Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Kashshaf by Al-Zamakhshari

Ayahs 11–20 of 286

11

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ معطوف على يكذبون. ويجوز أن يعطف على: (يَقُولُ آمَنَّا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحا، والأوّل أوجه.

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.

قال اللَّه تعالى: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) ، (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) . ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد. وكان فساد المنافقين في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم علتهم، وذلك مما يؤدّى إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته. و «إنما» لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب. ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد. وأَلا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله: (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ) ؟ ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي «أما» من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والّذِى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ [[أما والذي لا يعلم الغيب غيره ... ويحيى العظام البيض وهي رميم

لقد كنت أختار القرى طاوى الحشا ... محاذرة من أن يقال لئيم

وإنى لأستحيى يمينى وبينها ... وبين فمي داجى الظلام بهيم

لحاتم الطائي. وأصل «أما» مركبة من همزة الاستفهام وما الباقية، فصارت حرفا لاستفتاح القسم وتوكيد الكلام وأقسم بالذي بعلم الغيب والضمائر وهو اللَّه تعالى، لأن جواب القسم من هذا القبيل. وذكر البيض دفعا لتوهم أنها المكية باللحم أو كناية عن طول مدتها عارية عنه، فيشتد بباضها لجفاف دمها وهي رميم بالية. واستواء لمذكر والمؤنث في فعيل بمعنى فاعل كما هنا قليل، والكثير في الذي بمعنى مفعول. لقد كنت أختار القرى: أى جمع الضيفان وإكرامهم. ويجوز أن يروى: أجناز القرى بالجيم والزاى وضم القاف: يصف نفسه بالعفة. ويروى: أختار الجوى بمعنى حرقة القلب من الجوع ونحوه حال كوني عفوفا. وعلى الأولى فالمعنى: حال كوني جائعا، قطي الحشا أى المعدة والأمعاء كناية عن ذلك، وكثر استعمال الطى في هذا المعنى، حتى قيل منه: طوى يطوى كرضى يرضى بمعنى جاع، فهو طيان كجوعان وزنا ومعنى. محاذرة: أى حذرا من قول الناس إنه لئيم لا كريم. وكان يستحى أن يمد يده للطعام إلى فمه، مع أن الليل شديد الظلمة حائل بينهما فيمنعه أن يراها. والبهيم: الذي انبهمت فيه الأشياء لظلمته.]]

أَمَا والّذِى أَبْكَى وأَضحَكَ [[أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر

لأبي صخر عبد اللَّه بن سلمي الهذلي. و «أما» استفتاحية ومقدمة وطليعة لليمين. والواو بعدها للقسم: أى وحق الذي أبكى وأضحك حقيقة، أو الذي سر وضر كناية، وهو أنسب بالمقام. والذي أمره: أى مقدره هو المقدر النافذ، أو الذي أمره إذا أراد شيئاً الأمر: أى قوله كن. ويروى «أمر» بلا لام: أى أمر حق عظيم. لقد تركتني جواب القسم: أى صيرتني أحسد الوحش على رؤيتى متآلفين منها، أى الوحش لأنه في معنى الجماعة. لا يروعهما أى لا يخيفهما، لأن الخوف يحل الروع- بالضم- وهو القلب. وذعر ذعراً، كتعب: خاف خوفا. …

Al-Baqara 2:11Listen in Qur'an →
12

أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ

Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ معطوف على يكذبون. ويجوز أن يعطف على: (يَقُولُ آمَنَّا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحا، والأوّل أوجه.

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.

قال اللَّه تعالى: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) ، (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) . ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد. وكان فساد المنافقين في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم علتهم، وذلك مما يؤدّى إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته. و «إنما» لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب. ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد. وأَلا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله: (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ) ؟ ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي «أما» من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والّذِى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ [[أما والذي لا يعلم الغيب غيره ... ويحيى العظام البيض وهي رميم

