Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 81–90 of 286

81

بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةًۭ وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

Yes, whoever earns evil and his sin has encompassed him - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ: ومِنهم أيْ مِنَ اليَهُودِ.

والأُمِّيُّ مَنسُوبٌ إلى الأُمَّةِ الأُمِّيَّةِ الَّتِي هي عَلى أصْلِ وِلادَتِها مِن أُمَّهاتِها لَمْ تَتَعَلَّمِ الكِتابَةَ ولا تُحْسِنُ القِراءَةَ لِلْمَكْتُوبِ، ومِنهُ حَدِيثُ «إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسِبُ» وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهم: أُمِّيُّونَ لِنُزُولِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ كَأنَّهم نُسِبُوا إلى أُمِّ الكِتابِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنهم أهْلُ الكِتابِ، وقِيلَ: هُمُ المَجُوسُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ والرّاجِحُ الأوَّلُ.

ومَعْنى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِهِ إلّا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأمانِيِّ الَّتِي يَتَمَنَّوْنَها ويُعَلِّلُونَ بِها أنْفُسَهم.

والأمانِيُّ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ وهي ما يَتَمَنّاهُ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ، فَهَؤُلاءِ لا عِلْمَ لَهم بِالكِتابِ الَّذِي هو التَّوْراةُ لِما هم عَلَيْهِ مِن كَوْنِهِمْ مَغْفُورًا لَهم بِما يَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، أوْ بِما لَهم مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ في اعْتِقادِهِمْ، وقِيلَ: الأمانِيُّ: الأكاذِيبُ كَما سَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، أيْ ما كَذَبْتُ، حَكاهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وقِيلَ: الأمانِيُّ: التِّلاوَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ أيْ إذا تَلا ألْقى الشَّيْطانُ في تِلاوَتِهِ، أيْ لا عِلْمَ لَهم إلّا مُجَرَّدُ التِّلاوَةِ مِن دُونِ تَفَهُّمٍ وتَدَبُّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ:

؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ

وقالَ آخَرُ:

؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلَةٍ ∗∗∗ تَمَنِّي داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رُسْلِ

وقِيلَ: الأمانِيُّ: التَّقْدِيرُ.

قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ مُنِّيَ لَهُ، أيْ قُدِّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لا تَأْمَنَنَّ وإنْ أمْسَيْتَ في حَرَمٍ ∗∗∗ حَتّى تُلاقِيَ ما يُمَنِّي لَكَ المانِي

أيْ يُقَدِّرُ لَكَ المُقَدِّرُ.

قالَ في الكَشّافِ: والِاشْتِقاقُ مِن مُنِّيَ إذا قُدِّرَ، لِأنَّ المُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ في نَفْسِهِ ويُجَوِّزُ ما يَتَمَنّاهُ وكَذَلِكَ المُخْتَلِقُ والقارِئُ يُقَدِّرُ أنَّ كَلِمَةَ كَذا بَعْدَ كَذا. انْتَهى.

و" إنْ " في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ نافِيَةٌ، أيْ ما هم. والظَّنُّ هو التَّرَدُّدُ الرّاجِحُ بَيْنَ طَرَفَيِ الِاعْتِقادِ الغَيْرِ الجازِمِ. كَذا في القامُوسِ، أيْ ما هم إلّا يَتَرَدَّدُونَ بِغَيْرِ جَزْمٍ ولا يَقِينٍ، وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى الكَذِبِ، وقِيلَ: هو مُجَرَّدُ الحَدْسِ.

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ العِلْمِ مِنهم بِأنَّهم غَيْرُ عامِلِينَ بَلْ يُحَرِّفُونَ كَلامَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ، ذَكَرَ أهْلَ الجَهْلِ مِنهم بِأنَّهم يَتَّكِلُونَ عَلى الأمانِيِّ ويَعْتَمِدُونَ عَلى الظَّنِّ الَّذِي لا يَقِفُونَ مِن تَقْلِيدِهِمْ عَلى غَيْرِهِ ولا يَظْفَرُونَ بِسِواهُ.

والوَيْلُ: الهَلاكُ.

وقالَ الفَرّاءُ: الأصْلُ في الوَيْلِ ويْ، أيْ حُزْنٌ كَما تَقُولُ: ويْ لِفُلانٍ، أيْ حُزْنٌ لَهُ، فَوَصَلَتْهُ العَرَبُ بِاللّامِ، قالَ الخَلِيلُ: ولَمْ نَسْمَعْ عَلى بِنائِهِ إلّا ويْحَ، ووَيْسَ، ووَيْهَ، ووَيْكَ، ووَيْبَ، وكُلُّهُ مُتَقارِبٌ في المَعْنى، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَها قَوْمٌ وهي مَصادِرُ لَمْ يَنْطِقِ العَرَبُ بِأفْعالِها، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ وإنْ كانَ نَكِرَةً لِأنَّهُ فِيهِ مَعْنى الدُّعاءِ.

والكِتابَةُ مَعْرُوفَةٌ، والمُرادُ: أنَّهم يَكْتُبُونَ الكِتابَ المُحَرَّفَ ولا …

Al-Baqara 2:81Listen in Qur'an →
82

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who believe and do righteous deeds - those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.

قَوْلُهُ: ومِنهم أيْ مِنَ اليَهُودِ.

والأُمِّيُّ مَنسُوبٌ إلى الأُمَّةِ الأُمِّيَّةِ الَّتِي هي عَلى أصْلِ وِلادَتِها مِن أُمَّهاتِها لَمْ تَتَعَلَّمِ الكِتابَةَ ولا تُحْسِنُ القِراءَةَ لِلْمَكْتُوبِ، ومِنهُ حَدِيثُ «إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسِبُ» وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّما قِيلَ لَهم: أُمِّيُّونَ لِنُزُولِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ كَأنَّهم نُسِبُوا إلى أُمِّ الكِتابِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ومِنهم أهْلُ الكِتابِ، وقِيلَ: هُمُ المَجُوسُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ والرّاجِحُ الأوَّلُ.

