Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 71–80 of 286

71

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.' " They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فالمَعْنى فَذَبَحُوا البَقَرَةَ وما كادُوا يَذْبَحُونَها، وهاهُنا بَحْثٌ: وهو أنَّ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرُوا ”لِكادَ“ تَفْسِيرَيْنِ. الأوَّلُ: قالُوا: إنَّ نَفْيَهُ إثْباتٌ وإثْباتَهُ نَفْيٌ. فَقَوْلُنا: كادَ يَفْعَلُ كَذا، مَعْناهُ قَرُبَ مِن أنْ يَفْعَلَ لَكِنَّهُ ما فَعَلَهُ، وقَوْلُنا: ما كادَ يَفْعَلُ كَذا، مَعْناهُ قَرُبَ مِن أنْ [لا] يَفْعَلَ لَكِنَّهُ فَعَلَهُ.

والثّانِي: وهو اخْتِيارُ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ [الجُرْجانِيِّ] النَّحْوِيِّ أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ فَقَوْلُنا كادَ يَفْعَلُ مَعْناهُ قَرُبَ مِنَ الفِعْلِ وقَوْلُنا ما كادَ يَفْعَلُ مَعْناهُ ما قَرُبَ مِنهُ. ولِلْأوَّلِينَ أنْ يَحْتَجُّوا عَلى فَسادِ هَذا الثّانِي بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ مَعْناهُ وما قارَبُوا الفِعْلَ، ونَفْيُ المُقارَبَةِ مِنَ الفِعْلِ يُناقِضُ إثْباتَ وُقُوعِ الفِعْلِ، فَلَوْ كانَ كادَ لِلْمُقارَبَةِ لَزِمَ وُقُوعُ التَّناقُضِ في هَذِهِ الآيَةِ. وهاهُنا أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ شَيْخٌ صالِحٌ لَهُ عِجْلَةٌ فَأتى بِها الغَيْضَةَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَها لِابْنِي حَتّى تَكْبُرَ وكانَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ فَشَبَّتْ وكانَتْ مِن أحْسَنِ البَقَرِ وأسْمَنِها فَتَساوَمُوها اليَتِيمَ وأُمَّهُ حَتّى اشْتَرَوْها بِمَلْءِ مِسْكِها ذَهَبًا وكانَتِ البَقَرَةُ إذْ ذاكَ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ، وكانُوا طَلَبُوا البَقَرَةَ المَوْصُوفَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً.

صفحة ١١٣

البَحْثُ الثّانِي: رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ البَقَرَةَ تُذْبَحُ ولا تُنْحَرُ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّها تُنْحَرُ، قالَ: فَتَلَوْتُ الآيَةَ عَلَيْهِ فَقالَ: الذَّبْحُ والنَّحْرُ سَواءٌ، وحُكِيَ عَنْ قَتادَةَ والزُّهْرِيِّ إنْ شِئْتَ نَحَرْتَ وإنْ شِئْتَ ذَبَحْتَ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أُمِرُوا بِالذَّبْحِ وأنَّهم فَعَلُوا ما يُسَمّى ذَبْحًا، والنَّحْرُ وإنْ أجْزَأ عَنِ الذَّبْحِ فَصُورَتُهُ مُخالِفَةٌ لِصُورَةِ الذَّبْحِ، فالظّاهِرُ يَقْتَضِي ما قُلْناهُ حَتّى لَوْ نَحَرُوا ولا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلى قِيامِهِ مَقامَ الذَّبْحِ لَكانَ لا يُجْزِي.

البَحْثُ الثّالِثُ: اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ ما كادُوا يَذْبَحُونَ، فَعَنْ بَعْضِهِمْ لِأجْلِ غَلاءِ ثَمَنِها وعَنْ آخَرِينَ أنَّهم خافُوا الشُّهْرَةَ والفَضِيحَةَ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ، فالإحْجامُ عَنِ المَأْمُورِ بِهِ غَيْرُ جائِزٍ.

أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِذَبْحِ البَقَرَةِ المُعَيَّنَةِ، وذَلِكَ الفِعْلُ ما كانَ يَتِمُّ إلّا بِالثَّمَنِ الكَثِيرِ، وجَبَ عَلَيْهِمْ أداؤُهُ لِأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ إلّا أنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلى خِلافِهِ، وإنَّما لا يَلْزَمُ المُصَلِّيَ أنْ يَتَطَهَّرَ بِالماءِ إذا لَمْ يَجِدْهُ إلّا بِغَلاءٍ مِن حَيْثُ الشَّرْعُ، ولَوْلاهُ لَلَزِمَ ذَلِكَ إذا وجَبَ التَّطَهُّرُ مُطْلَقًا.

وأمّا الثّانِي: وهو خَوْفُ الفَضِيحَةِ فَذاكَ لا يَرْفَعُ التَّكْلِيفَ، فَإنَّ القَوَدَ إذا كانَ واجِبًا عَلَيْهِ لَزِمَهُ تَسْلِيمُ النَّفْسِ مِن ولِيِّ الدَّمِ إذا طالَبَ ورُبَّما لَزِمَهُ التَّعْرِيفُ لِيَزُولَ الشَّرُّ والفِتْنَةُ ورُبَّما لَزِمَهُ ذَلِكَ لِتَزُولَ التُّهْمَةُ في القَتْلِ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ طُرِحَ القَتِيلُ بِالقُرْبِ مِنهم؛ لِأنَّهُ الَّذِي عَرَّضَهم لِلتُّهْمَةِ فَيَلْزَمُهُ إزالَتُها فَكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُهُ سَبَبًا لِلتَّثاقُلِ في هَذا الفِعْلِ.

