Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 71–80 of 286

71

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.' " They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧١ ] ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ أيْ: لَمْ تُذَلَّلْ لِإثارَةِ الأرْضِ وسَقْيِ الحَرْثِ. و"ذَلُولٌ" صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ. بِمَعْنى غَيْرُ ذَلُولٍ و"لا" الأُولى لِلنَّفْيِ، والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الأُولى. لِأنَّ المَعْنى: لا ذَلُولَ تُثِيرُ وتَسْقِي، عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ صِفَتانِ لِذَلُولٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولَ مُثِيرَةٌ وساقِيَةٌ، والمَقْصُودُ: إنَّها مُكَرَّمَةٌ لَيْسَتْ مُذَلَّلَةً بِالحِراثَةِ، ولا مُعَدَّةً لِلسَّقْيِ في السّانِيَّةِ. "مُسَلَّمَةٌ"، سَلَّمَها اللَّهُ مِنَ العُيُوبِ، أوْ مُعْفاةٌ مِنَ العِلْمِ، سَلَّمَها أهْلُها مِنهُ، أوَمُخَلَّصَةُ اللَّوْنِ لَمْ يَشِبْ صُفْرَتَها شَيْءٌ مِنَ الألْوانِ. مِن: سَلَمَ لَهُ كَذا، إذا خَلَصَ لَهُ "لا شِيَةَ فِيها"، أيْ: لا لَوْنَ فِيها يُخالِفُ لَوْنَ جِلْدِها مِن بَياضٍ وسَوادٍ وحُمْرَةٍ، فَهي صَفْراءُ كُلُّها، وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ: وشاهٌ وشَيا وشِيَةٌ، إذا خَلَطَ بِلَوْنِهِ لَوْنًا آخَرَ. في الصِّحاحِ: الشِّيَةُ: كُلُّ لَوْنٍ يُخالِفُ مُعْظَمَ لَوْنِ الفَرَسِ وغَيْرِهِ. والهاءُ عِوَضٌ مِنَ الواوِ الذّاهِبَةِ مِن أوَّلِهِ. والجَمْعُ: شِياتٌ. يُقالُ: ثَوْرٌ أشْيَهُ، كَما يُقالُ: فَرَسٌ أبْلَقُ.

﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِحَقِيقَةِ وصْفِ البَقَرَةِ بِحَيْثُ مَيَّزْتَها عَنْ جَمِيعِ ما عَداها، ولَمْ يَبْقَ لَنا في شَأْنِها اشْتِباهٌ أصْلًا. بِخِلافِ المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فَإنَّ ما جِئْتَ بِهِ فِيهِما لَمْ يَكُنْ في التَّعْيِينِ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ "فَذَبَحُوها"، الفاءُ فَصِيحَةٌ، كَما في "فانْفَجَرَتْ"، أيْ: فَحَصَلُوا البَقَرَةَ فَذَبَحُوها "وما كادُوا يَفْعَلُونَ" كادَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ، وُضِعَ لِدُنُوِّ الخَبَرِ مِنَ الحُصُولِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ذَبَحُوا، أيْ: فَذَبَحُوها والحالُ أنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنهُ. اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ. ومَآلُهُ اسْتِثْقالُ اسْتِقْصائِهِمْ واسْتِبْطاءٌ لَهم، وأنَّهم لِفَرْطِ تَطْوِيلِهِمْ وكَثْرَةِ مُراجَعاتِهِمْ ما كادَ يَنْتَهِي خَيْطُ إسْهابِهِمْ فِيها.

(تَنْبِيهٌ) قالَ الرّاغِبُ: قالَ بَعْضُ النّاسِ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى نَسْخِ الشَّيْءِ قَبْلَ فِعْلِهِ. فَإنَّ في الأوَّلِ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، وكانَ لَهم أنْ يَذْبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ شاؤُوا. وفي الثّانِي والثّالِثِ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مَخْصُوصَةٍ. فَكَأنَّهم نُهُوا عَمّا كانُوا أُمِرُوا بِهِ مِن قَبْلُ. ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الأوَّلَ أمْرٌ مُطْلَقٌ، والثّانِي والثّالِثُ كالبَيانِ لَهُ، لَمّا راجَعُوا، ولَمْ يَسْقُطْ عَنْهم ذَبْحُ البَقَرَةِ. بَلْ زِيدَ في أوْصافِها، وكُشِفَ عَنِ المُرادِ بِالأمْرِ الأوَّلِ. وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ.

