِ مُقارِنًا لِما يُفْسِدُهُ. ومَثَلُ نَفَقَتِهِ: ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ وهو حَجَرٌ أمْلَسُ: ﴿عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ﴾ أيْ: مَطَرٌ كَثِيرٌ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أيْ: أجْرَدَ لا شَيْءَ عَلَيْهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أيِ: المُرائِي والمانُّ والمُؤْذِي، لا يَقْدِرُونَ عَلى تَحْصِيلِ شَيْءٍ مِن ثَوابِ ما عَمِلُوا لِبُطْلانِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]

فَلا يَجِدُونَ ثَوابَ صَدَقاتِهِمْ كَما لا يُوجَدُ عَلى الصَّفا التُّرابُ بَعْدَ ما أصابَهُ الوابِلُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ إلى الخَيْرِ والرَّشادِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الرِّياءَ والمَنَّ والأذى عَلى الإنْفاقِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ، ولا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَتَجَنَّبَ عَنْها، وقَدْ ورَدَ في وعِيدِ المَنِّ بِالصَّدَقَةِ أحادِيثُ مُتَواتِرَةٌ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ: المَنّانُ بِما أعْطى، والمُسْبِلُ إزارَهُ، والمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالحِلْفِ الكاذِبِ»» . وفي سُنَنِ النَّسائِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ ولا عاقٌّ لِوالِدَيْهِ ولا مَنّانٌ»» .

Al-Baqara 2:264Listen in Qur'an →
265

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌۭ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌۭ فَطَلٌّۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allah and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allah, of what you do, is Seeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٥] ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ: و﴿وتَثْبِيتًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ. أيْ: مُبْتَغِينَ ومُتَثَبِّتِينَ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مِن) بِمَعْنى اللّامِ أيْ: تَثْبِيتًا لِأنْفُسِهِمْ، كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ كَسْرًا مِن شَهْوَتِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى أصْلِها أيْ: تَثْبِيتًا صادِرًا مِن أنْفُسِهِمْ، والتَّثْبِيتُ مَصْدَرُ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: يَكُونُ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ مَفْعُولَ المَصْدَرِ، وعَلى الثّانِي: يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا. تَقْدِيرُهُ: ويُثْبِتُونَ أعْمالَهم بِإخْلاصِ النِّيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَثْبِيتًا بِمَعْنى (تَثَبُّتٍ) فَيَكُونَ لازِمًا، والمَصادِرُ قَدْ تَخْتَلِفُ ويَقَعُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] أيْ: تَبَتُّلًا. انْتَهى. وعَنِ الشَّعْبِيِّ: تَثْبِيتًا تَصْدِيقًا ويَقِينًا: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أيْ: بُسْتانٍ: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ: مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ مَطَرٌ كَثِيرٌ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ أيْ: أخْرَجَتْ ثَمَرَها: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ: بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِها مِنَ الجِنانِ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ وهو المَطَرُ الضَّعِيفُ، أوْ أخَفُّ المَطَرِ، أوْ أضْعَفُهُ أوِ النَّدى، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ هُنا كَما تَقَدَّمَ: إمّا مِن جانِبِ المُشَبَّهِ أوِ المُشَبَّهِ بِهِ، أيْ: ومَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ... إلخ، أوْ كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّةٍ إلخ؛ رِعايَةً لِلتَّناسُبِ.

قالَ الشِّهابُ: وفي التَّشْبِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مُرَكَّبٌ، والتَّشْبِيهُ لِحالِ النَّفَقَةِ بِحالِ الجَنَّةِ بِالرَّبْوَةِ في كَوْنِها زاكِيَةً مُتَكَثِّرَةَ المَنافِعِ عِنْدَ اللَّهِ، كَيْفَما كانَتِ الحالُ.

