Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 71–80 of 286

71

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ

He said, "He says, 'It is a cow neither trained to plow the earth nor to irrigate the field, one free from fault with no spot upon her.' " They said, "Now you have come with the truth." So they slaughtered her, but they could hardly do it.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَمْ يُذِلْها العَمَلُ فَتُثِيرُ الأرْضَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: في الدَّوابِّ: دابَّةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنَةُ الذِّلِّ بِكَسْرِ الذّالِ، وفي النّاسِ: رَجُلٌ ذَلِيلٌ بَيِّنُ الذُّلِّ بِضَمِّ الذّالِ.

﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾ تُقَلِّبُها لِلزِّراعَةِ، ويُقالُ لِلْبَقَرَةِ: المُثِيرَةُ. قالَ الفَرّاءُ: تَقِفْنَ عَلى ذَلُولٍ، لِأنَّ المَعْنى: لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتُثِيرُ الأرْضَ، وحَكى ابْنُ القاسِمِ أنَّ أبا حاتِمٍ السِّجِسْتانِيَّ أجازَ الوَقْفَ عَلى ذَلُولٍ، ثُمَّ أنْكَرَهُ عَلَيْهِ جِدًّا، وعَلَّلَ بِأنَّ الَّتِي تُثِيرُ الأرْضَ يُعْدَمُ مِنها سَقْيُ الحَرْثِ؛ ومَتى أثارَتِ الأرْضَ كانَتْ ذَلُولًا. ومَعْنى: ولا تَسْقِي الحَرْثَ: لا يَسْتَقِي عَلَيْها الماءَ لِسَقْيِ الزَّرْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: مُسْلَّمَةٌ مِنَ العَمَلِ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: مُسْلَّمَةٌ مِنَ الشِّيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والرّابِعُ: مُسَلَّمَةُ القَوائِمِ والخَلْقِ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ.

فَأمّا الشِّيَةُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: الوَشْيُ في اللُّغَةِ: خَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ. ويُقالُ: وشِيتَ الثَّوْبُ أُشِيهِ شِيةً ووَشْيًا، كَقَوْلِكَ: وُدَيْتُ فُلانًا أدِيهِ دِيَةً. ونُصِبَ: شِيَةَ فِيها، عَلى النَّفْيِ. ومَعْنى الكَلامِ: لَيْسَ فِيها لَوْنٌ يُفارِقُ سائِرَ لَوْنِها. وقالَ عَطاءٌ الخُرَسانِيُّ: لَوْنُها لَوْنٌ واحِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الآَنَ هو الوَقْتُ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، وهو حَدُّ الزَّمانَيْنِ، حَدُّ الماضِي مِن آَخِرِهِ، وحَدُّ المُسْتَقْبَلِ مِن أوَّلِهِ، ومَعْنى ﴿جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ بَيَّنْتَ لَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِغَلاءِ ثَمَنِها، قالَهُ ابْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ. والثّانِي: لِخَوْفِ الفَضِيحَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ في مَعْرِفَةِ القاتِلِ مِنهم، قالَهُ وهْبٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكَثُوا يَطْلُبُونَ البَقَرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى وجَدُوها عِنْدَ رِجُلٍ، فَأبى أنْ يَبِيعَها إلّا بِمَلْءِ مَسْكِها ذَهَبًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعُبَيْدَةَ، ووَهْبٍ، وابْنِ زَيْدٍ، والكَلْبِيِّ، ومُقاتِلٍ في مِقْدارِ الثَّمَنِ. فَأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ غَلا ثَمَنُها، فَيُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. والثّانِي: لِإكْرامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ صاحِبَها، فَإنْ كانَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ. فَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ شابٌّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَرًّا بِأبِيهِ، فَجاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ سِلْعَةً هي عِنْدَهُ، فانْطَلَقَ لِيَبِيعَهُ إيّاها، فَإذا مَفاتِيحُ حانُوتِهِ مَعَ أبِيهِ، وأبُوهُ نائِمٌ، فَلَمْ يُوقِظْهُ، ورَدَّ المُشْتَرِي، فَأضْعَفَ لَهُ المُشْتَرِي الثَّمَنَ، فَرَجَعَ إلى أبِيهِ، فَوَجَدَهُ نائِمًا، فَعادَ إلى المُشْتَرِي فَرَدَّهُ، فَأضْعَفَ لَهُ الثَّمَنَ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهَما حَتّى ذَهَبَ المُشْتَرِي، فَأثابَهُ اللَّهُ عَلى بِرِّهِ بِأبِيهِ أنْ نَتَجَتْ لَهُ بَقَرَةً مِن بَقَرَةٍ، تِلْكَ البَقَرَةُ.

وَرُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ …

Al-Baqara 2:71Listen in Qur'an →
72

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًۭا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا ۖ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌۭ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

And [recall] when you slew a man and disputed over it, but Allah was to bring out that which you were concealing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ هَذِهِ الآَيَةُ مُؤَخَّرَةٌ في التِّلاوَةِ، مُقَدَّمَةٌ في المَعْنى، لِأنَّ السَّبَبَ في الأمْرِ بِذَبْحِ البَقَرَةِ قَتْلُ النَّفْسِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها، فَسَألْتُمْ مُوسى فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ . ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [ الكَهْفِ: ١ ] أرادَ: أنْزَلَ الكِتابَ قَيِّمًا، ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، فَأخَّرَ المُقَدَّمَ وقَدَّمَ المُؤَخَّرَ، لِأنَّهُ مِن عادَةِ العَرَبِ. قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎ إنَّ الفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ مَلْمُومَةٌ طالَتْ فَلَيْسَ تَنالُها الأوْعالا

أرادَ: طالَتِ الأوْعالُ. وقالَ جَرِيرٌ:

؎ طافَ الخَيالُ وأيْنَ مِنكَ لِمامًا ∗∗∗ فارْجِعْ لِزَوْرِكَ بِالسَّلامِ سَلامًا

أرادَ: طافَ الخَيالُ لِمامًا، وأيْنَ هو مِنكَ؟ وقالَ الآَخَرُ:

؎ خَيْرٌ مِنَ القَوْمِ العُصاةُ أمِيرُهم ∗∗∗ يا قَوْمِ فاسْتَحْيُوا النِّساءَ الجُلَّسِ

أرادَ: خَيْرٌ مِنَ القَوْمِ العُصاةُ النِّساءَ فاسْتَحْيَوْا مِن هَذا.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فادّارَأْتُمْ﴾: اخْتَلَفْتُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: ادّارَأْتُمْ، بِمَعْنى: تَدارَأْتُمْ، أيْ: تَدافَعْتُمْ، وألْقى بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، تَقُولُ: دَرَأْتُ فُلانًا: إذا دَفَعْتَهُ، ودارَيْتَهُ: إذا لايَنْتَهُ، ودَرَيْتَهُ إذا خَتَلْتَهُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، لِأنَّهُما مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، فَأمّا الَّذِي كَتَمُوهُ؛ فَهو أمْرُ القَتِيلِ.

Al-Baqara 2:72Listen in Qur'an →
73

فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

So, We said, "Strike the slain man with part of it." Thus does Allah bring the dead to life, and He shows you His signs that you might reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .

مَن قالَ: أقامُوا في طَلَبِها أرْبَعِينَ سَنَةً؛ قالَ: ضَرَبُوا قَبْرَهُ، ومَن لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، قالَ: ضَرَبُوا جِسْمَهُ قَبْلَ دَفْنِهِ. وفي الَّذِي ضَرَبَ بِهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ضَرَبَ بِالعَظْمِ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وذَلِكَ العَظْمُ هو أصْلُ الأُذُنِ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهُ لا يَكْسِرُ ذَلِكَ العَظْمَ مِن أحَدٍ فَيَعِيشُ. قالَ الزَّجّاجُ: الغُضْرُوفُ في الأُذُنِ، وهو ما أشْبَهَ العَظْمَ الرَّقِيقَ مِن فَوْقِ الشَّحْمَةِ، وجَمِيعٌ أعْلى صَدَفَةِ الأُذُنِ، وهو مُعَلَّقُ الشُّنُوفِ، فَأمّا العَظْمانِ اللَّذانِ خَلْفَ الأُذُنِ النّاتِئانِ مِن مُؤَخَّرِ الأُذُنِ، فَيُقالُ لَهُما: الخَشّاوانِ، وأحَدُهُما: خَشّاءُ، وخُشُشاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ ضَرَبَ بِالفَخْذِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وذَكَرَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ أنَّهُ الفَخْذُ الأيْمَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ البِضْعَةُ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ. رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الذَّنَبُ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ . والخامِسُ: أنَّهُ عَجْبُ الذَّنَبِ، وهو عَظَمٌ بُنِيَ عَلَيْهِ البَدَنُ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ اللِّسانُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي الكَلامِ اخْتِصارٌ تَقْدِيرُهُ: فَقُلْنا: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها لِيَحْيا، فَضَرَبُوهُ فَيَحْيَ، فَقامَ فَأخْبَرَ بِقاتِلِهِ.

وَفِي قاتِلِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: بَنُو أخِيهِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: ابْنا عَمِّهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذانَ القَوْلانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّ قاتِلَهُ أكْثَرُ مِن واحِدٍ. والثّالِثُ: ابْنُ أخِيهِ، قالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ وعُبَيْدَةُ. والرّابِعُ: أخُوهُ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾: فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِقَوْمِ مُوسى. والثّانِي: لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، احْتَجَّ عَلَيْهِمْ إذْ جَحَدُوا البَعْثَ بِما يُوافِقُ عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وآَياتُهُ: عَجائِبُهُ.

Al-Baqara 2:73Listen in Qur'an →
74

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًۭ ۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

Then your hearts became hardened after that, being like stones or even harder. For indeed, there are stones from which rivers burst forth, and there are some of them that split open and water comes out, and there are some of them that fall down for fear of Allah. And Allah is not unaware of what you do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: قالَ إبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: قَسَتْ في اللُّغَةِ: غَلُظَتْ ويَبِسَتْ وعَسَتْ، فَقَسْوَةُ القَلْبِ: ذِهابُ اللِّينِ والرَّحْمَةِ وِالخُشُوعِ مِنهُ. والقاسِي: والعاسِي: الشَّدِيدُ الصَّلابَةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَسَتْ وعَسَتْ وعَتَتْ واحِدٌ، أيْ: يَبِسَتْ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ بِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ. والثّانِي: القاتِلُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ الَّذِينَ قَتَلُوهُ بَعْدَ أنْ سَمّى قاتِلَهُ: واللَّهِ ما قَتَلْناهُ. وفي كافِ "ذَلِكَ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى إحْياءِ المَوْتى، فَيَكُونُ الخِطابُ لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ. والثّانِي: إلى كَلامِ القَتِيلِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْقاتِلِ، ذَكَرَهُما المُفَسِّرُونَ. والثّالِثُ: إلى ما شُرِحَ مِنَ الآَياتِ مِن مَسْخِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، ورَفْعِ الجَبَلِ وانْبِجاسِ الماءِ، وإحْياءِ القَتِيلِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي "أوْ" أقْوالٌ، هي بِعَيْنِها مَذْكُورَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَتْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ حَجَرٍ يَنْفَجِرُ مِنهُ الماءُ، ويَنْشَقُّ عَنْ ماءٍ، أوْ يَتَرَدّى مِن رَأْسِ جَبَلٍ، فَمِن خَشْيَةِ اللَّهِ.

Al-Baqara 2:74Listen in Qur'an →
75

۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

Do you covet [the hope, O believers], that they would believe for you while a party of them used to hear the words of Allah and then distort the Torah after they had understood it while they were knowing?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ .

فِي المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُونَ، تَقْدِيرُهُ: أفَتَطْمَعُونَ أنْ تُصْدِّقُوا نَبِيَّكم، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ الأنْصارُ، فَإنَّهم لَمّا أسْلَمُوا أحَبُّوا إسْلامَ اليَهُودِ لِلرَّضاعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم، ذَكَرَهُ النَّقّاشُ. قالَ الزَّجّاجُ: وألِفُ "أفَتَطْمَعُونَ" ألِفُ اسْتِخْبارٍ، كَأنَّهُ آَيَسَهم مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ.

وَفِي سَماعِهِمْ لِكَلامِ اللَّهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهم قَرَؤُوا التَّوْراةَ فَحَرَّفُوها، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ في آَخَرِينَ، فَيَكُونُ سَماعُهم لِكَلامِ اللَّهِ بِتَبْلِيغِ نَبِيِّهِمْ، وتَحْرِيفِهِمْ: تَغْيِيرُ ما فِيها. والثّانِي: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، فَسَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ كِفاحًا عِنْدَ الجَبَلِ، فَلَمّا جاؤُوا إلى قَوْمِهِمْ قالُوا: قالَ لَنا: كَذا وكَذا، وقالَ في آَخِرِ قَوْلِهِ: إنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا تَرْكَ ما أنْهاكم عَنْهُ؛ فافْعَلُوا ما تَسْتَطِيعُونَ. هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، والأوَّلُ أصَحُّ. وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ التِّرْمِذِيُّ صاحِبُ "النَّوادِرِ" هَذا القَوْلُ إنْكارٌ شَدِيدٌ، وقالَ إنَّما خَصَّ بِالكَلامِ مُوسى وحْدَهُ، وإلّا فَأيُّ مِيزَةٍ؟! وجَعَلَ هَذا مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي رَواها الكَلْبِيُّ وكانَ كَذّابًا.

وَمَعْنى ﴿عَقَلُوهُ﴾ سَمِعُوهُ ووَعَوْهُ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم حَرَّفُوهُ. والثّانِي: وهم يَعْلَمُونَ عِقابَ تَحْرِيفِهِ.

Al-Baqara 2:75Listen in Qur'an →
76

وَإِذَا لَقُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ قَالُوٓا۟ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And when they meet those who believe, they say, "We have believed"; but when they are alone with one another, they say, "Do you talk to them about what Allah has revealed to you so they can argue with you about it before your Lord?" Then will you not reason?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَّلًا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ .

هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، كانُوا إذا لَقُوا النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ قالُوا: آَمَنّا، وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالُوا: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُرَسانِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ.

وَفِي مَعْنى ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بِما قَضى اللَّهُ عَلَيْكم، والفَتْحُ: القَضاءُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [ الأعْرافِ: ٨٩ ] قالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: كانَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ آَمَنُوا ثُمَّ نافَقُوا، فَكانُوا يُحَدِّثُونَ المُؤْمِنِينَ بِما عُذِّبُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم. [مِنَ العَذابِ، لِيَقُولُوا: نَحْنُ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنكم، وأكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنكم ] . والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: بِما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: الَّذِي فَتَحَهُ عَلَيْهِمْ: ما أنْزَلُهُ مِنَ التَّوْراةِ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ المُسْلِمُ يَلْقى حَلِيفَهُ، أوْ أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ مِنَ اليَهُودِ، فَيَسْألُهُ: أتَجِدُونَ مُحَمَّدًا في كِتابِكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، إنَّهُ لَحَقٌّ. فَسَمِعَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وغَيْرُهُ، فَقالَ لِلْيَهُودِ في السِّرِّ: أتُحَدِّثُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم، أيْ: بِما بَيَّنَ لَكم في التَّوْراةِ مِن أمْرٍ مُحَمَّدٍ لِيُخاصِمُوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم بِاعْتِرافِكم أنَّهُ نَبِيٌّ، أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ هَذا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: في حُكْمِ رَبِّكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [ النُّورِ: ١٣ ] . والثّانِي: أنَّهُ أرادَ يَوْمَ القِيامَةِ.

