Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 81–90 of 286

81

بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةًۭ وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Yes, whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ”بَلى“ إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾، أيْ بَلى تَمَسُّكم أبَدًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ . أمّا السَّيِّئَةُ فَإنَّها تَتَناوَلُ جَمِيعَ المَعاصِي. قالَ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] ولَمّا كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُظَنَّ أنَّ كُلَّ سَيِّئَةٍ صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ فَحالُها سَواءٌ في أنَّ فاعِلَها يُخَلَّدُ في النّارِ لا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الخُلُودَ أنْ يَكُونَ سَيِّئَةً مُحِيطَةً بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ لَفْظَ الإحاطَةِ حَقِيقَةٌ في إحاطَةِ جِسْمٍ بِجِسْمٍ آخَرَ كَإحاطَةِ السُّورِ بِالبَلَدِ والكُوزِ بِالماءِ وذَلِكَ هَهُنا مُمْتَنِعٌ فَنَحْمِلُهُ عَلى ما إذا كانَتِ السَّيِّئَةُ كَبِيرَةً لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُحِيطَ يَسْتُرُ المُحاطَ بِهِ، والكَبِيرَةُ لِكَوْنِها مُحِيطَةً لِثَوابِ الطّاعاتِ كالسّاتِرَةِ لِتِلْكَ الطّاعاتِ، فَكانَتِ المُشابَهَةُ حاصِلَةً مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

والثّانِي: أنَّ الكَبِيرَةَ إذا أحْبَطَتْ ثَوابَ الطّاعاتِ فَكَأنَّها اسْتَوْلَتْ عَلى تِلْكَ الطّاعاتِ وأحاطَتْ بِها كَما يُحِيطُ عَسْكَرُ العَدُوِّ بِالإنْسانِ، بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: بَلى مَن كَسَبَ كَبِيرَةً وأحاطَتْ كَبِيرَتُهُ بِطاعاتِهِ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ، فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ في حَقِّ اليَهُودِ، قُلْنا: العِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، هَذا هو الوَجْهُ الَّذِي اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهِ في إثْباتِ الوَعِيدِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ.

صفحة ١٣٣

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِن مُعَظَّماتِ المَسائِلِ، ولْنَذْكُرْها هَهُنا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ أهْلُ القِبْلَةِ في وعِيدِ أصْحابِ الكَبائِرِ، فَمِنَ النّاسِ مَن قَطَعَ بِوَعِيدِهِمْ وهم فَرِيقانِ، مِنهم مَن أثْبَتَ الوَعِيدَ المُؤَبَّدَ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ. ومِنهم مَن أثْبَتَ وعِيدًا مُنْقَطِعًا وهو قَوْلُ بِشْرٍ المَرِيسِيِّ والخالِدِ، ومِنَ النّاسِ مَن قَطَعَ بِأنَّهُ لا وعِيدَ لَهم وهو قَوْلٌ شاذٌّ يُنْسَبُ إلى مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ المُفَسِّرِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْفُو عَنْ بَعْضِ المَعاصِي ولَكِنّا نَتَوَقَّفُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ عَلى التَّعْيِينِ أنَّهُ هَلْ يَعْفُو عَنْهُ أمْ لا، ونَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى إذا عَذَّبَ أحَدًا مِنهم مُدَّةً فَإنَّهُ لا يُعَذِّبُهُ أبَدًا، بَلْ يَقْطَعُ عَذابَهُ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ وأكْثَرِ الإمامِيَّةِ، فَيَشْتَمِلُ هَذا البَحْثُ عَلى مَسْألَتَيْنِ:

إحْداهُما: في القَطْعِ بِالوَعِيدِ.

والأُخْرى: في أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الوَعِيدُ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى نَعْتِ الدَّوامِ أمْ لا ؟

* * *

المَسْألَةُ الأُولى: في الوَعِيدِ: ولْنَذْكُرْ دَلائِلَ المُعْتَزِلَةِ أوَّلًا، ثُمَّ دَلائِلَ المُرْجِئَةِ الخالِصَةَ، ثُمَّ دَلائِلَ أصْحابِنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم عَوَّلُوا عَلى العُمُوماتِ الوارِدَةِ في هَذا البابِ، وتِلْكَ العُمُوماتُ عَلى جِهَتَيْنِ. بَعْضُها ورَدَتْ بِصِيغَةِ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ وبَعْضُها ورَدَتْ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، أمّا النَّوْعُ الأوَّلُ فَآياتٌ: …

Al-Baqara 2:81Listen in Qur'an →
82

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ما ذَكَرَ في القُرْآنِ آيَةً في الوَعِيدِ إلّا وذَكَرَ بِجَنْبِها آيَةً في الوَعْدِ، وذَلِكَ لِفَوائِدَ:

أحَدُها: لِيُظْهِرَ بِذَلِكَ عَدْلَهُ سُبْحانَهُ، لِأنَّهُ لَمّا حَكَمَ بِالعَذابِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ وجَبَ أنْ يَحْكُمَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الإيمانِ.

وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ لا بُدَّ وأنْ يَعْتَدِلَ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ عَلى ما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا» “، وذَلِكَ الِاعْتِدالُ لا يَحْصُلُ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ.

