Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 1–10 of 286

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

صفحة ٣

(سُورَةُ البَقَرَةِ)

مَدَنِيَّةٌ إلّا آيَةَ ٢٨١ فَنَزَلَتْ بِمِنًى في حَجَّةِ الوَداعِ وآياتُها مِائَتانِ وسِتٌّ وثَمانُونَ

﷽

﴿الم﴾

﴿الم﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى:

اعْلَمْ أنَّ الألْفاظَ الَّتِي يُتَهَجّى بِها أسْماءٌ مُسَمَّياتُها الحُرُوفُ المَبْسُوطَةُ، لِأنَّ الضّادَ مَثَلًا لَفْظَةٌ مُفْرَدَةٌ دالَّةٌ بِالتَّواطُؤِ عَلى مَعْنًى مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى الزَّمانِ المُعَيَّنِ لِذَلِكَ المَعْنى، وذَلِكَ المَعْنى هو الحَرْفُ الأوَّلُ مِن ”ضَرَبَ“ فَثَبَتَ أنَّها أسْماءٌ ولِأنَّها يُتَصَرَّفُ فِيها بِالإمالَةِ والتَّفْخِيمِ والتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ والجَمْعِ والتَّصْغِيرِ والوَصْفِ والإسْنادِ والإضافَةِ، فَكانَتْ لا مَحالَةَ أسْماءٌ. فَإنْ قِيلَ قَدْ رَوى أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«مَن قَرَأ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلَهُ حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها، لا أقُولُ الم حَرْفٌ، لَكِنْ ألْفٌ حَرْفٌ، ولامٌ حَرْفٌ، ومِيمٌ حَرْفٌ» “ الحَدِيثَ، والِاسْتِدْلالُ بِهِ يُناقِضُ ما ذَكَرْتُمْ قُلْنا: سَمّاهُ حَرْفًا مَجازًا لِكَوْنِهِ اسْمًا لِلْحَرْفِ، وإطْلاقُ اسْمِ أحَدِ المُتَلازِمَيْنِ عَلى الآخَرِ مَجازٌ مَشْهُورٌ.

فُرُوعٌ:

الأوَّلُ: أنَّهم راعَوْا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لِمَعانٍ لَطِيفَةٍ، وهي أنَّ المُسَمَّياتِ لَمّا كانَتْ ألْفاظًا كَأسامِيها وهي حُرُوفٌ مُفْرَدَةٌ، والأسامِي تَرْتَقِي عَدَدَ حُرُوفِها إلى الثَّلاثَةِ اتَّجَهَ لَهم طَرِيقٌ إلى أنْ يَدُلُّوا في الِاسْمِ عَلى المُسَمّى، فَجَعَلُوا المُسَمّى صَدْرَ كُلِّ اسْمٍ مِنها إلّا الألِفَ فَإنَّهُمُ اسْتَعارُوا الهَمْزَةَ مَكانَ مُسَمّاها لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا ساكِنًا.

الثّانِي: حُكْمُها ما لَمْ تَلِها العَوامِلُ أنْ تَكُونَ ساكِنَةَ الأعْجازِ كَأسْماءِ الأعْدادِ، فَيُقالُ ألِفٌ لامٌ مِيمٌ، كَما تَقُولُ واحِدٌ اثْنانِ ثَلاثَةٌ، فَإذا ولِيَتْها العَوامِلُ أدْرَكَها الإعْرابُ كَقَوْلِكَ: هَذِهِ ألِفٌ وكَتَبْتُ ألِفًا ونَظَرْتُ إلى ألِفٍ، وهَكَذا كُلُّ اسْمٍ عَمَدْتَ إلى تَأْدِيَةِ مُسَمّاهُ فَحَسْبُ، لِأنَّ جَوْهَرَ اللَّفْظِ مَوْضُوعٌ لِجَوْهَرِ المَعْنى، وحَرَكاتُ اللَّفْظِ دالَّةٌ عَلى أحْوالِ المَعْنى، فَإذا أُرِيدَ إفادَةُ جَوْهَرِ المَعْنى وجَبَ إخْلاءُ اللَّفْظِ عَنِ الحَرَكاتِ.

الثّالِثُ: هَذِهِ الأسْماءُ مُعْرَبَةٌ وإنَّما سَكَنَتْ سُكُونَ سائِرِ الأسْماءِ حَيْثُ لا يَمَسُّها إعْرابٌ لِفَقْدِ مُوجِبِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ سُكُونَها وقْفٌ لا بِناءٌ أنَّها لَوْ بُنِيَتْ لَحُذِيَ بِها حَذْوَ كَيْفَ وأيْنَ وهَؤُلاءِ ولَمْ يُقَلْ صادْ قافْ نُونْ مَجْمُوعٌ فِيها بَيْنَ السّاكِنَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلنّاسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الفَواتِحِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ هَذا

صفحة ٤

عِلْمٌ مَسْتُورٌ وسِرٌّ مَحْجُوبٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِلَّهِ في كُلِّ كِتابٍ سِرٌّ، وسِرُّهُ في القُرْآنِ أوائِلُ السُّوَرِ. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ لِكُلِّ كِتابٍ صَفْوَةٌ، وصَفْوَةُ هَذا الكِتابِ حُرُوفُ التَّهَجِّي. وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: العِلْمُ بِمَنزِلَةِ البَحْرِ، فَأُجْرِيَ مِنهُ وادٍ، ثُمَّ أُجْرِيَ مِنَ الوادِي نَهْرٌ، ثُمَّ أُجْرِيَ مِنَ النَّهْرِ جَدْوَلٌ، ثُمَّ أُجْرِيَ مِنَ الجَدْوَلِ ساقِيَةٌ، فَلَوْ أُجْرِيَ إلى الجَدْوَلِ ذَلِكَ الوادِي لَغَرَّقَهُ وأفْسَدَهُ، ولَوْ سالَ البَحْرُ إلى الوادِي لَأفْسَدَهُ، وهو المُرادُ …