لقد كنت أختار القرى طاوى الحشا ... محاذرة من أن يقال لئيم

وإنى لأستحيى يمينى وبينها ... وبين فمي داجى الظلام بهيم

لحاتم الطائي. وأصل «أما» مركبة من همزة الاستفهام وما الباقية، فصارت حرفا لاستفتاح القسم وتوكيد الكلام وأقسم بالذي بعلم الغيب والضمائر وهو اللَّه تعالى، لأن جواب القسم من هذا القبيل. وذكر البيض دفعا لتوهم أنها المكية باللحم أو كناية عن طول مدتها عارية عنه، فيشتد بباضها لجفاف دمها وهي رميم بالية. واستواء لمذكر والمؤنث في فعيل بمعنى فاعل كما هنا قليل، والكثير في الذي بمعنى مفعول. لقد كنت أختار القرى: أى جمع الضيفان وإكرامهم. ويجوز أن يروى: أجناز القرى بالجيم والزاى وضم القاف: يصف نفسه بالعفة. ويروى: أختار الجوى بمعنى حرقة القلب من الجوع ونحوه حال كوني عفوفا. وعلى الأولى فالمعنى: حال كوني جائعا، قطي الحشا أى المعدة والأمعاء كناية عن ذلك، وكثر استعمال الطى في هذا المعنى، حتى قيل منه: طوى يطوى كرضى يرضى بمعنى جاع، فهو طيان كجوعان وزنا ومعنى. محاذرة: أى حذرا من قول الناس إنه لئيم لا كريم. وكان يستحى أن يمد يده للطعام إلى فمه، مع أن الليل شديد الظلمة حائل بينهما فيمنعه أن يراها. والبهيم: الذي انبهمت فيه الأشياء لظلمته.]]

أَمَا والّذِى أَبْكَى وأَضحَكَ [[أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر

لأبي صخر عبد اللَّه بن سلمي الهذلي. و «أما» استفتاحية ومقدمة وطليعة لليمين. والواو بعدها للقسم: أى وحق الذي أبكى وأضحك حقيقة، أو الذي سر وضر كناية، وهو أنسب بالمقام. والذي أمره: أى مقدره هو المقدر النافذ، أو الذي أمره إذا أراد شيئاً الأمر: أى قوله كن. ويروى «أمر» بلا لام: أى أمر حق عظيم. لقد تركتني جواب القسم: أى صيرتني أحسد الوحش على رؤيتى متآلفين منها، أى الوحش لأنه في معنى الجماعة. لا يروعهما أى لا يخيفهما، لأن الخوف يحل الروع- بالضم- وهو القلب. وذعر ذعراً، كتعب: خاف خوفا. …

Al-Baqara 2:12Listen in Qur'an →
13

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ

And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ معطوف على يكذبون. ويجوز أن يعطف على: (يَقُولُ آمَنَّا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحا، والأوّل أوجه.

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.

قال اللَّه تعالى: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) ، (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) . ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد. وكان فساد المنافقين في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم علتهم، وذلك مما يؤدّى إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته. و «إنما» لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب. ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد. وأَلا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله: (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ) ؟ ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي «أما» من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والّذِى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ [[أما والذي لا يعلم الغيب غيره ... ويحيى العظام البيض وهي رميم

لقد كنت أختار القرى طاوى الحشا ... محاذرة من أن يقال لئيم

وإنى لأستحيى يمينى وبينها ... وبين فمي داجى الظلام بهيم

لحاتم الطائي. وأصل «أما» مركبة من همزة الاستفهام وما الباقية، فصارت حرفا لاستفتاح القسم وتوكيد الكلام وأقسم بالذي بعلم الغيب والضمائر وهو اللَّه تعالى، لأن جواب القسم من هذا القبيل. وذكر البيض دفعا لتوهم أنها المكية باللحم أو كناية عن طول مدتها عارية عنه، فيشتد بباضها لجفاف دمها وهي رميم بالية. واستواء لمذكر والمؤنث في فعيل بمعنى فاعل كما هنا قليل، والكثير في الذي بمعنى مفعول. لقد كنت أختار القرى: أى جمع الضيفان وإكرامهم. ويجوز أن يروى: أجناز القرى بالجيم والزاى وضم القاف: يصف نفسه بالعفة. ويروى: أختار الجوى بمعنى حرقة القلب من الجوع ونحوه حال كوني عفوفا. وعلى الأولى فالمعنى: حال كوني جائعا، قطي الحشا أى المعدة والأمعاء كناية عن ذلك، وكثر استعمال الطى في هذا المعنى، حتى قيل منه: طوى يطوى كرضى يرضى بمعنى جاع، فهو طيان كجوعان وزنا ومعنى. محاذرة: أى حذرا من قول الناس إنه لئيم لا كريم. وكان يستحى أن يمد يده للطعام إلى فمه، مع أن الليل شديد الظلمة حائل بينهما فيمنعه أن يراها. والبهيم: الذي انبهمت فيه الأشياء لظلمته.]]