وثالِثُها: أنَّهُ يُظْهِرُ بِوَعْدِهِ كَمالَ رَحْمَتِهِ وبِوَعِيدِهِ كَمالَ حِكْمَتِهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعِرْفانِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: العَمَلُ الصّالِحُ خارِجٌ عَنْ مُسَمّى الإيمانِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَلَوْ دَلَّ الإيمانُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ لَكانَ ذِكْرُ العَمَلِ الصّالِحِ بَعْدَ الإيمانِ تَكْرارًا، أجابَ القاضِي بِأنَّ الإيمانَ وإنْ كانَ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: آمَنَ لا يُفِيدُ إلّا أنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا واحِدًا مِن أفْعالِ الإيمانِ، فَلِهَذا حَسُنَ أنْ يَقُولَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ .

والجَوابُ: أنَّ فِعْلَ الماضِي يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَصْدَرِ في زَمانٍ مَضى والإيمانُ هو المَصْدَرُ، فَلَوْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لَكانَ قَوْلُهُ: آمَنَ دَلِيلًا عَلى صُدُورِ كُلِّ تِلْكَ الأعْمالِ مِنهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ١٤٩

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ قَدْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ لِأنّا نَتَكَلَّمُ فِيمَن أتى بِالإيمانِ وبِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، ثُمَّ أتى بَعْدَ ذَلِكَ بِالكَبِيرَةِ ولَمْ يَتُبْ عَنْها فَهَذا الشَّخْصُ قَبْلَ إتْيانِهِ بِالكَبِيرَةِ كانَ قَدْ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ومَن صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ وإذا صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وجَبَ انْدِراجُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لا يَصْدُقُ عَلَيْهِ إلّا إذا أتى بِجَمِيعِ الصّالِحاتِ ومِن جُمْلَةِ الصّالِحاتِ التَّوْبَةُ، فَإذا لَمْ يَأْتِ بِها لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالصّالِحاتِ، فَلا يَنْدَرِجُ تَحْتَ الآيَةِ. قُلْنا: قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ قَبْلَ الإتْيانِ بِالكَبِيرَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإذا صُدِّقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَدْ صُدِّقَ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ؛ لِأنَّهُ مَتى صَدَقَ المُرَكَّبُ يَجِبُ صِدْقُ المُفْرَدِ، بَلْ إنَّهُ إذا أتى بِالكَبِيرَةِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَيْهِ أنَّهُ آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ في كُلِّ الأوْقاتِ، لَكِنَّ قَوْلَنا: آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ أعَمُّ مِن قَوْلِنا: إنَّهُ كَذَلِكَ في كُلِّ الأوْقاتِ أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، والمُعْتَبَرُ في الآيَةِ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ، فَثَبَتَ أنَّهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ حُكْمِ الوَعْدِ. بَقِيَ قَوْلُهم: إنَّ الفاسِقَ أحْبَطَ عِقابُ مَعْصِيَتِهِ ثَوابَ طاعَتِهِ فَيَكُونُ التَّرْجِيحُ لِجانِبِ الوَعِيدِ إلّا أنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ قَدْ تَقَدَّمَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ …

Al-Baqara 2:82Listen in Qur'an →
83

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًۭا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ

And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allah; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakah." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلّا قَلِيلًا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أنْواعِ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ بِها، وذَلِكَ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الأشْياءِ مُوَصِّلٌ إلى أعْظَمِ النِّعَمِ وهو الجَنَّةُ، والمُوَصِّلُ إلى النِّعْمَةِ نِعْمَةٌ، فَهَذا التَّكْلِيفُ لا مَحالَةَ مِنَ النِّعَمِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ هَهُنا أنَّهُ كَلَّفَهم بِأشْياءَ:

التَّكْلِيفُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يَعْبُدُونَ“ بِالياءِ والباقُونَ بِالتّاءِ، ووَجْهُ الياءِ أنَّهم غَيْبٌ أخْبَرَ عَنْهم، ووَجْهُ التّاءِ أنَّهم كانُوا مُخاطَبِينَ والِاخْتِيارُ التّاءُ، قالَ أبُو عَمْرٍو: ألا تَرى أنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ قالَ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ فَدَلَّتِ المُخاطَبَةُ عَلى التّاءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ ”يَعْبُدُونَ“ مِنَ الإعْرابِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ:

صفحة ١٥٠

القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: رَفْعُهُ عَلى أنْ لا يَعْبُدُوا كَأنَّهُ قِيلَ: أخَذْنا مِيثاقَهم بِأنْ لا يَعْبُدُوا إلّا أنَّهُ لَمّا أُسْقِطَتْ ”أنْ“ رُفِعَ الفِعْلُ كَما قالَ طَرَفَةُ:

ألا أيُّهَذا اللّائِمِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي

أرادَ أنْ أحْضُرَ ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ”أنْ“ وأجازَ هَذا الوَجْهَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ وقُطْرُبٌ وعَلِيُّ بْنُ عِيسى وأبُو مُسْلِمٍ.

القَوْلُ الثّانِي: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ أقْسَمْنا عَلَيْهِمْ لا يَعْبُدُونَ، وأجازَ هَذا الوَجْهَ المُبَرِّدُ والكِسائِيُّ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الأخْفَشِ.

القَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ قُطْرُبٍ: أنَّهُ يَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ فَيَكُونُ مَوْضِعُهُ نَصْبًا كَأنَّهُ قالَ: أخَذْنا مِيثاقَكم غَيْرَ عابِدِينَ إلّا اللَّهَ.

القَوْلُ الرّابِعُ: قَوْلُ الفَرّاءِ إنَّ مَوْضِعَ ”لا تَعْبُدُونَ“ عَلى النَّهْيِ إلّا أنَّهُ جاءَ عَلى لَفْظِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ [البقرة: ٢٣٣] بِالرَّفْعِ والمَعْنى عَلى النَّهْيِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ كَوْنَهُ نَهْيًا أُمُورٌ:

أحَدُها: قَوْلُهُ: (أقِيمُوا) .

وثانِيها: أنَّهُ يَنْصُرُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ: (لا تَعْبُدُوا) .

وثالِثُها: أنَّ الإخْبارَ في مَعْنى الأمْرِ والنَّهْيِ آكَدُ وأبْلَغُ مِن صَرِيحِ الأمْرِ والنَّهْيِ، لِأنَّهُ كَأنَّهُ سُورِعَ إلى الِامْتِثالِ والِانْتِهاءِ فَهو يُخْبِرُ عَنْهُ.

القَوْلُ الخامِسُ: التَّقْدِيرُ أنْ لا تَعْبُدُوا تَكُونُ ”أنْ“ مَعَ الفِعْلِ بَدَلًا عَنِ المِيثاقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ بِتَوْحِيدِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذا المِيثاقُ يَدُلُّ عَلى تَمامِ ما لا بُدَّ مِنهُ في الدِّينِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى ونَهى عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ بِعِبادَتِهِ والنَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ، وجَمِيعُ ما يَجِبُ ويَجُوزُ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وبِالعِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ والبَراءَةِ عَنِ الصّاحِبَةِ والأوْلادِ، ومَسْبُوقٌ أيْضًا بِالعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ تِلْكَ …

Al-Baqara 2:83Listen in Qur'an →
84

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed each other's blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى نَوْعٍ آخَرَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وهو أنَّهُ تَعالى كَلَّفَهم هَذا التَّكْلِيفَ وأنَّهم أقَرُّوا بِصِحَّتِهِ ثُمَّ خالَفُوا العَهْدَ فِيهِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِعُلَماءِ اليَهُودِ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ .

وثانِيها: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ أسْلافِهِمْ، وتَقْدِيرُهُ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ آبائِكم.

وثالِثُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأسْلافِ وتَقْرِيعٌ لِلْأخْلافِ ومَعْنى: ﴿أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ أمَرْناكم وأكَّدْنا الأمْرَ وقَبِلْتُمْ وأقْرَرْتُمْ بِلُزُومِهِ ووُجُوبِهِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ، وهو الإنْسانُ مُلْجَأٌ إلى أنْ لا يَقْتُلَ نَفْسَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا فائِدَةَ في النَّهْيِ عَنْهُ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذا الإلْجاءَ قَدْ يَتَغَيَّرُ كَما ثَبَتَ في أهْلِ الهِنْدِ أنَّهم يُقَدِّرُونَ في قَتْلِ النَّفْسِ التَّخَلُّصَ مِن عالَمِ الفَسادِ واللُّحُوقَ بِعالَمِ النُّورِ والصَّلاحِ، أوْ كَثِيرٌ مِمَّنْ صَعُبَ عَلَيْهِ الزَّمانُ، وثَقُلَ عَلَيْهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ، فَيَقْتُلُ نَفْسَهُ، فَإذا انْتَفى كَوْنُ الإنْسانِ مُلْجَأً إلى تَرْكِ قَتْلِهِ نَفْسَهُ صَحَّ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا بِهِ.

وثانِيها: المُرادُ لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، وجَعَلَ غَيْرَ الرَّجُلِ نَفْسَهُ إذا اتَّصَلَ بِهِ نَسَبًا ودِينًا وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] .

وثالِثُها: أنَّهُ إذا قَتَلَ غَيْرَهُ فَكَأنَّما قَتَلَ نَفْسَهُ لِأنَّهُ يُقْتَصُّ مِنهُ.

صفحة ١٥٦

ورابِعُها: لا تَتَعَرَّضُوا لِمُقاتَلَةِ مَن يَقْتُلُكم فَتَكُونُوا قَدْ قَتَلْتُمْ أنْفُسَكم.

وخامِسُها: لا تَسْفِكُونَ دِماءَ مَن قِوامُكم في مَصالِحِ الدُّنْيا بِهِمْ فَتَكُونُونَ مُهْلِكِينَ لِأنْفُسِكم.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ بِسَبَبِهِ أنْ تَخْرُجُوا مِن دِيارِكم.

الثّانِي: المُرادُ النَّهْيُ عَنْ إخْراجِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْظُمُ فِيهِ المِحْنَةُ والشِّدَّةُ حَتّى يُقْرُبَ مِنَ الهَلاكِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: وهو الأقْوى، أيْ: ثُمَّ أقْرَرْتُمْ بِالمِيثاقِ واعْتَرَفْتُمْ عَلى أنْفُسِكم بِلُزُومِهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَيْها كَقَوْلِكَ فُلانٌ مُقِرٌّ عَلى نَفْسِهِ بِكَذا أيْ شاهِدٌ عَلَيْها.