2

ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ

This is the Book about which there is no doubt, a guidance for those conscious of Allah -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: المُشارُ إلَيْهِ هَهُنا حاضِرٌ، و”ذَلِكَ“ اسْمٌ مُبْهَمٌ يُشارُ بِهِ إلى البَعِيدِ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ حاضِرٌ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: ما قالَهُ الأصَمُّ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ بَعْضَهُ بَعْدَ بَعْضٍ، فَنَزَلَ قَبْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ سُوَرٌ كَثِيرَةٌ، وهي كُلُّ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ مِمّا فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى التَّوْحِيدِ وفَسادِ الشِّرْكِ وإثْباتِ النُّبُوَّةِ وإثْباتِ المَعادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ يُسَمّى بَعْضُ القُرْآنِ قُرْآنًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٤] وقالَ حاكِيًا عَنِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجِنِّ: ١] وقَوْلُهُ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحْقافِ: ٣٠] وهم ما سَمِعُوا إلّا البَعْضَ، وهُو الَّذِي كانَ قَدْ نَزَلَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ عِنْدَ مَبْعَثِهِ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِ كِتابًا لا يَمْحُوهُ الماحِي، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ أُمَّتَهُ بِذَلِكَ ورَوَتِ الأُمَّةُ ذَلِكَ عَنْهُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٥] وهَذا في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، وهي إنَّما نَزَلَتْ في ابْتِداءِ المَبْعَثِ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى خاطَبَ بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ سُورَةَ البَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ، وأكْثَرُها احْتِجاجٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أخْبَرَهم مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ مُحَمَّدًا ﷺ ويُنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابًا فَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ أيِ الكِتابُ الَّذِي أخْبَرَ الأنْبِياءُ المُتَقَدِّمُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُنْزِلُهُ عَلى النَّبِيِّ المَبْعُوثِ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ.

ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنِ القُرْآنِ بِأنَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا﴾ [الزُّخْرُفِ: ٤] وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْبَرَ أُمَّتَهُ بِذَلِكَ، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَقُولَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ لِيُعْلِمَ أنَّ هَذا المُنَزَّلَ هو ذَلِكَ الكِتابُ المُثْبَتُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

وخامِسُها: أنَّهُ وقَعَتِ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ”الم“ بَعْدَ ما سَبَقَ التَّكَلُّمُ بِهِ وانْقَضى، والمُنْقَضِي في حُكْمِ المُتَباعَدِ. وسادِسُها: أنَّهُ لَمّا وصَلَ مِنَ المُرْسِلِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ وقَعَ في حَدِّ البُعْدِ، كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ - وقَدْ أعْطَيْتَهُ شَيْئًا - احْتَفِظْ بِذَلِكَ. وسابِعُها: أنَّ القُرْآنَ لَمّا اشْتَمَلَ عَلى حِكَمٍ عَظِيمَةٍ وعُلُومٍ كَثِيرَةٍ يَتَعَسَّرُ اطِّلاعُ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَلَيْها بِأسْرِها - والقُرْآنُ وإنْ كانَ حاضِرًا نَظَرًا إلى صُورَتِهِ لَكِنَّهُ غائِبٌ نَظَرًا إلى أسْرارِهِ وحَقائِقِهِ - فَجازَ أنْ يُشارَ إلَيْهِ كَما يُشارُ إلى البَعِيدِ الغائِبِ.

المَقامُ الثّانِي: سَلَّمْنا أنَّ المُشارَ إلَيْهِ حاضِرٌ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ لَفْظَةَ ”ذَلِكَ“ لا يُشارُ بِها إلّا إلى البَعِيدِ، بَيانُهُ أنَّ ذَلِكَ وهَذا حَرْفا إشارَةٍ، وأصْلُهُما ”ذا“؛ لِأنَّهُ حَرْفٌ لِلْإشارَةِ، قالَ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٥] ومَعْنى ”ها“ تَنْبِيهٌ، فَإذا قَرُبَ الشَّيْءُ أُشِيرَ إلَيْهِ فَقِيلَ: هَذا، أيْ تَنَبَّهْ …

3

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

Who believe in the unseen, establish prayer, and spend out of what We have provided for them,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ فِيهِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ إمّا مَوْصُولٌ بِالمُتَّقِينَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مَجْرُورَةٌ، أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَدْحٌ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِ أعْنِي الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، أوْ هُمُ الَّذِينَ، وإمّا مُنْقَطِعٌ عَنِ المُتَّقِينَ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ مُخْبَرٌ عَنْهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾ فَإذا كانَ مَوْصُولًا كانَ الوَقْفُ عَلى المُتَّقِينَ حَسَنًا غَيْرَ تامٍّ، وإذا كانَ مُنْقَطِعًا كانَ وقْفًا تامًّا.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كالتَّفْسِيرِ لِكَوْنِهِمْ مُتَّقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ المُتَّقِيَ هو الَّذِي يَكُونُ فاعِلًا لِلْحَسَناتِ وتارِكًا لِلسَّيِّئاتِ، أمّا الفِعْلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ فِعْلَ القَلْبِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ - وإمّا أنْ يَكُونَ فِعْلَ الجَوارِحِ، وأساسُهُ الصَّلاةُ والزَّكاةُ والصَّدَقَةُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ إمّا أنْ تَكُونَ بَدَنِيَّةً وأجَلُّها الصَّلاةُ، أوْ مالِيَّةً، وأجَلُّها الزَّكاةُ؛ ولِهَذا سَمّى الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«الصَّلاةُ عِمادُ الدِّينِ، والزَّكاةُ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ» “ وأمّا التَّرْكُ فَهو داخِلٌ في الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٥] والأقْرَبُ أنْ لا تَكُونَ هَذِهِ الأشْياءُ تَفْسِيرًا لِكَوْنِهِمْ مُتَّقِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ السَّعادَةِ لا يَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ ما لا يَنْبَغِي وفِعْلِ ما يَنْبَغِي، فالتَّرْكُ هو التَّقْوى، والفِعْلُ إمّا فِعْلُ القَلْبِ، وهو الإيمانُ، أوْ فِعْلُ الجَوارِحِ، وهو الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وإنَّما قَدَّمَ التَّقْوى الَّذِي هو التَّرْكُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو الإيمانُ والصَّلاةُ والزَّكاةُ، لِأنَّ القَلْبَ كاللَّوْحِ القابِلِ لِنُقُوشِ العَقائِدِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، واللَّوْحُ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ أوَّلًا عَنِ النُّقُوشِ الفاسِدَةِ، حَتّى يُمْكِنَ إثْباتُ النُّقُوشِ الجَيِّدَةِ فِيهِ، وكَذا القَوْلُ في الأخْلاقِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَ التَّقْوى وهو تَرْكُ ما لا يَنْبَغِي، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ فِعْلَ ما يَنْبَغِي.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الإيمانُ إفْعالٌ مِنَ الأمْنِ، ثُمَّ يُقالُ: آمَنَهُ، إذا صَدَقَهُ، وحَقِيقَتُهُ