أَمَا والّذِى أَبْكَى وأَضحَكَ [[أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر

لأبي صخر عبد اللَّه بن سلمي الهذلي. و «أما» استفتاحية ومقدمة وطليعة لليمين. والواو بعدها للقسم: أى وحق الذي أبكى وأضحك حقيقة، أو الذي سر وضر كناية، وهو أنسب بالمقام. والذي أمره: أى مقدره هو المقدر النافذ، أو الذي أمره إذا أراد شيئاً الأمر: أى قوله كن. ويروى «أمر» بلا لام: أى أمر حق عظيم. لقد تركتني جواب القسم: أى صيرتني أحسد الوحش على رؤيتى متآلفين منها، أى الوحش لأنه في معنى الجماعة. لا يروعهما أى لا يخيفهما، لأن الخوف يحل الروع- بالضم- وهو القلب. وذعر ذعراً، كتعب: خاف خوفا. …

Al-Baqara 2:13Listen in Qur'an →
14

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا۟ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ معطوف على يكذبون. ويجوز أن يعطف على: (يَقُولُ آمَنَّا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحا، والأوّل أوجه.

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.

قال اللَّه تعالى: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) ، (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) . ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد. وكان فساد المنافقين في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم علتهم، وذلك مما يؤدّى إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته. و «إنما» لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب. ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد. وأَلا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله: (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ) ؟ ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي «أما» من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والّذِى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ [[أما والذي لا يعلم الغيب غيره ... ويحيى العظام البيض وهي رميم

لقد كنت أختار القرى طاوى الحشا ... محاذرة من أن يقال لئيم

وإنى لأستحيى يمينى وبينها ... وبين فمي داجى الظلام بهيم

لحاتم الطائي. وأصل «أما» مركبة من همزة الاستفهام وما الباقية، فصارت حرفا لاستفتاح القسم وتوكيد الكلام وأقسم بالذي بعلم الغيب والضمائر وهو اللَّه تعالى، لأن جواب القسم من هذا القبيل. وذكر البيض دفعا لتوهم أنها المكية باللحم أو كناية عن طول مدتها عارية عنه، فيشتد بباضها لجفاف دمها وهي رميم بالية. واستواء لمذكر والمؤنث في فعيل بمعنى فاعل كما هنا قليل، والكثير في الذي بمعنى مفعول. لقد كنت أختار القرى: أى جمع الضيفان وإكرامهم. ويجوز أن يروى: أجناز القرى بالجيم والزاى وضم القاف: يصف نفسه بالعفة. ويروى: أختار الجوى بمعنى حرقة القلب من الجوع ونحوه حال كوني عفوفا. وعلى الأولى فالمعنى: حال كوني جائعا، قطي الحشا أى المعدة والأمعاء كناية عن ذلك، وكثر استعمال الطى في هذا المعنى، حتى قيل منه: طوى يطوى كرضى يرضى بمعنى جاع، فهو طيان كجوعان وزنا ومعنى. محاذرة: أى حذرا من قول الناس إنه لئيم لا كريم. وكان يستحى أن يمد يده للطعام إلى فمه، مع أن الليل شديد الظلمة حائل بينهما فيمنعه أن يراها. والبهيم: الذي انبهمت فيه الأشياء لظلمته.]]

أَمَا والّذِى أَبْكَى وأَضحَكَ [[أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر

لأبي صخر عبد اللَّه بن سلمي الهذلي. و «أما» استفتاحية ومقدمة وطليعة لليمين. والواو بعدها للقسم: أى وحق الذي أبكى وأضحك حقيقة، أو الذي سر وضر كناية، وهو أنسب بالمقام. والذي أمره: أى مقدره هو المقدر النافذ، أو الذي أمره إذا أراد شيئاً الأمر: أى قوله كن. ويروى «أمر» بلا لام: أى أمر حق عظيم. لقد تركتني جواب القسم: أى صيرتني أحسد الوحش على رؤيتى متآلفين منها، أى الوحش لأنه في معنى الجماعة. لا يروعهما أى لا يخيفهما، لأن الخوف يحل الروع- بالضم- وهو القلب. وذعر ذعراً، كتعب: خاف خوفا. …

Al-Baqara 2:14Listen in Qur'an →
15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

[But] Allah mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ معطوف على يكذبون. ويجوز أن يعطف على: (يَقُولُ آمَنَّا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحا، والأوّل أوجه.

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.

