Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 91–100 of 286

91

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And when it is said to them, "Believe in what Allah has revealed," they say, "We believe [only] in what was revealed to us." And they disbelieve in what came after it, while it is the truth confirming that which is with them. Say, "Then why did you kill the prophets of Allah before, if you are [indeed] believers?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩١ ] ﴿وإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْـزِلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

"وإذا قِيلَ لَهُمْ" أيْ لِلْيَهُودِ "آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ" عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وصَدِّقُوهُ واتَّبِعُوهُ ﴿قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْـزِلَ عَلَيْنا﴾ مِنَ التَّوْراةِ، ولا نُقِرُّ إلّا بِها "ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ" حالٌ مِن ضَمِيرِ "قالُوا" بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ. أيْ قالُوا ما قالُوا وهم يَكْفُرُونَ بِما بَعْدَهُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ﴾ مِنها غَيْرُ مُخالِفٍ لَهُ. وفِيهِ رَدٌّ لِمَقالَتِهِمْ. لِأنَّهم إذا كَفَرُوا بِما يُوافِقُ التَّوْراةَ فَقَدْ كَفَرُوا بِها "قُلْ" تَبْكِيتًا لَهم بِبَيانِ التَّناقُضِ بَيْنَ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكم، فَلِمَ قَتَلْتُمُ الأنْبِياءَ الَّذِينَ جاؤُوكم بِتَصْدِيقِ التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَهم. قَتَلْتُمُوهم بَغْيًا وعِنادًا، واسْتِكْبارًا عَلى رُسُلِ اللَّهِ. فَلَسْتُمْ تَتَّبِعُونَ إلّا مُجَرَّدَ الأهْواءِ والآراءِ والتَّشَهِّي كَما قالَ تَعالى ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] والخِطابُ لِلْحاضِرِينَ مِنَ اليَهُودِ والماضِينَ، عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ، وحَيْثُ كانُوا مُشارِكِينَ في العَقْدِ والعَمَلِ، كانَ الِاعْتِراضُ عَلى أسْلافِهِمُ اعْتِراضًا عَلى أخْلافِهِمْ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُجادَلَةَ في الدِّينِ مِن عُرْفِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإنَّ إيرادَ المُناقَضَةِ عَلى الخَصْمِ جائِزٌ.

ولَمّا دَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ في دَعْوى الإيمانِ بِما فَعَلُوا بَعْدَ مُوسى، أقامَ دَلِيلًا آخَرَ أقْوى مِمّا تَقَدَّمَهُ. فَإنَّهُ لَمْ يَعْهَدْ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ ما عَهِدَ إلَيْهِمْ في التَّوْحِيدِ والبُعْدِ عَنِ الإشْراكِ. وهو في النُّسَخِ المَوْجُودَةِ بَيْنَ أظْهُرِهِمُ الآنَ. وقَدْ نَقَضُوا جَمِيعَ ذَلِكَ بِاتِّخاذِ العِجْلِ في أيّامِ مُوسى، وبِحَضْرَةِ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ. فَقالَ تَعالى:

Al-Baqara 2:91Listen in Qur'an →
92

۞ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ

And Moses had certainly brought you clear proofs. Then you took the calf [in worship] after that, while you were wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٢ ] ﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾

﴿ولَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾ مِنَ الآياتِ كَفَلْقِ البَحْرِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعاتِ عَلى أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ" مَعْبُودًا مِن دُونِ اللَّهِ "مِن بَعْدِهِ" أيْ مِن بَعْدِ ما ذَهَبَ مُوسى عَنْكم إلى الطُّورِ لِمُناجاةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] وقَوْلُهُ تَعالى "وأنْتُمْ ظالِمُونَ" أيْ بِعِبادَتِهِ. واضِعِينَ لَها في غَيْرِ مَوْضِعِها. أوْ بِالإخْلالِ بِحُقُوقِ آياتِ اللَّهِ تَعالى. أوْ هو اعْتِراضٌ. أيْ وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ.