البَحْثُ الرّابِعُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ …

Al-Baqara 2:71Listen in Qur'an →
72

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًۭا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌۭ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

And [recall] when you slew a man and disputed over it, but Allah was to bring out that which you were concealing.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أيْ مُظْهِرٌ لا مَحالَةَ ما كَتَمْتُمْ مِن أمْرِ القَتْلِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أُعْمِلَ ”مُخْرِجٌ“ وهو في مَعْنى المُضِيِّ ؟ قُلْنا: قَدْ حَكى ما كانَ مُسْتَقْبَلًا في وقْتِ التَّدارُءِ كَما حَكى الحاضِرُ في قَوْلِهِ: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ [الكَهْفِ: ١٨] وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهُما ”ادّارَأْتُمْ، فَقُلْنا“ ثُمَّ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أيْ لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وإنَّما حُكِمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاخْتِلافَ والتَّنازُعَ في بابِ القَتْلِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفِتَنِ والفَسادِ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ فَلِأجْلِ هَذا قالَ: لا بُدَّ وأنْ يُزِيلَ هَذا الكِتْمانَ لِيَزُولَ ذَلِكَ الفَسادُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ الفَسادَ ولا يَرْضى بِهِ ولا يَخْلُقُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وإلّا لَما قَدَرَ عَلى إظْهارِ ما كَتَمُوهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ ما يُسِرُّهُ العَبْدُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ودامَ ذَلِكَ مِنهُ فَإنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُهُ. قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّ عَبْدًا لَوْ أطاعَ اللَّهَ مِن وراءِ سَبْعِينَ حِجابًا لَأظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ» “ وكَذَلِكَ المَعْصِيَةُ. ورُوِيَ «أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ”قُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ يُخْفُونَ لِي أعْمالَهم وعَلَيَّ أنْ أُظْهِرَها لَهُمْ“» .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ وُرُودُ العامِّ لِإرادَةِ الخاصِّ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ المَكْتُوماتِ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ هَذِهِ الواقِعَةَ.

Al-Baqara 2:72Listen in Qur'an →
73

فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

So, We said, "Strike the slain man with part of it." Thus does Allah bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ صاحِبَ بَقَرَةِ بَنِي إسْرائِيلَ طَلَبَها أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى وجَدَها، ثُمَّ ذُبِحَتْ إلّا أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَلى خِلافِ ظاهِرِ القُرْآنِ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ لِلتَّعْقِيبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ حَصَلَ عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ .

صفحة ١١٥

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الهاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبُوهُ﴾ ضَمِيرٌ وهو إمّا أنْ يَرْجِعَ إلى النَّفْسِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّذْكِيرُ عَلى تَأْوِيلِ الشَّخْصِ والإنْسانِ وإمّا إلى القَتِيلِ وهو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ بِذَبْحِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّهُ تَعَلَّقَ بِذَبْحِها مَصْلَحَةٌ لا تَحْصُلُ إلّا بِذَبْحِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحالُ فِيها وفي غَيْرِها عَلى السَّوِيَّةِ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ لَوْ قامَ غَيْرُها مَقامَها لَما وجَبَتْ عَلى التَّعْيِينِ، بَلْ عَلى التَّخَيُّرِ بَيْنَها وبَيْنَ غَيْرِها وهاهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الفائِدَةُ في ضَرْبِ المَقْتُولِ بِبَعْضِ البَقَرَةِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَهُ ابْتِداءً ؟ .

الجَوابُ: الفائِدَةُ فِيهِ لِتَكُونَ الحُجَّةُ أوْكَدَ وعَنِ الحِيلَةِ أبْعَدَ فَقَدْ كانَ يَجُوزُ لِمُلْحِدٍ أنْ يُوهِمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أحْياهُ بِضَرْبٍ مِنَ السِّحْرِ والحِيلَةِ، فَإنَّهُ إذا حَيِيَ عِنْدَما يُضْرَبُ بِقِطْعَةٍ مِنَ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ انْتَفَتِ الشُّبْهَةُ في أنَّهُ لَمْ يَحْيَ بِشَيْءٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنَ الجِسْمِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ إذا كانَ ذَلِكَ إنَّما حَيِيَ بِفِعْلٍ فَعَلُوهُ هم، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ إعْلامَ الأنْبِياءِ إنَّما يَكُونُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لا بِتَمْوِيهٍ مِنَ العِبادِ، وأيْضًا فَتَقْدِيمُ القُرْبانِ مِمّا يُعَظِّمُ أمْرَ القُرْبانِ.