والثّانِي: أنَّ تَشْبِيهَ حالِهِمْ بِحالِ الجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ في أنَّ نَفَقَتَهُمْ، كَثُرَتْ أوْ قَلَّتْ، زاكِيَةٌ زائِدَةٌ في حُسْنِ حالِهِمْ، كَما أنَّ الجَنَّةَ يُضَعِّفُ أُكُلَها قَوِيُّ المَطَرِ وضَعِيفُهُ، وهَذا أيْضًا تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ، إلّا أنَّهُ لُوحِظَ الشَّبَهُ فِيما بَيْنُ المُفْرَداتِ، وحاصِلُهُ: أنَّ حالَهم في اتِّباعِ القِلَّةِ والكَثْرَةِ تَضْعِيفُ الأجْرِ، كَحالِ الجَنَّةِ في إنْتاجِ الوابِلِ والطَّلِّ تَضْعِيفُ ثِمارِها، ويَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا وهو أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهِ المُفْرَدِ بِالمُفْرَدِ، بِأنَّ تُشَبَّهَ حالُهم بِجَنَّةٍ مُرْتَفِعَةٍ في الحُسْنِ والبَهْجَةِ، والنَّفَقَةِ الكَثِيرَةِ والقَلِيلَةِ بِالطَّلِّ والوابِلِ، والأجْرِ والثَّوابِ بِالثَّمَراتِ، والرَّبْوَةُ مُثَلَّثَةُ الرّاءِ، وأُكُلٌ بِضَمَّتَيْنِ، وتُسَكَّنُ لِلتَّخْفِيفِ. وبِهِ قُرِئَ: (واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) تَحْذِيرٌ عَنِ الرِّياءِ وتَرْغِيبٌ في الإخْلاصِ.

Al-Baqara 2:265Listen in Qur'an →
266

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٌۭ مِّن نَّخِيلٍۢ وَأَعْنَابٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٌۭ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌۭ فِيهِ نَارٌۭ فَٱحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allah make clear to you [His] verses that you might give thought.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٦] ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ .

﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ﴾ أيْ: كِبَرُ السِّنِّ، فَإنَّ الفاقَةَ والعالَةَ في الشَّيْخُوخَةِ أصْعَبُ: ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ صِغارٌ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الكَسْبِ: ﴿فَأصابَها إعْصارٌ﴾ أيْ: رِيحٌ شَدِيدَةٌ: ﴿فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ تِلْكَ الجَنَّةُ، وبَقِيَ صاحِبُها بِمَضْيَعَةٍ مَعَ ضَعْفِهِ وثِقَلِ ظَهْرِهِ بِالعِيالِ وقِلَّةِ المالِ، والمَعْنى: تَمْثِيلُ حالِ مَن يَفْعَلُ الأفْعالَ الحَسَنَةَ، ويَضُمُّ إلَيْها ما يُحْبِطُها، كَرِياءٍ وإيذاءٍ، في الحَسْرَةِ والأسَفِ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، واشْتَدَّتْ حاجَتُهُ إلَيْها وجَدَها مُحْبَطَةً بِحالِ مِن هَذا شَأْنُهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا البَيانِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: فِيها، فَتَعْتَبِرُونَ بِها. ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَوْمًا لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ فَقالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قالَ عُمَرُ: يا ابْنَ أخِي، قُلْ ولا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: أيُّ عَمَلٍ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَمَلٍ. قالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ بِالمَعاصِي، حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ. (قالَ ابْنُ كَثِيرٍ وهو مِن أفْرادِ البُخارِيِّ) ولِابْنِ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ: أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ يَعْمَلَ عُمْرَهُ بِعَمَلِ الخَيْرِ، حَتّى إذا كانَ حِينَ فَنِيَ عُمْرُهُ خُتِمَ ذَلِكَ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ، فَأفْسَدَ ذَلِكَ فَأحْرَقَهُ.