Al-Baqara 2:76Listen in Qur'an →
77

أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ

But do they not know that Allah knows what they conceal and what they declare?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَّلًا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ .

هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، كانُوا إذا لَقُوا النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ قالُوا: آَمَنّا، وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، قالُوا: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُرَسانِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ.

وَفِي مَعْنى ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بِما قَضى اللَّهُ عَلَيْكم، والفَتْحُ: القَضاءُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [ الأعْرافِ: ٨٩ ] قالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: كانَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ آَمَنُوا ثُمَّ نافَقُوا، فَكانُوا يُحَدِّثُونَ المُؤْمِنِينَ بِما عُذِّبُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم. [مِنَ العَذابِ، لِيَقُولُوا: نَحْنُ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنكم، وأكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنكم ] . والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: بِما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: الَّذِي فَتَحَهُ عَلَيْهِمْ: ما أنْزَلُهُ مِنَ التَّوْراةِ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ المُسْلِمُ يَلْقى حَلِيفَهُ، أوْ أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ مِنَ اليَهُودِ، فَيَسْألُهُ: أتَجِدُونَ مُحَمَّدًا في كِتابِكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، إنَّهُ لَحَقٌّ. فَسَمِعَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وغَيْرُهُ، فَقالَ لِلْيَهُودِ في السِّرِّ: أتُحَدِّثُونَ أصْحابَ مُحَمَّدٍ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم، أيْ: بِما بَيَّنَ لَكم في التَّوْراةِ مِن أمْرٍ مُحَمَّدٍ لِيُخاصِمُوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم بِاعْتِرافِكم أنَّهُ نَبِيٌّ، أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ هَذا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ؟! قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: في حُكْمِ رَبِّكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [ النُّورِ: ١٣ ] . والثّانِي: أنَّهُ أرادَ يَوْمَ القِيامَةِ.

Al-Baqara 2:77Listen in Qur'an →
78

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

And among them are unlettered ones who do not know the Scripture except in wishful thinking, but they are only assuming.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ. والأُمِّيُّ: الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وفي تَسْمِيَتِهِ بِالأُمِّيِّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِأنَّهُ عَلى خِلْقَةِ الأُمَّةُ الَّتِي لَمْ تَتَعَلَّمِ الكِتابَ، فَهو عَلى جِبِلَّتِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ يُنْسَبُ إلى أُمِّهِ، لِأنَّ الكِتابَةَ في الرِّجالِ كانَتْ دُونَ النِّساءِ. وقِيلَ: لِأنَّهُ عَلى ما ولَدَتْهُ أُمُّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَدْرُونَ ما فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أمانِيَّ﴾ جُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى تَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، بِتَخْفِيفِ الياءِ، وكَذَلِكَ: ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ [ البَقَرَةِ: ١١١ ] و ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ [ النِّساءِ: ١٢٣ ] في ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ [ الحَجِّ: ٥٢ ] ﴿وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ [ الحَدِيدِ: ١٤ ] كُلُّهُ بِتَخْفِيفِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ مِن "أمانِيِّهِمْ" . ولا بِخِلافٍ في فَتْحِ ياءِ "الأمانِي" .

وَفِي مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الأكاذِيبُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا أمانِي: يُرِيدُ إلّا قَوْلًا يَقُولُونَهُ بِأفْواهِهِمْ كَذِبًا. وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ واخْتِيارُ الفَرّاءِ. وذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ قالَ لِابْنِ دَأْبٍ وهو يُحَدِّثُ: أهَذا شَيْءٌ رَوَيْتَهُ، أمْ شَيْءٌ تَمَنَّيْتَهُ؟ يُرِيدُ: افْتَعَلْتَهُ؟ .