السُّؤالُ الثّانِي: هَلّا أمَرَ بِذَبْحِ غَيْرِ البَقَرَةِ ؟ وأجابُوا بِأنَّ الكَلامَ في غَيْرِها لَوْ أُمِرُوا بِهِ كالكَلامِ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيها فَوائِدَ، مِنها التَّقَرُّبُ بِالقُرْبانِ الَّذِي كانَتِ العادَةُ بِهِ جارِيَةً ولِأنَّ هَذا القُرْبانَ كانَ عِنْدَهم مِن أعْظَمِ القَرابِينِ ولِما فِيهِ مِن مَزِيدِ الثَّوابِ لِتَحَمُّلِ الكُلْفَةِ في تَحْصِيلِ هَذِهِ البَقَرَةِ عَلى غَلاءِ ثَمَنِها، ولِما فِيهِ مِن حُصُولِ المالِ العَظِيمِ لِمالِكِ البَقَرَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ البَعْضَ الَّذِي ضَرَبُوا القَتِيلَ بِهِ ما هو ؟ والأقْرَبُ أنَّهم كانُوا مُخَيَّرِينَ في أبْعاضِ البَقَرَةِ لِأنَّهم أُمِرُوا بِضَرْبِ القَتِيلِ بِبَعْضِ البَقَرَةِ، وأيُّ بَعْضٍ مِن أبِعاضِ البَقَرَةِ ضَرَبُوا القَتِيلَ بِهِ، فَإنَّهم كانُوا مُمْتَثِلِينَ لِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ والإتْيانُ بِالمَأْمُورِ بِهِ يَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ عَنِ العُهْدَةِ عَلى ما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ. واخْتَلَفُوا في البَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ القَتِيلُ فَقِيلَ: لِسانُها وقِيلَ: فَخْذُها اليُمْنى وقِيلَ: ذَنَبُها وقِيلَ: العَظْمُ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ وهو أصْلُ الآذانِ، وقِيلَ: البِضْعَةُ بَيْنَ الكَتِفَيْنِ، ولا شَكَّ أنَّ القُرْآنَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنْ ورَدَ خَبَرٌ صَحِيحٌ قُبِلَ وإلّا وجَبَ …

Al-Baqara 2:73Listen in Qur'an →
74

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allah. And Allah is not unaware of what you do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الشَّيْءُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ بِأصْلِ ذاتِهِ أنْ يَقْبَلَ الأثَرَ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ ثُمَّ إنَّهُ عَرَضَ لِذَلِكَ القابِلِ ما لِأجْلِهِ صارَ بِحَيْثُ لا يَقْبَلُ الأثَرَ فَيُقالُ لِذَلِكَ القابِلِ: إنَّهُ صارَ صُلْبًا غَلِيظًا قاسِيًا، فالجِسْمُ مِن حَيْثُ إنَّهُ جِسْمٌ يَقْبَلُ الأثَرَ عَنِ الغَيْرِ إلّا أنَّ صِفَةَ الحَجَرِيَّةِ لَمّا عَرَضَتْ لِلْجِسْمِ صارَ جِسْمُ الحَجَرِ غَيْرَ قابِلٍ وكَذَلِكَ القَلْبُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَأثَّرَ عَنْ مُطالَعَةِ الدَّلائِلِ والآياتِ والعِبَرِ، وتَأثُّرُهُ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ التَّمَرُّدِ والعُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ وإظْهارِ الطّاعَةِ والخُضُوعِ لِلَّهِ والخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَإذا عَرَضَ لِلْقَلْبِ عارِضٌ أخْرَجَهُ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ صارَ في عَدَمِ التَّأثُّرِ شَبِيهًا بِالحَجَرِ فَيُقالُ: قَسا القَلْبُ وغَلُظَ، ولِذَلِكَ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى وصْفَ المُؤْمِنِينَ بِالرِّقَّةِ فَقالَ: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٣] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ أهْلَ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أيِ اشْتَدَّتْ قُلُوبُكم وقَسَتْ وصَلَبَتْ مِن بَعْدِ البَيِّناتِ الَّتِي جاءَتْ أوائِلَكم

صفحة ١١٨

والأُمُورُ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِمْ والعِقابُ الَّذِي نَزَلَ بِمَن أصَرَّ عَلى المَعْصِيَةِ مِنهم والآياتُ الَّتِي جاءَهم بِها أنْبِياؤُهم والمَواثِيقُ الَّتِي أخَذُوها عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى كُلِّ مَن دانَ بِالتَّوْراةِ مِمَّنْ سِواهم، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ طُغْيانِهِمْ وجَفائِهِمْ مَعَ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِآياتِ اللَّهِ الَّتِي تَلِينُ عِنْدَها القُلُوبُ، وهَذا أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ، فَحَمْلُهُ عَلى الحاضِرِينَ أوْلى، ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ أُولَئِكَ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خُصُوصًا، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ مَن قَبْلَهم مِن سَلَفِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن بَعْدِ ما أظْهَرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن إحْياءِ ذَلِكَ القَتِيلِ عِنْدَ ضَرْبِهِ بِبَعْضِ البَقَرَةِ المَذْبُوحَةِ حَتّى عُيِّنَ القاتِلُ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ ذَلِكَ القَتِيلَ لَمّا عَيَّنَ القاتِلَ نَسَبَهُ القاتِلُ إلى الكَذِبِ وما تَرَكَ الإنْكارَ، بَلْ طَلَبَ الفِتْنَةَ وساعَدَهُ عَلَيْهِ جَمْعٌ، فَعِنْدَهُ قالَ تَعالى واصِفًا لَهم: إنَّهم بَعْدَ ظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ قَسَتْ قُلُوبُهم، أيْ صارَتْ قُلُوبُهم بَعْدَ ظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في القَسْوَةِ كالحِجارَةِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى جَمِيعِ ما عَدَّدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والآياتِ الباهِرَةِ الَّتِي أظْهَرُها عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ أُولَئِكَ اليَهُودَ بَعْدَ أنْ كَثُرَتْ مُشاهَدَتُهم لَها ما خَلَوْا مِنَ العِنادِ والِاعْتِراضِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ …

Al-Baqara 2:74Listen in Qur'an →
75

۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allah and then distort the Torah after they had understood it while they were knowing?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ قَبائِحَ أفْعالِ أسْلافِ اليَهُودِ إلى هاهُنا، شَرَحَ مِن هُنا قَبائِحَ أفْعالِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّ فِيما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ مِن أقاصِيصِ بَنِي إسْرائِيلَ وُجُوهًا مِنَ المَقْصِدِ:

أحَدُها: الدَّلالَةُ بِها عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْها مِن غَيْرِ تَعَلُّمٍ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا بِالوَحْيِ. ويَشْتَرِكُ في الِانْتِفاعِ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ أهْلُ الكِتابِ والعَرَبُ، أمّا أهْلُ الكِتابِ فَلِأنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ هَذِهِ القِصَصَ فَلَمّا سَمِعُوها مِن مُحَمَّدٍ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ أصْلًا، عَلِمُوا لا مَحالَةَ أنَّهُ ما أخَذَها إلّا مِنَ الوَحْيِ. وأمّا العَرَبُ فَلَمّا يُشاهِدُونَ مِن أنَّ أهْلَ الكِتابِ يُصَدِّقُونَ مُحَمَّدًا في هَذِهِ الأخْبارِ.

وثانِيها: تَعْدِيدُ النِّعَمِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وما

صفحة ١٢٢

مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى أسْلافِهِمْ مِن أنْواعِ الكَرامَةِ والفَضْلِ كالإنْجاءِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَما كانُوا مَقْهُورِينَ مُسْتَعْبَدِينَ، ونَصْرِهِ إيّاهم وجَعْلِهِمْ أنْبِياءَ ومُلُوكًا وتَمْكِينِهِ لَهم في الأرْضِ وفَرْقِهِ بِهِمُ البَحْرَ وإهْلاكِهِ عَدُوَّهم وإنْزالِهِ النُّورَ والبَيانَ عَلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِ التَّوْراةِ والصَّفْحِ عَنِ الذُّنُوبِ الَّتِي ارْتَكَبُوها مِن عِبادَةِ العِجْلِ ونَقْضِ المَواثِيقِ ومَسْألَةِ النَّظَرِ إلى اللَّهِ جَهْرَةً، ثُمَّ ما أخْرَجَهُ لَهم في التِّيهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ مِنَ الحَجَرِ وإنْزالِهِ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى ووِقايَتِهِمْ مِن حَرِّ الشَّمْسِ بِتَظْلِيلِ الغَمامِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ هَذِهِ النِّعَمَ القَدِيمَةَ والحَدِيثَةَ.

وثالِثُها: إخْبارُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَقْدِيمِ كُفْرِهِمْ وخِلافِهِمْ وشِقاقِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ مَعَ الأنْبِياءِ ومُعانَدَتِهِمْ لَهم وبِبُلُوغِهِمْ في ذَلِكَ ما لَمْ يَبْلُغْهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَهم، وذَلِكَ لِأنَّهم بَعْدَ مُشاهَدَتِهِمُ الآياتِ الباهِرَةَ عَبَدُوا العِجْلَ بَعْدَ مُفارَقَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم بِالمُدَّةِ اليَسِيرَةِ، فَدَلَّ عَلى بَلادَتِهِمْ، ثُمَّ لَمّا أُمِرُوا بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا وأنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ ووَعَدَهم أنْ يَغْفِرَ لَهم خَطاياهم ويَزِيدَ في ثَوابِ مُحْسِنِهِمْ بَدَّلُوا القَوْلَ وفَسَقُوا، ثُمَّ سَألُوا الفُومَ والبَصَلَ بَدَلَ المَنِّ والسَّلْوى، ثُمَّ امْتَنَعُوا مِن قَبُولِ التَّوْراةِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِمُوسى وضَمانِهِمْ لَهُ بِالمَواثِيقِ أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ ويَنْقادُوا لِما يَأْتِي بِهِ حَتّى رُفِعَ فَوْقَهُمُ الجَبَلُ ثُمَّ اسْتَحَلُّوا الصَّيْدَ في السَّبْتِ واعْتَدُّوا، ثُمَّ لَمّا أُمِرُوا بِذَبْحِ البَقَرَةِ شافَهُوا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾، ثُمَّ لَمّا شاهَدُوا إحْياءَ المَوْتى ازْدادُوا قَسْوَةً، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إذا كانَتْ هَذِهِ أفْعالَهم فِيما بَيْنَهم ومُعامَلاتِهِمْ مَعَ نَبِيِّهِمُ الَّذِي أعَزَّهُمُ اللَّهُ بِهِ وأنْقَذَهم مِنَ الرِّقِّ والآفَةِ بِسَبَبِهِ، فَغَيْرُ بَدِيعٍ ما يُعامِلُ بِهِ أخْلافُهم مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلْيَهُنْ عَلَيْكم أيُّها النَّبِيُّ والمُؤْمِنُونَ ما تَرَوْنَهُ مِن عِنادِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ. …