Al-Baqara 2:71Listen in Qur'an →
72

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًۭا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌۭ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

And [recall] when you slew a man and disputed over it, but Allah was to bring out that which you were concealing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٢ ] ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾

﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ أيِ: اخْتَلَفْتُمْ واخْتَصَمْتُمْ في شَأْنِها؛ إذْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخُصَماءِ يُدافِعُ الآخَرَ: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مُظْهِرٌ، لا مَحالَةَ ما كَتَمْتُمْ مِن أمْرِ القَتِيلِ، لا يَتْرُكُهُ مَكْتُومًا.

Al-Baqara 2:72Listen in Qur'an →
73

فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

So, We said, "Strike the slain man with part of it." Thus does Allah bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٣ ] ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

"فَقُلْنا اضْرِبُوهُ" أيِ: المَقْتُولَ "بِبَعْضِها" أيِ: البَقَرَةِ. يَعْنِي فَضَرَبُوهُ فَحَيى وأخْبَرَ بِقاتِلِهِ. كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ "كَذَلِكَ" أيْ: مِثْلُ هَذا الإحْياءِ العَظِيمِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الغَرِيبَةِ "يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى" يَوْمَ القِيامَةِ "ويُرِيكم آياتِهِ" أيْ: دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى أنَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ هَذا الإحْياءُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمُورٍ بَدِيعَةٍ مِن تَرَتُّبِ الحَياةِ عَلى عُضْوٍ مَيِّتٍ، وإخْبارُهُ بِقاتِلِهِ، وما يُلابِسُهُ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ "لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ" لِتَكُونُوا بِرُؤْيَةِ تِلْكَ الآياتِ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَحْصُلَ لَكم عَقْلٌ، فَيُرْشِدُكم إلى اعْتِقادِ البَعْثِ وغَيْرِهِ، مِمّا تُخْبِرُ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

قالَ الرّاغِبُ: وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ قِيلَ هو حِكايَةٌ عَنْ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ، وقِيلَ بَلْ هو خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِهَذِهِ الأُمَّةِ، تَنْبِيهًا عَلى الِاعْتِبارِ بِإحْيائِهِ المَوْتى.

تَنْبِيهاتٌ:

(الأوَّلُ): قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما لِلْقِصَّةِ لَمْ تُقَصَّ عَلى تَرْتِيبِها، وكانَ حَقُّها أنْ يُقَدَّمَ ذِكْرُ القَتِيلِ والضَّرْبِ بِبَعْضِ البَقَرَةِ عَلى الأمْرِ بِذَبْحِها ؟ فَيُقالُ: وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها، فَقُلْنا اذْبَحُوا بَقَرَةً واضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ؟

(أُجِيبَ): بِأنَّ كُلَّ ما قُصَّ مِن قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ، إنَّما قُصَّ تَعْدِيدًا لِما وُجِدَ مِنهم مِنَ الجِناياتِ، وتَقْرِيعًا لَهم عَلَيْها، ولِما جُدِّدَ فِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ. وهاتانِ قِصَّتانِ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُسْتَقِلَّةٌ بِنَوْعٍ مِنَ التَّقْرِيعِ وإنْ كانَتا مُتَّصِلَتَيْنِ مُتَّحِدَتَيْنِ. فالأُولى لِتَقْرِيعِهِمْ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، وتَرْكِ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ. والثّانِيَةُ لِلتَّقْرِيعِ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، وما يَتْبَعُهُ مِنَ الآيَةِ العَظِيمَةِ. وإنَّما قُدِّمَتْ قِصَّةُ الأمْرِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ عَلى ذِكْرِ القَتِيلِ، لِأنَّهُ لَوْ عَمِلَ عَلى عَكْسِهِ لَكانَتْ قِصَّةً واحِدَةً، ولَذَهَبَ الغَرَضُ في تَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ. ولَقَدْ رُوعِيَتْ نُكْتَةٌ، بَعْدَ ما اسْتُؤْنِفَتِ الثّانِيَةُ، اسْتِئْنافَ قِصَّةٍ بِرَأْسِها أنْ وصَلَتْ بِالأُولى دَلالَةً عَلى اتِّحادِهِما بِضَمِيرِ البَقَرَةِ لا بِاسْمِها الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها، حَتّى تَبَيَّنَ أنَّهُما قِصَّتانِ فِيما يَرْجِعُ إلى التَّقْرِيعِ، وتَثْنِيَتُهُ بِإخْراجِ الثّانِيَةِ مَخْرَجَ الِاسْتِئْنافِ مَعَ تَأْخِيرِها. وأنَّها قِصَّةٌ واحِدَةٌ بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى البَقَرَةِ. اهـ.

