Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 81–90 of 286

81

بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةًۭ وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Yes, whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨١ ] ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

"بَلى" إثْباتٌ لِما بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ وهو قَوْلُهُ "لَنْ تَمَسَّنا النّارُ" أيْ بَلى تَمَسُّكم أبَدًا. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ "هم فِيها خالِدُونَ"، "مَن كَسَبَ سَيِّئَةً" أيْ عَمِلَها وهي والسَّيِّئُ عَمَلانِ قَبِيحانِ أصْلُها سَيْوَءَةٌ، مِن: ساءَهُ يَسُوهُ. فَأُعِلَّتْ إعْلالَ سَيِّدٍ. ثُمَّ أوْضَحَ سُبْحانَهُ أنَّ مُجَرَّدَ كَسْبِ السَّيِّئَةِ لا يُوجِبُ الخُلُودَ في النّارِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ سَبَبُهُ مُحِيطًا بِهِ فَقالَ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أيْ غَمَرَتْهُ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ فَلا تُبْقِي لَهُ حَسَنَةً، وسَدَّتْ عَلَيْهِ مَسالِكَ النَّجاةِ؛ بِأنْ عَمِلَ مِثْلَ عَمَلِكم أيُّها اليَهُودُ. وكَفَرَ بِما كَفَرْتُمْ بِهِ حَتّى يُحِيطَ كُفْرُهُ بِما لَهُ مِن حَسَنَةٍ: ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

(تَنْبِيهٌ) ذَهَبَ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ إلى أنَّ الخُلُودَ في النّارِ إنَّما هو لِلْكُفّارِ والمُشْرِكِينَ. لِما ثَبَتَ في السُّنَّةِ، تَواتُرًا، مِن خُرُوجِ عُصاةِ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ، فَيَتَعَيَّنُ تَفْسِيرُ السَّيِّئَةِ والخَطِيئَةِ، في هَذِهِ الآيَةِ، بِالكُفْرِ والشِّرْكِ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُها نازِلَةً في اليَهُودِ.

Al-Baqara 2:81Listen in Qur'an →
82

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٢ ] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ مِن عادَةِ التَّنْزِيلِ العَزِيزِ أنَّهُ لا يُذْكَرُ فِيهِ آيَةٌ في الوَعِيدِ إلّا ويَتْلُوها آيَةٌ في الوَعْدِ. وذَلِكَ لِفَوائِدَ: مِنها، لِيَظْهَرَ بِذَلِكَ عَدْلُهُ سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَكَمَ بِالعَذابِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، وجَبَ أنْ يَحْكُمَ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ عَلى المُصِرِّينَ عَلى الإيمانِ. ومِنها، أنَّ المُؤْمِنَ لا بُدَّ وأنْ يَعْتَدِلَ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ. وذَلِكَ الِاعْتِدالُ لا يَحْصُلُ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ. ومِنها، أنَّهُ يَظْهَرُ بِوَعْدِهِ كَمالُ رَحْمَتِهِ، وبِوَعِيدِهِ كَمالُ حِكْمَتِهِ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْعِرْفانِ.

وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] أنَّ السَّلَفَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ. فَإذا عُطِفَ عَلَيْهِ العَمَلُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. أوْ يُقالُ: لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ولَكِنْ مَعَ العَطْفِ، كَما في اسْمِ الفَقِيرِ والمِسْكِينِ. فَتَذْكَّرْ.

قالَ الرّاغِبُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى مِن قَبْلُ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] هو الكُفْرُ، وإحاطَةُ الخَطِيئَةِ بِهِ، الأعْمالُ السَّيِّئَةُ، وذَلِكَ لِما قابَلَهُ بِهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.

ثُمَّ شَرَعَ، سُبْحانَهُ، يُقِيمُ الدَّلِيلَ عَلى أنَّهم مِمَّنْ أحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَقالَ:

Al-Baqara 2:82Listen in Qur'an →
83

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًۭا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ

And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allah; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakah." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٣ ] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلا قَلِيلا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ المِيثاقَ بِقَوْلِهِ تَعالى "لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ" وهو إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وكَما تَقُولُ: تَذْهَبُ إلى فُلانٍ وتَقُولُ لَهُ كَذا، وهو أبْلَغُ مِن صَرِيحِ الأمْرِ والنَّهْيِ. وقَدْ بُدِئَ بِأعْلى الحُقُوقِ وأعْظَمِها، وهو حَقُّ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ ولا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ. وبِهَذا أمَرَ جَمِيعَ خَلْقِهِ. ولِذَلِكَ خَلَقَهم. كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ والإحْسانِ نِهايَةِ البَرِّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما يَجِبُ مِنَ الرِّعايَةِ والعِنايَةِ، وقَدْ أكَّدَ اللَّهُ الأمْرَ بِإكْرامِ الوالِدَيْنِ. حَتّى قَرَنَ تَعالى الأمْرَ بِالإحْسانِ إلَيْهِما، بِعِبادَتِهِ الَّتِي هي تَوْحِيدُهُ، والبَراءَةُ عَنِ الشِّرْكِ، اهْتِمامًا بِهِ وتَعْظِيمًا لَهُ.

قالَ حَكِيمُ مِصْرَ في تَفْسِيرِهِ: العِلَّةُ الصَّحِيحَةُ في وُجُوبِ هَذا الإحْسانِ عَلى الوَلَدِ، هي العِنايَةُ الصّادِقَةُ الَّتِي بَذَلاها في تَرْبِيَتِهِ، والقِيامُ بِشُؤُونِهِ أيّامَ كانَ ضَعِيفًا عاجِزًا جاهِلًا. لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْها ضَرَرًا. وكانا يَحُوطانِهِ بِالعِنايَةِ والرِّعايَةِ، ويَكْفُلانِهِ، حَتّى يَقْدِرَ عَلى الِاسْتِقْلالِ والقِيامِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ. فَهَذا هو الإحْسانُ الَّذِي يَكُونُ مِنهُما، عَنْ عِلْمٍ واخْتِيارٍ، بَلْ مَعَ الشَّغَفِ الصَّحِيحِ والحَنانِ العَظِيمِ، وما جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ. وإذا وجَبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يُشْكَرَ، لِكُلِّ مَن يُساعِدُهُ عَلى أمْرٍ عَسِيرٍ، فَضْلَهُ، ويُكافِئُهُ بِما يَلِيقُ بِهِ عَلى حَسَبِ الحالِ في المُساعِدِ؛ وما كانَتْ بِهِ المُساعَدَةُ، فَكَيْفَ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الشُّكْرُ لِلْوالِدَيْنِ بَعْدَ الشُّكْرِ لِلَّهِ تَعالى، وهُما اللَّذانِ كانا يُساعِدانِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، أيّامَ كانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ اهـ "وذِي القُرْبى" أيِ القَرابَةُ.

قالَ الأُسْتاذُ الحَكِيمُ "الإحْسانُ هو الَّذِي يُقَوِّي غَرائِزَ الفِطْرَةِ، ويُوَثِّقُ الرَّوابِطَ الطَّبِيعِيَّةَ، حَتّى تَبْلُغَ البُيُوتَ، في وحْدَةِ المَصْلَحَةِ، دَرَجَةَ الكَمالِ، والأُمَّةُ تَتَألَّفُ مِنَ البُيُوتِ، أيِ: العائِلاتُ. فَصَلاحُها صَلاحُها. ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ لا تَكُونُ لَهُ أُمَّةٌ، وذَلِكَ أنَّ عاطِفَةَ التَّراحُمِ وداعِيَةَ التَّعاوُنِ إنَّما تَكُونانِ عَلى أشُدِّهِما وأكْمَلِهِما في الفِطْرَةِ بَيْنَ الوالِدَيْنِ والأوْلادِ، ثُمَّ بَيْنَ سائِرِ الأقْرَبِينَ. فَمَن فَسَدَتْ فِطْرَتُهُ حَتّى لا خَيْرَ فِيهِ لِأهْلِهِ، فَأيُّ خَيْرٍ يُرْجى مِنهُ لِلْبُعَداءِ والأبْعَدِينَ؟ ومَن لا خَيْرَ فِيهِ لِلنّاسِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جُزْءًا مِن بِنْيَةِ أُمَّتِهِ. لِأنَّهُ لَمْ تَنْفَعْ فِيهِ اللُّحْمَةُ النَّسَبِيَّةُ الَّتِي هي أقْوى لُحْمَةٍ طَبِيعِيَّةٍ تَصِلُ بَيْنَ النّاسِ، فَأيُّ لُحْمَةٍ بَعْدَها تَصِلُهُ بِغَيْرِ الأهْلِ …