Al-Baqara 2:75Listen in Qur'an →
76

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allah has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن قَبائِحِ أفْعالِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّ مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ كانُوا إذا لَقُوا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا لَهم: آمَنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ ونَشْهَدُ أنَّ صاحِبَكم صادِقٌ وأنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ ونَجِدُهُ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ في كِتابِنا، ثُمَّ إذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالَ الرُّؤَساءُ لَهم: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم في كِتابِهِ مِن نَعْتِهِ وصِفَتِهِ لِيُحاجُّوكم بِهِ، فَإنَّ المُخالِفَ إذا اعْتَرَفَ بِصِحَّةِ التَّوْراةِ واعْتَرَفَ بِشَهادَةِ التَّوْراةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلا حُجَّةَ أقْوى مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ كانَ بَعْضُهم يَمْنَعُ بَعْضًا مِنَ الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ، قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ فُتِحَ عَلى فُلانٍ في عِلْمِ كَذا أيْ رُزِقَ ذَلِكَ وسُهِّلَ لَهُ طَلَبُهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهم جَعَلُوا مُحاجَّتَهم بِهِ وقَوْلَهُ هو في كِتابِكم هَكَذا مُحاجَّةً عِنْدَ اللَّهِ، ألا تَراكَ تَقُولُ هو في كِتابِ اللَّهِ هَكَذا وهو عِنْدَ اللَّهِ هَكَذا بِمَعْنًى واحِدٍ.

وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: أيْ لِيُحاجُّوكم في رَبِّكم لِأنَّ المُحاجَّةَ فِيما ألْزَمَ اللَّهُ تَعالى مِنَ اتِّباعِ الرُّسُلِ تَصِحُّ أنْ تُوصَفَ بِأنَّها مُحاجَّةٌ فِيهِ لِأنَّها مُحاجَّةٌ في دِينِهِ.

وثالِثُها: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ يُحاجُّوكم يَوْمَ القِيامَةِ وعِنْدَ التَّساؤُلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في تَوْبِيخِكم وظُهُورِ فَضِيحَتِكم عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ في المَوْقِفِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ اعْتَرافٍ بِالحَقِّ ثُمَّ كَتَمَ كَمَن ثَبَتَ عَلى الإنْكارِ فَكانَ القَوْمُ يَعْتَقِدُونَ أنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ في انْكِشافِ فَضِيحَتِهِمْ في الآخِرَةِ.

ورابِعُها: قالَ

صفحة ١٢٦

القاضِي أبُو بَكْرٍ: إنَّ المُحْتَجَّ بِالشَّيْءِ قَدْ يَحْتَجُّ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِن إظْهارِ تِلْكَ الحُجَّةِ حُصُولَ السُّرُورِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ الخَصْمِ وقَدْ يَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ الدِّيانَةَ والنَّصِيحَةَ فَقَطْ لِيَقْطَعَ عُذْرَ خَصْمِهِ ويُقَرِّرَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَقالَ القَوْمُ عِنْدَ الخَلْوَةِ قَدْ حَدَّثْتُمُوهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم مِن حُجَّتِهِمْ في التَّوْراةِ فَصارُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِهِ عَلى وجْهِ الدِّيانَةِ والنَّصِيحَةِ؛ لِأنَّ مَن يَذْكُرُ الحُجَّةَ عَلى هَذا الوَجْهِ قَدْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ قَدْ أوْجَبْتُ عَلَيْكَ عِنْدَ اللَّهِ وأقَمْتُ عَلَيْكَ الحُجَّةَ بَيْنِي وبَيْنَ رَبِّي فَإنْ قَبِلْتَ أحْسَنْتَ إلى نَفْسِكَ وإنْ جَحَدْتَ كُنْتَ الخاسِرَ الخائِبَ.

وخامِسُها: قالَ القَفّالُ: يُقالُ: فُلانٌ عِنْدِي عالِمٌ أيْ في اعْتِقادِي وحُكْمِي، وهَذا عِنْدَ الشّافِعِيِّ حَلالٌ وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ حَرامٌ، أيْ في حُكْمِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ لِتَصِيرُوا مَحْجُوجِينَ بِتِلْكَ الدَّلائِلِ في حُكْمِ اللَّهِ. وتَأوَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النُّورِ: …

Al-Baqara 2:76Listen in Qur'an →
77

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

But do they not know that Allah knows what they conceal and what they declare?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِن قَبائِحِ أفْعالِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أنَّ مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ كانُوا إذا لَقُوا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا لَهم: آمَنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ ونَشْهَدُ أنَّ صاحِبَكم صادِقٌ وأنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ ونَجِدُهُ بِنَعْتِهِ وصِفَتِهِ في كِتابِنا، ثُمَّ إذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالَ الرُّؤَساءُ لَهم: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم في كِتابِهِ مِن نَعْتِهِ وصِفَتِهِ لِيُحاجُّوكم بِهِ، فَإنَّ المُخالِفَ إذا اعْتَرَفَ بِصِحَّةِ التَّوْراةِ واعْتَرَفَ بِشَهادَةِ التَّوْراةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلا حُجَّةَ أقْوى مِن ذَلِكَ، فَلا جَرَمَ كانَ بَعْضُهم يَمْنَعُ بَعْضًا مِنَ الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ، قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ قَدْ فُتِحَ عَلى فُلانٍ في عِلْمِ كَذا أيْ رُزِقَ ذَلِكَ وسُهِّلَ لَهُ طَلَبُهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهم جَعَلُوا مُحاجَّتَهم بِهِ وقَوْلَهُ هو في كِتابِكم هَكَذا مُحاجَّةً عِنْدَ اللَّهِ، ألا تَراكَ تَقُولُ هو في كِتابِ اللَّهِ هَكَذا وهو عِنْدَ اللَّهِ هَكَذا بِمَعْنًى واحِدٍ.