وقالَ الحَرالِيُّ: قُدِّمَ نَبَأُ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذِكْرِ نِدائِهِمْ في القَتِيلِ، ابْتِداءً بِأشْرَفِ القَصْدَيْنِ مِن مَعْنى التَّشْرِيعِ الَّذِي هو القائِمُ عَلى أفْعالِ الِاعْتِداءِ وأقْوالِ الخُصُومَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

(التَّنْبِيهُ الثّانِي) قالَ الرّاغِبُ: قَدِ اسْتَبْعَدَ بَعْضُ النّاسِ ذَلِكَ وما حَكاهُ اللَّهُ مِنهُ، وأنْكَرَ حُصُولَ ذَلِكَ الفِعْلِ عَلى الحَقِيقَةِ وقالَ: ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مِن حَيْثُ الطَّبِيعَةُ، وأيْضًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ فِيهِ حِكْمَةٌ إلَهِيَّةً. …

Al-Baqara 2:73Listen in Qur'an →
74

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allah. And Allah is not unaware of what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٤ ] ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ المُخاطَبُونَ إمّا أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِهِ ﷺ، أيِ اشْتَدَّتْ قُلُوبُكم وقَسَتْ وصَلُبَتْ مِن بَعْدِ البَيِّناتِ الَّتِي جاءَتْ أوائِلَكم، والأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِمْ، والعِقابِ الَّذِي نَزَلَ بِمَن أصَرَّ عَلى المَعْصِيَةِ مِنهم، والآياتِ الَّتِي جاءَهم بِها أنْبِياؤُهم، والمَواثِيقُ الَّتِي أخَذُوها عَلى أنْفُسِهِمْ، وعَلى كُلِّ مَن دانَ بِالتَّوْراةِ مِمَّنْ سِواهم. فَأخْبَرْ بِذَلِكَ عَنْ طُغْيانِهِمْ وجَفائِهِمْ مَعَ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي تَلِينُ عِنْدَها القُلُوبُ. وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ"، خِطابُ مُشافَهَةٍ. فَحَمْلُهُ عَلى الحاضِرِينَ أوْلى. وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أُولَئِكَ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خُصُوصًا، أوْ مَن قَبْلَ المُخاطَبِينَ مِن سَلَفِهِمْ. واللَّهُ أعْلَمُ.

"فَهِيَ كالحِجارَةِ" في القَساوَةِ "أوْ أشَدُّ" مِنها "قَسْوَةً" أيْ: هي في القَسْوَةِ مِثْلُ الحِجارَةِ أوْ زائِدَةٌ عَلَيْها فِيها. و"أوْ" لِلتَّخْيِيرِ أوْ لِلتَّرْدِيدِ. بِمَعْنى أنَّ مَن عَرَفَ حالَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ، أوْ بِما هو أقْسى كالحَدِيدِ، أوْ مَن عَرَفَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ، أوْ قالَ هي أقْسى مِنَ الحِجارَةِ، وتَرْكُ ضَمِيرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِلْأمْنِ مِن الِالتِباسِ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ﴾ أيْ يَتَفَتَّحُ بِالسِّعَةِ والكَثْرَةِ "مِنهُ الأنْهارُ" بَيانٌ لِأشَدِّيَّةِ قُلُوبِهِمْ مِنَ الحِجارَةِ في القَساوَةِ وعَدَمِ التَّأثُّرِ بِالعِظاتِ والقَوارِعِ الَّتِي تَمِيعُ مِنها الجِبالُ وتَلِينُ بِها الصُّخُورُ، يَعْنِي أنَّ الحِجارَةَ رُبَّما تَتَأثَّرُ حَيْثُ يَكُونُ مِنها ما يَتَفَجَّرُ مِنهُ المِياهُ العَظِيمَةُ "وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ" أيْ يَتَشَقَّقُ "فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ" أيِ العُيُونُ الَّتِي هي دُونَ الأنْهارِ ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ يَتَرَدّى مِن رَأْسِ الجَبَلِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، انْقِيادًا لِما سَخَّرَهُ لَهُ مِنَ المَيْلِ إلى المَرْكَزِ بِالسَّلاسَةِ، قالَهُ القاشانِيُّ.

وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى خَلْقِ التَّمْيِيزِ في الجَمادِ حَتّى يَخْشى ويُسَبِّحَ. والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وأمْثالَها مِنَ المَجازِ البَلِيغِ. وأنَّ الإطْلاقَ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ. لا سِيَّما وأنَّ المَجازَ أكْثَرُ في اللِّسانِ مِنها، كَما بَسَطَ في مُطَوَّلاتِ البَيانِ.

وقَدْ رَدَّ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ، في أوَّلِ كِتابِهِ "الفَصْلُ" عَلى مَن زَعَمَ أنَّ لِلْحَيَوانِ والجَمادِ تَمْيِيزًا، رَدًّا مُسْهَبًا. وقالَ: مَنِ ادَّعى ذَلِكَ أُكَذِّبُهُ العِيانَ. ثُمَّ اسْتَثْنى ما كانَ مُعْجِزَةً لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

(قالَ): ولَعَلَّ مُعْتَرِضًا يَعْتَرِضُ بِقَوْلِهِ تَعالى يَصِفُ الحِجارَةَ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ فَقَدْ عَلِمْنا بِالضَّرُورَةِ أنَّ الحِجارَةَ لَمْ تُؤْمَرْ بِشَرِيعَةٍ ولا بِعَقْلٍ ولا بُعِثَ إلَيْها نَبِيٌّ. فَإذْ لا شَكَّ في هَذا، فَإنَّ القَوْلَ مِنهُ تَعالى يَخْرُجُ عَلى أحَدِ ثَلاثَةِ …

Al-Baqara 2:74Listen in Qur'an →
75

۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allah and then distort the Torah after they had understood it while they were knowing?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٥ ] ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾

"أفَتَطْمَعُونَ" أيُّها المُؤْمِنُونَ بَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ تَفاصِيلَ شُؤُونِ أسْلافِهِمُ المُؤَيَّسَةِ عَنْهم "أنْ يُؤْمِنُوا" أيْ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ الَّذِينَ بَيْنَ أظْهُرِكم، وهم مُتَماثِلُونَ في الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، لا يَأْتِي مِن أخْلاقِهِمْ إلّا مِثْلُ ما أتى مِن أسْلافِهِمْ. (واللّامُ في قَوْلِهِ) "لَكُمْ" لِتَضْمِينِ مَعْنى الِاسْتِجابَةِ. كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] أيْ: في إيمانِهِمْ مُسْتَجِيبِينَ لَكم، أوْ لِلتَّعْلِيلِ أيْ في أنْ يُحْدِثُوا الإيمانَ لِأجْلِ دَعْوَتِكم: ﴿وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ طائِفَةٌ فِيمَن سَلَفَ مِنهم: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وهو ما يَتْلُونَهُ مِنَ التَّوْراةِ "ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ" قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ "يُحَرِّفُونَهُ" يُبَدِّلُونَ مَعْناهُ وتَأْوِيلَهُ ويُغَيِّرُونَهُ، وأصْلُهُ مِنِ انْحِرافِ الشَّيْءِ عَنْ جِهَتِهِ وهو مَيْلُهُ عَنْها إلى غَيْرِها. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ "يُحَرِّفُونَهُ" أيْ: يُمِيلُونَهُ عَنْ وجْهِهِ، ومَعْناهُ الَّذِي هو مَعْناهُ، إلى غَيْرِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ أيْ فَهِمُوهُ عَلى الجَلِيَّةِ، ومَعَ هَذا يُخالِفُونَهُ عَلى بَصِيرَةٍ "وهم يَعْلَمُونَ" أنَّهم مُخْطِئُونَ فِيما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن تَحْرِيفِهِ وتَأْوِيلِهِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا إخْبارٌ عَنْ إقْدامِهِمْ عَلى البَهْتِ ومُناصَبَتِهِمُ العَداوَةَ لَهُ ولِرَسُولِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وأنَّ بَقاياهم في العَصْرِ المُحَمَّدِيِّ عَلى مِثْلِ ما كانَ عَلَيْهِ أوائِلُهم في العَصْرِ المُوسَوِيِّ بَغْيًا وحَسَدًا. وهَذا المَقامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ، بِالفَرِيقِ مِنهم، أحْبارُهم، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِضَرْبٍ مِنَ الأغْراضِ عَلى ما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى، مِن بَعْدُ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ، كَيْفَ يَلْزَمُ مِن إقْدامِ البَعْضِ عَلى التَّحْرِيفِ حُصُولُ اليَأْسِ مِن إيمانِ الباقِينَ، فَإنَّ عِنادَ البَعْضِ لا يُنافِي إقْرارَ الباقِينَ. وأجابَ القَفّالُ عَنْهُ فَقالَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ، وهم إنَّما يَأْخُذُونَ دِينَهم، ويَتَعَلَّمُونَهُ مِن قَوْمٍ هم يَتَعَمَّدُونَ التَّحْرِيفَ عِنادًا، فَأُولَئِكَ إنَّما يُعَلِّمُونَهم ما حَرَّفُوهُ وغَيَّرُوهُ عَنْ وجْهِهِ، والمُقَلِّدَةُ لا يَقْبَلُونَ إلّا ذَلِكَ، ولا يَلْتَفِتُونَ إلى أقْوالِ أهْلِ الحَقِّ، وهو قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ كَيْفَ تَفْلَحُ، وأُسْتاذُكَ فُلانٌ ؟ أيْ وأنْتَ عَنْهُ تَأْخُذُ، ولا تَأْخُذُ عَنْ غَيْرِهِ.

