Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 71–80 of 286

71

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.' " They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ أيْ لَمْ تُذَلَّلْ لِكِرابِ الأرْضِ وسَقْيِ الحَرْثِ، و ﴿لا ذَلُولٌ﴾ صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ بِمَعْنى غَيْرِ ذَلُولٍ، ولا الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الأُولى والفِعْلانِ صَفَتا ذَلُولٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةٌ وساقِيَةٌ، وقُرِئَ « لا ذَلُولَ» بِالفَتْحِ أيْ حَيْثُ هِيَ، كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا بَخِيلَ ولا جَبانَ، أيْ حَيْثُ هُوَ، وتَسْقِي مَن أسْقى. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ سَلَّمَها اللَّهُ تَعالى مِنَ العُيُوبِ، أوْ أهْلُها مِنَ العَمَلِ، أوْ أخْلَصَ لَوْنَها مِن سَلَمَ لَهُ كَذا إذا خَلَصَ لَهُ ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ لا لَوْنَ فِيها يُخالِفُ لَوْنَ جِلْدِها، وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وشّاهَ وشْيًا وشِيَةً إذا خَلَطَ بِلَوْنِهِ لَوْنًا آخَرَ. قالُوا ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ أيْ بِحَقِيقَةِ وصْفِ البَقَرَةِ وحَقَّقْتَها لَنا، وقُرِئَ « الآنَ» بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، و « لانَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ. ﴿فَذَبَحُوها﴾ فِيهِ اخْتِصارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَحَصَّلُوا البَقَرَةَ المَنعُوتَةَ فَذَبَحُوها. ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لِتَطْوِيلِهِمْ وكَثْرَةِ مُراجَعاتِهِمْ، أوْ لِخَوْفِ الفَضِيحَةِ في ظُهُورِ القاتِلِ، أوْ لِغَلاءِ ثَمَنِها. إذْ رُوِيَ: أنَّ شَيْخًا صالِحًا مِنهم كانَ لَهُ عِجْلَةٌ، فَأتى بِها الغَيْضَةَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَها لِابْنِي حَتّى يَكْبُرَ، فَشَبَّتْ وكانَتْ وحِيدَةً بِتِلْكَ الصِّفاتِ، فَساوَمُوها مِنَ اليَتِيمِ وأمَّهُ حَتّى اشْتَرَوْها بِمَلْءٍ مَسْكِها ذَهَبًا، وكانَتِ البَقَرَةُ إذْ ذاكَ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ. وكادَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ وُضِعَ لِدُنُوِّ الخَبَرِ حُصُولًا، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ النَّفْيُ قِيلَ مَعْناهُ الإثْباتُ مُطْلَقًا. وقِيلَ ماضِيًا، والصَّحِيحُ أنَّهُ كَسائِرِ الأفْعالِ ولا يُنافِي قَوْلُهُ: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ قَوْلَهُ ﴿فَذَبَحُوها﴾ لِاخْتِلافِ وقْتَيْهِما، إذِ المَعْنى أنَّهم ما قارَبُوا أنْ يَفْعَلُوا حَتّى انْتَهَتْ سُؤالِاتُهُمْ، وانْقَطَعَتْ تَعَلُّلاتُهُمْ، فَفَعَلُوا كالمُضْطَرِّ المُلْجَأِ إلى الفِعْلِ.

Al-Baqara 2:71Listen in Qur'an →
72

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًۭا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌۭ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

And [recall] when you slew a man and disputed over it, but Allah was to bring out that which you were concealing.

﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ خِطابًا لِلْجَمِيعِ لِوُجُودِ القَتْلِ فِيهِمْ ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ اخْتَصَمْتُمْ في شَأْنِها، إذِ المُتَخاصِمانِ يَدْفَعُ بَعْضُهُما بَعْضًا، أوْ تَدافَعْتُمْ بِأنْ طَرَحَ كُلٌّ قَتْلَها عَنْ نَفْسِهِ إلى صاحِبِهِ، وأصْلُهُ تَدارَأْتُمْ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ واجْتُلِبَتْ لَها هَمْزَةُ الوَصْلِ ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مُظْهِرُهُ لا مَحالَةَ، وأُعْمِلَ مُخْرِجٌ لِأنَّهُ حِكايَةُ مُسْتَقْبَلٍ كَما أُعْمِلَ ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ لِأنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.

﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ عَطْفٌ عَلى ادّارَأْتُمْ وما بَيْنَها اعْتِراضٌ، والضَّمِيرُ لِلنَّفْسِ والتَّذْكِيرِ عَلى تَأْوِيلِ الشَّخْصِ أوِ القَتِيلِ ﴿بِبَعْضِها﴾ أيْ بَعْضٍ كانَ، وقِيلَ: بِأصْغِرَيْها، وقِيلَ بِلِسانِها، وقِيلَ بِفَخْذِها اليُمْنى، وقِيلَ بِالأُذُنِ، وقِيلَ بِالعَجْبِ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ يَدُلُّ عَلى ما حُذِفَ وهو فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، والخِطابُ مَعَ مَن حَضَرَ حَياةَ القَتِيلِ، أوْ نُزُولَ الآيَةِ ﴿وَيُرِيكم آياتِهِ﴾ دَلائِلَهُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لِكَيْ يُكْمِلَ عَقْلَكم وتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ قَدَرَ عَلى إحْياءِ الأنْفُسِ كُلِّها، أوْ تَعْمَلُوا عَلى قَضِيَّتِهِ. ولَعَلَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُحْيِهِ ابْتِداءً وشَرَطَ فِيهِ ما شَرَطَ لِما فِيهِ مِنَ التَّقَرُّبِ وأداءِ الواجِبِ، ونَفْعِ اليَتِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى بَرَكَةِ التَّوَكُّلِ والشَّفَقَةِ عَلى الأوْلادِ، وأنَّ مِن حَقِّ الطّالِبِ أنْ يُقَدِّمَ قُرْبَةً، والمُتَقَرِّبُ أنْ يَتَحَرّى الأحْسَنَ ويُغالِيَ بِثَمَنِهِ، كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّهُ ضَحّى بِنَجِيبَةٍ اشْتَراها بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ. وأنَّ المُؤْثَرَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، والأسْبابُ أماراتٌ لا إثْرَ لَها، وأنَّ مَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ أعْدى عَدُوِّهِ السّاعِي في إماتَتِهِ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، فَطَرِيقُهُ أنْ يَذْبَحَ بَقَرَةَ نَفْسِهِ الَّتِي هي القُوَّةُ الشَّهَوِيَّةُ حِينَ زالَ عَنْها شَرَهُ الصِّبا، ولَمْ يَلْحَقْها ضَعْفُ الكِبَرِ، وكانَتْ مُعْجَبَةً رائِقَةَ المَنظَرِ غَيْرَ مُذَلَّلَةٍ في طَلَبِ الدُّنْيا، مُسَلَّمَةً عَنْ دَنَسِها لا سِمَةَ بِها مِن مَقابِحِها بِحَيْثُ يَصِلُ أثَرُهُ إلى نَفْسِهِ، فَتَحْيا حَياةً طَيِّبًا، وتُعْرِبُ عَمّا بِهِ يَنْكَشِفُ الحالُ، ويَرْتَفِعُ ما بَيْنَ العَقْلِ والوَهْمِ مِنَ التَّدارُؤِ والنِّزاعِ.