Al-Baqara 2:266Listen in Qur'an →
267

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ

O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allah is Free of need and Praiseworthy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٧] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ هَذا بَيانٌ لِحالِ ما يُنْفَقُ مِنهُ، إثْرَ بَيانِ أصْلِ الإنْفاقِ وكَيْفِيَّتِهِ، أيْ: أنْفِقُوا مِن جِيادِ ما كَسَبْتُمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فَمُقْتَضى الإيمانِ الإنْفاقُ مِنَ الجَيِّدِ، سِيَّما ما يُطْلَبُ بِهِ رِضا اللَّهِ وتَثْبِيتُ النَّفْسِ، وفي الأمْرِ إشْعارٌ بِأنَّهُ إنَّما يُمَثَّلُ بِالزَّرْعِ المُنْبَتِ سَبْعَ سَنابِلَ، أوْ بِالجَنَّةِ بِرَبْوَةٍ، ما أنْفَقَ مِنَ الجَيِّدِ: ﴿ومِمّا﴾ أيْ: ومِن طَيِّباتِ ما: ﴿أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ مِنَ الحُبُوبِ والثِّمارِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا﴾ أيْ: لا تَقْصِدُوا: ﴿الخَبِيثَ﴾ أيِ: الرَّدِيءَ مِن أمْوالِكم ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أيْ: بِقابِلِيهِ يَعْنِي الرَّدِيءَ إذا أُهْدِيَ إلَيْكُمْ: ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أيْ: إلّا بِأنْ تَتَسامَحُوا في أخْذِهِ وتَتَرَخَّصُوا فِيهِ. مِن قَوْلِكَ: أغْمَضَ فُلانٌ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ إذا غَضَّ بَصَرَهُ، ويُقالُ لِلْبائِعِ: أغْمِضْ، أيْ: لا تَسْتَقِصَّ، كَأنَّكَ لا تُبْصِرُ. كَذا في " الكَشّافِ ".

قالَ الرّازِيُّ: الإغْماضُ في اللُّغَةِ غَضُّ البَصَرِ وإطْباقُ جَفْنٍ عَلى جَفْنٍ، والمُرادُ هَهُنا: المُساهَلَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا رَأى ما يَكْرَهُ أغْمَضَ عَيْنَيْهِ لِئَلّا يَرى ذَلِكَ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى جُعِلَ كُلُّ تَجاوُزٍ ومُساهَلَةٍ في البَيْعِ وغَيْرِهِ إغْماضًا. فَقَوْلُهُ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يَعْنِي: لَوْ أُهْدِيَ إلَيْكم مِثْلُ هَذِهِ الأشْياءِ، لَما أخَذْتُمُوها إلّا عَلى اسْتِحْياءٍ وإغْماضٍ، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي ما لا تَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِكُمْ؟!: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ إنْفاقِكُمْ، وإنَّما يَأْمُرُكم بِهِ لِمَنفَعَتِكُمْ: ﴿حَمِيدٌ﴾ يُجازِي المُحْسِنَ أفْضَلَ الجَزاءِ، وفي الأمْرِ بِأنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ، مَعَ ظُهُورِ عَلَمِهِمْ بِهِ، تَوْبِيخٌ عَلى إعْطاءِ الخَبِيثِ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الجَهْلِ بِشَأْنِهِ تَعالى، ولَمّا رَغَّبَ تَعالى في إنْفاقِ الجَيِّدِ حَذَّرَ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في ذَلِكَ فَقالَ:

Al-Baqara 2:267Listen in Qur'an →
268

ٱلشَّيْطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةًۭ مِّنْهُ وَفَضْلًۭا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ

Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allah promises you forgiveness from Him and bounty. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٨] ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .

﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ في الإنْفاقِ: ﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ أيْ: يُغْرِيكم عَلى البُخْلِ ومَنعِ الصَّدَقاتِ، إغْراءَ الآمِرِ لِلْمَأْمُورِ، والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ: البَخِيلُ. قالَ طَرَفَةُ:

؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ

قالَ الحَرالِيُّ: الفَحْشاءُ: كُلُّ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ اسْتِقْباحاتُ الشَّرْعِ، وأعْظَمُ مُرادٍ بِها هُنا البُخْلُ الَّذِي هو أدْوَأُ داءٍ، لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الفَقْرِ، وعَلَيْهِ يَنْبَنِي شَرُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويُلازِمُهُ الحِرْصُ ويُتابِعُهُ الحَسَدُ ويَتَلاحَقُ بِهِ الشَّرُّ كُلُّهُ.