صفحة ٢٣

آمَنَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ والمُخالَفَةِ، وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِالباءِ فَلِتَضَمُّنِهِ مَعْنى ”أُقِرُّ وأعْتَرِفُ“ وأمّا ما حَكى أبُو زَيْدٍ: ما آمَنتُ أنْ أجِدَ صَحابَةً، أيْ ما وثِقْتُ، فَحَقِيقَتُهُ صِرْتُ ذا أمْنٍ، أيْ ذا سُكُونٍ وطُمَأْنِينَةٍ، وكِلا الوَجْهَيْنِ حَسَنٌ في ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ أيْ يَعْتَرِفُونَ بِهِ أوْ يَثِقُونَ بِأنَّهُ حَقٌّ. وأقُولُ: اخْتَلَفَ أهْلُ القِبْلَةِ في مُسَمّى الإيمانِ في عُرْفِ الشَّرْعِ، ويَجْمَعُهم فِرَقٌ أرْبَعُ.

الفِرْقَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا: الإيمانُ اسْمٌ لِأفْعالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ والإقْرارِ بِاللِّسانِ، وهُمُ المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ والزَّيْدِيَّةُ، وأهْلُ الحَدِيثِ، أمّا الخَوارِجُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ يَتَناوَلُ المَعْرِفَةَ بِاللَّهِ وبِكُلِّ ما وضَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا عَقْلِيًّا أوْ نَقْلِيًّا مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ويَتَناوَلُ طاعَةَ اللَّهِ في جَمِيعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ صَغِيرًا كانَ أوْ …

4

وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

And who believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، سَواءٌ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِنًا بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، أوْ ما كانَ مُؤْمِنًا بِهِما، ودَلالَةُ اللَّفْظِ العامِّ عَلى بَعْضِ ما دَخَلَ فِيهِ التَّخْصِيصُ أضْعَفُ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ الخاصِّ عَلى ذَلِكَ البَعْضِ، لِأنَّ العامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، والخاصَّ لا يَحْتَمِلُهُ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً، وقَدْ شَرَّفَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ فَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ لِأنَّ في هَذا التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ مَزِيدَ تَشْرِيفٍ لَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] ثُمَّ تَخْصِيصُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأمْثالِهِ بِهَذا التَّشْرِيفِ تَرْغِيبٌ لِأمْثالِهِ في الدِّينِ، فَهَذا هو السَّبَبُ في ذِكْرِ هَذا الخاصِّ بَعْدَ ذَلِكَ العامِّ، ثُمَّ نَقُولُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

(المَسْألَةُ الأُولى): لا نِزاعَ بَيْنَ أصْحابِنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الإيمانَ إذا عُدِّيَ بِالباءِ فالمُرادُ مِنهُ التَّصْدِيقُ، فَإذا قُلْنا: فُلانٌ آمَنَ بِكَذا، فالمُرادُ أنَّهُ صَدَّقَ بِهِ، ولا يَكُونُ المُرادُ أنَّهُ صامَ وصَلّى، فالمُرادُ بِالإيمانِ هَهُنا التَّصْدِيقُ بِالِاتِّفاقِ، لَكِنْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ الإيمانَ هَهُنا خَرَجَ مَخْرَجَ المَدْحِ، والمُصَدِّقُ مَعَ الشَّكِّ لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ كاذِبًا، فَهو إلى الذَّمِّ أقْرَبُ.

* * *

(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): المُرادُ مِن إنْزالِ الوَحْيِ وكَوْنِ القُرْآنِ مُنْزَلًا، ومُنَزَّلًا، ومَنزُولًا بِهِ - أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ في السَّماءِ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، فَنَزَلَ عَلى الرَّسُولِ بِهِ، وهَذا كَما يُقالُ: نَزَلَتْ رِسالَةُ الأمِيرِ مِنَ القَصْرِ، والرِّسالَةُ لا تَنْزِلُ، لَكِنَّ المُسْتَمِعَ يَسْمَعُ الرِّسالَةَ مِن عُلُوٍّ فَيَنْزِلُ ويُؤَدِّي في سُفْلٍ. وقَوْلُ الأمِيرِ لا يُفارِقُ ذاتَهُ، ولَكِنَّ السّامِعَ يَسْمَعُ فَيَنْزِلُ ويُؤَدِّي بِلَفْظِ نَفْسِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ يَنْقُلُ الكَلامَ إذا سَمِعَ في مَوْضِعٍ وأدّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سَمِعَ جِبْرِيلُ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وكَلامُهُ لَيْسَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ عِنْدَكم ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى لَهُ سَمْعًا لِكَلامِهِ، ثُمَّ أقْدَرَهُ عَلى عِبارَةٍ يُعَبِّرُ بِها عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ القَدِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ خَلَقَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كِتابَةً بِهَذا النَّظْمِ المَخْصُوصِ، فَقَرَأهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَفِظَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أصْواتًا مُقَطَّعَةً بِهَذا النَّظْمِ المَخْصُوصِ في جِسْمٍ مَخْصُوصٍ، فَيَتَلَقَّفَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَخْلُقَ لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأنَّهُ هو العِبارَةُ المُؤَدِّيَةُ لِمَعْنى ذَلِكَ الكَلامِ القَدِيمِ.