Al-Baqara 2:72Listen in Qur'an →
73

فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

So, We said, "Strike the slain man with part of it." Thus does Allah bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ خِطابًا لِلْجَمِيعِ لِوُجُودِ القَتْلِ فِيهِمْ ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ اخْتَصَمْتُمْ في شَأْنِها، إذِ المُتَخاصِمانِ يَدْفَعُ بَعْضُهُما بَعْضًا، أوْ تَدافَعْتُمْ بِأنْ طَرَحَ كُلٌّ قَتْلَها عَنْ نَفْسِهِ إلى صاحِبِهِ، وأصْلُهُ تَدارَأْتُمْ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ واجْتُلِبَتْ لَها هَمْزَةُ الوَصْلِ ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مُظْهِرُهُ لا مَحالَةَ، وأُعْمِلَ مُخْرِجٌ لِأنَّهُ حِكايَةُ مُسْتَقْبَلٍ كَما أُعْمِلَ ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ لِأنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.

﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾ عَطْفٌ عَلى ادّارَأْتُمْ وما بَيْنَها اعْتِراضٌ، والضَّمِيرُ لِلنَّفْسِ والتَّذْكِيرِ عَلى تَأْوِيلِ الشَّخْصِ أوِ القَتِيلِ ﴿بِبَعْضِها﴾ أيْ بَعْضٍ كانَ، وقِيلَ: بِأصْغِرَيْها، وقِيلَ بِلِسانِها، وقِيلَ بِفَخْذِها اليُمْنى، وقِيلَ بِالأُذُنِ، وقِيلَ بِالعَجْبِ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ يَدُلُّ عَلى ما حُذِفَ وهو فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، والخِطابُ مَعَ مَن حَضَرَ حَياةَ القَتِيلِ، أوْ نُزُولَ الآيَةِ ﴿وَيُرِيكم آياتِهِ﴾ دَلائِلَهُ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ. ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ لِكَيْ يُكْمِلَ عَقْلَكم وتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ قَدَرَ عَلى إحْياءِ الأنْفُسِ كُلِّها، أوْ تَعْمَلُوا عَلى قَضِيَّتِهِ. ولَعَلَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُحْيِهِ ابْتِداءً وشَرَطَ فِيهِ ما شَرَطَ لِما فِيهِ مِنَ التَّقَرُّبِ وأداءِ الواجِبِ، ونَفْعِ اليَتِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى بَرَكَةِ التَّوَكُّلِ والشَّفَقَةِ عَلى الأوْلادِ، وأنَّ مِن حَقِّ الطّالِبِ أنْ يُقَدِّمَ قُرْبَةً، والمُتَقَرِّبُ أنْ يَتَحَرّى الأحْسَنَ ويُغالِيَ بِثَمَنِهِ، كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّهُ ضَحّى بِنَجِيبَةٍ اشْتَراها بِثَلاثِمِائَةِ دِينارٍ. وأنَّ المُؤْثَرَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، والأسْبابُ أماراتٌ لا إثْرَ لَها، وأنَّ مَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ أعْدى عَدُوِّهِ السّاعِي في إماتَتِهِ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ، فَطَرِيقُهُ أنْ يَذْبَحَ بَقَرَةَ نَفْسِهِ الَّتِي هي القُوَّةُ الشَّهَوِيَّةُ حِينَ زالَ عَنْها شَرَهُ الصِّبا، ولَمْ يَلْحَقْها ضَعْفُ الكِبَرِ، وكانَتْ مُعْجَبَةً رائِقَةَ المَنظَرِ غَيْرَ مُذَلَّلَةٍ في طَلَبِ الدُّنْيا، مُسَلَّمَةً عَنْ دَنَسِها لا سِمَةَ بِها مِن مَقابِحِها بِحَيْثُ يَصِلُ أثَرُهُ إلى نَفْسِهِ، فَتَحْيا حَياةً طَيِّبًا، وتُعْرِبُ عَمّا بِهِ يَنْكَشِفُ الحالُ، ويَرْتَفِعُ ما بَيْنَ العَقْلِ والوَهْمِ مِنَ التَّدارُؤِ والنِّزاعِ.

Al-Baqara 2:73Listen in Qur'an →
74

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allah. And Allah is not unaware of what you do.