ومَعْنى: ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِهِ إلّا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأمانِيِّ الَّتِي يَتَمَنَّوْنَها ويُعَلِّلُونَ بِها أنْفُسَهم.

والأمانِيُّ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ وهي ما يَتَمَنّاهُ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ، فَهَؤُلاءِ لا عِلْمَ لَهم بِالكِتابِ الَّذِي هو التَّوْراةُ لِما هم عَلَيْهِ مِن كَوْنِهِمْ مَغْفُورًا لَهم بِما يَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، أوْ بِما لَهم مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ في اعْتِقادِهِمْ، وقِيلَ: الأمانِيُّ: الأكاذِيبُ كَما سَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، أيْ ما كَذَبْتُ، حَكاهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وقِيلَ: الأمانِيُّ: التِّلاوَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ أيْ إذا تَلا ألْقى الشَّيْطانُ في تِلاوَتِهِ، أيْ لا عِلْمَ لَهم إلّا مُجَرَّدُ التِّلاوَةِ مِن دُونِ تَفَهُّمٍ وتَدَبُّرٍ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ:

؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ

وقالَ آخَرُ:

؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ آخِرَ لَيْلَةٍ ∗∗∗ تَمَنِّي داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رُسْلِ

وقِيلَ: الأمانِيُّ: التَّقْدِيرُ.

قالَ الجَوْهَرِيُّ: يُقالُ مُنِّيَ لَهُ، أيْ قُدِّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لا تَأْمَنَنَّ وإنْ أمْسَيْتَ في حَرَمٍ ∗∗∗ حَتّى تُلاقِيَ ما يُمَنِّي لَكَ المانِي

أيْ يُقَدِّرُ لَكَ المُقَدِّرُ.

قالَ في الكَشّافِ: والِاشْتِقاقُ مِن مُنِّيَ إذا قُدِّرَ، لِأنَّ المُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ في نَفْسِهِ ويُجَوِّزُ ما يَتَمَنّاهُ وكَذَلِكَ المُخْتَلِقُ والقارِئُ يُقَدِّرُ أنَّ كَلِمَةَ كَذا بَعْدَ كَذا. انْتَهى.

و" إنْ " في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ نافِيَةٌ، أيْ ما هم. والظَّنُّ هو التَّرَدُّدُ الرّاجِحُ بَيْنَ طَرَفَيِ الِاعْتِقادِ الغَيْرِ الجازِمِ. كَذا في القامُوسِ، أيْ ما هم إلّا يَتَرَدَّدُونَ بِغَيْرِ جَزْمٍ ولا يَقِينٍ، وقِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى الكَذِبِ، وقِيلَ: هو مُجَرَّدُ الحَدْسِ.

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ العِلْمِ مِنهم بِأنَّهم غَيْرُ عامِلِينَ بَلْ يُحَرِّفُونَ كَلامَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ، ذَكَرَ أهْلَ الجَهْلِ مِنهم بِأنَّهم يَتَّكِلُونَ عَلى الأمانِيِّ ويَعْتَمِدُونَ عَلى الظَّنِّ الَّذِي لا يَقِفُونَ مِن تَقْلِيدِهِمْ عَلى غَيْرِهِ ولا يَظْفَرُونَ بِسِواهُ.

والوَيْلُ: الهَلاكُ.

وقالَ الفَرّاءُ: الأصْلُ في الوَيْلِ ويْ، أيْ حُزْنٌ كَما تَقُولُ: ويْ لِفُلانٍ، أيْ حُزْنٌ لَهُ، فَوَصَلَتْهُ العَرَبُ بِاللّامِ، قالَ الخَلِيلُ: ولَمْ نَسْمَعْ عَلى بِنائِهِ إلّا ويْحَ، ووَيْسَ، ووَيْهَ، ووَيْكَ، ووَيْبَ، وكُلُّهُ مُتَقارِبٌ في المَعْنى، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَها قَوْمٌ وهي مَصادِرُ لَمْ يَنْطِقِ العَرَبُ بِأفْعالِها، وجازَ الِابْتِداءُ بِهِ وإنْ كانَ نَكِرَةً لِأنَّهُ فِيهِ مَعْنى الدُّعاءِ.

والكِتابَةُ مَعْرُوفَةٌ، والمُرادُ: أنَّهم يَكْتُبُونَ الكِتابَ المُحَرَّفَ ولا …

Al-Baqara 2:82Listen in Qur'an →
83

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًۭا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًۭا وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ

And [recall] when We took the covenant from the Children of Israel, [enjoining upon them], "Do not worship except Allah; and to parents do good and to relatives, orphans, and the needy. And speak to people good [words] and establish prayer and give zakah." Then you turned away, except a few of you, and you were refusing.

قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّ المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُنا هو ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في حَياتِهِمْ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ وعِبادَةُ اللَّهِ إثْباتُ تَوْحِيدِهِ وتَصْدِيقُ رُسُلِهِ والعَمَلُ بِما أنْزَلَ في كُتُبِهِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ هو جَوابُ قَسَمٍ، والمَعْنى، اسْتَحْلَفْناهم واللَّهِ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، وقِيلَ: هو إخْبارٌ في مَعْنى الأمْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " لا تَعْبُدُوا " عَلى النَّهْيِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: وقُولُوا وأقِيمُوا وآتُوا وقالَ قُطْرُبٌ والمُبَرِّدُ: إنَّ قَوْلَهُ: لا تَعْبُدُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: أخَذْنا مِيثاقَهم مُوَحِّدِينَ أوْ غَيْرَ مُعانِدِينَ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ( يَعْبُدُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.

وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ: إنَّ مَعْناهُ أخَذْنا مِيثاقَكم بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وبِأنْ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ، وبِأنْ لا تَسْفِكُوا الدِّماءَ: ثُمَّ حُذِفَ ( أنْ ) فارْتَفَعَ الفِعْلُ لِزَوالِها.

قالَ المُبَرِّدُ: هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ كُلَّ ما أُضْمِرَ في العَرَبِيَّةِ فَهو يَعْمَلُ عَمَلَهُ مُظْهَرًا.

وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَيْسَ بِخَطَأٍ بَلْ هُما وجْهانِ صَحِيحانِ وعَلَيْهِما أنْشَدَ:

؎ألا أيَهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي

بِالنَّصْبِ لِقَوْلِهِ: ( أحْضُرَ ) وبِالرَّفْعِ.

والإحْسانُ إلى الوالِدَيْنِ: مُعاشَرَتُهُما بِالمَعْرُوفِ والتَّواضُعُ لَهُما وامْتِثالُ أمْرِهِما، وسائِرُ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى الوَلَدِ لِوالِدَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ.

والقُرْبى: مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والعُقْبى، هُمُ القَرابَةُ والإحْسانُ لَهم: صِلَتُهم والقِيامُ بِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ وبِقَدْرِ ما تَبْلُغُ إلَيْهِ القُدْرَةُ.

واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ، واليَتِيمُ في بَنِي آدَمَ مَن فَقَدَ أباهُ. وفي سائِرِ الحَيَواناتِ: مَن فَقَدَ أُمَّهُ.

وأصْلُهُ الِانْفِرادُ، يُقالُ: صَبِيٌّ يَتِيمٌ، أيْ مُنْفَرِدٌ مِن أبِيهِ.

والمَساكِينُ جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو مَن أسْكَنَتْهُ الحاجَةُ وذَلَّلَتْهُ، وهو أشَدُّ فَقْرًا مِنَ الفَقِيرِ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ الفِقْهِ.

ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.

وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ لِهَذا البَحْثِ أدِلَّةً مُسْتَوْفاةً في مَواطِنِها.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ أيْ قُولُوا لَهم قَوْلًا حَسَنًا فَهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَصْدَرٌ كَبُشْرى، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.

وكَذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مَسْعُودٍ.

قالَ الأخْفَشُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ البُخْلِ والبَخَلِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ. وحَكى الأخْفَشُ أيْضًا ( حُسْنى ) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى فُعْلى.

قالَ النَّحّاسُ: وهَذا لا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، لا يُقالُ مِن هَذا شَيْءٌ إلّا بِالألِفِ واللّامِ نَحْوَ الفُضْلى والكُبْرى والحُسْنى وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " حُسُنًا " بِضَمَّتَيْنِ: والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلُّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ حَسَنٌ شَرْعًا كانَ مِن …

Al-Baqara 2:83Listen in Qur'an →
84

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ

And [recall] when We took your covenant, [saying], "Do not shed each other's blood or evict one another from your homes." Then you acknowledged [this] while you were witnessing.

قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّ المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُنا هو ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في حَياتِهِمْ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ وعِبادَةُ اللَّهِ إثْباتُ تَوْحِيدِهِ وتَصْدِيقُ رُسُلِهِ والعَمَلُ بِما أنْزَلَ في كُتُبِهِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ هو جَوابُ قَسَمٍ، والمَعْنى، اسْتَحْلَفْناهم واللَّهِ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، وقِيلَ: هو إخْبارٌ في مَعْنى الأمْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " لا تَعْبُدُوا " عَلى النَّهْيِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: وقُولُوا وأقِيمُوا وآتُوا وقالَ قُطْرُبٌ والمُبَرِّدُ: إنَّ قَوْلَهُ: لا تَعْبُدُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: أخَذْنا مِيثاقَهم مُوَحِّدِينَ أوْ غَيْرَ مُعانِدِينَ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ( يَعْبُدُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.

وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ: إنَّ مَعْناهُ أخَذْنا مِيثاقَكم بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وبِأنْ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ، وبِأنْ لا تَسْفِكُوا الدِّماءَ: ثُمَّ حُذِفَ ( أنْ ) فارْتَفَعَ الفِعْلُ لِزَوالِها.

قالَ المُبَرِّدُ: هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ كُلَّ ما أُضْمِرَ في العَرَبِيَّةِ فَهو يَعْمَلُ عَمَلَهُ مُظْهَرًا.

وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَيْسَ بِخَطَأٍ بَلْ هُما وجْهانِ صَحِيحانِ وعَلَيْهِما أنْشَدَ:

؎ألا أيَهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي

بِالنَّصْبِ لِقَوْلِهِ: ( أحْضُرَ ) وبِالرَّفْعِ.

والإحْسانُ إلى الوالِدَيْنِ: مُعاشَرَتُهُما بِالمَعْرُوفِ والتَّواضُعُ لَهُما وامْتِثالُ أمْرِهِما، وسائِرُ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى الوَلَدِ لِوالِدَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ.

والقُرْبى: مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والعُقْبى، هُمُ القَرابَةُ والإحْسانُ لَهم: صِلَتُهم والقِيامُ بِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ وبِقَدْرِ ما تَبْلُغُ إلَيْهِ القُدْرَةُ.

واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ، واليَتِيمُ في بَنِي آدَمَ مَن فَقَدَ أباهُ. وفي سائِرِ الحَيَواناتِ: مَن فَقَدَ أُمَّهُ.

وأصْلُهُ الِانْفِرادُ، يُقالُ: صَبِيٌّ يَتِيمٌ، أيْ مُنْفَرِدٌ مِن أبِيهِ.

والمَساكِينُ جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو مَن أسْكَنَتْهُ الحاجَةُ وذَلَّلَتْهُ، وهو أشَدُّ فَقْرًا مِنَ الفَقِيرِ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ الفِقْهِ.

ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.

وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ لِهَذا البَحْثِ أدِلَّةً مُسْتَوْفاةً في مَواطِنِها.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ أيْ قُولُوا لَهم قَوْلًا حَسَنًا فَهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَصْدَرٌ كَبُشْرى، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.

وكَذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مَسْعُودٍ.

قالَ الأخْفَشُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ البُخْلِ والبَخَلِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ. وحَكى الأخْفَشُ أيْضًا ( حُسْنى ) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى فُعْلى.

قالَ النَّحّاسُ: وهَذا لا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، لا يُقالُ مِن هَذا شَيْءٌ إلّا بِالألِفِ واللّامِ نَحْوَ الفُضْلى والكُبْرى والحُسْنى وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " حُسُنًا " بِضَمَّتَيْنِ: والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلُّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ حَسَنٌ شَرْعًا كانَ مِن …

Al-Baqara 2:84Listen in Qur'an →
85

ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًۭا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then, you are those [same ones who are] killing one another and evicting a party of your people from their homes, cooperating against them in sin and aggression. And if they come to you as captives, you ransom them, although their eviction was forbidden to you. So do you believe in part of the Scripture and disbelieve in part? Then what is the recompense for those who do that among you except disgrace in worldly life; and on the Day of Resurrection they will be sent back to the severest of punishment. And Allah is not unaware of what you do.

قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّ المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُنا هو ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في حَياتِهِمْ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ وعِبادَةُ اللَّهِ إثْباتُ تَوْحِيدِهِ وتَصْدِيقُ رُسُلِهِ والعَمَلُ بِما أنْزَلَ في كُتُبِهِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ هو جَوابُ قَسَمٍ، والمَعْنى، اسْتَحْلَفْناهم واللَّهِ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، وقِيلَ: هو إخْبارٌ في مَعْنى الأمْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " لا تَعْبُدُوا " عَلى النَّهْيِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: وقُولُوا وأقِيمُوا وآتُوا وقالَ قُطْرُبٌ والمُبَرِّدُ: إنَّ قَوْلَهُ: لا تَعْبُدُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: أخَذْنا مِيثاقَهم مُوَحِّدِينَ أوْ غَيْرَ مُعانِدِينَ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ( يَعْبُدُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.

وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ: إنَّ مَعْناهُ أخَذْنا مِيثاقَكم بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وبِأنْ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ، وبِأنْ لا تَسْفِكُوا الدِّماءَ: ثُمَّ حُذِفَ ( أنْ ) فارْتَفَعَ الفِعْلُ لِزَوالِها.

قالَ المُبَرِّدُ: هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ كُلَّ ما أُضْمِرَ في العَرَبِيَّةِ فَهو يَعْمَلُ عَمَلَهُ مُظْهَرًا.

وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَيْسَ بِخَطَأٍ بَلْ هُما وجْهانِ صَحِيحانِ وعَلَيْهِما أنْشَدَ:

؎ألا أيَهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي

بِالنَّصْبِ لِقَوْلِهِ: ( أحْضُرَ ) وبِالرَّفْعِ.

والإحْسانُ إلى الوالِدَيْنِ: مُعاشَرَتُهُما بِالمَعْرُوفِ والتَّواضُعُ لَهُما وامْتِثالُ أمْرِهِما، وسائِرُ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى الوَلَدِ لِوالِدَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ.

والقُرْبى: مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والعُقْبى، هُمُ القَرابَةُ والإحْسانُ لَهم: صِلَتُهم والقِيامُ بِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ وبِقَدْرِ ما تَبْلُغُ إلَيْهِ القُدْرَةُ.

واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ، واليَتِيمُ في بَنِي آدَمَ مَن فَقَدَ أباهُ. وفي سائِرِ الحَيَواناتِ: مَن فَقَدَ أُمَّهُ.

وأصْلُهُ الِانْفِرادُ، يُقالُ: صَبِيٌّ يَتِيمٌ، أيْ مُنْفَرِدٌ مِن أبِيهِ.

والمَساكِينُ جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو مَن أسْكَنَتْهُ الحاجَةُ وذَلَّلَتْهُ، وهو أشَدُّ فَقْرًا مِنَ الفَقِيرِ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ الفِقْهِ.

ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.

وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ لِهَذا البَحْثِ أدِلَّةً مُسْتَوْفاةً في مَواطِنِها.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ أيْ قُولُوا لَهم قَوْلًا حَسَنًا فَهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَصْدَرٌ كَبُشْرى، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.

وكَذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مَسْعُودٍ.

قالَ الأخْفَشُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ البُخْلِ والبَخَلِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ. وحَكى الأخْفَشُ أيْضًا ( حُسْنى ) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى فُعْلى.

قالَ النَّحّاسُ: وهَذا لا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، لا يُقالُ مِن هَذا شَيْءٌ إلّا بِالألِفِ واللّامِ نَحْوَ الفُضْلى والكُبْرى والحُسْنى وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " حُسُنًا " بِضَمَّتَيْنِ: والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلُّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ حَسَنٌ شَرْعًا كانَ مِن …

Al-Baqara 2:85Listen in Qur'an →
86

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

Those are the ones who have bought the life of this world [in exchange] for the Hereafter, so the punishment will not be lightened for them, nor will they be aided.

قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وقالَ مَكِّيٌّ: إنَّ المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُنا هو ما أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في حَياتِهِمْ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ وعِبادَةُ اللَّهِ إثْباتُ تَوْحِيدِهِ وتَصْدِيقُ رُسُلِهِ والعَمَلُ بِما أنْزَلَ في كُتُبِهِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾ هو جَوابُ قَسَمٍ، والمَعْنى، اسْتَحْلَفْناهم واللَّهِ لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ، وقِيلَ: هو إخْبارٌ في مَعْنى الأمْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ " لا تَعْبُدُوا " عَلى النَّهْيِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: وقُولُوا وأقِيمُوا وآتُوا وقالَ قُطْرُبٌ والمُبَرِّدُ: إنَّ قَوْلَهُ: لا تَعْبُدُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: أخَذْنا مِيثاقَهم مُوَحِّدِينَ أوْ غَيْرَ مُعانِدِينَ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ ( يَعْبُدُونَ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.

وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ: إنَّ مَعْناهُ أخَذْنا مِيثاقَكم بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وبِأنْ تُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ، وبِأنْ لا تَسْفِكُوا الدِّماءَ: ثُمَّ حُذِفَ ( أنْ ) فارْتَفَعَ الفِعْلُ لِزَوالِها.

قالَ المُبَرِّدُ: هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ كُلَّ ما أُضْمِرَ في العَرَبِيَّةِ فَهو يَعْمَلُ عَمَلَهُ مُظْهَرًا.

وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَيْسَ بِخَطَأٍ بَلْ هُما وجْهانِ صَحِيحانِ وعَلَيْهِما أنْشَدَ:

؎ألا أيَهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي

بِالنَّصْبِ لِقَوْلِهِ: ( أحْضُرَ ) وبِالرَّفْعِ.

والإحْسانُ إلى الوالِدَيْنِ: مُعاشَرَتُهُما بِالمَعْرُوفِ والتَّواضُعُ لَهُما وامْتِثالُ أمْرِهِما، وسائِرُ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى الوَلَدِ لِوالِدَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ.

والقُرْبى: مَصْدَرٌ كالرُّجْعى والعُقْبى، هُمُ القَرابَةُ والإحْسانُ لَهم: صِلَتُهم والقِيامُ بِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ وبِقَدْرِ ما تَبْلُغُ إلَيْهِ القُدْرَةُ.

واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ، واليَتِيمُ في بَنِي آدَمَ مَن فَقَدَ أباهُ. وفي سائِرِ الحَيَواناتِ: مَن فَقَدَ أُمَّهُ.

وأصْلُهُ الِانْفِرادُ، يُقالُ: صَبِيٌّ يَتِيمٌ، أيْ مُنْفَرِدٌ مِن أبِيهِ.

والمَساكِينُ جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو مَن أسْكَنَتْهُ الحاجَةُ وذَلَّلَتْهُ، وهو أشَدُّ فَقْرًا مِنَ الفَقِيرِ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ وكَثِيرٍ مِن أهْلِ الفِقْهِ.

ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ.

وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ لِهَذا البَحْثِ أدِلَّةً مُسْتَوْفاةً في مَواطِنِها.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ أيْ قُولُوا لَهم قَوْلًا حَسَنًا فَهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وهو مَصْدَرٌ كَبُشْرى، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " حَسَنًا " بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ.

وكَذَلِكَ قَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مَسْعُودٍ.

قالَ الأخْفَشُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ البُخْلِ والبَخَلِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ. وحَكى الأخْفَشُ أيْضًا ( حُسْنى ) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى فُعْلى.

قالَ النَّحّاسُ: وهَذا لا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، لا يُقالُ مِن هَذا شَيْءٌ إلّا بِالألِفِ واللّامِ نَحْوَ الفُضْلى والكُبْرى والحُسْنى وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ " حُسُنًا " بِضَمَّتَيْنِ: والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ لا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلُّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ حَسَنٌ شَرْعًا كانَ مِن …

Al-Baqara 2:86Listen in Qur'an →
87

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ

And We did certainly give Moses the Torah and followed up after him with messengers. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs and supported him with the Pure Spirit. But is it [not] that every time a messenger came to you, [O Children of Israel], with what your souls did not desire, you were arrogant? And a party [of messengers] you denied and another party you killed.

الكِتابُ: التَّوْراةُ، والتَّقْفِيَةُ: الإتْباعُ والإرْدافُ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَفا وهو مُؤَخَّرُ العُنُقِ، تَقُولُ: اسْتَقْفَيْتُهُ: إذا جِئْتَ مِن خَلْفِهِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ قافِيَةُ الشِّعْرِ لِأنَّها تَتْلُو سائِرَ الكَلامِ.

والمُرادُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرْسَلَ عَلى أثَرِهِ رُسُلًا جَعَلَهم تابِعِينَ لَهُ وهم أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ المَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِهِ.

والبَيِّناتِ الأدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في آلِ عِمْرانَ والمائِدَةِ.

والتَّأْيِيدُ: التَّقْوِيَةُ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " وآيَدْناهُ " بِالمَدِّ وهُما لُغَتانِ.

ورُوحُ القُدُسِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ: أيِ الرُّوحِ المُقَدَّسَةِ.

