Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 71–80 of 286

71

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.' " They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث.

﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب.

﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض.

ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية.

وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال "اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير.

وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة "أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران.

قال: "وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً.

قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً".

وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن.

وقيل: ضرب بعظم من عظامها.

وقيل: بذنبها.

وقيل: بلسانها.

* *

وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾.

في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا.

واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور ضربوه] ببعضها فحيي وقال: "فلان قتلني"، فَقُتِلَ، بقوله.

قال مالك: "فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه".

وروي أنه قال: "ابن أخي قتلني" ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: "فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ]".

وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: "فلان قتلني"، ويقسم على قوله الأولياء.

* *

قوله: ﴿ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾: أي: بينت لنا.

وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.

* *

قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾.

أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها.

وقيل: أرادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة.

وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة.

وروي عن ابن عباس أنه قال: "مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة" وقال طلحة بن مصرف: "لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء".

* *

قوله: ﴿فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في …

Al-Baqara 2:71Listen in Qur'an →
72

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًۭا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌۭ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

And [recall] when you slew a man and disputed over it, but Allah was to bring out that which you were concealing.

﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث.

﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب.

﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض.

ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية.

وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال "اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير.

وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة "أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران.

قال: "وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً.

قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً".

وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن.

وقيل: ضرب بعظم من عظامها.

وقيل: بذنبها.

وقيل: بلسانها.

* *

وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾.

في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا.

واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور ضربوه] ببعضها فحيي وقال: "فلان قتلني"، فَقُتِلَ، بقوله.

قال مالك: "فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه".

وروي أنه قال: "ابن أخي قتلني" ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: "فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ]".

وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: "فلان قتلني"، ويقسم على قوله الأولياء.

* *

قوله: ﴿ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾: أي: بينت لنا.

وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.

* *

قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾.

أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها.

وقيل: أرادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة.

وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة.

وروي عن ابن عباس أنه قال: "مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة" وقال طلحة بن مصرف: "لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء".

* *

قوله: ﴿فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في …

Al-Baqara 2:72Listen in Qur'an →
73

فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

So, We said, "Strike the slain man with part of it." Thus does Allah bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث.

﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب.

﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض.

ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية.

وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال "اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير.

وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة "أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران.

قال: "وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً.

قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً".

وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن.

وقيل: ضرب بعظم من عظامها.

وقيل: بذنبها.

وقيل: بلسانها.

* *

وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾.

في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا.

واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور ضربوه] ببعضها فحيي وقال: "فلان قتلني"، فَقُتِلَ، بقوله.

قال مالك: "فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه".

وروي أنه قال: "ابن أخي قتلني" ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: "فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ]".

وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: "فلان قتلني"، ويقسم على قوله الأولياء.

* *

قوله: ﴿ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾: أي: بينت لنا.

وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.

* *

قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾.

أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها.

وقيل: أرادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة.

وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة.

وروي عن ابن عباس أنه قال: "مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة" وقال طلحة بن مصرف: "لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء".

* *

قوله: ﴿فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في …

Al-Baqara 2:73Listen in Qur'an →
74

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allah. And Allah is not unaware of what you do.

﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث.

﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب.

﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض.

ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية.

وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال "اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير.

وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة "أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران.

قال: "وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً.

قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً".

وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن.

وقيل: ضرب بعظم من عظامها.

وقيل: بذنبها.

وقيل: بلسانها.

* *

وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾.

في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا.

واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور ضربوه] ببعضها فحيي وقال: "فلان قتلني"، فَقُتِلَ، بقوله.

قال مالك: "فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه".

وروي أنه قال: "ابن أخي قتلني" ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: "فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ]".

وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: "فلان قتلني"، ويقسم على قوله الأولياء.

* *

قوله: ﴿ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾: أي: بينت لنا.

وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.

* *

قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾.

أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها.

وقيل: أرادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة.

وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة.

وروي عن ابن عباس أنه قال: "مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة" وقال طلحة بن مصرف: "لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء".