﴿واللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ بِالإنْفاقِ لا سِيَّما مِنَ الجَيِّدِ: ﴿مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ لِلذُّنُوبِ: ﴿وفَضْلا﴾ خَلَفًا وثَوابًا في الآخِرَةِ: ﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ قُدْرَةً وفَضْلًا فَيُحَقِّقُ ما وعَدَكم بِهِ مِنَ المَغْفِرَةِ وإخْلافِ ما تُنْفِقُونَهُ: ﴿عَلِيمٌ﴾ بِصَدَقاتِكُمْ، فَلا يُضَيِّعُ أجْرَكم.

Al-Baqara 2:268Listen in Qur'an →
269

يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ

He gives wisdom to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦٩] ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾ .

﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ قالَ كَثِيرُونَ: الحِكْمَةُ إتْقانُ العِلْمِ والعَمَلِ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى مَعْرِفَةُ الحَقِّ والعَمَلِ بِهِ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: الحِكْمَةُ فِعْلَةٌ مِنَ الحُكْمِ وهي كالنِّحْلَةِ مِنَ النَّحْلِ، ورَجُلٌ حَكِيمٌ إذا كانَ ذا حِجًا ولُبٍّ وإصابَةِ رَأْيٍ، وهي في هَذا المَوْضِعِ في مَعْنى الفاعِلِ، ويُقالُ: أمْرٌ حَكِيمٌ، أيْ: مُحْكَمٌ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]

﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ إذْ بِها انْتِظامُ أمْرِ الدّارَيْنِ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِها، وفي إيلاءِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها إشْعارٌ بِأنَّ الَّذِي لا يَغْتَرُّ بِوَعْدِ الشَّيْطانِ ويُوقِنُ بِوَعْدِ اللَّهِ هو مَن آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ: ﴿وما يَذَّكَّرُ﴾ أيْ: يَتَّعِظُ بِأمْثالِ القُرْآنِ والحِكْمَةِ: ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ: ذَوُو العُقُولِ مِنَ النّاسِ، الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ الهَوى، وهُمُ الحُكَماءُ، والمُرادُ بِهِ: الحَثُّ عَلى العَمَلِ بِما تَضَمَّنَتِ الآيُ في مَعْنى الإنْفاقِ.

Al-Baqara 2:269Listen in Qur'an →
270

وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ ۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ

And whatever you spend of expenditures or make of vows - indeed, Allah knows of it. And for the wrongdoers there are no helpers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٧٠] ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ .

﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ أيْ: يَؤُولُ إلى الإنْفاقِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ وهو مُجازِيكم عَلَيْهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ رِئاءَ النّاسِ، أوْ يَضَعُونَ الإنْفاقَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أوْ بِضَمِّ المَنِّ والأذى إلَيْهِ، أوْ بِالإنْفاقِ مِنَ الخَبِيثِ، أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقاتِ، أوْ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في المَعاصِي، أوْ لا يَفُونَ بِالنُّذُورِ: ﴿مِن أنْصارٍ﴾ أيْ: مِن أعْوانٍ يَنْصُرُونَهم مِن عِقابِ اللَّهِ.

قالَ الحَرالِيُّ: فَفي إفْهامِهِ أنَّ اللَّهَ آخِذٌ بِيَدِ السَّخِيِّ وبِيَدِ الكَرِيمِ كُلَّما عَثَرَ، فَيَجِدُ لَهُ نَصِيرًا، ولا يَجِدُ الظّالِمُ، بِوَضْعِ القَهْرِ مَوْضِعَ البِرِّ، ناصِرًا.

Al-Baqara 2:270Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.