Al-Baqara 2:83Listen in Qur'an →
84

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed each other's blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٤ ] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾

﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ. والمُرادُ بِهِ النَّهْيُ الشَّدِيدُ عَنْ تَعَرُّضِ بَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ لِبَعْضٍ بِالقَتْلِ والإجْلاءِ. أيْ لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا ولا يُخْرِجُهُ مِن مَنزِلِهِ "ثُمَّ أقْرَرْتُمْ" أيْ أظْهَرْتُمْ الِالتِزامَ بِمُوجَبِ المُحافَظَةِ عَلى المِيثاقِ المَذْكُورِ "وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ" بِلُزُومِهِ. فَهو تَوْكِيدٌ لِلْإقْرارِ، كَقَوْلِكَ: أقَرَّ فُلانٌ، شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ.

Al-Baqara 2:84Listen in Qur'an →
85

ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًۭا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allah is not unaware of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٥ ] ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

"ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ" خِطابٌ خاصٌّ لِلْحاضِرِينَ، فِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى هَذا العَهْدِ الوَثِيقِ "تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ" أيْ تَتَعاوَنُونَ عَلَيْهِمْ "بِالإثْمِ" وهو الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ الذَّمَّ واللَّوْمَ "والعُدْوانِ" وهو التَّجاوُزُ في الظُّلْمِ "وإنْ يَأْتُوكُمْ" أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَعاوَنْتُمْ أوْ عاوَنْتُمْ عَلَيْهِمْ "أُسارى" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وفَتْحِ السِّينِ، والألِفِ بَعْدَها. وقَرَأ حَمْزَةُ "أسْرى" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وسُكُونِ السِّينِ كَقَتْلى، جَمْعُ أسِيرٍ، وأصْلُهُ المَشْدُودُ بِالأسْرِ، وهو القِدُّ، وهو ما يُقَدُّ أيْ يُقْطَعُ مِنَ السَّيْرِ "تُفادُوهُمْ" بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الفاءِ. وقُرِئَ "تَفْدُوهُمْ" بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ الفاءِ، أيْ تُخَلِّصُوهم بِالمالِ مِنَ الفِداءِ. وهو الفِكاكُ بِعِوَضٍ: ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ الجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "تُخْرِجُونَ" أوْ مِن "فَرِيقًا" أوْ مِنهُما. وتَخْصِيصُ بَيانِ الحُرْمَةِ هَهُنا بِالإخْراجِ، مَعَ كَوْنِهِ قَرِينًا لِلْقَتْلِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ، لِكَوْنِهِ مَظِنَّةً لِلْمُساهَلَةِ في أمْرِهِ، بِسَبَبِ قِلَّةِ خَطَرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى القَتْلِ. ولِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِذَمِّهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى جِناياتِهِمْ، وتَناقُضِ أفْعالِهِمْ مَعًا. وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِصُورَةِ الإخْراجِ حَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهم تَدارُكُ القَتْلى بِشَيْءٍ مِن دِيَةٍ أوْ قِصاصٍ. وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ التَّظاهُرِ بِهِ فِيما سَبَقَ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الأحْكامِ فَقالَ ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾ أيِ: التَّوْراةِ وهو المُوجِبُ لِلْمُفاداةِ "وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ" وهو المُحَرَّمُ لِلْقَتْلِ والإخْراجِ. ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى "تُفادُوهُمْ"، و"تُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ" هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ ذَلِكَ وصْفٌ لَهم بِما هو طاعَةٌ، وهو التَّخْلِيصُ مِنَ الأسْرِ بِبَذْلِ مالٍ أوْ غَيْرِهِ، والإيمانُ بِذَلِكَ. وذَكَرَ أبُو مُسْلِمٍ أنَّهُ ضِدُّ ذَلِكَ. والمُرادُ أنَّكم، مَعَ القَتْلِ والإخْراجِ، إذا وقَعَ أسِيرٌ في أيْدِيكم لَمْ تَرْضَوْا مِنهُ إلّا بِأخْذِ مالٍ وإنْ كانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيْكم؛ ثُمَّ عِنْدَهُ تُخْرِجُونَهُ مِنَ الأسْرِ.