وثانِيها: قالَ الحَسَنُ: أيْ لِيُحاجُّوكم في رَبِّكم لِأنَّ المُحاجَّةَ فِيما ألْزَمَ اللَّهُ تَعالى مِنَ اتِّباعِ الرُّسُلِ تَصِحُّ أنْ تُوصَفَ بِأنَّها مُحاجَّةٌ فِيهِ لِأنَّها مُحاجَّةٌ في دِينِهِ.

وثالِثُها: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ يُحاجُّوكم يَوْمَ القِيامَةِ وعِنْدَ التَّساؤُلِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زائِدًا في تَوْبِيخِكم وظُهُورِ فَضِيحَتِكم عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ في المَوْقِفِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ اعْتَرافٍ بِالحَقِّ ثُمَّ كَتَمَ كَمَن ثَبَتَ عَلى الإنْكارِ فَكانَ القَوْمُ يَعْتَقِدُونَ أنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ في انْكِشافِ فَضِيحَتِهِمْ في الآخِرَةِ.

ورابِعُها: قالَ

صفحة ١٢٦

القاضِي أبُو بَكْرٍ: إنَّ المُحْتَجَّ بِالشَّيْءِ قَدْ يَحْتَجُّ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِن إظْهارِ تِلْكَ الحُجَّةِ حُصُولَ السُّرُورِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ الخَصْمِ وقَدْ يَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ الدِّيانَةَ والنَّصِيحَةَ فَقَطْ لِيَقْطَعَ عُذْرَ خَصْمِهِ ويُقَرِّرَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَقالَ القَوْمُ عِنْدَ الخَلْوَةِ قَدْ حَدَّثْتُمُوهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم مِن حُجَّتِهِمْ في التَّوْراةِ فَصارُوا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِهِ عَلى وجْهِ الدِّيانَةِ والنَّصِيحَةِ؛ لِأنَّ مَن يَذْكُرُ الحُجَّةَ عَلى هَذا الوَجْهِ قَدْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ قَدْ أوْجَبْتُ عَلَيْكَ عِنْدَ اللَّهِ وأقَمْتُ عَلَيْكَ الحُجَّةَ بَيْنِي وبَيْنَ رَبِّي فَإنْ قَبِلْتَ أحْسَنْتَ إلى نَفْسِكَ وإنْ جَحَدْتَ كُنْتَ الخاسِرَ الخائِبَ.

وخامِسُها: قالَ القَفّالُ: يُقالُ: فُلانٌ عِنْدِي عالِمٌ أيْ في اعْتِقادِي وحُكْمِي، وهَذا عِنْدَ الشّافِعِيِّ حَلالٌ وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ حَرامٌ، أيْ في حُكْمِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ لِتَصِيرُوا مَحْجُوجِينَ بِتِلْكَ الدَّلائِلِ في حُكْمِ اللَّهِ. وتَأوَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النُّورِ: …

Al-Baqara 2:77Listen in Qur'an →
78

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except in wishful thinking, but they are only assuming.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ اليَهُودُ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعِنادِ وأزالَ الطَّمَعَ عَنْ إيمانِهِمْ بَيْنَ فِرَقِهِمْ، فالفِرْقَةُ الأُولى هي الفِرْقَةُ الضّالَّةُ المُضِلَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، والفِرْقَةُ الثّانِيَةُ: المُنافِقُونَ، والفِرْقَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ يُجادِلُونَ المُنافِقِينَ، والفِرْقَةُ الرّابِعَةُ: هُمُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ وهُمُ العامَّةُ الأُمِّيُّونَ الَّذِينَ لا مَعْرِفَةَ عِنْدَهم بِقِراءَةٍ ولا كِتابَةٍ وطَرِيقَتُهُمُ التَّقْلِيدُ وقَبُولُ ما يُقالُ لَهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَنْ قَبُولِ الإيمانِ لَيْسَ سَبَبُ ذَلِكَ الِامْتِناعِ واحِدًا بَلْ لِكُلِّ قِسْمٍ مِنهم سَبَبٌ آخَرُ ومَن تَأمَّلَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مِن شَرْحِ فِرَقِ اليَهُودِ وجَدَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ في فِرَقِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن يُعانِدُ الحَقَّ ويَسْعى في إضْلالِ الغَيْرِ وفِيهِمْ مَن يَكُونُ مُتَوَسِّطًا، وفِيهِمْ مَن يَكُونُ عامِّيًّا مَحْضًا مُقَلِّدًا، وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في الأُمِّيِّ فَقالَ بَعْضُهم هو مَن لا يُقِرُّ بِكِتابٍ ولا بِرَسُولٍ. وقالَ آخَرُونَ: مَن لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ والقِراءَةَ وهَذا الثّانِي أصْوَبُ لِأنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ وكانُوا مُقِرِّينَ بِالكِتابِ والرَّسُولِ ولِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسِبُ» “ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”الأمانِيُّ“ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ ولَها مَعانٍ مُشْتَرِكَةٌ في أصْلٍ واحِدٍ:

أحَدُها: ما تَخَيَّلَهُ الإنْسانُ فَيُقَدِّرُ في نَفْسِهِ وُقُوعَهُ ويُحَدِّثُها بِكَوْنِهِ، ومِن هَذا قَوْلُهم: فُلانٌ يَعِدُ فَلانًا ويُمَنِّيهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النِّساءِ: ١٢٠] فَإنْ فَسَّرْنا الأمانِيَّ بِهَذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ إلّا ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِيِّهِمْ في أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤاخِذُهم بِخَطاياهم وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم وما تُمَنِّيهِمْ أحْبارُهم مِن أنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً.

وثانِيها: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ إلّا أكاذِيبَ مُخْتَلِفَةً سَمِعُوها مِن عُلَمائِهِمْ فَقَبِلُوها عَلى التَّقْلِيدِ، قالَ أعْرابِيٌّ لِابْنِ دَأْبٍ في شَيْءٍ حَدَّثَ بِهِ: أهَذا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ أمْ تَمَنَّيْتَهُ أمِ اخْتَلَقْتَهُ.

وثالِثُها: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ أيْ إلّا ما يَقْرَءُونَ مِن قَوْلِهِ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: والِاشْتِقاقُ مِن مَنِيَ، إذا قَدَّرَ لِأنَّ المُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ في نَفْسِهِ ويَجُوزُ ما يَتَمَنّاهُ، وكَذَلِكَ المُخْتَلِقُ والقارِئُ يُقَدِّرُ أنَّ كَلِمَةَ كَذا بَعْدَ كَذا، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: حَمْلُهُ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ أوْلى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١١١] أيْ تَمَنِّيهِمْ. وقالَ اللَّهُ …

Al-Baqara 2:78Listen in Qur'an →
79

فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ

So woe to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allah," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ وإنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ اليَهُودُ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِالعِنادِ وأزالَ الطَّمَعَ عَنْ إيمانِهِمْ بَيْنَ فِرَقِهِمْ، فالفِرْقَةُ الأُولى هي الفِرْقَةُ الضّالَّةُ المُضِلَّةُ، وهُمُ الَّذِينَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، والفِرْقَةُ الثّانِيَةُ: المُنافِقُونَ، والفِرْقَةُ الثّالِثَةُ: الَّذِينَ يُجادِلُونَ المُنافِقِينَ، والفِرْقَةُ الرّابِعَةُ: هُمُ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ وهُمُ العامَّةُ الأُمِّيُّونَ الَّذِينَ لا مَعْرِفَةَ عِنْدَهم بِقِراءَةٍ ولا كِتابَةٍ وطَرِيقَتُهُمُ التَّقْلِيدُ وقَبُولُ ما يُقالُ لَهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَنْ قَبُولِ الإيمانِ لَيْسَ سَبَبُ ذَلِكَ الِامْتِناعِ واحِدًا بَلْ لِكُلِّ قِسْمٍ مِنهم سَبَبٌ آخَرُ ومَن تَأمَّلَ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ مِن شَرْحِ فِرَقِ اليَهُودِ وجَدَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ في فِرَقِ هَذِهِ الأُمَّةِ، فَإنَّ فِيهِمْ مَن يُعانِدُ الحَقَّ ويَسْعى في إضْلالِ الغَيْرِ وفِيهِمْ مَن يَكُونُ مُتَوَسِّطًا، وفِيهِمْ مَن يَكُونُ عامِّيًّا مَحْضًا مُقَلِّدًا، وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في الأُمِّيِّ فَقالَ بَعْضُهم هو مَن لا يُقِرُّ بِكِتابٍ ولا بِرَسُولٍ. وقالَ آخَرُونَ: مَن لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ والقِراءَةَ وهَذا الثّانِي أصْوَبُ لِأنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ وكانُوا مُقِرِّينَ بِالكِتابِ والرَّسُولِ ولِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسِبُ» “ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”الأمانِيُّ“ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ ولَها مَعانٍ مُشْتَرِكَةٌ في أصْلٍ واحِدٍ:

أحَدُها: ما تَخَيَّلَهُ الإنْسانُ فَيُقَدِّرُ في نَفْسِهِ وُقُوعَهُ ويُحَدِّثُها بِكَوْنِهِ، ومِن هَذا قَوْلُهم: فُلانٌ يَعِدُ فَلانًا ويُمَنِّيهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [النِّساءِ: ١٢٠] فَإنْ فَسَّرْنا الأمانِيَّ بِهَذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ إلّا ما هم عَلَيْهِ مِن أمانِيِّهِمْ في أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤاخِذُهم بِخَطاياهم وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم وما تُمَنِّيهِمْ أحْبارُهم مِن أنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً.

وثانِيها: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ إلّا أكاذِيبَ مُخْتَلِفَةً سَمِعُوها مِن عُلَمائِهِمْ فَقَبِلُوها عَلى التَّقْلِيدِ، قالَ أعْرابِيٌّ لِابْنِ دَأْبٍ في شَيْءٍ حَدَّثَ بِهِ: أهَذا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ أمْ تَمَنَّيْتَهُ أمِ اخْتَلَقْتَهُ.