قال اللَّه تعالى: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) ، (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) . ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد. وكان فساد المنافقين في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم علتهم، وذلك مما يؤدّى إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته. و «إنما» لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب. ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد. وأَلا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله: (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ) ؟ ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي «أما» من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والّذِى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ [[أما والذي لا يعلم الغيب غيره ... ويحيى العظام البيض وهي رميم

لقد كنت أختار القرى طاوى الحشا ... محاذرة من أن يقال لئيم

وإنى لأستحيى يمينى وبينها ... وبين فمي داجى الظلام بهيم

لحاتم الطائي. وأصل «أما» مركبة من همزة الاستفهام وما الباقية، فصارت حرفا لاستفتاح القسم وتوكيد الكلام وأقسم بالذي بعلم الغيب والضمائر وهو اللَّه تعالى، لأن جواب القسم من هذا القبيل. وذكر البيض دفعا لتوهم أنها المكية باللحم أو كناية عن طول مدتها عارية عنه، فيشتد بباضها لجفاف دمها وهي رميم بالية. واستواء لمذكر والمؤنث في فعيل بمعنى فاعل كما هنا قليل، والكثير في الذي بمعنى مفعول. لقد كنت أختار القرى: أى جمع الضيفان وإكرامهم. ويجوز أن يروى: أجناز القرى بالجيم والزاى وضم القاف: يصف نفسه بالعفة. ويروى: أختار الجوى بمعنى حرقة القلب من الجوع ونحوه حال كوني عفوفا. وعلى الأولى فالمعنى: حال كوني جائعا، قطي الحشا أى المعدة والأمعاء كناية عن ذلك، وكثر استعمال الطى في هذا المعنى، حتى قيل منه: طوى يطوى كرضى يرضى بمعنى جاع، فهو طيان كجوعان وزنا ومعنى. محاذرة: أى حذرا من قول الناس إنه لئيم لا كريم. وكان يستحى أن يمد يده للطعام إلى فمه، مع أن الليل شديد الظلمة حائل بينهما فيمنعه أن يراها. والبهيم: الذي انبهمت فيه الأشياء لظلمته.]]

أَمَا والّذِى أَبْكَى وأَضحَكَ [[أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر

لأبي صخر عبد اللَّه بن سلمي الهذلي. و «أما» استفتاحية ومقدمة وطليعة لليمين. والواو بعدها للقسم: أى وحق الذي أبكى وأضحك حقيقة، أو الذي سر وضر كناية، وهو أنسب بالمقام. والذي أمره: أى مقدره هو المقدر النافذ، أو الذي أمره إذا أراد شيئاً الأمر: أى قوله كن. ويروى «أمر» بلا لام: أى أمر حق عظيم. لقد تركتني جواب القسم: أى صيرتني أحسد الوحش على رؤيتى متآلفين منها، أى الوحش لأنه في معنى الجماعة. لا يروعهما أى لا يخيفهما، لأن الخوف يحل الروع- بالضم- وهو القلب. وذعر ذعراً، كتعب: خاف خوفا. …

Al-Baqara 2:15Listen in Qur'an →
16

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ معطوف على يكذبون. ويجوز أن يعطف على: (يَقُولُ آمَنَّا) لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم لا تفسدوا، كان صحيحا، والأوّل أوجه.

والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة. والفساد في الأرض: هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فساد ما في الأرض وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية.

قال اللَّه تعالى: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) ، (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ) . ومنه قيل لحرب كانت بين طيء: حرب الفساد. وكان فساد المنافقين في الأرض. أنهم كانوا يمايلون الكفار ويمالئونهم على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم وإغرائهم علتهم، وذلك مما يؤدّى إلى هيج الفتن بينهم، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤديا إلى الفساد قيل لهم: لا تفسدوا، كما تقول للرجل: لا تقتل نفسك بيدك، ولا تلق نفسك في النار، إذا أقدم على ما هذه عاقبته. و «إنما» لقصر الحكم على شيء، كقولك: إنما ينطق زيد، أو لقصر الشيء على حكم كقولك: إنما زيد كاتب. ومعنى إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أن صفة المصلحين خلصت لهم وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجوه الفساد. وأَلا مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي، لإعطاء معنى التنبيه على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا كقوله: (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ) ؟ ولكونها في هذا المنصب من التحقيق، لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدّرة بنحو ما يتلقى به القسم. وأختها التي هي «أما» من مقدّمات اليمين وطلائعها: أَمَا والّذِى لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ [[أما والذي لا يعلم الغيب غيره ... ويحيى العظام البيض وهي رميم