قالَ أبُو مُسْلِمٍ: والمُفَسِّرُونَ، إنَّما أُتُوا مِن جِهَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ هَذا القَوْلَ راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ أنَّهُ إذا كانَ في الكِتابِ الَّذِي مَعَكم نَبَأُ مُحَمَّدٍ فَجَحَدْتُمُوهُ فَقَدْ آمَنتُمْ بِبَعْضِ الكِتابِ وكَفَرْتُمْ بِبَعْضٍ.

وكِلا القَوْلَيْنِ يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ المُفاداةِ، لِأنَّ الباذِلَ عَنِ الأسِيرِ يُوصَفُ بِأنَّهُ فاداهُ. والآخِذُ مِنهُ لِلتَّخْلِيصِ يُوصَفُ أيْضًا بِذَلِكَ. إلّا أنَّ الَّذِي أجْمَعَ …

Al-Baqara 2:85Listen in Qur'an →
86

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٦ ] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾

"أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا" أيْ آثَرُوا "الحَياةَ الدُّنْيا" عَلى خَساسَتِها. واسْتَبْدَلُوها "بِالآخِرَةِ" مَعَ نَفاسَتِها. ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ في واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ. ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: أنْكَرَ تَعالى عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، في المَدِينَةِ، وما كانُوا يُعانُونَهُ مِنَ القِتالِ مَعَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وذَلِكَ أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ وهُمُ الأنْصارُ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ عُبّادَ أصْنامٍ، وكانَتْ بَيْنَهم حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وكانَتْ يَهُودُ المَدِينَةِ ثَلاثَ قَبائِلَ: بَنُو قَيْنُقاعَ، حُلَفاءُ الخَزْرَجِ، وبَنُو نَضِيرَ، وبَنُو قُرَيْظَةَ، حُلَفاءُ الأوْسِ فَكانُوا، إذا كانَتْ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ حَرْبٌ، خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقاعَ مَعَ الخَزْرَجِ وخَرَجَتِ النَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ مَعَ الأوْسِ، يُظاهِرُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حُلَفاءَهُ عَلى إخْوانِهِ. فَيُخَرِّبُونَ دِيارَهم ويُخْرِجُونَهم مِنها، ويَسْفِكُونَ دِماءَهم، وبِأيْدِيهِمُ التَّوْراةُ. يَعْرِفُونَ فِيها ما عَلَيْهِمْ وما لَهم. والأوْسُ والخَزْرَجُ أهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الأوْثانَ، ولا يَعْرِفُونَ جَنَّةً ولا نارًا ولا بَعْثًا ولا قِيامَةً، ولا كِتابًا، ولا حَلالًا ولا حَرامًا؛ فَإذا وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها، وأُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما جَمَعُوا لَهُ حَتّى يَفْدُوهُ، فَتَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقاعَ ما كانَ مِن أسْراهم في أيْدِي الأوْسِ، وتَفْتَدِي النَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ ما كانَ في أيْدِي الخَزْرَجِ مِنهم. فَإذا عَيَّرَتْهُمُ العَرَبُ بِذَلِكَ وقالُوا: كَيْفَ تُقاتِلُونَهم وتَفْدُونَهم ؟ قالُوا. إنّا أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم وحُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهم. فَيُقالُ: لِمَ تُقاتِلُونَهم ؟ قالُوا: إنّا نَسْتَحِي أنْ تُسْتَذَلَّ حُلَفاؤُنا. فَلِذَلِكَ حِينَ عَيَّرَهم عَزَّ وجَلَّ فَقالَ: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] أيْ تُفادُوهم بِحُكْمِ التَّوْراةِ وتَقْتُلُونَهم. وفي حُكْمِ التَّوْراةِ أنْ لا يُقْتَلَ ولا يُخْرَجَ مِن دارِهِ ولا يُظاهَرَ عَلَيْهِ مَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ، ويَعْبُدُ الأوْثانَ مِن دُونِهِ؛ ابْتِغاءَ عَرَضِ الدُّنْيا. هَذا مُلَخَّصُ ما ساقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ. ورَواهُ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ. فَلْيُحَقَّقْ تَصْحِيحُ هَذِهِ القِصَّةِ.