ونَحْوَهُ قَوْلُ الرّاغِبِ: لَمّا كانَ الإيمانُ هو العِلْمَ الحَقِيقِيَّ مَعَ العَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، فَمَتى لَمْ يَتَحَرَّ ذَلِكَ مَن حَصَلَ لَهُ بَعْضُ العُلُومِ، فَحَقِيقٌ أنْ لا يَحْصُلَ لِمَن غَبِيَ عَنْ كُلِّ العُلُومِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ تَبْعِيدًا لِإيمانِهِمْ لا يَأْسًا لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ ما لا يُطْمَعُ فِيهِ كانَ مَأْيُوسًا (ثُمَّ قالَ الرّاغِبُ) وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ أنْ لَيْسَ …

Al-Baqara 2:75Listen in Qur'an →
76

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allah has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٦ ] ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

"وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا" أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ "قالُواْ آمَنّا" أيْ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ، وأنَّ مُحَمَّدًا هو الرَّسُولُ المُبَشَّرُ بِهِ، وكَأنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ إرْضاءً لِحُلَفائِهِمْ مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، أوْ جَهْرًا بِحَقِيقَةٍ لا يَسَعُهُمْ، أمامَ حُلَفائِهِمُ، السُّكُوتُ عَنْها. "وإذا خَلا بَعْضُهُمْ" يَعْنِي الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا "إلىَ بَعْضٍ" أيِ الَّذِينَ نافَقُوا "قالُوا" أيْ عاتِبِينَ عَلَيْهِمْ: ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِما بَيَّنَ لَكم في التَّوْراةِ مِنَ البِشارَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، والإيمانِ بِالنَّبِيِّ الَّذِي يَجِيئُكم مُصَدِّقًا لِما مَعَكم، ونَصْرِهِ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: أيْ أتُقِرُّونَ بِأنَّهُ نَبِيٌّ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ أُخِذَ لَهُ المِيثاقُ عَلَيْكم بِاتِّباعِهِ، وهو يُخْبِرُهم أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في كِتابِنا، اجْحَدُوهُ ولا تُقِرُّوا بِهِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أصْلُ الفَتْحِ في كَلامِ العَرَبِ القَضاءُ والحُكْمُ. والمَعْنى: أتُحَدِّثُونَهم بِما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم وقَضاهُ فِيكم ؟ ومِن حُكْمِهِ تَعالى وقَضائِهِ فِيهِمْ، ما أخَذَ بِهِ مِيثاقَهم مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وبِما جاءَ بِهِ في التَّوْراةِ. اهـ.

"لِيُحاجُّوكُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّحْدِيثِ، دُونَ الفَتْحِ، أيْ لِيُقِيمَ المُؤْمِنُونَ بِهِ عَلَيْكُمُ الحُجَّةَ "بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ" أيْ لِتَكُونَ الحُجَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكم في الآخِرَةِ، فَيَقُولُونَ: ألَمْ تُحَدِّثُونا بِما في كِتابِكم، في الدُّنْيا، مِن حَقِّيَّةِ دِينِنا، وصِدْقِ نَبِيِّنا ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في ظُهُورِ فَضِيحَتِكم، وتَوْبِيخِكم عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ، في المَوْقِفِ. لِأنَّهُ لَيْسَ مَنِ اعْتَرَفَ بِالحَقِّ، ثُمَّ كَتَمَ، كَمَن ثَبَتَ عَلى الإنْكارِ.