والقُدُسُ: الطَّهارَةُ، والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ، وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ عِيسى، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:

؎وجِبْرِيلُ أمِينُ اللَّهِ فِينا ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ بِهِ خَفاءُ

قالَ النَّحّاسُ: وسُمِّيَ جِبْرِيلُ رُوحًا وأُضِيفَ إلى القُدُسِ لِأنَّهُ كانَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ لَهُ مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. وقِيلَ: القُدُسُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ورُوحُهُ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: المُرادُ بِرُوحِ القُدُسِ: الِاسْمُ الَّذِي كانَ عِيسى يُحْيِي بِهِ المَوْتى، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الإنْجِيلُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الرُّوحُ المَنفُوخُ فِيهِ، أيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ القُوَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ أيْ بِما لا يُوافِقُها ويُلائِمُها، وأصْلُ الهَوى: المَيْلُ إلى الشَّيْءِ.

قالَ الجَوْهَرِيُّ: وسُمِّيَ الهَوى هَوًى لِأنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ إلى النّارِ.

وبَّخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الكَلامِ المُعَنْوَنِ بِهَمْزَةِ التَّوْبِيخِ فَقالَ: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾ مِنكم بِما لا يُوافِقُ ما تَهْوَوْنَهُ اسْتَكْبَرْتُمْ عَنْ إجابَتِهِ احْتِقارًا لِلرُّسُلِ واسْتِبْعادًا لِلرِّسالَةِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: أفَكُلَّما لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ آتَيْناكم يا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ ما آتَيْناكم أفَكُلَمّا جاءَكم رَسُولٌ.

و( فَرِيقًا ) مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ والفاءُ لِلتَّفْصِيلِ، ومِنَ الفَرِيقِ المُكَذَّبِينَ عِيسى ومُحَمَّدٌ، ومِنَ الفَرِيقِ المَقْتُولِينَ يَحْيى وزَكَرِيّا.

والغُلْفُ جَمْعُ أغْلَفَ، المُرادُ بِهِ هُنا: الَّذِي عَلَيْهِ غِشاوَةٌ تَمْنَعُ مِن وُصُولِ الكَلامِ إلَيْهِ، ومِنهُ غَلَّفْتُ السَّيْفَ، أيْ جَعَلْتُ لَهُ غُلافًا.

قالَ في الكَشّافِ: هو مُسْتَعارٌ مِنَ الأغْلَفِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الغُلْفَ جَمْعُ غِلافٍ مِثْلَ حِمارٍ وحُمْرٍ، أيْ قُلُوبُنا أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ فَما بالَها لا تَفْهَمُ عَنْكَ، وقَدْ وعَيْنا عِلْمًا كَثِيرًا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما قالُوهُ فَقالَ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ وأصْلُ اللَّعْنِ في كَلامِ العَرَبِ الطَّرْدُ والإبْعادُ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:

؎ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ ∗∗∗ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ

أيْ كالرَّجُلِ المَطْرُودِ.

والمَعْنى: أبْعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ، وقَلِيلًا نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ و( ما ) زائِدَةٌ، وصَفَ إيمانَهم بِالقِلَّةِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن عِنادِهِمْ وعَجْرَفَتِهِمْ وشِدَّةِ لُجاجِهِمْ، وبُعْدِهِمْ عَنْ إجابَةِ الرُّسُلِ ما قَصَّهُ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.

وقالَ مَعْمَرٌ: المَعْنى لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا مِمّا …

Al-Baqara 2:87Listen in Qur'an →
88

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًۭا مَّا يُؤْمِنُونَ

And they said, "Our hearts are wrapped." But, [in fact], Allah has cursed them for their disbelief, so little is it that they believe.

الكِتابُ: التَّوْراةُ، والتَّقْفِيَةُ: الإتْباعُ والإرْدافُ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ القَفا وهو مُؤَخَّرُ العُنُقِ، تَقُولُ: اسْتَقْفَيْتُهُ: إذا جِئْتَ مِن خَلْفِهِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ قافِيَةُ الشِّعْرِ لِأنَّها تَتْلُو سائِرَ الكَلامِ.

والمُرادُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أرْسَلَ عَلى أثَرِهِ رُسُلًا جَعَلَهم تابِعِينَ لَهُ وهم أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ المَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِهِ.

والبَيِّناتِ الأدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في آلِ عِمْرانَ والمائِدَةِ.

والتَّأْيِيدُ: التَّقْوِيَةُ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " وآيَدْناهُ " بِالمَدِّ وهُما لُغَتانِ.

ورُوحُ القُدُسِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ: أيِ الرُّوحِ المُقَدَّسَةِ.

والقُدُسُ: الطَّهارَةُ، والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ، وقِيلَ: هو جِبْرِيلُ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ عِيسى، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:

؎وجِبْرِيلُ أمِينُ اللَّهِ فِينا ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ بِهِ خَفاءُ

قالَ النَّحّاسُ: وسُمِّيَ جِبْرِيلُ رُوحًا وأُضِيفَ إلى القُدُسِ لِأنَّهُ كانَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ لَهُ مِن غَيْرِ وِلادَةٍ. وقِيلَ: القُدُسُ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ورُوحُهُ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: المُرادُ بِرُوحِ القُدُسِ: الِاسْمُ الَّذِي كانَ عِيسى يُحْيِي بِهِ المَوْتى، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الإنْجِيلُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الرُّوحُ المَنفُوخُ فِيهِ، أيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ القُوَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ أيْ بِما لا يُوافِقُها ويُلائِمُها، وأصْلُ الهَوى: المَيْلُ إلى الشَّيْءِ.

قالَ الجَوْهَرِيُّ: وسُمِّيَ الهَوى هَوًى لِأنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ إلى النّارِ.

وبَّخَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الكَلامِ المُعَنْوَنِ بِهَمْزَةِ التَّوْبِيخِ فَقالَ: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾ مِنكم بِما لا يُوافِقُ ما تَهْوَوْنَهُ اسْتَكْبَرْتُمْ عَنْ إجابَتِهِ احْتِقارًا لِلرُّسُلِ واسْتِبْعادًا لِلرِّسالَةِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: أفَكُلَّما لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ آتَيْناكم يا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ ما آتَيْناكم أفَكُلَمّا جاءَكم رَسُولٌ.

و( فَرِيقًا ) مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ والفاءُ لِلتَّفْصِيلِ، ومِنَ الفَرِيقِ المُكَذَّبِينَ عِيسى ومُحَمَّدٌ، ومِنَ الفَرِيقِ المَقْتُولِينَ يَحْيى وزَكَرِيّا.

والغُلْفُ جَمْعُ أغْلَفَ، المُرادُ بِهِ هُنا: الَّذِي عَلَيْهِ غِشاوَةٌ تَمْنَعُ مِن وُصُولِ الكَلامِ إلَيْهِ، ومِنهُ غَلَّفْتُ السَّيْفَ، أيْ جَعَلْتُ لَهُ غُلافًا.

قالَ في الكَشّافِ: هو مُسْتَعارٌ مِنَ الأغْلَفِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وقِيلَ: إنَّ الغُلْفَ جَمْعُ غِلافٍ مِثْلَ حِمارٍ وحُمْرٍ، أيْ قُلُوبُنا أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ فَما بالَها لا تَفْهَمُ عَنْكَ، وقَدْ وعَيْنا عِلْمًا كَثِيرًا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما قالُوهُ فَقالَ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ وأصْلُ اللَّعْنِ في كَلامِ العَرَبِ الطَّرْدُ والإبْعادُ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:

؎ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ ∗∗∗ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ

أيْ كالرَّجُلِ المَطْرُودِ.

والمَعْنى: أبْعَدَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ، وقَلِيلًا نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ و( ما ) زائِدَةٌ، وصَفَ إيمانَهم بِالقِلَّةِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن عِنادِهِمْ وعَجْرَفَتِهِمْ وشِدَّةِ لُجاجِهِمْ، وبُعْدِهِمْ عَنْ إجابَةِ الرُّسُلِ ما قَصَّهُ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.

وقالَ مَعْمَرٌ: المَعْنى لا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا مِمّا …

Al-Baqara 2:88Listen in Qur'an →
89

وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ

And when there came to them a Book from Allah confirming that which was with them - although before they used to pray for victory against those who disbelieved - but [then] when there came to them that which they recognized, they disbelieved in it; so the curse of Allah will be upon the disbelievers.

﴿ولَمّا جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ كِتابٌ يَعْنِي القُرْآنَ، ومُصَدِّقٌ وصْفٌ لَهُ، وهو في مُصْحَفِ أبِي مَنصُورٍ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ وإنْ كانَ صاحِبُها نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَتْ بِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وتَصْدِيقُهُ لِما مَعَهم مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ يُخْبِرُهم بِما فِيهِما ويُصَدِّقُهُ ولا يُخالِفُهُ.

والِاسْتِفْتاحُ الِاسْتِنْصارُ، أيْ كانُوا مِن قَبْلُ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ عَلى أعْدائِهِمْ بِالنَّبِيِّ المَنعُوتِ في آخِرِ الزَّمانِ الَّذِي يَجِدُونَ صِفَتَهُ عِنْدَهم في التَّوْراةِ، وقِيلَ: الِاسْتِفْتاحُ هُنا بِمَعْنى الفَتْحِ، أيْ يُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ سَيُبْعَثُ ويُعَرِّفُونَهم بِذَلِكَ، وجَوابُ " لَمّا " في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ﴾ قِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ وما بَعْدَهُ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، أيْ كَذَّبُوا أوْ نَحْوَهُ، كَذا قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ.

وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ جَوابَ " لَمّا " الأُولى هو قَوْلُهُ: كَفَرُوا وأُعِيدَتْ " لَمّا " الثّانِيَةُ لِطُولِ الكَلامِ، واللّامُ في ( الكافِرِينَ ) لِلْجِنْسِ.

ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ لِلْعَهْدِ ويَكُونَ هَذا مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.

و( ما ) في قَوْلِهِ: بِئْسَما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، أيْ بِئْسَ الشَّيْءُ أوْ شَيْئًا ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.

وقالَ الأخْفَشُ: " ما " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: " بِئْسَما " بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ واحِدٌ رُكِّبَ كَحَبَّذا.

وقالَ الكِسائِيُّ: " ما " و" اشْتَرَوْا " بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِراؤُهم أنْ يَكْفُرُوا.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وخَبَرُهُ ما قَبْلُهُ.

وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: إنْ شِئْتَ كانَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِنَ الهاءِ في " بِهِ ": أيِ اشْتَرَوْا أنْفُسَهم بِأنْ يَكْفُرُوا.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ " ما " نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ، بِمَعْنى شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ " أنْ يَكْفُرُوا "، و " اشْتَرَوْا " بِمَعْنى باعُوا.

وقَوْلُهُ: بَغْيًا أيْ حَسَدًا.

قالَ الأصْمَعِيُّ: البَغْيُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ بَغى الجُرْحُ: إذا فَسَدَ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطَّلَبُ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزّانِيَةُ بَغِيًّا.

وهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: اشْتَرَوُا وقَوْلُهُ: أنْ يُنَزِّلَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: بَغْيًا أيْ لِأنْ يُنَزِّلَ.

والمَعْنى: أنَّهم باعُوا أنْفُسَهم بِهَذا الثَّمَنِ البَخْسِ حَسَدًا ومُنافَسَةً ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " أنْ يُنْزِلَ " بِالتَّخْفِيفِ.