والثّانِي: أنَّ الأمانِيَّ: التِّلاوَةُ، فَمَعْناهُ: يَعْلَمُونَ فِقْهَ الكِتابِ، إنَّما يَقْتَصِرُونَ عَلى ما يَسْمَعُونَهُ يُتْلى عَلَيْهِمْ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلَةٍ تَمَنِّيَ داوُدَ الزَّبُورَ عَلى رِسْلِ

وَهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ والزَّجّاجِ.

. والثّالِثُ: أنَّها أمانِيُّهم عَلى اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ، فَإنْ كَذَبَ الرُّؤَساءُ أوْ صَدَّقُوا، تابَعُوهم.

Al-Baqara 2:78Listen in Qur'an →
79

فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ

So woe to those who write the "scripture" with their own hands, then say, "This is from Allah," in order to exchange it for a small price. Woe to them for what their hands have written and woe to them for what they earn.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾

هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ [الَّذِينَ ] بَدَّلُوا التَّوْراةَ وغَيَّرُوا صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِيها. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وسُفْيانَ. فَأمّا الوَيْلُ: فَرَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "وَيْلٌ: وادٍ في جَهَنَّمَ، يَهْوِي الكافِرُ فِيهِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ"» وقالَ الزَّجّاجُ: الوَيْلُ: كَلِمَةٌ تَقُولُها العَرَبُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ، ويَسْتَعْمِلُها هو أيْضًا. وأصْلُها في اللُّغَةِ: العَذابُ، والهَلاكُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويُقالُ: مَعْنى الوَيْلِ المَشَقَّةُ مِنَ العَذابِ. ويُقالُ: أصْلُهُ: ويْ لِفُلانٍ، أيْ: حُزْنٌ لِفُلانٍ، فَكَثُرَ الِاسْتِعْمالُ لِلْحَرْفَيْنِ، فَوَصَلَتِ اللّامُ بِ "وَيْ" وجُعِلَتْ حَرْفًا واحِدًا، ثُمَّ خَبَّرَ عَنْ "وَيْلٍ" بِلامٍ أُخْرى، وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ. والكِتابُ هاهُنا: التَّوْراةُ. وذِكْرُ الأيْدِي تَوْكِيدٌ، والثَّمَنُ القَلِيلُ: ما يَفْنى مِنَ الدُّنْيا.

وَفِيما يَكْسِبُونَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ عَوَّضَ ما كَتَبُوا. والثّانِي: إثْمُ ما فَعَلُوا.

Al-Baqara 2:79Listen in Qur'an →
80

وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And they say, "Never will the Fire touch us, except for a few days." Say, "Have you taken a covenant with Allah? For Allah will never break His covenant. Or do you say about Allah that which you do not know?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ وهْمُ: اليَهُودُ. وفِيما عَنَوْا بِهَذِهِ الأيّامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أرْبَعِينَ يَوْمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وَلِماذا قَدَّرُوها بِأرْبَعِينَ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قالُوا: بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، ونَحْنُ نَقْطَعُ مَسِيرَةَ كُلِّ سَنَةٍ في يَوْمٍ، ثُمَّ يَنْقَضِي العَذابُ وتَهْلَكُ النّارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: عَتَبَ عَلَيْنا رَبُّنا في أمْرٍ، فَأقْسَمَ لِيُعَذِّبَنا أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يُدْخِلَنا الجَنَّةَ، فَلَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ القَسَمِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّها عَدَدُ الأيّامِ الَّتِي عَبَدُوا فِيها العِجْلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَ الأيّامَ المَعْدُودَةِ سَبْعَةُ أيّامٍ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ الدُّنْيا سَبْعَةَ آَلافٍ، سَنَةٍ والنّاسُ يُعَذَّبُونَ لِكُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ العَذابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

**

﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أيْ: عُهِدَ إلَيْكم أنَّهُ يُعَذِّبُكم إلّا هَذا المِقْدارَ؟!

Al-Baqara 2:80Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.