وثانِيها: اعْتَرَفْتُمْ بِقَبُولِهِ وشَهِدَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ شائِعًا فِيما بَيْنَهم مَشْهُورًا.

وثالِثُها: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ اليَوْمَ يا مَعْشَرَ اليَهُودِ عَلى إقْرارِ أسْلافِكم بِهَذا المِيثاقِ.

ورابِعُها: الإقْرارُ الَّذِي هو الرِّضاءُ بِالأمْرِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ كَأنْ يُقالَ: فُلانٌ لا يُقِرُّ عَلى الضَّيْمِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُكم بِذَلِكَ ورَضِيتُمْ بِهِ فَأقَمْتُمْ عَلَيْهِ وشَهِدْتُمْ بِوُجُوبِهِ وصِحَّتِهِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ والمَعْنى واحِدٌ، قُلْنا فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: أقْرَرْتُمْ يَعْنِي أسْلافَكم وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ الآنَ يَعْنِي عَلى إقْرارِهِمْ.

الثّانِي: أقْرَرْتُمْ في وقْتِ المِيثاقِ الَّذِي مَضى وأنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ تَشْهَدُونَ. …

Al-Baqara 2:84Listen in Qur'an →
85

ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًۭا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allah is not unaware of what you do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”أنْتُمْ“ لِلْحاضِرِينَ و”هَؤُلاءِ“ لِلْغائِبِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ الحاضِرُ نَفْسَ الغائِبِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: تَقْدِيرُهُ ثُمَّ أنْتُمْ يا هَؤُلاءِ.

وثانِيها: تَقْدِيرُهُ ثُمَّ أنْتُمْ أعْنِي هَؤُلاءِ الحاضِرِينَ.

وثالِثُها: أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِي وصِلَتُهُ ”تَقْتُلُونَ“ ومَوْضِعُ تَقْتُلُونَ رَفْعٌ إذا كانَ خَبَرًا ولا مَوْضِعَ لَهُ إذا كانَ صِلَةً. قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ في الصِّلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يامُوسى﴾ [طه: ١٧] يَعْنِي وما تِلْكَ الَّتِي بِيَمِينِكَ.

ورابِعُها: هَؤُلاءِ تَأْكِيدٌ لِأنْتُمْ، والخَبَرُ ”تَقْتُلُونَ“، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ ?

صفحة ١٥٧

﴿أنْفُسَكُمْ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا فِيهِ الوُجُوهَ، وأصَحُّها أنَّ المُرادَ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَتْلُ البَعْضِ لِلْبَعْضِ قَدْ يُقالُ فِيهِ إنَّهُ قَتْلٌ لِلنَّفْسِ إذْ كانَ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ الواحِدَةِ وبَيَّنّا المُرادَ بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ ما هو.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تَظاهَرُونَ“ بِتَخْفِيفِ الظّاءِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ فَوَجْهُ التَّخْفِيفِ الحَذْفُ لِإحْدى التّاءَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢] ووَجْهُ التَّشْدِيدِ إدْغامُ التّاءِ في الظّاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ والحَذْفُ أخَفُّ والإدْغامُ أدَلُّ عَلى الأصْلِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّظاهُرَ هو التَّعاوُنُ، ولَمّا كانَ الإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ وقَتْلُ البَعْضِ بَعْضًا مِمّا تَعْظُمُ بِهِ الفِتْنَةُ واحْتِيجَ فِيهِ إلى اقْتِدارٍ وغَلَبَةٍ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم فَعَلُوهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعانَةِ بِمَن يُظاهِرُهم عَلى الظُّلْمِ والعُدْوانِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الظُّلْمَ كَما هو مُحَرَّمٌ فَكَذا إعانَةُ الظّالِمِ عَلى ظُلْمِهِ مُحَرَّمَةٌ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أقْدَرَ الظّالِمَ عَلى الظُّلْمِ وأزالَ العَوائِقَ والمَوانِعَ وسَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّهْوَةَ الدّاعِيَةَ إلى الظُّلْمِ كانَ قَدْ أعانَهُ عَلى الظُّلْمِ، فَلَوْ كانَتْ إعانَةُ الظّالِمِ عَلى ظُلْمِهِ قَبِيحَةً لَوَجَبَ أنْ لا يُوجَدَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى وإنْ مَكَّنَ الظّالِمَ مِن ذَلِكَ فَقَدْ زَجَرَهُ عَنِ الظُّلْمِ بِالتَّهْدِيدِ والزَّجْرِ، بِخِلافِ المُعِينِ لِلظّالِمِ عَلى ظُلْمِهِ فَإنَّهُ يُرَغِّبُهُ فِيهِ ويُحَسِّنُهُ في عَيْنِهِ ويَدْعُوهُ إلَيْهِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ قَدْرَ ذَنْبِ المُعِينِ مِثْلُ قَدْرِ ذَنْبِ المُباشِرِ، بَلِ الدَّلِيلُ دَلَّ عَلى أنَّهُ دُونَهُ لِأنَّ الإعانَةَ لَوْ حَصَلَتْ بِدُونِ المُباشَرَةِ لَما أثَّرَتْ في حُصُولِ الظُّلْمِ ولَوْ حَصَلَتِ المُباشَرَةُ بِدُونِ الإعانَةِ لَحَصَلَ الضَّرَرُ والظُّلْمُ، فَعَلِمْنا أنَّ المُباشَرَةَ …