* * *

(المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ هَذا الإيمانُ واجِبٌ؛ لِأنَّهُ قالَ في …

5

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

(المَسْألَةُ الأُولى): في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ:

أحَدُها: أنْ يَنْوِيَ الِابْتِداءَ ”بِالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ“، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَخَصَّ المُتَّقِينَ بِأنَّ الكِتابَ هُدًى لَهم كانَ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: ما السَّبَبُ في اخْتِصاصِ المُتَّقِينَ بِذَلِكَ ؟ فَوَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ جَوابًا عَنْ هَذا السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يَكُونُ مُنْشَغِلًا بِالإيمانِ وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والفَوْزِ بِالفَلاحِ والنَّجاةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِ.

وثانِيها: أنْ لا يَنْوِيَ الِابْتِداءَ بِهِ، بَلْ يَجْعَلَهُ تابِعًا ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثُمَّ يَقَعُ الِابْتِداءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ سَبَبٍ في أنْ صارَ المَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ مُخْتَصِّينَ بِالهُدى ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ أنْ يَفُوزُوا دُونَ النّاسِ بِالهُدى عاجِلًا وبِالفَلاحِ آجِلًا.

وثالِثُها: أنْ يُجْعَلَ المَوْصُولُ الأوَّلُ صِفَةَ ”المُتَّقِينَ“، ويُرْفَعَ الثّانِي عَلى الِابْتِداءِ، و﴿أُولَئِكَ﴾ خَبَرُهُ، ويَكُونُ المُرادُ جَعْلَ اخْتِصاصِهِمْ بِالفَلاحِ والهُدى تَعْرِيضًا بِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ

صفحة ٣٢

يُؤْمِنُوا بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم ظانُّونَ أنَّهم عَلى الهُدى، وطامِعُونَ أنَّهم يَنالُونَ الفَلاحَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* * *

(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى هُدًى﴾ بَيانٌ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الهُدى واسْتِقْرارِهِمْ عَلَيْهِ حَيْثُ شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ مَنِ اعْتَلى الشَّيْءَ ورَكِبَهُ، ونَظِيرُهُ ”فُلانٌ عَلى الحَقِّ، أوْ عَلى الباطِلِ“ وقَدْ صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ”جَعَلَ الغِوايَةَ مَرْكَبًا، وامْتَطى الجَهْلَ“، وتَحْقِيقُ القَوْلِ في كَوْنِهِمْ عَلى الهُدى تَمَسُّكُهم بِمُوجِبِ الدَّلِيلِ، لِأنَّ الواجِبَ عَلى المُتَمَسِّكِ بِالدَّلِيلِ أنْ يَدُومَ عَلى ذَلِكَ ويَحْرُسَهُ عَنِ المَطاعِنِ والشُّبَهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى ومَدَحَهم بِالإيمانِ بِما أنْزَلَ عَلَيْهِ أوَّلًا، ومَدَحَهم بِالإقامَةِ عَلى ذَلِكَ والمُواظَبَةِ عَلى حِراسَتِهِ عَنِ الشُّبَهِ ثانِيًا، وذَلِكَ واجِبٌ عَلى المُكَلَّفِ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُتَشَدِّدًا في الدِّينِ خائِفًا وجِلًا فَلا بُدَّ مِن أنْ يُحاسِبَ نَفْسَهُ في عِلْمِهِ وعَمَلِهِ، ويَتَأمَّلَ حالَهُ فِيهِما، فَإذا حَرَسَ نَفْسَهُ عَنِ الإخْلالِ كانَ مَمْدُوحًا بِأنَّهُ عَلى هُدًى وبَصِيرَةٍ، وإنَّما نَكَّرَ ﴿هُدًى﴾ لِيُفِيدَ ضَرْبًا مُبْهَمًا لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ ولا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ، كَما يُقالُ: لَوْ أبْصَرْتَ فَلانًا لَأبْصَرْتَ رَجُلًا. قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الهُدى مِنَ اللَّهِ كَثِيرٌ، ولا يُبْصِرُهُ إلّا بَصِيرٌ، ولا يَعْمَلُ بِهِ إلّا يَسِيرٌ، ألا تَرى أنَّ نُجُومَ السَّماءِ يُبْصِرُها البُصَراءُ، ولا يَهْتَدِي بِها إلّا العُلَماءُ.

* * *

(المَسْألَةُ الثّالِثَةُ): في تَكْرِيرِ ﴿أُولَئِكَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم كَما ثَبَتَ لَهُمُ الِاخْتِصاصُ بِالهُدى ثَبَتَ لَهُمُ الِاخْتِصاصُ بِالفَلاحِ أيْضًا، فَقَدْ تَمَيَّزُوا عَنْ غَيْرِهِمْ بِهَذَيْنِ الِاخْتِصاصَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ جاءَ مَعَ العاطِفِ ؟ وما الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ …

6

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those who disbelieve - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ نَحْوِيَّةً، ومَسائِلَ أُصُولِيَّةً، ونَحْنُ نَأْتِي عَلَيْها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، أمّا قَوْلُهُ: (إنَّ) فَفِيهِ مَسائِلُ:

(المَسْألَةُ الأُولى): اعْلَمْ أنَّ (إنَّ) حَرْفٌ، والحَرْفُ لا أصْلَ لَهُ في العَمَلِ، لَكِنَّ هَذا الحَرْفَ أشْبَهَ الفِعْلَ صُورَةً ومَعْنًى، وتِلْكَ المُشابَهَةُ تَقْتَضِي كَوْنَها عامِلَةً، وفِيهِ مُقَدِّماتٌ:

(المُقَدِّمَةُ الأُولى): في بَيانِ المُشابَهَةِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المُشابَهَةَ حاصِلَةٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، أمّا في اللَّفْظِ فَلِأنَّها تَرَكَّبَتْ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ وانْفَتَحَ آخِرُها ولَزِمَتِ الأسْماءَ كالأفْعالِ، ويَدْخُلُها نُونُ الوِقايَةِ نَحْوَ إنَّنِي وكَأنَّنِي، كَما يَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ نَحْوَ: أعْطانِي وأكْرَمَنِي، وأمّا المَعْنى فَلِأنَّها تُفِيدُ حُصُولَ مَعْنًى في الِاسْمِ، وهو تَأكُّدُ مَوْصُوفِيَّتِهِ بِالخَبَرِ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: قامَ زَيْدٌ، فَقَوْلُكَ: قامَ أفادَ حُصُولَ مَعْنًى في الِاسْمِ.