ثُمَّ ذَكَرَ أمْرًا آخَرَ هو أبْيَنُ في عِنادِهِمْ وأنَّهم مَعَ الهَوى فَقالَ:

Al-Baqara 2:92Listen in Qur'an →
93

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱسْمَعُوا۟ ۖ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا۟ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And [recall] when We took your covenant and raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and listen." They said [instead], "We hear and disobey." And their hearts absorbed [the worship of] the calf because of their disbelief. Say, "How wretched is that which your faith enjoins upon you, if you should be believers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٣ ] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

"وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ" عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ. "ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ" قائِلِينَ "خُذُوا ما آتَيْناكُمْ" أيْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ في التَّوْراةِ "بِقُوَّةٍ" بِجِدٍّ "واسْمَعُوا" أطِيعُوا "قالُواْ سَمِعْنا" قَوْلُكَ "وعَصَيْنا" أمْرَكَ. وظاهِرُ السَّوْقِ يَقْتَضِي أنَّهم قالُوا ذَلِكَ حَقِيقَةً.

قالَ أبُو مُسْلِمٍ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَمِعُوهُ فَتَلْقَوْهُ بِالعِصْيانِ. فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَوْلِ وإنْ لَمْ يَقُولُوهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ أيْ حُبَّهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ. وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ لِلْمُبالَغَةِ. أوِ العِجْلُ مَجازٌ عَنْ صُورَتِهِ. فَلا يَحْتاجُ إلى حَذْفِ المُضافِ. وعَلى كُلٍّ، فَأُشْرِبُوا اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً. إمّا مِن إشْرابِ الثَّوْبِ الصَّبْغَ -أيْ تُداخِلُهُ فِيهِ- أوْ مِن إشْرابِ الماءِ -أيْ تَداخُلُهُ أعْماقَ البَدَنِ- والجامِعُ السِّرايَةِ في كُلِّ جُزْءٍ. وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِمْ إيهامٌ لِمَكانِ الإشْرابِ. ثُمَّ بُيِّنَ بِقَوْلِهِ "فِي قُلُوبِهِمُ" لِلْمُبالَغَةِ، فَظَهَرَ وجْهُ العُدُولِ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ وهو: وأُشْرِبَ قُلُوبُهُمُ العِجْلَ "بِكُفْرِهِمْ" بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ كَما زَعَمْتُمْ، بِالتَّوْراةِ. وإضافَةُ الأمْرِ إلى إيمانِهِمْ تَهَكُّمٌ كَما في قِصَّةِ شُعَيْبٍ ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] وكَذا إضافَةُ الإيمانِ إلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ "إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" قَدْحٌ في صِحَّةِ دَعْواهم. فَإنَّ الإيمانَ إنَّما يَأْمُرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا بِشَرِكَةِ العِبادِ لِما هو في غايَةِ البَلادَةِ. فَهو غايَةُ الِاسْتِهْزاءِ. وحاصِلُ الكَلامِ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِها عامِلِينَ، فِيما ذَكَرَ مِنَ القَوْلِ والعَمَلِ، بِما فِيها، فَبِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم بِها. وإذْ لا يُسَوَّغُ الإيمانُ بِها مِثْلَ تِلْكَ القَبائِحِ فَلَسْتُمْ بِمُؤْمِنِينَ بِها قَطْعًا. فَجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ كَما تَرى، لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ.

Al-Baqara 2:93Listen in Qur'an →
94

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا۟ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Say, [O Muhammad], "If the home of the Hereafter with Allah is for you alone and not the [other] people, then wish for death, if you should be truthful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٤ ] ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾

"قُلْ" كَرَّرَ الأمْرَ بِتَبْكِيتِهِمْ لِإظْهارِ نَوْعٍ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ. وهو ادِّعاؤُهم أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خالِصَةٌ لَهم مِن دُونِ النّاسِ. لَكِنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْهم قَبْلَ الأمْرِ بِإبْطالِهِ، بَلِ اكْتَفى بِالإشارَةِ إلَيْهِ في تَضاعِيفِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ. والمُرادُ الجَنَّةُ. أيْ سالِمَةً لَكم، خاصَّةً بِكم، لَيْسَ لِأحَدٍ سِواكم فِيها حَقٌّ كَما تَقُولُونَ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١] "مِن دُونِ النّاسِ" اللّامُ لِلْجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ وهُمُ المُسْلِمُونَ "فَتَمَنَّوُا المَوْتَ" فَسَلُوا المَوْتَ "إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ" لِأنَّ مَن أيْقَنَ أنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ اشْتاقَ إلَيْها وتَمَنّى سُرْعَةَ الوُصُولِ إلى النَّعِيمِ والتَّخَلُّصِ مِنَ الدّارِ ذاتِ الأكْدارِ، ولا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ إلّا بِالمَوْتِ. والَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المَطْلُوبُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا، نَظَرًا إلى كَوْنِهِ وسِيلَةً إلى ذَلِكَ المَطْلُوبِ. والمُرادُ بِالتَّمَنِّي هُنا هو التَّلَفُّظُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، لا مُجَرَّدَ خُطُورِهِ بِالقَلْبِ ومَيْلِ النَّفْسِ إلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرادُ في مَقامِ المُحاجَّةِ ومَواطِنِ الخُصُومَةِ ومَواقِفِ التَّحَدِّي لِأنَّهُ مِن ضَمائِرِ القُلُوبِ. وثَمَّ تَفْسِيرٌ آخَرُ لِلتَّمَنِّي بِأنْ يُدْعَوْا إلى المُباهَلَةِ والدُّعاءِ بِالمَوْتِ. وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ. والأوَّلُ أقْرَبُ إلى مُوافَقَةِ اللَّفْظِ. وقَوْلُهُ:

Al-Baqara 2:94Listen in Qur'an →
95

وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ

But they will never wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allah is Knowing of the wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٥ ] ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾

﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ. وكانَ كَما أخْبَرَ بِهِ. كَقَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] "بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ" بِما أسْلَفُوا مِن أنْواعِ العِصْيانِ. واليَدُ مَجازٌ عَنِ النَّفْسِ. عَبَّرَ بِها عَنْها، لِأنَّها مِن بَيْنِ جَوارِحِ الإنْسانِ، مَناطُ عامَّةِ صَنائِعِهِ. ولِذا كانَتِ الجِناياتُ بِها أكْثَرَ مِن غَيْرِها. ولَمْ يُجْعَلِ المَجازُ في الإسْنادِ، فَيَكُونُ المَعْنى بِما قَدَّمُوا بِأيْدِيهِمْ، لِيَشْمَلَ ما قَدَّمُوا بِسائِرِ الأعْضاءِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ بِهِمْ. تَذْيِيلٌ لِلتَّهْدِيدِ. والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم ظالِمُونَ في دَعْوى ما لَيْسَ لَهم، ونَفْيِهِ عَمَّنْ سِواهم. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الجُمُعَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦] ﴿ولا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٧]

و قَدْ تَلَطَّفَ الغَزالِيُّ في تَوْجِيهِ الإتْيانِ بِـ "لَنْ" هُنا، و"لا" في سُورَةِ الجُمُعَةِ بِأنَّ الدَّعْوى هُنا أعْظَمُ مِنَ الثّانِيَةِ، إذِ السَّعادَةُ القُصْوى هي الحُصُولُ في دارِ الثَّوابِ، وأمّا مَرْتَبَةُ الوِلايَةِ فَهِيَ، وإنْ كانَتْ شَرِيفَةً إلّا أنَّها إنَّما تُرادُ لِيُتَوَسَّلَ بِها إلى الجَنَّةِ. فَلَمّا كانَتِ الدَّعْوى الأُولى أعْظَمَ، لا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى فَسادَ قَوْلِهِمْ بِلَفْظِ "لَنْ" لِأنَّها أقْوى الألْفاظِ النّافِيَةِ. ولَمّا كانَتِ الدَّعْوى الثّانِيَةُ لَيْسَتْ في غايَةِ العَظَمَةِ اكْتَفى في إبْطالِها بِلَفْظِ "لا" لِأنَّهُ لَيْسَ في نِهايَةِ القُوَّةِ، في إفادَةِ مَعْنى النَّفْيِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْهم أنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَ المَوْتَ، أتْبَعَهُ بِأنَّهم في غايَةِ الحِرْصِ عَلى الحَياةِ بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:95Listen in Qur'an →
96