* *

قوله: ﴿فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في …

Al-Baqara 2:74Listen in Qur'an →
75

۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allah and then distort the Torah after they had understood it while they were knowing?

قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾.

يخاطب المؤمنين بمحمد. والذين لا يؤمنون هم اليهود أعداء [الله. وهو استفهام فيه معنى الإنكار فأيأسهم من إيمان] اليهود ثم أخبر عن أسلافهم وما كانوا يفعلون كأنه يقول تعالى: إن كفر هؤلاء فلهم سابقة في ذلك؛ وهو أن فريقاً منهم كانوا ﴿يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ الآية. يريد به أسلافهم وما فعلوا على عهد موسى ﷺ.

قال السدي: "هي التوراة حرفوها فيجعلون الحلال حراماً، والحرام حلالاً برشوة".

وقال الربيع: "كانوا يسمعون من الوحي ما يسمع النبي ﷺ ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه".

وروى محمد بن إسحاق أنهم خرجوا مع موسى ﷺ يسمعون كلام الله، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى ﷺ بالسجود فسجدوا، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم وعقلوا ما سمعوا، فلما رجعوا حرف فريق منهم ما سمع".

﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعلمون أنهم مبطلون في تحريفه.

وقال مقاتل: "هم السبعون الذين اختارهم موسى ﷺ.

Al-Baqara 2:75Listen in Qur'an →
76

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allah has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?

قوله: ﴿قَالُوۤاْ آمَنَّا﴾.

أي: بأن صاحبكم نبي إليكم خاصة.

وروي عن ابن عباس: "أي: إذا لقوا محمداً. قالوا: آمنا، وإذا خلوا كفروا، وهم المنافقون من اليهود".

* *

قوله: ﴿بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.

كانوا يستفتحون بمحمد ﷺ، فقالوا: لا تقروا بأنه نبي، وقد كنتم تستفتحون به، أي: تنظرون إذ سألتم الله به نصركم على عدوكم فقد علمتم أنه نبي، فإذا أقررتم لهم بنبوته حاجوكم بذلك عند ربكم.

وقال أبو العالية: ﴿بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني ما أنزل عليكم في التوراة من ذكر محمد ﷺ.

وقال قتادة: "بما مَنّ الله عليكم في التوراة من ذكر محمد ﷺ فيحتجون عليكم بذلك".

وروي أن النبي [عليه السلام قال لهم: يا إخْوَةَ القِرَدَةِ] والخَنَازِيرِ، فقالوا: مَنْ أَخْبَرَ بِهَذَا مُحَمَّداً؟ مَا جَرَى هَذَا إلاّ مِنْكُمْ. أَفَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ؟

وقال السدي: "كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يحدثون المؤمنين بما مر على أسلافهم من العذاب، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به. أي: يقولون لكم: نحن أحب إلى الله منكم وأكرم منكم؟".

وعن ابن زيد قال: "كانوا إذا قيل لهم: أتعلمون أن في التوراة كذا وكذا؟ قالوا: نعم. فيقول لهم رؤساؤهم: لا تخبروهم بالذي أنزل عليكم، فيحاجوكم به عند ربكم. وقال النبي [عليه السلام]: لا يَدْخُلُ عَلَيْنَا قَصَبَةَ المَدينَةِ إِلاّ مُؤْمنٌ. فقال رؤساؤهم: اذهبوا فقولوا: آمنا وادخلوا. فإذا رجعتم اكفروا، وهو قوله: ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢] الآية. فكانوا يؤمنون بالبكرة ويكفرون بالعشي".

Al-Baqara 2:76Listen in Qur'an →
77

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

But do they not know that Allah knows what they conceal and what they declare?

Explained together with ayah 76

Al-Baqara 2:77Listen in Qur'an →
78

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except in wishful thinking, but they are only assuming.

قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.

أي: ومن هؤلاء أميون. فهم أبعد من الإيمان من غيرهم.

وقال ابن عباس: "هم قوم لم يصدقوا رسولاً ولا آمنوا بكتاب، فكتبوا كتاباً وقالوا للعوام: هذا من عند الله".

وإنما سماهم أميين لجحودهم الكتاب إذ صاروا بمنزلة من لا يحسن شيئاً.

وقيل: الأمي هنا الذي لا يكتب كأنه نسب إلى أمه كأنه على طبعها وجبلتها لا يحسن كما لا تحسن.