(المُقَدِّمَةَ الثّانِيَةُ): أنَّها لَمّا أشْبَهَتِ الأفْعالَ وجَبَ أنْ تُشْبِهَها في العَمَلِ، وذَلِكَ ظاهِرٌ بِناءً عَلى الدَّوَرانِ.

(المُقَدِّمَةُ الثّالِثَةُ): في أنَّها لِمَ نَصَبَتِ الِاسْمَ ورَفَعَتِ الخَبَرَ ؟ وتَقْرِيرُهُ أنْ يُقالَ: إنَّها لَمّا صارَتْ عامِلَةً، فَإمّا أنْ تَرْفَعَ المُبْتَدَأ والخَبَرَ مَعًا، أوْ تَنْصِبَهُما مَعًا، أوْ تَرْفَعَ المُبْتَدَأ وتَنْصِبَ الخَبَرَ وبِالعَكْسِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ المُبْتَدَأ والخَبَرَ كانا قَبْلَ دُخُولِ (إنَّ) عَلَيْهِما مَرْفُوعَيْنِ، فَلَوْ بَقِيا كَذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِها عَلَيْهِما لَما ظَهَرَ لَهُ أثَرٌ البَتَّةَ، ولِأنَّها أُعْطِيَتْ عَمَلَ الفِعْلِ، والفِعْلُ لا يَرْفَعُ الِاسْمَيْنِ، فَلا مَعْنى لِلِاشْتِراكِ، والفَرْعُ لا يَكُونُ أقْوى مِنَ الأصْلِ، والقِسْمُ الثّانِي أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّ هَذا أيْضًا مُخالِفٌ لِعَمَلِ الفِعْلِ، لِأنَّ الفِعْلَ لا يَنْصِبُ شَيْئًا مَعَ خُلُوِّهِ عَمّا يَرْفَعُهُ. والقِسْمُ الثّالِثُ أيْضًا باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ، فَإنَّ الفِعْلَ يَكُونُ عَمَلُهُ في الفاعِلِ أوَّلًا بِالرَّفْعِ ثُمَّ في المَفْعُولِ بِالنَّصْبِ، فَلَوْ جُعِلَ الحَرْفُ هَهُنا كَذَلِكَ لَحَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ. ولَمّا بَطَلَتِ الأقْسامُ الثَّلاثَةُ تَعَيَّنَ القِسْمُ الرّابِعُ: وهو أنَّها تَنْصِبُ الِاسْمَ وتَرْفَعُ

صفحة ٣٤

الخَبَرَ، وهَذا مِمّا يُنَبِّهُ عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ دَخِيلَةٌ في العَمَلِ لا أصْلِيَّةٌ، لِأنَّ تَقْدِيمَ المَنصُوبِ عَلى المَرْفُوعِ في بابِ الفِعْلِ عُدُولٌ عَنِ الأصْلِ، فَذَلِكَ يَدُلُّ هَهُنا عَلى أنَّ العَمَلَ لِهَذِهِ الحُرُوفِ لَيْسَ بِثابِتٍ بِطَرِيقِ الأصالَةِ، بَلْ بِطَرِيقٍ عارِضٍ.

* * *

(المَسْألَةُ الثّانِيَةُ): قالَ البَصْرِيُّونَ: هَذا الحَرْفُ يَنْصِبُ الِاسْمَ ويَرْفَعُ الخَبَرَ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: لا أثَرَ لَهُ في رَفْعِ الخَبَرِ، بَلْ هو مُرْتَفِعٌ بِما كانَ مُرْتَفِعًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. حُجَّةُ البَصْرِيِّينَ: أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ تُشْبِهُ الفِعْلَ مُشابَهَةً تامَّةً عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، والفِعْلُ لَهُ تَأْثِيرٌ في الرَّفْعِ والنَّصْبِ، فَهَذِهِ الحُرُوفُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ كَذَلِكَ. وحَجَّةُ الكُوفِيِّينَ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى الخَبَرِيَّةِ باقٍ في خَبَرِ المُبْتَدَأِ، وهو أوْلى بِاقْتِضاءِ الرَّفْعِ، فَتَكُونُ …

7

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَٰوَةٌۭ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Allah has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil. And for them is a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالسَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ لَمْ يُؤْمِنُوا، وهو الخَتْمُ، والكَلامُ هَهُنا يَقَعُ في مَسائِلَ:

(المَسْألَةُ الأُولى): الخَتْمُ والكَتْمُ أخَوانِ؛ لِأنَّ في الِاسْتِيثاقِ مِنَ الشَّيْءِ بِضَرْبِ الخاتَمِ عَلَيْهِ كَتْمًا لَهُ وتَغْطِيَةً، لِئَلّا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ أوْ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، والغِشاوَةُ الغِطاءُ فِعالَةٌ مَن غَشّاهُ إذا غَطّاهُ، وهَذا البِناءُ لِما يَشْتَمِلُ عَلى الشَّيْءِ كالعِصابَةِ والعِمامَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذا الخَتْمِ، أمّا القائِلُونَ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَهَذا الكَلامُ عَلى مَذْهَبِهِمْ ظاهِرٌ، ثُمَّ لَهم قَوْلانِ، مِنهم مَن قالَ: الخَتْمُ هو خَلْقُ الكُفْرِ في قُلُوبِ الكُفّارِ، ومِنهم مَن قالَ: هو خَلْقُ الدّاعِيَةِ الَّتِي إذا انْضَمَّتْ إلى القُدْرَةِ صارَ مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَها سَبَبًا مُوجِبًا لِوُقُوعِ الكُفْرِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ القادِرَ عَلى الكُفْرِ إمّا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَرْكِهِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَرْكِهِ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى الكُفْرِ مُوجِبَةً لِلْكُفْرِ، فَخَلْقُ القُدْرَةِ عَلى الكُفْرِ يَقْتَضِي خَلْقَ الكُفْرِ، وإنْ قَدَرَ عَلى التَّرْكِ كانَتْ نِسْبَةُ تِلْكَ القُدْرَةِ إلى فِعْلِ الكُفْرِ وإلى تَرْكِهِ عَلى سَواءٍ، فَإمّا أنْ يَكُونَ صَيْرُورَتُها مَصْدَرًا لِلْفِعْلِ بَدَلًا عَنِ التَّرْكِ يَتَوَقَّفُ عَلى انْضِمامٍ مُرَجَّحٍ إلَيْها أوْ لا يَتَوَقَّفُ، فَإنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ فَقَدْ وقَعَ المُمْكِنُ لا عَنْ مُرَجَّحٍ، وتَجْوِيزُهُ يَقْتَضِي القَدْحَ في الِاسْتِدْلالِ بِالمُمْكِنِ عَلى المُؤَثِّرِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ الصّانِعِ وهو مُحالٌ، وأمّا إنْ تَوَقَّفَ عَلى المُرَجَّحِ فَذَلِكَ المُرَجَّحُ إمّا أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ اللَّهِ أوْ مِن فِعْلِ العَبْدِ أوْ لا مِن فِعْلِ اللَّهِ ولا مِن فِعْلِ العَبْدِ، لا جائِزَ أنْ يَكُونَ مِن فِعْلِ العَبْدِ وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ لا بِفِعْلِ اللَّهِ ولا بِفِعْلِ العَبْدِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ حُدُوثُ شَيْءٍ لا لِمُؤَثِّرٍ، وذَلِكَ يُبْطِلُ القَوْلَ بِالصّانِعِ. فَثَبَتَ أنَّ كَوْنَ قُدْرَةِ العَبْدِ مَصْدَرًا لِلْمَقْدُورِ المُعَيَّنِ يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يَنْضَمَّ إلَيْها مُرَجَّحٌ هو مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى. فَنَقُولُ: إذا انْضَمَّ ذَلِكَ المُرَجَّحُ إلى تِلْكَ القُدْرَةِ فَإمّا أنْ يَصِيرَ تَأْثِيرُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ الأثَرِ واجِبًا أوْ جائِزًا أوْ مُمْتَنِعًا، والثّانِي والثّالِثُ باطِلٌ، فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ، وإنَّما قُلْنا إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جائِزًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ جائِزًا لَكانَ يَصِحُّ في العَقْلِ أنْ يَحْصُلَ مَجْمُوعُ القُدْرَةِ مَعَ ذَلِكَ المُرَجَّحِ تارَةً مَعَ ذَلِكَ الأثَرِ، وأُخْرى مُنْفَكًّا عَنْهُ، فَلْنَفْرِضْ وُقُوعَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما كانَ جائِزًا لا يَلْزَمُ مِن فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحالٌ، فَذاكَ المَجْمُوعُ تارَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأثَرُ، وأُخْرى لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأثَرُ، فاخْتِصاصُ أحَدِ الوَقْتَيْنِ يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ الأثَرُ عَلَيْهِ إمّا أنْ يَتَوَقَّفَ عَلى

صفحة ٤٦

انْضِمامِ قَرِينَةٍ إلَيْهِ، أوْ لا يَتَوَقَّفَ، فَإنْ تَوَقَّفَ كانَ المُؤَثِّرُ هو ذَلِكَ المَجْمُوعُ مَعَ هَذِهِ القَرِينَةِ الزّائِدَةِ، لا ذَلِكَ المَجْمُوعُ، وكُنّا قَدْ فَرَضْنا أنَّ …

8

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

And of the people are some who say, "We believe in Allah and the Last Day," but they are not believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ في وصْفِ المُنافِقِينَ، قالُوا: وصَفَ اللَّهُ الأصْنافَ الثَّلاثَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ والمُنافِقِينَ فَبَدَأ بِالمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ صَحَّتْ سَرائِرُهم وسَلِمَتْ ضَمائِرُهم، ثُمَّ أتْبَعَهم بِالكافِرِينَ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمُ الإقامَةُ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، ثُمَّ وصَفَ حالَ مَن يَقُولُ بِلِسانِهِ إنَّهُ مُؤْمِنٌ وضَمِيرُهُ يُخالِفُ ذَلِكَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في حَقِيقَةِ النِّفاقِ لا يَتَخَلَّصُ إلّا بِتَقْسِيمٍ نَذْكُرُهُ فَنَقُولُ: أحْوالُ القَلْبِ أرْبَعَةٌ، وهي الِاعْتِقادُ المُطابِقُ المُسْتَفادُ عَنِ الدَّلِيلِ وهو العِلْمُ، والِاعْتِقادُ المُطابِقُ المُسْتَفادُ لا عَنِ الدَّلِيلِ وهو اعْتِقادُ المُقَلِّدِ، والِاعْتِقادُ غَيْرُ المُطابِقِ وهو الجَهْلُ، وخُلُوُّ القَلْبِ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَهَذِهِ أقْسامٌ أرْبَعَةٌ، وأمّا أحْوالُ اللِّسانِ فَثَلاثَةٌ: الإقْرارُ، والإنْكارُ، والسُّكُوتُ، فَيَحْصُلُ مِن تَرْكِيباتِها اثْنا عَشَرَ قِسْمًا.