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ القَساوَةُ عِبارَةٌ عَنِ الغِلَظِ مَعَ الصَّلابَةِ، كَما في الحَجَرِ. وقَساوَةُ القَلْبِ مَثَلٌ في نَبْوِهِ عَنِ الِاعْتِبارِ، وثَمَّ لِاسْتِبْعادِ القَسْوَةِ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي إحْياءَ القَتِيلِ، أوْ جَمِيعَ ما عَدَّدَ مِنَ الآياتِ فَإنَّها مِمّا تُوجِبُ لِينَ القَلْبِ. ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ في قَسْوَتِها ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ مِنها، والمَعْنى أنَّها في القَساوَةِ مِثْلُ الحِجارَةِ أوْ أزْيَدُ عَلَيْها، أوْ أنَّها مِثْلُها، أوْ مِثْلُ ما هو أشَدُّ مِنها قَسْوَةً كالحَدِيدِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الحِجارَةِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أقْسى لِما في أشَدِّ مِنَ المُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى اشْتِدادِ القَسْوَتَيْنِ واشْتِمالِ المُفَضَّلِ عَلى زِيادَةٍ و (أوْ) لِلتَّخْيِيرِ، أوْ لِلتَّرْدِيدِ بِمَعْنى: أنَّ مَن عَرَفَ حالَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ أوْ بِما هو أقْسى مِنها.

﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّفْضِيلِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجارَةَ تَتَأثَّرُ وتَنْفَعِلُ فَإنَّ مِنها ما يَتَشَقَّقُ فَيَنْبُعُ مِنهُ الماءُ، وتَنْفَجِرُ مِنهُ الأنْهارُ، ومِنها ما يَتَرَدّى مِن أعْلى الجَبَلِ انْقِيادًا لِما أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ. وقُلُوبُ هَؤُلاءِ لا تَتَأثَّرُ ولا تَنْفَعِلُ عَنْ أمْرِهِ تَعالى. والتَّفَجُّرُ التَّفَتُّحُ بِسِعَةٍ وكَثْرَةٍ، والخَشْيَةُ مَجازٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وقُرِئَ (إنْ) عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وتَلْزَمُها اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ إنِ النّافِيَةِ، ويَهْبِطُ بِالضَّمِّ.

﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ عَلى ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ ضَمًّا إلى ما بَعْدَهُ، والباقُونَ بِالتّاءِ.

Al-Baqara 2:74Listen in Qur'an →
75

۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allah and then distort the Torah after they had understood it while they were knowing?

﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ﴿أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أنْ يُصَدِّقُوكُمْ، أوْ يُؤْمِنُوا لِأجْلِ دَعْوَتِكم. يَعْنِي اليَهُودَ. ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ طائِفَةٌ مِن أسْلافِهِمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ يَعْنِي التَّوْراةَ. ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ كَنَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وآيَةِ الرَّجْمِ. أوْ تَأْوِيلَهُ فَيُفَسِّرُونَهُ بِما يَشْتَهُونَ. وقِيلَ هَؤُلاءِ مِنَ السَّبْعِينَ المُخْتارِينَ سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ تَعالى حِينَ كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالطُّورِ، ثُمَّ قالُوا سَمْعَنا اللَّهَ تَعالى يَقُولُ في آخِرِهِ: إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ فافْعَلُوا وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَفْعَلُوا. ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾ أيْ فَهِمُوهُ بِعُقُولِهِمْ ولَمْ يَبْقَ لَهم فِيهِ رِيبَةٌ. ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم مُفْتَرُونَ مُبْطِلُونَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ أحْبارَ هَؤُلاءِ ومُقَدَّمِيهِمْ كانُوا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَما ظَنُّكَ بِسَفَلَتِهِمْ وجُهّالِهِمْ، وأنَّهم إنْ كَفَرُوا وحَرَّفُوا فَلَهم سابِقَةٌ في ذَلِكَ.