Al-Baqara 2:85Listen in Qur'an →
86

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ تَحْصِيلِ لَذّاتِ الدُّنْيا ولَذّاتِ الآخِرَةِ مُمْتَنِعٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ واللَّهُ سُبْحانَهُ مَكَّنَ المُكَلَّفَ مِن تَحْصِيلِ أيِّهِما شاءَ وأرادَ، فَإذا اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِ أحَدِهِما فَقَدْ فَوَّتَ الآخَرَ عَلى نَفْسِهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ ما أعْرَضَ اليَهُودُ عَنْهُ مِنَ الإيمانِ بِما في كُتُبِهِمْ وما حَصَلَ في أيْدِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ ولَذّاتِ الدُّنْيا كالبَيْعِ والشِّراءِ، وذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في نِهايَةِ الذَّمِّ لَهم لِأنَّ المَغْبُونَ في البَيْعِ والشِّراءِ في الدُّنْيا مَذْمُومٌ حَتّى يُوصَفَ بِأنَّهُ تَغَيَّرَ في عَقْلِهِ فَبِأنْ يُذَمَّ مُشْتَرِي مَتاعِ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ أوْلى.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في دُخُولِ الفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُخَفَّفُ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: العَطْفُ عَلى ﴿اشْتَرَوُا﴾ والقَوْلُ الآخَرُ بِمَعْنى جَوابِ الأمْرِ، كَقَوْلِكَ أُولَئِكَ الضُّلّالُ انْتَبِهْ فَلا خَيْرَ فِيهِمْ، والأوَّلُ أوْجَهُ لِأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى الإضْمارِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بَعْضُهم حَمَلَ التَّخْفِيفَ عَلى أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ بَلْ يَدُومُ، لِأنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ لَكانَ قَدْ خَفَّ، وحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلى شِدَّتِهِ لا عَلى دَوامِهِ والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ العَذابَ قَدْ يَخِفُّ بِالِانْقِطاعِ وقَدْ يَخِفُّ بِالقِلَّةِ في

صفحة ١٦٠

كُلِّ وقْتٍ أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَإذا وصَفَ تَعالى عَذابَهم بِأنَّهُ لا يُخَفَّفُ اقْتَضى ذَلِكَ نَفْيَ جَمِيعِ ما ذَكَرْناهُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأكْثَرُونَ حَمَلُوهُ عَلى نَفْيِ النُّصْرَةِ في الآخِرَةِ يَعْنِي أنَّ أحَدًا لا يَدْفَعُ هَذا العَذابَ عَنْهم ولا هم يُنْصَرُونَ عَلى مَن يُرِيدُ عَذابَهم، ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى نَفْيِ النُّصْرَةِ في الدُّنْيا، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً عَلى صَنِيعِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَلِيقُ إلّا بِالآخِرَةِ، لِأنَّ عَذابَ الدُّنْيا وإنْ حَصَلَ فَيَصِيرُ كالحُدُودِ الَّتِي تُقامُ عَلى المُقَصِّرِ ولِأنَّ الكُفّارَ قَدْ يَصِيرُونَ غالِبِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ في بَعْضِ الأوْقاتِ.

Al-Baqara 2:86Listen in Qur'an →
87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ

And We did certainly give Moses the Torah and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أفاضَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ إنَّهم قابَلُوهُ بِالكُفْرِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ اليَهُودِ مِن قَبْلُ بِأنَّهم يُخالِفُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى في قَتْلِ أنْفُسِهِمْ وإخْراجِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ وبَيَّنَ أنَّهم بِهَذا الصَّنِيعِ اشْتَرَوُا الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، زادَ في تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا الكِتابُ فَهو التَّوْراةُ آتاهُ اللَّهُ إيّاها جُمْلَةً واحِدَةً، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّوْراةَ لَمّا نَزَلَتْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِحَمْلِها فَلَمْ يُطِقْ ذَلِكَ، فَبَعَثَ اللَّهُ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنها مَلَكًا فَلَمْ يُطِيقُوا حَمْلَها فَخَفَّفَها اللَّهُ عَلى مُوسى فَحَمَلَها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَفَّيْنا، أتْبَعْنا مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ يَأْتِي في قَفاهُ الشَّيْءُ، أيْ بَعْدَ نَحْوِ ذَنَبِهِ مِنَ الذَّنَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ أنَّ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتِ الرُّسُلُ تَتَواتَرُ ويَظْهَرُ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والشَّرِيعَةُ واحِدَةٌ إلى أيّامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ جاءَ بِشَرِيعَةٍ مُجَدِّدَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهم عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الشَّرِيعَةِ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا فِيها، قالَ القاضِي: إنَّ الرَّسُولَ الثّانِيَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى شَرِيعَةِ الأوَّلِ حَتّى لا يُؤَدِّيَ إلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بِعَيْنِها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، مَعَ أنَّ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ مَحْفُوظَةٌ يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها بِالتَّواتُرِ عَنِ الأُوَلِ، لِأنَّ الرَّسُولَ إذا كانَ هَذا حالَهُ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَعْلَمَ مِن جِهَةٍ إلّا ما كانَ قَدْ عَلِمَ مِن قَبْلُ أوْ يُمْكِنْ أنْ يَعْلَمَ مِن قَبْلُ، فَكَما لا يَجُوزُ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا لا شَرِيعَةَ مَعَهُ أصْلًا، تُبَيِّنُ العَقْلِيّاتِ لِهَذِهِ العِلَّةِ، فَكَذا القَوْلُ في مَسْألَتِنا: فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ في الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونُوا قَدْ أتَوْا بِشَرِيعَةٍ