النَّوْعُ الأوَّلُ: ما إذا حَصَلَ العِرْفانُ القَلْبِيُّ، فَهَهُنا إمّا أنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الإقْرارُ بِاللِّسانِ أوِ الإنْكارُ بِاللِّسانِ أوِ السُّكُوتُ. القِسْمُ الأوَّلُ: ما إذا حَصَلَ العِرْفانُ بِالقَلْبِ والإقْرارُ بِاللِّسانِ فَهَذا الإقْرارُ إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَصاحِبُهُ مُؤْمِنٌ حَقًّا بِالِاتِّفاقِ، وإنْ كانَ اضْطِرارِيًّا وهو ما إذا عَرَفَ بِقَلْبِهِ ولَكِنَّهُ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ لَوْلا الخَوْفُ لَما أقَرَّ، بَلْ أنْكَرَ، فَهَذا يَجِبُ أنْ يُعَدَّ مُنافِقًا؛ لِأنَّهُ بِقَلْبِهِ مُنْكِرٌ مُكَذِّبٌ، فَإذا كانَ بِاللِّسانِ مُقِرًّا مُصَدِّقًا وجَبَ أنْ يُعَدَّ مُنافِقًا؛ لِأنَّهُ بِقَلْبِهِ

صفحة ٥٤

مُنْكِرٌ مُكَذِّبٌ بِوُجُوبِ الإقْرارِ، القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَحْصُلَ العِرْفانُ القَلْبِيُّ والإنْكارُ اللِّسانِيُّ، فَهَذا الإنْكارُ إنْ كانَ اضْطِرارِيًّا كانَ صاحِبُهُ مُسْلِمًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦] وإنْ كانَ اخْتِيارِيًّا كانَ كافِرًا مُعانِدًا.

القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَحْصُلَ العِرْفانُ القَلْبِيُّ ويَكُونُ اللِّسانُ خالِيًا عَنِ الإقْرارِ والإنْكارِ، فَهَذا السُّكُوتُ إمّا أنْ يَكُونَ اضْطِرارِيًّا أوِ اخْتِيارِيًّا، فَإنْ كانَ اضْطِرارِيًّا فَذَلِكَ إذا خافَ ذَكَرَهُ بِاللِّسانِ فَهَذا مُسْلِمٌ حَقًّا أوْ كَما إذا عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلِهِ ثُمَّ لَمّا تَمَّمَ النَّظَرَ ماتَ فَجْأةً، فَهَذا مُؤْمِنٌ قَطْعًا؛ لِأنَّهُ أتى بِكُلِّ ما كُلِّفَ بِهِ ولَمْ يَجِدْ زَمانَ الإقْرارِ والإنْكارِ فَكانَ مَعْذُورًا فِيهِ، وأمّا إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَهو كَمَن عَرَفَ اللَّهَ بِدَلِيلِهِ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالإقْرارِ، فَهَذا مَحَلُّ البَحْثِ، ومَيْلُ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى أنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ“» وهَذا الرَّجُلُ قَلْبُهُ مَمْلُوءٌ مِن نُورِ الإيمانِ فَكَيْفَ لا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ؟ .

النَّوْعُ الثّانِي: أنْ يَحْصُلَ في القَلْبِ الِاعْتِقادُ التَّقْلِيدِيُّ، فَإمّا أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ، أوِ الإنْكارُ أوِ السُّكُوتُ:

القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يُوجَدَ مَعَهُ الإقْرارُ، ثُمَّ ذَلِكَ الإقْرارُ إنْ كانَ اخْتِيارِيًّا فَهَذا هو المَسْألَةُ المَشْهُورَةُ مِن …

9

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

They [think to] deceive Allah and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ أرْبَعَةَ أشْياءَ:

أحَدُها: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهم ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أوَّلًا: ما المُخادَعَةُ، ثُمَّ ثانِيًا: ما المُرادُ بِمُخادَعَةِ اللَّهِ ؟ وثالِثًا: أنَّهم لِماذا كانُوا يُخادِعُونَ اللَّهَ ؟ ورابِعًا: أنَّهُ ما المُرادُ بِقَوْلِهِ وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم ؟

صفحة ٥٧

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ الخَدِيعَةَ مَذْمُومَةٌ، والمَذْمُومُ يَجِبُ أنْ يُمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ لِكَيْ لا يُفْعَلَ، وأصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الإخْفاءُ، وسُمِّيَتِ الخِزانَةُ المِخْدَعَ، والأخْدَعانِ عِرْقانِ في العُنُقِ؛ لِأنَّهُما خَفِيّانِ، وقالُوا: خَدَعَ الضَّبُّ خَدْعًا إذا تَوارى في جُحْرِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ إلّا قَلِيلًا، وطَرِيقٌ خَيْدَعٌ وخَدّاعٌ، إذا كانَ مُخالِفًا لِلْمَقْصِدِ بِحَيْثُ لا يُفْطَنُ لَهُ، ومِنهُ المَخْدَعُ، وأمّا حَدُّها فَهو إظْهارُ ما يُوهِمُ السَّلامَةَ والسَّدادَ، وإبْطانُ ما يَقْتَضِي الإضْرارَ بِالغَيْرِ والتَّخَلُّصَ مِنهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ النِّفاقِ في الكُفْرِ والرِّياءِ في الأفْعالِ الحَسَنَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ بِخِلافِ ما يَقْتَضِيهِ الدِّينُ؛ لِأنَّ الدِّينَ يُوجِبُ الِاسْتِقامَةَ والعُدُولَ عَنِ الغُرُورِ والإساءَةِ، كَما يُوجِبُ المُخالَصَةَ لِلَّهِ تَعالى في العِبادَةِ، ومِن هَذا الجِنْسِ وصْفُهُمُ المُرائِيَ بِأنَّهُ مُدَلِّسٌ إذا أظْهَرَ خِلافَ مُرادِهِ، ومِنهُ أُخِذَ التَّدْلِيسُ في الحَدِيثِ؛ لِأنَّ الرّاوِيَ يُوهِمُ السَّماعَ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ، وإذا أعْلَنَ ذَلِكَ لا يُقالُ إنَّهُ مُدَلِّسٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّهم كَيْفَ خادَعُوا اللَّهَ تَعالى ؟ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ مُخادَعَةَ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعَةٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الضَّمائِرَ والسَّرائِرَ فَلا يَجُوزُ أنْ يُخادَعَ؛ لِأنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ لَوْ أظْهَرُوا أنَّ الباطِنَ بِخِلافِ الظّاهِرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خِداعًا، فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ البَواطِنُ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُخادَعَ.

الثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهم في نِفاقِهِمْ مُخادَعَةَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نَفْسَهُ وأرادَ بِهِ رَسُولَهُ عَلى عادَتِهِ في تَفْخِيمِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] وقالَ في عَكْسِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] أضافَ السَّهْمَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الرَّسُولُ إلى نَفْسِهِ، فالمُنافِقُونَ لَمّا خادَعُوا الرَّسُولَ قِيلَ إنَّهم خادَعُوا اللَّهَ تَعالى.

الثّانِي: أنْ يُقالَ: صُورَةُ حالِهِمْ مَعَ اللَّهِ حَيْثُ يُظْهِرُونَ الإيمانَ وهم كافِرُونَ صُورَةُ مَن يُخادِعُ، وصُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ أمَرَ بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وهم عِنْدَهُ في عِدادِ الكَفَرَةِ صُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ فِيهِمْ فَأجْرَوْا أحْكامَهُ عَلَيْهِمْ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَهي في …

10

فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

In their hearts is disease, so Allah has increased their disease; and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ مِن قَبائِحِ المُنافِقِينَ أرْبَعَةَ أشْياءَ:

أحَدُها: ما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أنَّهم ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَيَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أوَّلًا: ما المُخادَعَةُ، ثُمَّ ثانِيًا: ما المُرادُ بِمُخادَعَةِ اللَّهِ ؟ وثالِثًا: أنَّهم لِماذا كانُوا يُخادِعُونَ اللَّهَ ؟ ورابِعًا: أنَّهُ ما المُرادُ بِقَوْلِهِ وما يَخْدَعُونَ إلّا أنْفُسَهم ؟

صفحة ٥٧

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ الخَدِيعَةَ مَذْمُومَةٌ، والمَذْمُومُ يَجِبُ أنْ يُمَيَّزَ مِن غَيْرِهِ لِكَيْ لا يُفْعَلَ، وأصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ الإخْفاءُ، وسُمِّيَتِ الخِزانَةُ المِخْدَعَ، والأخْدَعانِ عِرْقانِ في العُنُقِ؛ لِأنَّهُما خَفِيّانِ، وقالُوا: خَدَعَ الضَّبُّ خَدْعًا إذا تَوارى في جُحْرِهِ فَلَمْ يَظْهَرْ إلّا قَلِيلًا، وطَرِيقٌ خَيْدَعٌ وخَدّاعٌ، إذا كانَ مُخالِفًا لِلْمَقْصِدِ بِحَيْثُ لا يُفْطَنُ لَهُ، ومِنهُ المَخْدَعُ، وأمّا حَدُّها فَهو إظْهارُ ما يُوهِمُ السَّلامَةَ والسَّدادَ، وإبْطانُ ما يَقْتَضِي الإضْرارَ بِالغَيْرِ والتَّخَلُّصَ مِنهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ النِّفاقِ في الكُفْرِ والرِّياءِ في الأفْعالِ الحَسَنَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ بِخِلافِ ما يَقْتَضِيهِ الدِّينُ؛ لِأنَّ الدِّينَ يُوجِبُ الِاسْتِقامَةَ والعُدُولَ عَنِ الغُرُورِ والإساءَةِ، كَما يُوجِبُ المُخالَصَةَ لِلَّهِ تَعالى في العِبادَةِ، ومِن هَذا الجِنْسِ وصْفُهُمُ المُرائِيَ بِأنَّهُ مُدَلِّسٌ إذا أظْهَرَ خِلافَ مُرادِهِ، ومِنهُ أُخِذَ التَّدْلِيسُ في الحَدِيثِ؛ لِأنَّ الرّاوِيَ يُوهِمُ السَّماعَ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ، وإذا أعْلَنَ ذَلِكَ لا يُقالُ إنَّهُ مُدَلِّسٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّهم كَيْفَ خادَعُوا اللَّهَ تَعالى ؟ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ مُخادَعَةَ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعَةٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الضَّمائِرَ والسَّرائِرَ فَلا يَجُوزُ أنْ يُخادَعَ؛ لِأنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ لَوْ أظْهَرُوا أنَّ الباطِنَ بِخِلافِ الظّاهِرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خِداعًا، فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ البَواطِنُ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُخادَعَ.

الثّانِي: أنَّ المُنافِقِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهم في نِفاقِهِمْ مُخادَعَةَ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراءُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ نَفْسَهُ وأرادَ بِهِ رَسُولَهُ عَلى عادَتِهِ في تَفْخِيمِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفَتْحِ: ١٠] وقالَ في عَكْسِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] أضافَ السَّهْمَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الرَّسُولُ إلى نَفْسِهِ، فالمُنافِقُونَ لَمّا خادَعُوا الرَّسُولَ قِيلَ إنَّهم خادَعُوا اللَّهَ تَعالى.

الثّانِي: أنْ يُقالَ: صُورَةُ حالِهِمْ مَعَ اللَّهِ حَيْثُ يُظْهِرُونَ الإيمانَ وهم كافِرُونَ صُورَةُ مَن يُخادِعُ، وصُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ أمَرَ بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وهم عِنْدَهُ في عِدادِ الكَفَرَةِ صُورَةُ صَنِيعِ اللَّهِ مَعَهم حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ فِيهِمْ فَأجْرَوْا أحْكامَهُ عَلَيْهِمْ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: فَهي في …

Al-Baqara 2:10Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.