وتَأوَّلَ الرّاغِبُ الأصْفَهانِيُّ قَوْلَهُ تَعالى "عِنْدَ رَبِّكُمْ" أيْ في حُكْمِهِ وكِتابِهِ، كَما هو وجْهٌ في آيَةِ: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] أيْ في حُكْمِ اللَّهِ وقَضائِهِ، وهو وجْهٌ جَيِّدٌ، وقَوْلُهُ "أفَلا تَعْقِلُونَ" مِن تَمامِ التَّوْبِيخِ والعِتابِ، فَهو مِن جُمْلَةِ الحِكايَةِ عَنْهم عَلى سَبِيلِ إنْكارِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. قالَ الرّاغِبُ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إنْكارٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، عَلى سَبِيلِ ما يُسَمّى في البَلاغَةِ (الِالتِفاتُ) . ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، تَنْبِيهًا عَلى ما يَفْعَلُهُ الكُفّارُ والمُنافِقُونَ.

Al-Baqara 2:76Listen in Qur'an →
77

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

But do they not know that Allah knows what they conceal and what they declare?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٧ ] ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾

﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أيْ يُخْفُونَ مِن قَوْلِهِمْ لِأصْحابِهِمْ، ومِن غَيْرِهِ "وما يُعْلِنُونَ" أيْ يُظْهِرُونَ مِن ذَلِكَ، فَيُخْبِرُ بِهِ أوْلِياءَهُ. قالَ الرّاغِبُ: هَذا تَبْكِيتٌ لَهم، وإنْكارٌ لِما يَتَعاطَوْنَهُ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.

ولَمّا ذَكَرَ العُلَماءَ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ عانَدُوا بِالتَّحْرِيفِ، مَعَ العِلْمِ والِاسْتِيقانِ، ذَكَرَ العَوامَّ الَّذِينَ قَلَّدُوهم، ونَبَّهَ عَلى أنَّهم في الضَّلالِ سَواءٌ؛ لِأنَّ العالِمَ عَلَيْهِ أنْ يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ، وعَلى العامِّيِّ أنْ لا يَرْضى بِالتَّقْلِيدِ والظَّنِّ، وهو مُتَمَكِّنٌ مِنَ العِلْمِ، فَقالَ:

Al-Baqara 2:77Listen in Qur'an →
78

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except in wishful thinking, but they are only assuming.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٨ ] ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾

"ومِنهم أُمِّيُّونَ" أيْ لا يُحْسِنُونَ الكُتُبَ فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، فَيُؤْمِنُوا. "لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ" أيِ التَّوْراةُ، أيْ لا يَدْرُونَ ما فِيها مِن حُدُودٍ وأحْكامٍ ومَواثِيقَ "إلّا أمانِيَّ" بِالتَّشْدِيدِ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، أصْلُها أُمْنُويَةٌ (أُفْعُولَةٌ) فَأُعِلَّتْ إعْلالَ سَيِّدٍ، ومَيِّتٍ. مَأْخُوذَةٌ مِن تَمَنّى الشَّيْءَ: قَدَّرَهُ وأحَبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ. أوْ مِن تَمَنّى: كَذَبَ. أوْ مِن تَمَنّى الكِتابَ: قَرَأهُ. وعَلى كُلٍّ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ إذْ لَيْسَ ما يُتَمَنّى، وما يُخْتَلَقُ وما يُتْلى، مِن جِنْسِ عِلْمِ الكِتابِ. أيْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ. لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَ أمانِيَّ حَسْبَما مَنَّتْهم أحْبارُهم مِن أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَعْفُو عَنْهم. وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم. وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أمانِيِّهِمُ الفارِغَةِ، المُسْتَنِدَةِ إلى الكِتابِ، عَلى زَعْمِ رُؤَسائِهِمْ. أوْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ، لَكِنْ أكاذِيبُ مُخْتَلَقَةٌ سَمِعُوها مِن عُلَمائِهِمْ. فَتَقَبَّلُوها عَلى التَّقْلِيدِ. أوْ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ لَكِنْ يَتَلَقَّوْنَهُ قَدْرَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، فَيَقْبَلُونَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ فِيهِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأوْلى ما رُوِّينا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ "إلّا أمانِيَّ" أنَّ هَؤُلاءِ الأُمِّيِّينَ لا يَفْقَهُونَ، مِنَ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ، شَيْئًا. ولَكِنَّهم يَتَخَرَّصُونَ الكَذِبَ ويَتَقَوَّلُونَ الأباطِيلَ كَذِبًا وزُورًا. والتَّمَنِّي في هَذا المَوْضِعِ هو تَخَلُّقُ الكَذِبِ وتَخَرُّصُهُ وافْتِعالُهُ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ فَأخْبَرَ عَنْهم أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ ما يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الأكاذِيبِ ظَنًّا مِنهم، لا يَقِينًا.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: حَمْلُهُ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ أوْلى. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البقرة: ١١١] أيْ: تَمَنِّيهِمْ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقالَ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ [البقرة: ١١١] ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] بِمَعْنى يَقْدِرُونَ ويَخْرُصُونَ. ورَجَّحَ كَثِيرُونَ حَمْلَهُ عَلى القِراءَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] إذْ في الِاسْتِثْناءِ، حِينَئِذٍ، نَوْعٌ تَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ. فَيَكُونُ ألْيَقَ في طَرِيقَةِ الِاسْتِثْناءِ. و"وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ" ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ الظَّنُّ والتَّقْلِيدُ. مِن غَيْرِ أنْ يَصِلُوا إلى رُتْبَةِ العِلْمِ. فَأنّى يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ المُؤَسَّسُ عَلى قَواعِدِ اليَقِينِ ؟