Al-Baqara 2:75Listen in Qur'an →
76

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allah has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?

﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي مُنافِقِيهِمْ. ﴿قالُوا آمَنّا﴾ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ، وإنَّ رَسُولَكم هو المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ ﴿وَإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا﴾ أيِ الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا مِنهم عاتِبِينِ عَلى مَن نافَقَ. ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِما بَيَّنَ لَكم في التَّوْراةِ مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوِ الَّذِينَ نافَقُوا لِأعْقابِهِمْ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ في اليَهُودِيَّةِ، ومَنعًا لَهم عَنْ إبْداءِ ما وجَدُوا في كِتابِهِمْ، فَيُنافِقُونَ الفَرِيقَيْنِ. فالِاسْتِفْهامُ عَلى الأوَّلِ تَقْرِيعٌ وعَلى الثّانِي إنْكارٌ ونَهْيٌ ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ لِيَحْتَجُّوا عَلَيْكم بِما أنْزَلَ رَبُّكم في كِتابِهِ، جَعَلُوا مُحاجَّتَهم بِكِتابِ اللَّهِ وحُكْمِهِ مُحاجَّةً عِنْدَهُ كَما يُقالُ عِنْدَ اللَّهِ كَذا، ويُرادُ بِهِ أنَّهُ جاءَ في كِتابِهِ وحُكْمِهِ، وقِيلَ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكُمْ، أوْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ رَبِّكم. وقِيلَ عِنْدَ رَبِّكم في القِيامَةِ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الإخْفاءُ لا يَدْفَعُهُ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إمّا مِن تَمامِ كَلامِ اللّائِمِينَ وتَقْدِيرِهِ: أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّهم يُحاجُّونَكم بِهِ فَيُحِجُّونَكُمْ، أوْ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾، والمَعْنى: أفَلا تَعْقِلُونَ حالَهم وأنْ لا مَطْمَعَ لَكم في إيمانِهِمْ.

﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، أوِ اللّائِمِينَ، أوْ كِلَيْهِما، أوْ إيّاهم والمُحَرِّفِينَ. ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ومِن جُمْلَتِهِما إسْرارُهُمُ الكُفْرَ وإعْلانُهُمُ الإيمانَ، وإخْفاءُ ما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وإظْهارُ غَيْرِهِ، وتَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ ومَعانِيهِ.

Al-Baqara 2:76Listen in Qur'an →
77

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

But do they not know that Allah knows what they conceal and what they declare?

﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي مُنافِقِيهِمْ. ﴿قالُوا آمَنّا﴾ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ، وإنَّ رَسُولَكم هو المُبَشَّرُ بِهِ في التَّوْراةِ ﴿وَإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا﴾ أيِ الَّذِينَ لَمْ يُنافِقُوا مِنهم عاتِبِينِ عَلى مَن نافَقَ. ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِما بَيَّنَ لَكم في التَّوْراةِ مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أوِ الَّذِينَ نافَقُوا لِأعْقابِهِمْ إظْهارًا لِلتَّصَلُّبِ في اليَهُودِيَّةِ، ومَنعًا لَهم عَنْ إبْداءِ ما وجَدُوا في كِتابِهِمْ، فَيُنافِقُونَ الفَرِيقَيْنِ. فالِاسْتِفْهامُ عَلى الأوَّلِ تَقْرِيعٌ وعَلى الثّانِي إنْكارٌ ونَهْيٌ ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ لِيَحْتَجُّوا عَلَيْكم بِما أنْزَلَ رَبُّكم في كِتابِهِ، جَعَلُوا مُحاجَّتَهم بِكِتابِ اللَّهِ وحُكْمِهِ مُحاجَّةً عِنْدَهُ كَما يُقالُ عِنْدَ اللَّهِ كَذا، ويُرادُ بِهِ أنَّهُ جاءَ في كِتابِهِ وحُكْمِهِ، وقِيلَ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكُمْ، أوْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ رَبِّكم. وقِيلَ عِنْدَ رَبِّكم في القِيامَةِ وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الإخْفاءُ لا يَدْفَعُهُ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إمّا مِن تَمامِ كَلامِ اللّائِمِينَ وتَقْدِيرِهِ: أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّهم يُحاجُّونَكم بِهِ فَيُحِجُّونَكُمْ، أوْ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾، والمَعْنى: أفَلا تَعْقِلُونَ حالَهم وأنْ لا مَطْمَعَ لَكم في إيمانِهِمْ.

﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، أوِ اللّائِمِينَ، أوْ كِلَيْهِما، أوْ إيّاهم والمُحَرِّفِينَ. ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ومِن جُمْلَتِهِما إسْرارُهُمُ الكُفْرَ وإعْلانُهُمُ الإيمانَ، وإخْفاءُ ما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وإظْهارُ غَيْرِهِ، وتَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ ومَعانِيهِ.

Al-Baqara 2:77Listen in Qur'an →
78

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except in wishful thinking, but they are only assuming.

﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ جَهَلَةٌ لا يَعْرِفُونَ الكِتابَةَ فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها. أوِ التَّوْراةَ ﴿إلا أمانِيَّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. والأمانِيُّ: جُمَعُ أمْنِيَّةٍ وهي في الأصْلِ ما يُقَدِّرُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِن مُنى إذا قَدَرَ، ولِذَلِكَ تُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ وعَلى ما يُتَمَنّى وما يُقْرَأُ والمَعْنى لَكِنْ يَعْتَقِدُونَ أكاذِيبَ أخَذُوها تَقْلِيدًا مِنَ المُحَرِّفِينَ أوْ مَواعِيدَ فارِغَةً. سَمِعُوها مِنهم مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا، وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً. وقِيلَ إلّا ما يَقْرَءُونَ قِراءَةً عارِيَةً عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْنى وتَدَبُّرِهِ مِن قَوْلِهِ:

؎ تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ... تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ

وَهُوَ لا يُناسِبُ وصْفَهم بِأنَّهم أُمِّيُّونَ. ﴿وَإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ ما هم إلّا قَوْمٌ يَظُنُّونَ لا عِلْمَ لَهُمْ، وقَدْ يُطْلَقُ الظَّنُّ بِإزاءِ العِلْمِ عَلى كُلِّ رَأْيٍ واعْتِقادٍ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، وإنْ جَزَمَ بِهِ صاحِبُهُ: كاعْتِقادِ المُقَلِّدِ والزّائِغِ عَنِ الحَقِّ لِشُبْهَةٍ.

﴿فَوَيْلٌ﴾ أيْ تَحَسَّرَ وهَلَكَ. ومَن قالَ إنَّهُ وادٍ أوْ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ فَمَعْناهُ: أنَّ فِيها مَوْضِعًا يَتَبَوَّأُ فِيهِ مَن جُعِلَ لَهُ الوَيْلُ، ولَعَلَّهُ سَمّاهُ بِذَلِكَ مَجازًا. وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ وإنَّما ساغَ الِابْتِداءُ بِهِ نَكِرَةً لِأنَّهُ دُعاءٌ. ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفِينَ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ. ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ بِيَمِينِي ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ كَيْ يَحْصُلُوا بِهِ عَرْضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ وإنْ جُعْلٌ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ مِنَ العِقابِ الدّائِمِ. ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفَ. ﴿وَوَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ يُرِيدُ بِهِ الرُّشى.