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍۢ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍۢ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And you will surely find them the most greedy of people for life - [even] more than those who associate others with Allah. One of them wishes that he could be granted life a thousand years, but it would not remove him in the least from the [coming] punishment that he should be granted life. And Allah is Seeing of what they do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٦ ] ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾

﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ التَّنْكِيرُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ حَياةٌ مَخْصُوصَةٌ، وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ، ولِذا كانَتِ القِراءَةُ بِها أوْقَعَ مِن قِراءَةِ أُبَيٍّ: عَلى الحَياةِ "ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا" عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِحَسَبِ المَعْنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أحْرَصُ مِنَ النّاسِ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا. وإفْرادُهم بِالذِّكْرِ، مَعَ دُخُولِهِمْ في النّاسِ، لِلْإيذانِ بِامْتِيازِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ بِشِدَّةِ الحِرْصِ. لِلْمُبالَغَةِ في تَوْبِيخِ اليَهُودِ، فَإنَّ حِرْصَهم، وهم مُعْتَرِفُونَ بِالجَزاءِ، لَمّا كانَ أشَدَّ مِن حِرْصِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لَهُ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى جَزْمِهِمْ بِمَصِيرِهِمْ إلى النّارِ. ويَجُوزُ أنْ يَحْمِلَ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ ثِقَةً بِإنْباءِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، عَنْهُ؛ أيْ وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا.

وأمّا تَجْوِيزُ كَوْنِ الواوِ لِلِاسْتِئْنافِ وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "عَلى حَياةٍ" تَقْدِيرُهُ "ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا" ناسٌ يَوَدُّ أحَدُهم، عَلى حَذْفِ المَوْصُوفِ، وقَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: ولَتَجِدَنَّهم وطائِفَةً مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ، ثُمَّ فَسَّرَ هَذِهِ المَحَبَّةَ بِقَوْلِهِ: يَوَدُّ أحَدُكم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ -فَلّا يَخْفى بُعْدُهُ. لِأنَّهُ إذا كانَتِ القِصَّةُ في شَأْنِ اليَهُودِ خاصَّةً فالألْيَقُ بِالظّاهِرِ، أنْ يَكُونَ المُرادُ: ولَتَجِدَنَّ اليَهُودَ أحْرَصَ عَلى الحَياةِ مِن سائِرِ النّاسِ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغَ في إبْطالِ دَعْواهم وفي إظْهارِ كَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَنا، لا لِغَيْرِنا. واللَّهُ أعْلَمُ.

"يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ" بَيانٌ لِزِيادَةِ حِرْصِهِمْ، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ. و"لَوْ" مَصْدَرِيَّةٌ، بِمَعْنى "أنْ" مُؤَوَّلٌ ما بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، مَفْعُولُ يَوَدُّ. أيْ: يَوَدُّ أحَدُهم تَعْمِيرَ ألْفِ سَنَةٍ: ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾ "ما" حِجازِيَّةٌ، والضَّمِيرُ العائِدُ عَلى أحَدِهِمُ اسْمُها، وبِمُزَحْزِحِهِ خَبَرُها، والباءُ زائِدَةٌ، وأنْ يُعَمَّرَ فاعِلُ مُزَحْزِحِهِ، أيْ وما أحَدُهُمُ المُتَمَنِّي بِمَن يُزَحْزِحُهُ، أيْ يُبْعِدُهُ ويُنْجِيهِ، مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ. قالَ القاضِي: والمُرادُ أنَّهُ لا يُؤَثِّرُ في إزالَةِ العَذابِ أقَلَّ تَأْثِيرٍ، ولَوْ قالَ تَعالى: وما هو بِمُبْعِدِهِ وبِمُنْجِيهِ لَمْ يَدُلَّ عَلى قِلَّةِ التَّأْثِيرِ كَدَلالَةِ هَذا القَوْلِ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فَسَوْفَ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