(تَنْبِيهٌ) قالَ الرّاغِبُ: قَدْ أنْبَأ اللَّهُ عَنْ جَهْلِ الأُمِّيِّينَ وذَمِّهِمْ، والمُبالَغَةِ في ذَمِّ عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ؛ فَإنَّ الأُمِّيِّينَ لَمْ يَعْرِفُوا إلّا مُجَرَّدَ التِّلاوَةِ، واعْتَمَدُوا عَلى زُعَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، وهم قَدْ ضَلُّوا وأضَلُّوا، ونَبَّهَنا اللَّهُ تَعالى بِذَمِّ الأُمِّيِّينَ، عَلى اكْتِسابِ المَعارِفِ لِئَلّا يَحْتاجَ إلى …

Al-Baqara 2:78Listen in Qur'an →
79

فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ

So woe to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allah," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٩ ] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾

"فَوَيْلٌ" فَإنْ أُضِيفَ، نُصِبَ. نَحْوَ: ويْلَكَ ووَيْحَكَ -وإذا فُصِلَ عَنِ الإضافَةِ، رُفِعَ. نَحْوَ: ويْلٌ لَهُ. الوَيْلُ: الهَلاكُ وشِدَّةُ العَذابِ "لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ" أيِ المُحَرَّفُ. أوْ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِفَةِ "بِأيْدِيهِمْ" تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ المَجازِ. كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ بِيَمِينِي. وقَدْ يُقالُ في مِثْلِ هَذا: إنَّ فائِدَتَهُ تَصْوِيرُ الحالَةِ في النَّفْسِ كَما وقَعَتْ حَتّى يَكادَ السّامِعُ لِذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُشاهِدًا لِلْهَيْئَةِ "ثُمَّ يَقُولُونَ" لِما كَتَبُوهُ، كَذِبًا وبُهْتانًا "هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ" أيْ يَأْخُذُوا لِأنْفُسِهِمْ بِمُقابَلَتِهِ "ثَمَنًا قَلِيلًا" أيْ عَرَضًا يَسِيرًا.

ويَجُوزُ في الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ؛ أيْ: فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ يَكْتُبُونَ كِتابَ التَّوْراةِ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَشْهَدُونَ بِذَلِكَ. وكانَ مِن مُقْتَضى كِتابَتِهِمْ بِأيْدِيهِمُ الَّتِي تَقِفُهم مِنَ الكِتابِ عَلى ما لا يَقِفُونَ عَلَيْهِ، لَوْ كانَ كِتابَةَ غَيْرِهِمْ، ومُقْتَضى قَوْلِهِمْ وإقْرارِهِمْ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ -الوُقُوفُ مَعَ عُهُودِهِ ومَواثِيقِهِ، إجْلالًا لِمُنْزِلِهِ ومُوحِيهِ، ودَعْوى النّاسِ إلى ظَواهِرِهِ وخَوافِيهِ. ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهم. بَلْ كانَ أنْ حَرَّفُوا كَلِمَهُ عَنْ مَواضِعِهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا. وحاصِلُ هَذا الوَجْهِ إبْقاءُ الكِتابِ المَكْتُوبِ عَلى أصْلِهِ، وصِدْقُهم في قَوْلِهِمْ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ مُخالَفَتُهم لِذَلِكَ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى "لِيَشْتَرُوا بِهِ" تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ. أيْ: ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُحَرِّفُونَهُ لِيَشْتَرُوا بِهِ، وهو وجْهٌ جَيِّدٌ يُوافِقُ آيَةَ "يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ" ورُبَّما يُشِيرُ إلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُ مُجاهِدٍ فِيما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَرَفُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ يُحَرِّفُونَهُ: ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: فَشِدَّةُ العَذابِ لَهم مِمّا غَيَّرَتْ أيْدِيهِمْ "ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ" يُصِيبُونَ مِنَ الحَرامِ والسُّحْتِ.

قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ "يَكْسِبُونَ" بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ و"كَتَبَتْ" بِلَفْظِ الماضِي ؟ قِيلَ: تَنْبِيهًا عَلى ما قالَ النَّبِيُّ ﷺ ««مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةٍ فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» فَنَبَّهَ بِالآيَةِ أنَّ ما أصَّلُوهُ وأثْبَتُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ، الَّتِي يَعْتَمِدُها الجَهَلَةُ، هو اكْتِسابُ وِزْرٍ يَكْتَسِبُونَهُ حالًا فَحالًا (إنْ قِيلَ) لِمَ ذَكَرَ الكِتابَةَ دُونَ القَوْلِ. (قِيلَ) لَمّا كانَتِ الكِتابَةُ مُتَضَمِّنَةً لِلْقَوْلِ وزائِدَةً عَلَيْهِ؛ إذْ هو كَذَّبَ بِاللِّسانِ واليَدِ، صارَ أبْلَغَ. لِأنَّ كَلامَ اليَدِ يَبْقى رَسْمُهُ والقَوْلُ يَضْمَحِلُّ أثَرُهُ.

(إنْ قِيلَ): ما الَّذِي كانُوا يَكْتُبُونَهُ ؟ (قِيلَ): رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ كانُوا يُغَيِّرُونَ مِنَ التَّوْراةِ نَعْتَ النَّبِيِّ ﷺ . ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وهَذا فَصْلٌ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ شَرْحٍ. وهو أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُتَصَوَّرَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أتى …

Al-Baqara 2:79Listen in Qur'an →
80

وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And they say, "Never will the Fire touch us, except for a few days." Say, "Have you taken a covenant with Allah? For Allah will never break His covenant. Or do you say about Allah that which you do not know?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٠ ] ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ بَيانٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ فِيما ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ مِن أنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ في الآخِرَةِ إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً، ومُرادُهم بِذَلِكَ أنَّهم لا يَخْلُدُونَ فِيها. لِأنَّ كُلَّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ: إنَّما الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ. فَإنَّما نُعَذَّبُ، مَكانَ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ العَذابُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْهُ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: لَنْ نَدْخُلَ النّارَ إلّا الأيّامَ الَّتِي عَبَدْنا فِيها العِجْلَ، أرْبَعِينَ، فَإذا انْقَضَتِ انْقَطَعَ عَنّا العَذابُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى إفْكَهم. لِأنَّ العَقْلَ لا طَرِيقَ لَهُ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ، وإنَّما سَبِيلُ مَعْرِفَتِهِ الإخْبارُ مِنهُ تَعالى، وهو مُنْتَفٍ، فَقالَ سُبْحانَهُ "قُلْ" مُنْكِرًا لِقَوْلِهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم: ﴿أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أيْ: عَهِدَ إلَيْكم أنَّهُ لا يُعَذِّبُكم إلّا هَذا المِقْدارَ "فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ" أيْ فَتَقُولُوا لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ. وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الفاءَ فَصِيحَةً مُعْرِبَةً عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَنْ يَخْلُفَهُ "أمْ تَقُولُونَ" أيْ أمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأنْتُمْ تَقُولُونَ مُفْتَرِينَ "عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ" أيْ وُقُوعُهُ جَهْلًا وجَراءَةً. وقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ تَصْرِيحًا بِالِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، لَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ. لِأنَّ ذَلِكَ الجَزْمَ لا يَكُونُ إلّا بِإسْنادِ سَبَبِهِ إلَيْهِ تَعالى.

Al-Baqara 2:80Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.