صفحة ١٦١

جَدِيدَةٍ إنْ كانَتِ الأُولى مَحْفُوظَةً أوْ مُحْيِيَةً لِبَعْضِ ما انْدَرَسَ مِنَ الشَّرِيعَةِ الأُولى. والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن بَعْثَةِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ تَنْفِيذَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ السّالِفَةِ عَلى الأُمَّةِ أوْ نَوْعًا آخَرَ مَنِ الألْطافِ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ ؟ وبِالجُمْلَةِ فالقاضِي ما أتى في هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا بِإعادَةِ الدَّعْوى، فَلِمَ قالَ: إنَّهُ لا يَجُوزُ بَعْثُ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ إلّا لِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ أوْ لِإحْياءِ شَرِيعَةٍ انْدَرَسَتْ وهَلِ النِّزاعُ وقَعَ إلّا في هَذا ؟

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَؤُلاءِ الرُّسُلُ هم: يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ، وشَمْعُونُ، وداوُدُ، وسُلَيْمانُ وشَعْياءُ، وأرْمِياءُ، وعُزَيْرٌ، وحِزْقِيلُ، …

Al-Baqara 2:87Listen in Qur'an →
88

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًۭا مَّا يُؤْمِنُونَ

And they said, "Our hearts are wrapped." But, [in fact], Allah has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾

أمّا الغُلْفُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ جَمْعُ أغْلَفَ والأغْلَفُ هو ما في غِلافٍ أيْ قُلُوبِنا مُغَشّاةٌ

صفحة ١٦٣

بِأغْطِيَةٍ مانِعَةٍ مِن وُصُولِ أثَرِ دَعْوَتِكَ إلَيْها.

وثانِيها: رَوى الأصَمُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ قُلُوبَهم غُلْفٌ بِالعِلْمِ ومَمْلُوءَةٌ بِالحِكْمَةِ فَلا حاجَةَ مَعَها بِهِمْ إلى شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وثالِثُها: غُلْفٌ أيْ كالغِلافِ الخالِي لا شَيْءَ فِيهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِكَ.

أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهُمُ اخْتارُوا الوَجْهَ الأوَّلَ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في قُلُوبِ الكُفّارِ ما لا يُمْكِنُهم مَعَهُ الإيمانُ، لا غِلافَ ولا كِنَّ ولا سَدَّ عَلى ما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ هَؤُلاءِ اليَهُودُ صادِقِينَ في هَذا القَوْلِ، فَكانَ لا يُكَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما يَذُمُّ الكاذِبَ المُبْطِلَ لا الصّادِقَ المُحِقَّ المَعْذُورَ، قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] لَيْسَ المُرادُ كَوْنَهم مَمْنُوعِينَ مِنَ الإيمانِ، بَلِ المُرادُ إمّا مَنعُ الألْطافِ أوْ تَشْبِيهُ حالِهِمْ في إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمَنزِلَةِ المَجْبُورِ عَلى الكُفْرِ. قالُوا: ونَظِيرُ ذَمِّ اللَّهِ تَعالى اليَهُودَ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ ذَمُّهُ تَعالى الكافِرِينَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] ولَوْ كانَ الأمْرُ عَلى ما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ لَكانَ هَؤُلاءِ القَوْمُ صادِقِينَ في ذَلِكَ، ولَوْ كانُوا صادِقِينَ لَما ذَمَّهم بَلْ كانَ الَّذِي حَكاهُ عَنْهم إظْهارًا لِعُذْرِهِمْ ومُسْقِطًا لِلَوْمِهِمْ.

واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في تَفْسِيرِ الغُلْفِ وُجُوهًا ثَلاثَةً فَلا يَجِبُ الجَزْمُ بِواحِدٍ مِنها مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ مِنهُ ذَلِكَ الوَجْهُ لَكِنْ لِمَ قُلْتَ إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ مَذْمُومٌ ؟

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ فَفِيهِ أجْوِبَةٌ:

أحَدُها: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَعَنَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، أمّا لِمَ قُلْتُمْ بِأنَّهُ إنَّما لَعَنَهم بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ فَلَعَلَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم قَوْلًا ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مِن حالِهِمْ أنَّهم مَلْعُونُونَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