لقد كنت أختار القرى طاوى الحشا ... محاذرة من أن يقال لئيم

وإنى لأستحيى يمينى وبينها ... وبين فمي داجى الظلام بهيم

لحاتم الطائي. وأصل «أما» مركبة من همزة الاستفهام وما الباقية، فصارت حرفا لاستفتاح القسم وتوكيد الكلام وأقسم بالذي بعلم الغيب والضمائر وهو اللَّه تعالى، لأن جواب القسم من هذا القبيل. وذكر البيض دفعا لتوهم أنها المكية باللحم أو كناية عن طول مدتها عارية عنه، فيشتد بباضها لجفاف دمها وهي رميم بالية. واستواء لمذكر والمؤنث في فعيل بمعنى فاعل كما هنا قليل، والكثير في الذي بمعنى مفعول. لقد كنت أختار القرى: أى جمع الضيفان وإكرامهم. ويجوز أن يروى: أجناز القرى بالجيم والزاى وضم القاف: يصف نفسه بالعفة. ويروى: أختار الجوى بمعنى حرقة القلب من الجوع ونحوه حال كوني عفوفا. وعلى الأولى فالمعنى: حال كوني جائعا، قطي الحشا أى المعدة والأمعاء كناية عن ذلك، وكثر استعمال الطى في هذا المعنى، حتى قيل منه: طوى يطوى كرضى يرضى بمعنى جاع، فهو طيان كجوعان وزنا ومعنى. محاذرة: أى حذرا من قول الناس إنه لئيم لا كريم. وكان يستحى أن يمد يده للطعام إلى فمه، مع أن الليل شديد الظلمة حائل بينهما فيمنعه أن يراها. والبهيم: الذي انبهمت فيه الأشياء لظلمته.]]

أَمَا والّذِى أَبْكَى وأَضحَكَ [[أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر

لأبي صخر عبد اللَّه بن سلمي الهذلي. و «أما» استفتاحية ومقدمة وطليعة لليمين. والواو بعدها للقسم: أى وحق الذي أبكى وأضحك حقيقة، أو الذي سر وضر كناية، وهو أنسب بالمقام. والذي أمره: أى مقدره هو المقدر النافذ، أو الذي أمره إذا أراد شيئاً الأمر: أى قوله كن. ويروى «أمر» بلا لام: أى أمر حق عظيم. لقد تركتني جواب القسم: أى صيرتني أحسد الوحش على رؤيتى متآلفين منها، أى الوحش لأنه في معنى الجماعة. لا يروعهما أى لا يخيفهما، لأن الخوف يحل الروع- بالضم- وهو القلب. وذعر ذعراً، كتعب: خاف خوفا. …

Al-Baqara 2:16Listen in Qur'an →
17

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًۭا فَلَمَّآ أَضَآءَتْ مَا حَوْلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَٰتٍۢ لَّا يُبْصِرُونَ

Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allah took away their light and left them in darkness [so] they could not see.

لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان. ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر- شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد. وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبىّ، ولأمر مّا أكثر اللَّه في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء. قال اللَّه تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. والمثل في أصل كلامهم: بمعنى المثل، وهو النظير. يقال:

مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه. ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل.

ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثمّ حوفظ عليه وحمى من التغيير. فإن قلت: ما معنى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد نارا حتى شبه أحد المثلين بصاحبه؟ قلت: قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام، للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا. وكذلك قوله:

(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أى وفيما قصصنا عليك من العجائب: قصة الجنة العجيبة. ثم أخذ في بيان عجائبها. وللَّه المثل الأعلى: أى الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة.

(مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ) : أى صفتهم وشأنهم المتعجب منه. ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا:

فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن. فإن قلت: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟ قلت: وضع الذي موضع الذين، كقوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) والذي سوّغ وضع الذي موضع الذين، ولم يجز وضع القائم موضع القائمين ولا نحوه من الصفات أمران:

أحدهما: أنّ «الذي» لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة بجملة، وتكاثر وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالا بصلته، حقيق بالتخفيف، ولذلك نهكوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا به على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين. والثاني: أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون. وإنما ذاك علامة لزيادة الدلالة. ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ الجمع، والواحد فيهن واحد. أو قصد جنس المستوقدين. أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا. على أنّ المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد. ونحوه قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) ، وقوله: (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) .

ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها. ومن أخواته: وقل في الجبل إذا صعد وعلا، والنار:

جوهر لطيف مضيء حارّ محرق. والنور: ضوءها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة.

واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأنّ فيها حركة واضطرابا، والنور مشتق منها. والإضاءة:

فرط الإنارة. ومصداق ذلك قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً) ، وهي في الآية متعدية. ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما حوله. والتأنيث للحمل على المعنى لأنّ ما حول المستوقد أماكن وأشياء. ويعضده قراءة ابن أبى عبلة (ضاءت) . وفيه وجه آخر، وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار. ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها، على أنّ ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة. وحَوْلَهُ نصب على الظرف وتأليفه للدوران والإطافة. وقيل للعام: حول لأنه يدور. فإن قلت: أين جواب لما؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن جوابه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. والثاني: أنه محذوف …

Al-Baqara 2:17Listen in Qur'an →
18

صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌۭ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].

لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل زيادة في الكشف وتتميما للبيان. ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر- شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد. وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبىّ، ولأمر مّا أكثر اللَّه في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء. قال اللَّه تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) ومن سور الإنجيل سورة الأمثال. والمثل في أصل كلامهم: بمعنى المثل، وهو النظير. يقال:

مثل ومثل ومثيل، كشبه وشبه وشبيه. ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده: مثل.

ولم يضربوا مثلا، ولا رأوه أهلا للتسيير، ولا جديرا بالتداول والقبول، إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه. ومن ثمّ حوفظ عليه وحمى من التغيير. فإن قلت: ما معنى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا، وما مثل المنافقين ومثل الذي استوقد نارا حتى شبه أحد المثلين بصاحبه؟ قلت: قد استعير المثل استعارة الأسد للمقدام، للحال أو الصفة أو القصة، إذا كان لها شأن وفيها غرابة، كأنه قيل: حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد نارا. وكذلك قوله:

(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أى وفيما قصصنا عليك من العجائب: قصة الجنة العجيبة. ثم أخذ في بيان عجائبها. وللَّه المثل الأعلى: أى الوصف الذي له شأن من العظمة والجلالة.

(مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ) : أى صفتهم وشأنهم المتعجب منه. ولما في المثل من معنى الغرابة قالوا:

فلان مثلة في الخير والشر، فاشتقوا منه صفة للعجيب الشأن. فإن قلت: كيف مثلت الجماعة بالواحد؟ قلت: وضع الذي موضع الذين، كقوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) والذي سوّغ وضع الذي موضع الذين، ولم يجز وضع القائم موضع القائمين ولا نحوه من الصفات أمران:

أحدهما: أنّ «الذي» لكونه وصلة إلى وصف كل معرفة بجملة، وتكاثر وقوعه في كلامهم، ولكونه مستطالا بصلته، حقيق بالتخفيف، ولذلك نهكوه بالحذف فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا به على اللام وحدها في أسماء الفاعلين والمفعولين. والثاني: أن جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون. وإنما ذاك علامة لزيادة الدلالة. ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ الجمع، والواحد فيهن واحد. أو قصد جنس المستوقدين. أو أريد الجمع أو الفوج الذي استوقد نارا. على أنّ المنافقين وذواتهم لم يشبهوا بذات المستوقد حتى يلزم منه تشبيه الجماعة بالواحد إنما شبهت قصتهم بقصة المستوقد. ونحوه قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) ، وقوله: (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) .

ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها. ومن أخواته: وقل في الجبل إذا صعد وعلا، والنار:

جوهر لطيف مضيء حارّ محرق. والنور: ضوءها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة.

واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأنّ فيها حركة واضطرابا، والنور مشتق منها. والإضاءة:

فرط الإنارة. ومصداق ذلك قوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً) ، وهي في الآية متعدية. ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى ما حوله. والتأنيث للحمل على المعنى لأنّ ما حول المستوقد أماكن وأشياء. ويعضده قراءة ابن أبى عبلة (ضاءت) . وفيه وجه آخر، وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار. ويجعل إشراق ضوء النار حوله بمنزلة إشراق النار نفسها، على أنّ ما مزيدة أو موصولة في معنى الأمكنة. وحَوْلَهُ نصب على الظرف وتأليفه للدوران والإطافة. وقيل للعام: حول لأنه يدور. فإن قلت: أين جواب لما؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن جوابه ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ. والثاني: أنه محذوف …

Al-Baqara 2:18Listen in Qur'an →
19

أَوْ كَصَيِّبٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٌۭ وَرَعْدٌۭ وَبَرْقٌۭ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ ۚ وَٱللَّهُ مُحِيطٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ

Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allah is encompassing of the disbelievers.