وفِي الآيَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ. أيْ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم لِشِدَّةٍ تُصِيبُكم بِسِكِّينٍ، أوْ خَنْقٍ، أوْ بِارْتِكابِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ. كالِارْتِدادِ والزِّنى بَعْدَ الإحْصانِ. وقَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ الحَقِّ ونَحْوِ ذَلِكَ. ولا تُسِيئُوا جِوارَ مَن جاوَرَكم فَيَضْطَرُّونَ إلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم. أوْ: لا تُفْسِدُوا فَتَكُونُوا سَبَبًا لِإخْراجِكم أنْفُسَكم. واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Baqara 2:86Listen in Qur'an →
87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ

And We did certainly give Moses the Torah and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٧ ] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ. وتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ. والمُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةُ. ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ يُقالُ: قَفّاهُ بِهِ أتْبَعَهُ إيّاهُ، مِنَ التَّقْفِيَةِ وهي مُتابَعَةُ شَيْءٍ شَيْئًا. كَأنَّهُ يَتْلُو قَفاهُ، وقَفا الصُّورَةَ مِنها، خَلْفُها المُقابِلُ لِلْوَجْهِ. والمَعْنى لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى الضَّبْطِ بِالكِتابِ الَّذِي تَرَكَهُ فِيكم مُوسى، بَلْ أرْسَلْنا مِن بَعْدِهِ الرُّسُلَ تَتْرى، لِيُجَدِّدُوا لَكم أمْرَ الدِّينِ ويُؤَكِّدُوا عَلَيْكُمُ العُهُودَ. "وآتَيْنا عِيسى" اسْمٌ مُعَرَّبٌ أصْلُهُ يَسُوعُ. لَفْظَةٌ يُونانِيَّةٌ بِمَعْنى مُخْلَصٍ، ومِثْلُهُ يَشُوعُ بِالمُعْجَمَةِ، في اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ "ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ" المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ الَّتِي لا مِرْيَةَ فِيها لِذِي عَقْلٍ. كَإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ "وأيَّدْناهُ" أيْ: قَوَّيْناهُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ "بِرُوحِ القُدُسِ" بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ كَما تَقُولُ: حاتِمُ الجُودِ ورَجُلُ صِدْقٍ، وهي الرُّوحُ الطّاهِرَةُ الَّتِي نَفَخَها اللَّهُ فِيهِ ومَيَّزَهُ بِها عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ خَلَقَ. قالَ تَعالى ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] ولِذا كانَ لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِالرُّوحِ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ لِكَثْرَةِ ما أحْيى مِنَ المَوْتى. وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: القُدُسُ هو اللَّهُ، ورُوحُهُ جِبْرِيلُ. والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ. والمَعْنى: أعَنّاهُ بِجِبْرِيلَ. قالَ الرّازِيُّ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ رُوحَ القُدُسِ جِبْرِيلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ نَـزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] واللَّهُ أعْلَمُ.

وتَخْصِيصُهُ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالذِّكْرِ ووَصْفُهُ بِما ذَكَرَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ، والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ لِحَسْمِ مادَّةِ اعْتِقادِهِمُ الباطِلَ في حَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِبَيانِ حَقِّيَّتِهِ وإظْهارِ نِهايَةِ قُبْحِ ما فَعَلُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ مِنَ الحَقِّ، أيْ لا تُحِبُّهُ. مِن هَوِيَ كَفَرِحَ، إذا أحَبَّ "اسْتَكْبَرْتُمْ" عَنْ الِاتِّباعِ لَهُ، والإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى "فَفَرِيقًا" مِنهم "كَذَّبْتُمْ" إذْ لَمْ تَنَلْ أيْدِيكم مَضَرَّتَهُ "وفَرِيقًا" آخَرَ مِنهم "تَقْتُلُونَ" غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ.

Al-Baqara 2:87Listen in Qur'an →
88

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًۭا مَّا يُؤْمِنُونَ

And they said, "Our hearts are wrapped." But, [in fact], Allah has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٨ ] ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾

"وقالُوا" بَيانٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن مَخازِيهِمْ. والقائِلُونَ المُعاصِرُونَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ "قُلُوبُنا غُلْفٌ" هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] أيْ هي مُغْشاةٌ بِأغْطِيَةٍ مانِعَةٍ مِن وُصُولِ أثَرِ دَعْوَتِكَ إلَيْها، فَلا تَفْقَهُهُ. مُسْتَعارٌ مِنَ الأغْلَفِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ رَدَّ اللَّهُ أنْ تَكُونَ قُلُوبُهم كَذَلِكَ لِأنَّها مُتَمَكِّنَةٌ مِن قَبُولِ الحَقِّ. وإنَّما طَرَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وزَيْغِهِمْ. وهَذا كَما قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٥٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ "ما" مَزِيدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ أيْ فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ. وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ.