وثانِيها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ يَعْنِي لَيْسَتْ قُلُوبُنا في أغْلافٍ ولا في أغْطِيَةٍ، بَلْ قَوِيَّةٌ وخَواطِرُنا مُنِيرَةٌ ثُمَّ إنّا بِهَذِهِ الخَواطِرِ والأفْهامِ تَأمَّلْنا في دَلائِلِكَ يا مُحَمَّدُ، فَلَمْ نَجِدْ مِنها شَيْئًا قَوِيًّا. فَلَمّا ذَكَرُوا هَذا التَّصَلُّفَ الكاذِبَ لا جَرَمَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلى كُفْرِهِمُ الحاصِلِ بِسَبَبِ هَذا القَوْلِ، وثالِثُها؛ لَعَلَّ قُلُوبَهم ما كانَتْ في الأغْطِيَةِ بَلْ كانُوا عالِمِينَ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما …

Al-Baqara 2:88Listen in Qur'an →
89

وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

And when there came to them a Book from Allah confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allah will be upon the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ مِن قَبائِحِ اليَهُودِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ﴾ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَذا الكِتابَ هو القُرْآنُ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الكِتابَ غَيْرُ ما مَعَهم وما ذاكَ إلّا القُرْآنُ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: لا شُبْهَةَ في أنَّ القُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم في أمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِتَكْلِيفِهِمْ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النُّبُوَّةِ، واللّائِقُ بِذَلِكَ هو كَوْنُهُ مُوافِقًا لِما مَعَهم في دَلالَةِ نُبُوَّتِهِ إذْ قَدْ عَرَفُوا أنَّهُ لَيْسَ بِمُوافِقٍ لِما مَعَهم في سائِرِ الشَّرائِعِ وعَرَفْنا أنَّهُ لَمْ يَرِدِ المُوافَقَةُ في بابِ أدِلَّةِ القُرْآنِ، لِأنَّ جَمِيعَ كُتُبِ اللَّهِ كَذَلِكَ ولَمّا بَطَلَ الكُلُّ ثَبَتَ أنَّ المُرادَ مُوافَقَتُهُ لِكُتُبِهِمْ فِيما يَخْتَصُّ بِالنُّبُوَّةِ وما يَدُلُّ عَلَيْها مِنَ العَلاماتِ والنُّعُوتِ والصِّفاتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”مُصَدِّقًا“ عَلى الحالِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ نَصْبُها عَنِ النَّكِرَةِ ؟ قُلْنا: إذا وُصِفَتِ النَّكِرَةُ تَخَصَّصَتْ فَصَحَّ انْتِصابُ الحالِ عَنْها وقَدْ وُصِفَ ﴿كِتابٌ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ? .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في جَوابِ ”لَمّا“ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] فَإنَّ جَوابَهُ مَحْذُوفٌ وهو: لَكانَ هَذا القُرْآنُ - عَنِ الأخْفَشِ والزَّجّاجِ.

وثانِيها: أنَّهُ عَلى التَّكْرِيرِ لِطُولِ الكَلامِ والجَوابُ: كَفَرُوا بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَعِدُكم أنَّكُمْ﴾ [المؤمنون: ٣٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ? (المُؤْمِنُونَ: ٣٥) عَنِ المُبَرِّدِ.

وثالِثُها: أنْ تَكُونَ الفاءُ جَوابًا لِلَمّا الأُولى و﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ جَوابًا لِلَمًّا الثّانِيَةِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] الآيَةَ، عَنِ الفَرّاءِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَفي سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ مِن قَبْلِ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُزُولِ القُرْآنِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ، أيْ يَسْألُونَ الفَتْحَ والنُّصْرَةَ وكانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ عَلَيْنا وانْصُرْنا بِالنَّبِيِّ الأُمِّيِّ.

وثانِيها: كانُوا يَقُولُونَ لِمُخالِفِيهِمْ عِنْدَ القِتالِ: هَذا نَبِيٌّ قَدْ أظَلَّ زَمانُهُ يَنْصُرُنا عَلَيْكم، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وثالِثُها: كانُوا يَسْألُونَ العَرَبَ عَنْ مَوْلِدِهِ ويَصِفُونَهُ بِأنَّهُ نَبِيٌّ مِن صِفَتِهِ كَذا وكَذا، ويَتَفَحَّصُونَ عَنْهُ، عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أيْ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ.

ورابِعُها: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ قَبْلَ المَبْعَثِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

وخامِسُها: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ كانُوا إذا قَرَءُوا وذَكَرُوا مُحَمَّدًا في التَّوْراةِ وأنَّهُ

صفحة ١٦٥

مَبْعُوثٌ وأنَّهُ مِنَ العَرَبِ سَألُوا مُشْرِكِي العَرَبِ عَنْ تِلْكَ الصِّفاتِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ هَلْ وُلِدَ فِيهِمْ مَن يُوافِقُ …

Al-Baqara 2:89Listen in Qur'an →
90

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allah has revealed through [their] outrage that Allah would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ البَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ بِئْسَما لا يَحْصُلُ إلّا في مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ نِعْمَ وبِئْسَ بِفَتْحِ الأوَّلِ وكَسْرِ الثّانِي، كَقَوْلِنا: ”عَلِمَ“ إلّا أنَّ ما كانَ ثانِيهِ

صفحة ١٦٦

حَرْفَ حَلْقٍ وهو مَكْسُورٌ يَجُوزُ فِيهِ أرْبَعُ لُغاتٍ:

الأوَّلُ: عَلى الأصْلِ أعْنِي بِفَتْحِ الأوَّلِ وكَسْرِ الثّانِي.