ثم ثنى اللَّه سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر ليكون كشفا لحالهم بعد كشف، وإيضاحا غب إيضاح. وكما يجب على البليغ في مظانّ الإجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع. أنشد الجاحظ: يُوحُونَ بالخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً ... وَحْىَ المُلَاحِظِ خِيفةَ الرُّقَباءِ [[أنشده الجاحظ. وروى «يرمون» استعار الرمي لإخراج الكلام من الفم بكثرة على طريق التصريح.

ويقال: وحى له، وإليه وحيا، وأوحى له وإليه إيحاء: إذا ألقى إليه الكلام، أو أشار له به، وألهمه إياه. فالوحى مصدر وحى أو اسم مصدر أوحى، واللحظ: الاشارة بطرف العين يمنة أو يسرة. واللاحظ وصف بحسب الأصل، وهو اسم لطرف العين. ولذلك جمع على لواحظ، ونسب الوحى إليها لأنها آلة. ويجوز أنه جمع لاحظة عنق للنسائى أى يتكلمون بالخطب الطوال تارة عند الأمن، ويوحون وحيا باللواحظ تارة أخرى، لخوفهم من الرقباء، فلكل مقام عندهم مقال.]]

ومما ثنى من التمثيل في التنزيل قوله: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ) وألا ترى إلى ذى الرمّة كيف صنع في قصيدته؟:

أَذَاكَ أَمْ نَمَشٌ بالْوَشْىِ أَكْرَعُهُ ... ............... ...

أَذَاكَ أَمْ خَاضِبٌ بالسَّىِّ مَرْتَعُهُ ... .............. [[أذاك أم نمش بالوشي أكرعه ... مسفع الخد عاد ناشط شبب

أذاك أم خاضب بالسي مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب

لذي الرمة يصف ناقته شبهها أولا بحمار الوحش، ثم قال: أذاك الحمار تشبهه ناقتي أم تمش. والتمش بالتحريك-:

تفرق اللون. وكحذر: متفرق اللون. والوشي: لون يخالف لون بقية الشيء. والأكرع: جمع كراع وهو الساق والمسفع: الأسود- من السفعة- وهي السواد. والناشط: الخارج من أرض لأخرى. والشبب- كحذر أيضا- المسن من بقر الوحش. ثم قال أذاك الثور يشبهها، أم خاضب؟ وهو الظليم الذي احمرت ساقاه، أو اصفرتا من أكل الربيع. والسى: المستوى من الأرض، واسم موضع بعينه. والمرتع: مصدر أو اسم مكان مظروف في أوسع منه. ومنقلب: راجع من المرعى إلى أفراخه الثلاثين. فيكون أسرع ما يكون، فهي كذلك سريعة السير.

وأكرعه فاعل بالظرف أو فاعل نمش. ومرتعه: فاعله بالظرف، أو مبتدأ والظرف خبر له.]] ....

فإن قلت: قد شبه المنافق في التمثيل الأوّل بالمستوقد نارا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، فماذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق؟ قلت: لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب، لأنّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر. وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات. وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق. وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى: أو كمثل ذوى صيب. والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا. فإن قلت: هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات؟ وهلا صرح به كما في قوله: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ) ، وفي قول امرئ القيس:

كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِساً ... لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِى؟ [[لامرئ القيس يصف العقاب وهي تأكل صغار الطير إلا قلوبها، فلذلك كثرت عندها، ويصف نفسه بالشجاعة، حيث وصل إلى رؤية ذلك فقال: كأن قلوب الطير حال كونها رطبا بعضها ويابسا بعضها، حال كونها عند وكر العقاب- أى عشها-: العناب، وهو ثمر أحمر رطب، فهو راجع للبعض الرطب. والحشف: الجاف الرديء من التمر البالي الهالك، فهو راجع للبعض اليابس، ففيه لف ونشر مرتب، وفيه طباق التضاد بين الرطب واليابس.

ويجوز أن رطباً ويابسا نصب على البدل من قلوب الطير، أى كأن الرطب واليابس منها: العناب …

Al-Baqara 2:19Listen in Qur'an →
20

يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ ۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا۟ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا۟ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَٰرِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allah had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allah is over all things competent.