وما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ البَصِيرَ في اللُّغَةِ بِمَعْنى العَلِيمِ لا يَخْفى فَسادُهُ، فَإنَّ العَلِيمَ والبَصِيرَ اسْمانِ مُتَبايِنا المَعْنى لُغَةً. نَعَمْ ! لَوْ حُمِلَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ مَجازًا لَمْ يَبْعُدْ، ولا ضَرُورَةَ إلَيْهِ هُنا. ودَعْوى أنَّ بَعْضَ الأعْمالِ مِمّا لا يَصِحُّ أنْ يُرى، فَلِذا حَمْلُ هَذا البَصَرِ عَلى العِلْمِ- هو مِن بابِ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، وهو بَدِيهِيُّ البُطْلانِ. قالَ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ الدِّمَشْقِيُّ في كِتابِ الكافِيَةِ الشّافِيَةِ:

؎وهُوَ البَصِيرُ يَرىْ دَبِيبَ …

Al-Baqara 2:96Listen in Qur'an →
97

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًۭى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

Say, "Whoever is an enemy to Gabriel - it is [none but] he who has brought the Qur'an down upon your heart, [O Muhammad], by permission of Allah, confirming that which was before it and as guidance and good tidings for the believers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٧ ] ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٩٨ ] ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]

رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في كِتابِ التَّفْسِيرِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو في أرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ، لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ. فَما أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ ؟ وما أوَّلُ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ ؟ وما يَنْزِعُ الوَلَدَ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ ؟ قالَ: «أخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا»، قالَ: جِبْرِيلُ ؟ قالَ: «نَعَمْ»، قالَ: ذاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ «أمّا أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ، فَنارٌ تَحْشُرُ النّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ. وأمّا أوَّلُ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ. وإذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المَرْأةِ، نَزَعَ الوَلَدَ، وإذا سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ نَزَعَتْ» قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ وإنَّهم إنْ يَعْلَمُوا بِإسْلامِي قَبْلَ أنْ تَسْألَهم يَبْهَتُونِي. فَجاءَتِ اليَهُودُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ»؟ قالُوا: خَيْرُنا وابْنُ خَيْرِنا، وسَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ» ؟ فَقالُوا: أعاذَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ ! فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقالُوا: شَرُّنا وابْنُ شَرِّنا. وانْتَقَصُوهُ. قالَ: فَهَذا الَّذِي كُنْتُ أخافُ يا رَسُولَ اللَّهِ» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «حَضَرَتْ عِصابَةٌ مِنَ اليَهُودِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، حَدِّثْنا عَنْ خِلالٍ نَسْألُكَ عَنْهُنَّ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ. وساقَ نَحْوًا مِمّا تَقَدَّمَ. وتَتِمَتُّهُ قالُوا: أنْتَ الآنَ، فَحَدِّثْنا مَن ولِيُّكَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَعِنْدَها نُجامِعُكَ أوْ نُفارِقُكَ، قالَ: «فَإنَّ ولِيِّيَ جِبْرِيلُ، ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ، إلّا وهو ولِيُّهُ» . قالُوا: فَعِنْدَها نُفارِقُكَ. ولَوْ كانَ ولِيُّكَ سِواهُ مِنَ المَلائِكَةِ تابَعْناكَ وصَدَّقْناكَ. قالَ: فَما مَنَعَكم أنْ تُصَدِّقُوهُ ؟ قالُوا: إنَّهُ عَدُوُّنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَعِنْدَها باؤُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ».