وثالِثُها: ﴿إلّا أمانِيَّ﴾ أيْ إلّا ما يَقْرَءُونَ مِن قَوْلِهِ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: والِاشْتِقاقُ مِن مَنِيَ، إذا قَدَّرَ لِأنَّ المُتَمَنِّيَ يُقَدِّرُ في نَفْسِهِ ويَجُوزُ ما يَتَمَنّاهُ، وكَذَلِكَ المُخْتَلِقُ والقارِئُ يُقَدِّرُ أنَّ كَلِمَةَ كَذا بَعْدَ كَذا، قالَ أبُو مُسْلِمٍ: حَمْلُهُ عَلى تَمَنِّي القَلْبِ أوْلى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١١١] أيْ تَمَنِّيهِمْ. وقالَ اللَّهُ …

Al-Baqara 2:79Listen in Qur'an →
80

وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And they say, "Never will the Fire touch us, except for a few days." Say, "Have you taken a covenant with Allah? For Allah will never break His covenant. Or do you say about Allah that which you do not know?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن قَبائِحِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ وهو جَزْمُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُهم إلّا أيّامًا قَلِيلَةً، وهَذا الجَزْمُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ بِالعَقْلِ البَتَّةَ أمّا عَلى قَوْلِنا فَلِأنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، فَلا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلّا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ العَقْلَ يَدُلُّ عِنْدَهم عَلى أنَّ المَعاصِيَ يُسْتَحَقُّ بِها مِنَ اللَّهِ العِقابُ الدّائِمُ، فَلَمّا دَلَّ العَقْلُ عَلى ذَلِكَ احْتِيجَ في تَقْدِيرِ العِقابِ مُدَّةً ثُمَّ في زَوالِهِ بَعْدَها إلى سَمْعٍ يُبَيِّنُ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ عَلى المَذْهَبَيْنِ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلّا بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وحَيْثُ تُوجَدُ الدَّلالَةُ السَّمْعِيَّةُ لَمْ يَجُزِ الجَزْمُ بِذَلِكَ، وهَهُنا مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الأيّامِ المَعْدُودَةِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأيّامِ لا تُضافُ إلّا إلى العَشْرَةِ

صفحة ١٣٠

فَما دُونَها، ولا تُضافُ إلى ما فَوْقَها. فَيُقالُ: أيّامٌ خَمْسَةٌ وأيّامٌ عَشَرَةٌ ولا يُقالُ أيّامٌ أحَدَ عَشَرَ إلّا أنَّ هَذا يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣] هي أيّامُ الشَّهْرِ كُلِّهِ، وهي أزْيَدُ مِنَ العَشَرَةِ. ثُمَّ قالَ القاضِي: إذا ثَبَتَ أنَّ الأيّامَ مَحْمُولَةٌ عَلى العَشَرَةِ فَما دُونَها فالأشْبَهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ الأقَلُّ أوِ الأكْثَرُ لِأنَّ مَن يَقُولُ ثَلاثَةٌ يَقُولُ أحْمِلُهُ عَلى أقَلِّ الحَقِيقَةِ فَلَهُ وجْهٌ، ومَن يَقُولُ: عَشَرَةٌ، يَقُولُ: أحْمِلُهُ عَلى الأكْثَرِ ولَهُ وجْهٌ، فَأمّا حَمْلُهُ عَلى الواسِطَةِ أعْنِي عَلى ما هو أقَلُّ مِنَ العَشَرَةِ وأزْيَدُ مِنَ الثَّلاثَةِ فَلا وجْهَ لَهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ عَدَدٌ أوْلى مِن عَدَدٍ اللَّهُمَّ إلّا إذا جاءَتْ في تَقْدِيرِها رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ القَوْلُ بِها، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَدَّرُوها بِسَبْعَةِ أيّامٍ، قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَقُولُ: الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ فاللَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم مَكانَ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا، فَكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَذِّبُنا سَبْعَةَ أيّامٍ. وحَكى الأصَمُّ عَنْ بَعْضِ اليَهُودِ أنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ سَبْعَةَ أيّامٍ فَكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَذِّبُنا سَبْعَةَ أيّامٍ وهَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ.

أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ كَوْنِ الدُّنْيا سَبْعَةَ آلافِ سَنَةٍ وبَيْنَ كَوْنِ العَذابِ سَبْعَةَ أيّامٍ مُناسَبَةٌ ومُلازَمَةٌ البَتَّةَ.

وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ المَعْصِيَةِ مُقَدَّرَةً بِسَبْعَةِ أيّامٍ أنْ يَكُونَ عَذابُها كَذَلِكَ.

أمّا عَلى قَوْلِنا فَلِأنَّهُ يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ بِحُكْمِ المالِكِيَّةِ، وأمّا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّ العاصِيَ يَسْتَحِقُّ عَلى عِصْيانِهِ العِقابَ الدّائِمَ ما لَمْ تُوجَدِ التَّوْبَةُ أوِ العَفْوُ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى مَنَعَ مِنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ فَقالَ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] فَوَجَبَ أنْ لا يَزِيدَ …

Al-Baqara 2:80Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.