والثّانِي: إتْباعُ الأوَّلِ لِلثّانِي وهو أنْ يَكُونَ بِكَسْرِ النُّونِ والعَيْنِ، وكَذا يُقالُ: فِخِذٌ بِكَسْرِ الفاءِ والخاءِ، وهم وإنْ كانُوا يَفِرُّونَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الكَسْرَتَيْنِ إلّا أنَّهم جَوَّزُوهُ هَهُنا لِكَوْنِ الحَرْفِ الحَلْقِيِّ مُسْتَتْبَعًا لِما يُجاوِرُهُ.

الثّالِثُ: إسْكانُ الحَرْفِ الحَلْقِيِّ المَكْسُورِ وتَرْكُ ما قَبْلَهُ عَلى ما كانَ فَيُقالُ: نَعْمَ وبَئْسَ بِفَتْحِ الأوَّلِ وإسْكانِ الثّانِي كَما يُقالُ: فَخْذٌ بِفَتْحِ الفاءِ وإسْكانِ الخاءِ.

الرّابِعُ: أنْ يُسَكَّنَ الحَرْفُ الحَلْقِيُّ وتُنْقَلَ كَسْرَتُهُ إلى ما قَبْلَهُ فَيُقالُ: نِعْمَ بِكَسْرِ النُّونِ وإسْكانِ العَيْنِ كَما يُقالُ: فِخْذٌ بِكَسْرِ الفاءِ وإسْكانِ الخاءِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّغْيِيرَ الأخِيرَ وإنْ كانَ في حَدِّ الجَوازِ عِنْدَ إطْلاقِ هاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ إلّا أنَّهم جَعَلُوهُ لازِمًا لَهُما لِخُرُوجِهِما عَمّا وُضِعَتْ لَهُ الأفْعالُ الماضِيَةُ مِنَ الإخْبارِ عَنْ وُجُودِ المَصْدَرِ في الزَّمانِ الماضِي وصَيْرُورَتِهِما كَلِمَتَيْ مَدْحٍ وذَمٍّ ويُرادُ بِهِما المُبالَغَةُ في المَدْحِ والذَّمِّ، لِيَدُلَّ هَذا التَّغْيِيرُ اللّازِمُ في اللَّفْظِ عَلى التَّغْيِيرِ عَنِ الأصْلِ في المَعْنى فَيَقُولُونَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ ولا يَذْكُرُونَهُ عَلى الأصْلِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَما أنْشَدَ المُبَرِّدُ:

فَفِداءٌ لِبَنِي قَيْسٍ عَلى ما أصابَ النّاسَ مِن شَرٍّ وضُرِّ

ما أقَلَّتْ قَدَمايَ إنَّهم ∗∗∗ نَعِمَ السّاعُونَ في الأمْرِ المُبِرِّ

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُما فِعْلانِ مِن نَعِمَ يَنْعَمُ وبَئِسَ ويَبْأسُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ دُخُولُ التّاءِ الَّتِي هي عَلامَةُ التَّأْنِيثِ فِيهِما، فَيُقالُ: نِعْمَتْ وبِئْسَتْ، والفَرّاءُ يَجْعَلُهُما بِمَنزِلَةِ الأسْماءِ ويَحْتَجُّ بِقَوْلِ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

ألَسْنا بِنِعْمَ الجارِ يُؤْلَفُ بَيْتُهُ ∗∗∗ مِنَ النّاسِ ذا مالٍ كَثِيرٍ ومُعْدَما

وبِما رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا بُشِّرَ بِمَوْلُودَةٍ فَقِيلَ لَهُ: نِعْمَ المَوْلُودُ مَوْلُودَتُكَ، فَقالَ: واللَّهِ ما هي بِنِعْمَ المَوْلُودَةِ والبَصْرِيُّونَ يُجِيبُونَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الحِكايَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ ”نِعْمَ وبِئْسَ“ أصْلانِ لِلصَّلاحِ والرَّداءَةِ ويَكُونُ فاعِلُهُما اسْمًا يَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ إمّا مُظْهَرًا وإمّا مُضْمَرًا، والمُظْهَرُ عَلى وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: نَحْوَ قَوْلِكَ، نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، لا تُرِيدُ رَجُلًا دُونَ الرَّجُلِ وإنَّما تَقْصِدُ الرَّجُلَ عَلى الإطْلاقِ.

والثّانِي: نَحْوَ قَوْلِكَ نِعْمَ غُلامُ الرَّجُلِ زَيْدٌ، أمّا قَوْلُهُ:

فَنِعْمَ صاحِبُ قَوْمٍ لا سِلاحَ لَهم ∗∗∗ وصاحِبُ الرَّكْبِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانا

فَنادِرٌ وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ قَوْلَهُ: ”وصاحِبُ الرَّكْبِ“ قَدْ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ إذِ المُرادُ واحِدٌ فَإذا أتى في الرَّكْبِ بِالألِفِ واللّامِ فَكَأنَّهُ …

Al-Baqara 2:90Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.