وفِي رِوايَةٍ لِلْإمامِ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ في القِصَّةِ: «فَأخْبِرْنا مَن صاحِبُكَ ؟ قالَ: «جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . قالُوا: جِبْرِيلُ ! ذاكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والقِتالِ والعَذابِ، عَدُّونا. لَوْ قُلْتَ: مِيكائِيلُ، الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ والقَطْرِ والنَّباتِ لَكانَ ! …

Al-Baqara 2:97Listen in Qur'an →
98

مَن كَانَ عَدُوًّۭا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّۭ لِّلْكَٰفِرِينَ

Whoever is an enemy to Allah and His angels and His messengers and Gabriel and Michael - then indeed, Allah is an enemy to the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٧ ] ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [٩٨ ] ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]

﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]

رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في كِتابِ التَّفْسِيرِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو في أرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ، لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ. فَما أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ ؟ وما أوَّلُ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ ؟ وما يَنْزِعُ الوَلَدَ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ ؟ قالَ: «أخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا»، قالَ: جِبْرِيلُ ؟ قالَ: «نَعَمْ»، قالَ: ذاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَـزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ «أمّا أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ، فَنارٌ تَحْشُرُ النّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ. وأمّا أوَّلُ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ. وإذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المَرْأةِ، نَزَعَ الوَلَدَ، وإذا سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ نَزَعَتْ» قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ وإنَّهم إنْ يَعْلَمُوا بِإسْلامِي قَبْلَ أنْ تَسْألَهم يَبْهَتُونِي. فَجاءَتِ اليَهُودُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ»؟ قالُوا: خَيْرُنا وابْنُ خَيْرِنا، وسَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ» ؟ فَقالُوا: أعاذَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ ! فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقالُوا: شَرُّنا وابْنُ شَرِّنا. وانْتَقَصُوهُ. قالَ: فَهَذا الَّذِي كُنْتُ أخافُ يا رَسُولَ اللَّهِ» .

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ: «حَضَرَتْ عِصابَةٌ مِنَ اليَهُودِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، حَدِّثْنا عَنْ خِلالٍ نَسْألُكَ عَنْهُنَّ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ. وساقَ نَحْوًا مِمّا تَقَدَّمَ. وتَتِمَتُّهُ قالُوا: أنْتَ الآنَ، فَحَدِّثْنا مَن ولِيُّكَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَعِنْدَها نُجامِعُكَ أوْ نُفارِقُكَ، قالَ: «فَإنَّ ولِيِّيَ جِبْرِيلُ، ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ، إلّا وهو ولِيُّهُ» . قالُوا: فَعِنْدَها نُفارِقُكَ. ولَوْ كانَ ولِيُّكَ سِواهُ مِنَ المَلائِكَةِ تابَعْناكَ وصَدَّقْناكَ. قالَ: فَما مَنَعَكم أنْ تُصَدِّقُوهُ ؟ قالُوا: إنَّهُ عَدُوُّنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَعِنْدَها باؤُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ».

وفِي رِوايَةٍ لِلْإمامِ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ في القِصَّةِ: «فَأخْبِرْنا مَن صاحِبُكَ ؟ قالَ: «جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . قالُوا: جِبْرِيلُ ! ذاكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والقِتالِ والعَذابِ، عَدُّونا. لَوْ قُلْتَ: مِيكائِيلُ، الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ والقَطْرِ والنَّباتِ لَكانَ ! …

Al-Baqara 2:98Listen in Qur'an →
99

وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍۢ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَٰسِقُونَ

And We have certainly revealed to you verses [which are] clear proofs, and no one would deny them except the defiantly disobedient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٩ ] ﴿ولَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾

﴿ولَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ أيْ أنْزَلْنا إلَيْكَ عَلاماتٍ واضِحاتٍ دالّاتٍ عَلى نُبُوَّتِكَ، وتِلْكَ الآياتُ هي ما حَواهُ القُرْآنُ مِن خَفايا عُلُومِ اليَهُودِ ومَكْنُوناتِ سَرائِرِ أخْبارِهِمْ، وأخْبارِ أوائِلِهِمْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والنَّبَأِ عَمّا تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُمُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُها إلّا أحْبارُهم وعُلَماؤُهم، وما حَرَّفَهُ أوائِلُهم وأواخِرُهم، وبَدَّلُوهُ مِن أحْكامِهِمُ الَّتِي كانَتْ في التَّوْراةِ، فَأطْلَعَها اللَّهُ في كِتابِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ في ذَلِكَ مِن أمْرِهِ الآياتُ البَيِّناتُ لِمَن أنْصَفَ مِن نَفْسِهِ ولَمْ يَدْعُهُ إلى إهْلاكِها الحَسَدُ والبَغْيُ. إذْ كانَ في فِطْرَةِ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ، تَصْدِيقُ مَن أتى بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ الَّتِي وصَفْتُ، مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ تَعَلَّمَهُ مِن بَشَرٍ، ولا أخْذِ شَيْءٍ مِنهُ عَنْ آدَمِيٍّ.