ثم ثنى اللَّه سبحانه في شأنهم بتمثيل آخر ليكون كشفا لحالهم بعد كشف، وإيضاحا غب إيضاح. وكما يجب على البليغ في مظانّ الإجمال والإيجاز أن يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل والإشباع أن يفصل ويشبع. أنشد الجاحظ: يُوحُونَ بالخُطَبِ الطِّوَالِ وتَارَةً ... وَحْىَ المُلَاحِظِ خِيفةَ الرُّقَباءِ [[أنشده الجاحظ. وروى «يرمون» استعار الرمي لإخراج الكلام من الفم بكثرة على طريق التصريح.

ويقال: وحى له، وإليه وحيا، وأوحى له وإليه إيحاء: إذا ألقى إليه الكلام، أو أشار له به، وألهمه إياه. فالوحى مصدر وحى أو اسم مصدر أوحى، واللحظ: الاشارة بطرف العين يمنة أو يسرة. واللاحظ وصف بحسب الأصل، وهو اسم لطرف العين. ولذلك جمع على لواحظ، ونسب الوحى إليها لأنها آلة. ويجوز أنه جمع لاحظة عنق للنسائى أى يتكلمون بالخطب الطوال تارة عند الأمن، ويوحون وحيا باللواحظ تارة أخرى، لخوفهم من الرقباء، فلكل مقام عندهم مقال.]]

ومما ثنى من التمثيل في التنزيل قوله: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ) وألا ترى إلى ذى الرمّة كيف صنع في قصيدته؟:

أَذَاكَ أَمْ نَمَشٌ بالْوَشْىِ أَكْرَعُهُ ... ............... ...

أَذَاكَ أَمْ خَاضِبٌ بالسَّىِّ مَرْتَعُهُ ... .............. [[أذاك أم نمش بالوشي أكرعه ... مسفع الخد عاد ناشط شبب

أذاك أم خاضب بالسي مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب

لذي الرمة يصف ناقته شبهها أولا بحمار الوحش، ثم قال: أذاك الحمار تشبهه ناقتي أم تمش. والتمش بالتحريك-:

تفرق اللون. وكحذر: متفرق اللون. والوشي: لون يخالف لون بقية الشيء. والأكرع: جمع كراع وهو الساق والمسفع: الأسود- من السفعة- وهي السواد. والناشط: الخارج من أرض لأخرى. والشبب- كحذر أيضا- المسن من بقر الوحش. ثم قال أذاك الثور يشبهها، أم خاضب؟ وهو الظليم الذي احمرت ساقاه، أو اصفرتا من أكل الربيع. والسى: المستوى من الأرض، واسم موضع بعينه. والمرتع: مصدر أو اسم مكان مظروف في أوسع منه. ومنقلب: راجع من المرعى إلى أفراخه الثلاثين. فيكون أسرع ما يكون، فهي كذلك سريعة السير.

وأكرعه فاعل بالظرف أو فاعل نمش. ومرتعه: فاعله بالظرف، أو مبتدأ والظرف خبر له.]] ....

فإن قلت: قد شبه المنافق في التمثيل الأوّل بالمستوقد نارا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، فماذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق؟ قلت: لقائل أن يقول: شبه دين الإسلام بالصيب، لأنّ القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر. وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات. وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق. وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق. والمعنى: أو كمثل ذوى صيب. والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا. فإن قلت: هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات؟ وهلا صرح به كما في قوله: (وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ) ، وفي قول امرئ القيس:

كأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِساً ... لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البَالِى؟ [[لامرئ القيس يصف العقاب وهي تأكل صغار الطير إلا قلوبها، فلذلك كثرت عندها، ويصف نفسه بالشجاعة، حيث وصل إلى رؤية ذلك فقال: كأن قلوب الطير حال كونها رطبا بعضها ويابسا بعضها، حال كونها عند وكر العقاب- أى عشها-: العناب، وهو ثمر أحمر رطب، فهو راجع للبعض الرطب. والحشف: الجاف الرديء من التمر البالي الهالك، فهو راجع للبعض اليابس، ففيه لف ونشر مرتب، وفيه طباق التضاد بين الرطب واليابس.

ويجوز أن رطباً ويابسا نصب على البدل من قلوب الطير، أى كأن الرطب واليابس منها: العناب …

Al-Baqara 2:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Kashshaf by Al-Zamakhshari. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.