وقيل: الأميون في هذا الموضع نصارى العرب. قاله عكرمة والضحاك.

وقيل: هم قوم من أهل الكتاب، رفع كتابهم لذنوب أحدثوها فصاروا أميين [لا كتاب] لهم.

وهم المجوس فيما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وقيل: هم طائفة من اليهود.

قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ﴾.

أي: التوراة أي هم مثل البهائم.

* *

قوله: ﴿إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾.

قال قتادة: "يتمنون على الله ما ليس لهم".

وعن ابن عباس: [إلاَّ أمَانِيَّ: إلا أحاديث].

وقال مجاهد: "هم ناس كانوا لا يعلمون شيئاً، يقولون على التوراة ما ليس فيها، كأنهم يتمنون أن يكون ما قالوا فيها". وقال ابن زيد: "يقولون نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم تمنياً" وقال الفراء وأبو عبيدة: [إلا أماني]: إلا تلاوة". ومنه قوله: ﴿إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أي إذا تلا ألقى في تلاوته. فهم لا يعلمون منه إلا التلاوة ولا يفهمونه ولا يعملون به.

وقال جماعة: [إلاّ أمَانِيَّ]: إلاَّ كذباً". ومنه قول عثمان رضي الله عنه: "ما تمنيت منذ أسلمت" أي: ما كذبت.

* *

قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾.

أي: يجحدون نبوتك، وما جئتم به ظناً لا يقيناً.

وقيل: معناه: لا يعلمون الكتاب إلا تخرصاً وإن هم إلا يشكون فيه.

Al-Baqara 2:78Listen in Qur'an →
79

فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ

So woe to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allah," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

قوله: ﴿فَوَيْلٌ﴾.

قال سفيان وأبو عياض: "ويل ماء يسيل من صديد في أسفل جهنم".

وروى عثمان بن عفان عن النبي [عليه السلام أنه قال : الوَيْلُ] جَبَلٌ في النَّار

وروى عنه عليه السلام أبو سعيد الخدري أنه قال: "ويلٌ وَاد في جهنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكَافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفاً قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ

ومعنى "ويل" عند أهل اللغة: قبوح. وويح ترحم، وويس تصغير.

وهذه مصادر لا أفعال لها. والاختيار فيها الرفع على كل حال بالابتداء. ويجوز فيها النصب على معنى: ألزمه الله ويلاً. فإن كانت مضافة [حسن فيها] النصب، قال الله تعالى: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ﴾ [طه: ٦١].

فأما ما كان من المصادر جارياً على الفعل، فالاختيار فيه الرفع إذا كان معرفة على الابتداء نحو: الحمد. ويجوز النصب على المصدر. فإن كان نكرة، فالاختيار في النصب على المصدر ويجوز الرفع على الابتداء، أو على معنى ثبت ذلك له. فإن كان مضافاً لم يجز إلا النصب كالأول.

* *

قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾.

هم اليهود الذين غيروا التوراة وبدلوا اسم محمد ﷺ فيها وصفته لئلا يؤمن به العوام، وأخذوا على ذلك الرشا. وقيل: هم قوم من اليهود كتبوا كتباً من عند أنفسهم وقالوا: هذا من عند الله ليعطوا عليها الأجر.

وقال ابن عباس: "بل فعل ذلك قوم أميون لم يصدقوا رسولاً، ولا آمنوا بكتاب فكتبوا بأيديهم للجهال كتاباً ليشتروا به ثمناً قليلاً".

قال ابن اسحاق: "كانت صفة محمد ﷺ في التوراة أسمر ربعة فبدلوا وكتبوا آدم طويلاً".

وقوله تعالى: ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾.

تأكيد ليعلم أنهم تولوا ذلك بأيديهم ولم يأمروا به غيرهم. ففي الإتيان بلفظ "الأيدي" زوال الاحتمال، إذ لو قال: "يكتبون الكتاب" لجاز أن يأمروا بكتابته وأن يتولوا ذلك بأنفسهم لأن العرب تقول: "كَتَبْتُ إلى فلان"، وإنما أمر من كتبه له "وكتب السلطانُ كتاباً إلى عامله" ولم يكتبه بيده، وإنما أمر من كتبه له.