وحَمْلُ الآياتِ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن آياتِ القُرْآنِ المَجِيدِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى سائِرِ المُعْجِزاتِ المَأْثُورَةِ؛ لِأنَّ الآياتِ إذا قُرِنَتْ إلى التَّنْزِيلِ، كانَتْ أخَصَّ بِالقُرْآنِ، وقَوْلُهُ "وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ" أيِ: المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الكَفَرَةِ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، أيِ الفاسِقُونَ المَعْهُودُونَ، وهُمُ اليَهُودُ. أوْ لِلْجِنْسِ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

Al-Baqara 2:99Listen in Qur'an →
100

أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا۟ عَهْدًۭا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٠ ] ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهم بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ كَفَرُوا بِالآياتِ بِالبَيِّناتِ، "وكُلَّما عاهَدُوا" إلَخْ. أوْ أيُنْكِرُونَ فِسْقَهم وكُلَّما إلَخْ، وقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، وقِيلَ هي "أوَ" الَّتِي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ. حُرِّكَتْ بِالفَتْحِ. وقَدْ قُرِئَ شاذًّا بِسُكُونِها. فَتَكُونُ بِمَعْنى بَلْ. دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ. أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ تَرَقِّيًا إلى الأغْلَظِ فالأغْلَظِ. قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ "أوْ" هَذِهِ هي الَّتِي بِمَعْنى "أمِ" المُنْقَطِعَةِ، وكِلْتاهُما بِمَعْنى "بَلْ" مَوْجُودَةٌ في الكَلامِ كَثِيرًا. أنْشَدَ الفَرّاءُ لِذِي الرُّمَّةِ:

؎بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى وصُورَتِها أوْ أنْتِ في العَيْنِ أمْلَحُ

وكَذا قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارُ، وإعْظامُ ما يُقْدِمُونَ عَلَيْهِ، لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، إذا قِيلَ بِهَذا اللَّفْظِ كانَ أبْلَغَ في التَّنْكِيرِ والتَّبْكِيتِ.

ودَلَّ بِقَوْلِهِ "أوَكُلَّما عاهَدُوا" عَلى عَهْدٍ بَعْدَ عَهْدٍ نَقَضُوهُ ونَبَذُوهُ. بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كالعادَةِ فِيهِمْ. فَكَأنَّهُ تَعالى أرادَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ عِنْدَ كُفْرِهِمْ بِما أنْزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ، بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبِدَعٍ مِنهم بَلْ هو سَجِيَّتُهم وعادَتُهم وعادَةُ سَلَفِهِمْ. عَلى ما بَيَّنَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن نَقْضِهِمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ حالًا بَعْدَ حالٍ. لِأنَّ مَن يُعْتادُ مِنهُ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ لا يَصْعُبُ عَلى النَّفْسِ مُخالَفَتُهُ، كَصُعُوبَةِ مَن لَمْ تَجْرِ عادَتُهُ بِذَلِكَ.

قالَ العَلّامَةُ: واليَهُودُ مَوْسُومُونَ بِالغَدْرِ ونَقْضِ العُهُودِ، وكَمْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ مِنهُمْ، ومِن آبائِهِمْ فَنَقَضُوا، وكَمْ عاهَدَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَفُوا: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال: ٥٦] والنَّبْذُ الرَّمْيُ بِالذِّمامِ، ورَفَضُهُ. وإسْنادُهُ إلى فَرِيقٍ مِنهم، لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَنْبِذْهُ. وفي قَوْلِهِ "بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ" دَفْعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ النّابِذِينَ هُمُ الأقَلُّونَ. قَوْلُهُ تَعالى:

Al-Baqara 2:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.