Al-Baqara 2:78Listen in Qur'an →
79

فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ

So woe to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allah," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ جَهَلَةٌ لا يَعْرِفُونَ الكِتابَةَ فَيُطالِعُوا التَّوْراةَ ويَتَحَقَّقُوا ما فِيها. أوِ التَّوْراةَ ﴿إلا أمانِيَّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. والأمانِيُّ: جُمَعُ أمْنِيَّةٍ وهي في الأصْلِ ما يُقَدِّرُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ مِن مُنى إذا قَدَرَ، ولِذَلِكَ تُطْلَقُ عَلى الكَذِبِ وعَلى ما يُتَمَنّى وما يُقْرَأُ والمَعْنى لَكِنْ يَعْتَقِدُونَ أكاذِيبَ أخَذُوها تَقْلِيدًا مِنَ المُحَرِّفِينَ أوْ مَواعِيدَ فارِغَةً. سَمِعُوها مِنهم مِن أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا، وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً. وقِيلَ إلّا ما يَقْرَءُونَ قِراءَةً عارِيَةً عَنْ مَعْرِفَةِ المَعْنى وتَدَبُّرِهِ مِن قَوْلِهِ:

؎ تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ... تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ

وَهُوَ لا يُناسِبُ وصْفَهم بِأنَّهم أُمِّيُّونَ. ﴿وَإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ ما هم إلّا قَوْمٌ يَظُنُّونَ لا عِلْمَ لَهُمْ، وقَدْ يُطْلَقُ الظَّنُّ بِإزاءِ العِلْمِ عَلى كُلِّ رَأْيٍ واعْتِقادٍ مِن غَيْرِ قاطِعٍ، وإنْ جَزَمَ بِهِ صاحِبُهُ: كاعْتِقادِ المُقَلِّدِ والزّائِغِ عَنِ الحَقِّ لِشُبْهَةٍ.

﴿فَوَيْلٌ﴾ أيْ تَحَسَّرَ وهَلَكَ. ومَن قالَ إنَّهُ وادٍ أوْ جَبَلٌ في جَهَنَّمَ فَمَعْناهُ: أنَّ فِيها مَوْضِعًا يَتَبَوَّأُ فِيهِ مَن جُعِلَ لَهُ الوَيْلُ، ولَعَلَّهُ سَمّاهُ بِذَلِكَ مَجازًا. وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ وإنَّما ساغَ الِابْتِداءُ بِهِ نَكِرَةً لِأنَّهُ دُعاءٌ. ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفِينَ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ. ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ بِيَمِينِي ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ كَيْ يَحْصُلُوا بِهِ عَرْضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ وإنْ جُعْلٌ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ مِنَ العِقابِ الدّائِمِ. ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفَ. ﴿وَوَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ يُرِيدُ بِهِ الرُّشى.

Al-Baqara 2:79Listen in Qur'an →
80

وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And they say, "Never will the Fire touch us, except for a few days." Say, "Have you taken a covenant with Allah? For Allah will never break His covenant. Or do you say about Allah that which you do not know?"

﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ المَسُّ اتِّصالُ الشَّيْءِ بِالبَشَرَةِ بِحَيْثُ تَتَأثَّرُ الحاسَّةُ بِهِ، واللَّمْسُ كالطَّلَبِ لَهُ ولِذَلِكَ يُقالُ ألْمِسُهُ فَلا أجِدُهُ. ﴿إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ مَحْصُورَةً قَلِيلَةً، رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالُوا نُعَذَّبُ بِعَدَدِ أيّامِ عِبادَةِ العِجْلِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وبَعْضَهم قالُوا مُدَّةُ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ وإنَّما نُعَذَّبُ مَكانَ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ خَبَرًا أوْ وعْدٌ بِما تَزْعُمُونَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِإظْهارِ الذّالِ. والباقُونَ بِإدْغامِهِ ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ أيْ: إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخُلْفَ في خَبَرِهِ مُحالٌ.

﴿أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أمْ مُعادِلَةٌ لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى: أيُّ الأمْرَيْنِ كائِنٌ، عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ لِلْعِلْمِ بِوُقُوعِ أحَدِهِما، أوْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى: بَلْ أتَقُولُونَ، عَلى التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ.

Al-Baqara 2:80Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.