Al-Baqara 2:88Listen in Qur'an →
89

وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

And when there came to them a Book from Allah confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allah will be upon the disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٩ ] ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾

"ولَمّا جاءَهم كِتابٌ" هو القُرْآنُ الكَرِيمُ الَّذِي مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ. وصَفَهُ بِالهُدى. وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ. ونَعَتَهُ بِقَوْلِهِ "مِن عِنْدِ اللَّهِ" لِلتَّشْرِيفِ "مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ" مِنَ التَّوْراةِ. وجَوابُ "لَمّا" مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ "لَمّا" الثّانِيَةِ. وعَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى "وكانُوا" إلَخْ. . جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ، عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. وقِيلَ: جَوابُها كَفَرُوا. ولَمّا الثّانِيَةُ تَكْرارٌ لِلْأُولى، فَلا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ. وقِيلَ: كَفَرُوا جَوابٌ لِلْأُولى والثّانِيَةِ لِأنَّ مُقْتَضاهُما واحِدٌ. وعَلى الوَجْهَيْنِ فَجُمْلَةُ قَوْلِهِ "وكانُوا مِن قَبْلُ" أيْ قَبْلَ مَجِيئِهِ: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ مُكابَرَتِهِمْ وعِنادِهِمْ. والِاسْتِفْتاحُ: الِاسْتِنْصارُ أيْ طَلَبُ النَّصْرِ، أيْ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ عَلى المُشْرِكِينَ لِما أنَّهم كانُوا مُسْتَذَلِّينَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولِذا كانُوا يُحالِفُونَ بَعْضَ القَبائِلِ تَعَزُّزًا بِهِمْ عَلى ما تَقَدَّمَ "فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا" صِحَّتَهُ وصِدْقَهُ. كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يُسارِعُوا إلى الإيمانِ بِهِ لِظَفْرِهِمْ بِأُمْنِيَّتِهِمْ حِينَئِذٍ، وهو انْتِصارُهم عَلى المُشْرِكِينَ، وحُصُولُ العِزَّةِ لَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ. ولَكِنْ "كَفَرُوا بِهِ" أيِ امْتَنَعُوا مِنَ الإيمانِ بِهِ خَوْفًا مِن زَوالِ رِياسَتِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وأصَرُّوا عَلى الإنْكارِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ. ولِذا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ في قِصَّةِ إسْلامِهِ: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ. فَواللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّهُ جاءَ بِحَقٍّ. رَواهُ البُخارِيُّ في الهِجْرَةِ.

ورَوى أيْضًا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ لَمّا بَلَغَهُ مَقْدِمَ النَّبِيِّ ﷺ أتاهُ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ. فَلَمّا أجابَهُ عَنْها قالَ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. وسَنَذْكُرُ الحَدِيثَ بِتَمامِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] الآيَةَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ أيْ عَلَيْهِمْ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حُلُولَ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ؛ كَما أنَّ الفاءَ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِها عَلَيْهِ. أوْ لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، إذِ الكَلامُ فِيهِمْ، وأيًّا ما كانَ فَهو مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]

Al-Baqara 2:89Listen in Qur'an →
90

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allah has revealed through [their] outrage that Allah would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٠ ] ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾

﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها، مَنصُوبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ، مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ. أيْ بِئْسَ شَيْئًا باعُوا بِهِ أنْفُسَهم واعْتاضُوا لَها، فَرَضُوا بِهِ وعَدَلُوا إلَيْهِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ كُفْرُهم بِالكِتابِ المُصَدِّقِ لِما مَعَهم بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَتِهِ "بَغْيًا" حَسَدًا "أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ" لِأنْ يُنَزِّلَ، أوْ عَلى أنْ يُنَزِّلَ. أيْ حَسَدُوهُ عَلى أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ "مِن فَضْلِهِ" الَّذِي هو الوَحْيُ "عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ" أيْ: يَشاؤُهُ ويَصْطَفِيهِ لِلرِّسالَةِ "فَباؤُوا بِغَضَبٍ" أيْ رَجَعُوا لِأجْلِ ذَلِكَ بِغَضَبٍ، في حَسَدِهِمْ لِهَذا النَّبِيِّ ﷺ حَتّى كَفَرُوا بِهِ "عَلى غَضَبٍ" كانُوا اسْتَحَقُّوهُ قَبْلَ بِعْثَتِهِ ﷺ مِن أجْلِ تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ، وتَضْيِيعِهِمْ بَعْضَ أحْكامِ التَّوْراةِ، وكُفْرِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ الرّازِيُّ: إنَّ غَضَبَهُ تَعالى يَتَزايَدُ ويَكْثُرُ ويَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ كَصِحَّتِهِ في العَذابِ، فَلا يَكُونُ غَضَبُهُ عَلى مَن كَفَرَ بِخِصْلَةٍ واحِدَةٍ، كَغَضَبِهِ عَلى مَن كَفَرَ بِخِصالٍ كَثِيرَةٍ.

قُلْتُ: وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ««اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ مَلِكُ الأمْلاكِ؛ لا مَلِكَ إلّا اللَّهُ»» . والرِّواياتُ في تَوْصِيفِ غَضَبِهِ تَعالى بِالشِّدَّةِ عَلى بَعْضِ المُنْكَراتِ مُتَوافِرَةٌ. انْظُرِ الجامِعَ الصَّغِيرَ.

ويَحْتَمِلُ المَعْنى. فَصارُوا أحِقّاءَ بِغَضَبٍ مُتَرادِفٍ، فَلا يَكُونُ القَصْدُ إثْباتَ غَضَبَيْنِ لِأمْرَيْنِ مُتَنَوِّعَيْنِ أوْ أُمُورٍ، بَلِ المُرادُ بِهِ تَأْكِيدُ الغَضَبِ وتَكْثِيرُهُ لِأجْلِ أنَّ هَذا الكُفْرَ، وإنْ كانَ واحِدًا، إلّا أنَّهُ عَظِيمٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وقَدْ قَدَّمْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] أنَّ الغَضَبَ صِفَةٌ وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِها. ولَيْسَ غَضَبُهُ كَغَضَبِنا. كَما أنَّ ذاتَهُ لَيْسَتْ مِثْلَ ذَواتِنا، فَلَيْسَ هو مُماثِلًا لِأبْدانِنا ولا لِأرْواحِنا، وصِفاتُهُ كَذاتِهِ. وما قِيلَ: إنَّ الغَضَبَ مِن الِانْفِعالاتِ النَّفْسانِيَّةِ فَيُقالُ نَحْنُ وذَواتُنا مُنْفَعِلَةٌ، فَكَوْنُها انْفِعالاتٍ فِينا لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُنْفَعِلًا بِها. كَما أنَّ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ لَيْسَتْ مِثْلَ ذَواتِ المَخْلُوقِينَ. فَصِفاتُهُ كَذَلِكَ لَيْسَتْ كَصِفاتِ المَخْلُوقِينَ، ونِسْبَةُ صِفَةِ المَخْلُوقِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ صِفَةِ الخالِقِ إلَيْهِ. ولَيْسَ المَنسُوبُ كالمَنسُوبِ والمَنسُوبُ إلَيْهِ كالمَنسُوبِ إلَيْهِ. كَما قالَ ﷺ: ««تَرَوْنَ رَبَّكم كَما تَرَوْنَ الشَّمْسَ والقَمَرَ»» فَشَبَّهَ الرُّؤْيَةَ بِالرُّؤْيَةِ لا المَرْئِيِّ بِالمَرْئِيِّ. وهَذا يَتَبَيَّنُ بِقاعِدَةٍ: وهي أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَتَوَهَّمُ، في بَعْضِ الصِّفاتِ أوْ كَثِيرٍ مِنها، أوْ أكْثَرِها أوْ كُلِّها، أنَّها تُماثِلُ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ. ثُمَّ يُرِيدُ نَفْيَ ذَلِكَ الَّذِي فَهِمَهُ فَيَقَعُ في أرْبَعَةِ أنْواعٍ مِنَ المَحاذِيرِ: أحَدُها: كَوْنُهُ مِثْلَ ما فَهِمَهُ مِنَ النُّصُوصِ لِصِفاتِ المَخْلُوقِينَ. وظَنَّ أنَّ مَدْلُولَ النُّصُوصِ هو …

Al-Baqara 2:90Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.