فَباءُوا أيْ رَجَعُوا وصارُوا أحِقّاءَ ﴿بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى باءُوا ومَعْنى الغَضَبِ، قِيلَ: الغَضَبُ الأوَّلُ لِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، والثّانِي لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ، وقِيلَ: كُفْرِهِمْ بِعِيسى ثُمَّ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ، وقِيلَ: كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ البَغْيِ عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

والمُهِينُ مَأْخُوذٌ مِنَ الهَوانِ، قِيلَ: وهو ما اقْتَضى الخُلُودَ في النّارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: كُلُّ كِتابٍ، أيْ صَدِّقُوا بِالقُرْآنِ أوْ صَدِّقُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ ﴿قالُوا نُؤْمِنُ﴾ أيْ نُصَدِّقُ ﴿بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أيِ …

Al-Baqara 2:89Listen in Qur'an →
90

بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

How wretched is that for which they sold themselves - that they would disbelieve in what Allah has revealed through [their] outrage that Allah would send down His favor upon whom He wills from among His servants. So they returned having [earned] wrath upon wrath. And for the disbelievers is a humiliating punishment.

﴿ولَمّا جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ كِتابٌ يَعْنِي القُرْآنَ، ومُصَدِّقٌ وصْفٌ لَهُ، وهو في مُصْحَفِ أبِي مَنصُورٍ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ وإنْ كانَ صاحِبُها نَكِرَةً فَقَدْ تَخَصَّصَتْ بِوَصْفِها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وتَصْدِيقُهُ لِما مَعَهم مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ يُخْبِرُهم بِما فِيهِما ويُصَدِّقُهُ ولا يُخالِفُهُ.

والِاسْتِفْتاحُ الِاسْتِنْصارُ، أيْ كانُوا مِن قَبْلُ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ النَّصْرَ عَلى أعْدائِهِمْ بِالنَّبِيِّ المَنعُوتِ في آخِرِ الزَّمانِ الَّذِي يَجِدُونَ صِفَتَهُ عِنْدَهم في التَّوْراةِ، وقِيلَ: الِاسْتِفْتاحُ هُنا بِمَعْنى الفَتْحِ، أيْ يُخْبِرُونَهم بِأنَّهُ سَيُبْعَثُ ويُعَرِّفُونَهم بِذَلِكَ، وجَوابُ " لَمّا " في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ﴾ قِيلَ: هو قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا﴾ وما بَعْدَهُ، وقِيلَ: هو مَحْذُوفٌ، أيْ كَذَّبُوا أوْ نَحْوَهُ، كَذا قالَ الأخْفَشُ والزَّجّاجُ.

وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّ جَوابَ " لَمّا " الأُولى هو قَوْلُهُ: كَفَرُوا وأُعِيدَتْ " لَمّا " الثّانِيَةُ لِطُولِ الكَلامِ، واللّامُ في ( الكافِرِينَ ) لِلْجِنْسِ.

ويَجُوزُ أنَّ تَكُونَ لِلْعَهْدِ ويَكُونَ هَذا مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.

و( ما ) في قَوْلِهِ: بِئْسَما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، أيْ بِئْسَ الشَّيْءُ أوْ شَيْئًا ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَهُ سِيبَوَيْهِ.

وقالَ الأخْفَشُ: " ما " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: " بِئْسَما " بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ واحِدٌ رُكِّبَ كَحَبَّذا.

وقالَ الكِسائِيُّ: " ما " و" اشْتَرَوْا " بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ اشْتِراؤُهم أنْ يَكْفُرُوا.

وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وخَبَرُهُ ما قَبْلُهُ.

وقالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: إنْ شِئْتَ كانَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِنَ الهاءِ في " بِهِ ": أيِ اشْتَرَوْا أنْفُسَهم بِأنْ يَكْفُرُوا.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ " ما " نَكِرَةٌ مَنصُوبَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ، بِمَعْنى شَيْئًا اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ " أنْ يَكْفُرُوا "، و " اشْتَرَوْا " بِمَعْنى باعُوا.

وقَوْلُهُ: بَغْيًا أيْ حَسَدًا.

قالَ الأصْمَعِيُّ: البَغْيُ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ بَغى الجُرْحُ: إذا فَسَدَ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطَّلَبُ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الزّانِيَةُ بَغِيًّا.

وهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: اشْتَرَوُا وقَوْلُهُ: أنْ يُنَزِّلَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: بَغْيًا أيْ لِأنْ يُنَزِّلَ.

والمَعْنى: أنَّهم باعُوا أنْفُسَهم بِهَذا الثَّمَنِ البَخْسِ حَسَدًا ومُنافَسَةً ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " أنْ يُنْزِلَ " بِالتَّخْفِيفِ.

فَباءُوا أيْ رَجَعُوا وصارُوا أحِقّاءَ ﴿بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى باءُوا ومَعْنى الغَضَبِ، قِيلَ: الغَضَبُ الأوَّلُ لِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، والثّانِي لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ، وقِيلَ: كُفْرِهِمْ بِعِيسى ثُمَّ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ، وقِيلَ: كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ البَغْيِ عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

والمُهِينُ مَأْخُوذٌ مِنَ الهَوانِ، قِيلَ: وهو ما اقْتَضى الخُلُودَ في النّارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: كُلُّ كِتابٍ، أيْ صَدِّقُوا بِالقُرْآنِ أوْ صَدِّقُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكُتُبِ ﴿قالُوا نُؤْمِنُ﴾ أيْ نُصَدِّقُ ﴿بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أيِ …

Al-Baqara 2:90Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.