ففي ذكر "الأيدي رفع الاحتمال وبيان أنهم تولوا ذلك بأيديهم عن تعمد منهم.

وقال ابن عباس: "هذا، كما تقول: حملتُ إلى بلد كذا قمحاً، وإنما أمرت من حمله".

وقال تعالى في التابوت: ﴿تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾ [البقرة: ٢٤٨] وإنما حمل بأمر الملائكة، ولم تحمله الملائكة [بأنفسها ولا ظهرت] للقوم في ذلك الوقت. ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧]. إنما أكد بذكر الأفواه لأن القول قد يترجم به عن الإشارة وعن الكتاب. تقول العرب: "قال الأمير كذا" للفظ سمعه من كتاب أمر بكتابته الأمير. وقريب منه قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٩٣] لأن اليمين تدل في كلام العرب على الشدة والقوة والبطش، فدل بذكر اليمين على شدة الضرب. ولو لم يذكر اليمين لجاز أن يكون ضرباً شديداً أو غير شديد فذكر اليمين يرفع الاحتمال ويدل على الشدة.

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومنه: ﴿وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].

Al-Baqara 2:79Listen in Qur'an →
80

وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And they say, "Never will the Fire touch us, except for a few days." Say, "Have you taken a covenant with Allah? For Allah will never break His covenant. Or do you say about Allah that which you do not know?"

وقوله: ﴿إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾.

أي قالوا: "لن نعذب إلا الأربعين ليلة التي عبدنا فيها العجل ثم لا نعذب". قاله قتادة.

وقال السدي: "قالوا: نمكث في النار أربعين ليلة حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقينا، نادى مناد: أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، ولذلك أمرنا أن نختتن".

وقال أبو العالية: "قالت اليهود: أقسم ربنا ليعذبنا أربعين ليلة ثم يخرجنا، فأكذبهم الله".

وقال ابن عباس: "قالت اليهود: وجدنا في التوراة أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، فإنما نعذب حتى ننتهي إليها".

وروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس "أن اليهود قالت: إنما عُمْر الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس يوم القيامة سبعة أيام، لكل ألف سنة يوم". ولم يُحَدِّدْ الله تعالى الأيام لأنها عندهم معلومة على قولهم، فترك ذكر عددها وبيانه لما تقدم عندهم.

* *

قوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً﴾.

أي: هل تقدم لكم عند الله ميثاق وعهد بهذا التحديد الذي قد حددتم، فإن الله لا يخلف وعده، فأتوا بما تدعون، أم قلتم ما قلتم تخرصاً وكذباً. هذا تأويل أكثر الناس.

وروى الضحاك عن ابن عباس: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً﴾. أي: هل قلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا ولم تبدلوا ولم تغيروا، فيكون ذلك ذخراً لكم عند الله ولا يخلف الله وعده لمن يفعل ذلك. أو قلتم ذلك تخرصاً وإفكاً، ولم يتقدم لكم إيمان تدخرونه عند الله فيوفي لكم به".

وروى ابن أبي فروة أن النبي [ﷺ] قال [لناس من اليهود]: مَن أصْحَابُ النَّارِ غَداً؟ قالوا: نَحْنُ، سَبْعَةُ أيَّامٍ، ثُمَّ تَخْلِفُونَنَا فِيهَا، فَنَزَلَ: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ﴾ إلى ﴿خَالِدُونَ﴾، من حديث ابن وهب.

* *

وقوله: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾.

وزنه "افتعلتم" فيجوز أن يكون من "تخذ يتخذ"، ويجوز أن يكون من "أخذ"، وأصله "ايتخذتم" ثم أبدل من الياء تاء وأدغمت في الأخرى، وإنما فعل ذلك لاستثقال الياء بعد كسرة الهمزة.

وقيل: فعل ذلك لما يلزم من تغيير الياء وكونها ألفاً في المستقبل في "يأتخذ" وكونها واواً في المفتعل تقول: "موتخذ" فأبدلوا من الياء حرفاً جلداً لا يتغير في جميع الأحوال، وكانت التاء أولى بذلك، لأنها قد تبدل من الواو، فالواو أخت التاء.

وقيل: كانت أولى لأن بعدها تاء فأبدلت للتجانس وليصح الإدغام، والمدغم أخف من المظهر.

Al-Baqara 2:80Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.