Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 61–70 of 286

61

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍۢ وَٰحِدٍۢ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ۚ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًۭا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allah [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allah and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦١ ] ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾

﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَمّا مَلُّوا طَعامَهم وذَكَرُوا عَيْشَهُمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، قالُوا ذَلِكَ. قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ وكانَ لَهُمُ المَنُّ والسَّلْوى، قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مُساواتِهِ في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، كَقَوْلِكَ: فُلانٌ يَفْعَلُ فِعْلًا واحِدًا في كُلِّ يَوْمٍ، وإنْ كَثُرَتْ أفْعالُهُ، إذا تَحَرّى طَرِيقَةً واحِدَةً وداوَمَ عَلَيْها اهـ. وهَذا المَعْنى في إنْكارِ الطَّعامِ أبْلَغُ. لِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا في إنْكارِهِ بِقَوْلِهِمْ "لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ"، حَتّى أكَّدُوا بِقَوْلِهِمْ "واحِدٍ" أوْ أرادُوا بِالواحِدِ ما لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَبَدَّلُ.

﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها﴾ هو الثُّومُ لِقِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وثُومِها" ولِلتَّصْرِيحِ بِهِ في التَّوْراةِ في هَذِهِ القِصَّةِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ شَواهِدَ لِإبْدالِ الثّاءِ فاءً لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما كَقَوْلِهِمْ لِلْأثافِيِّ "أثاثِيُّ"، وقَوْلِهِمْ وقَعُوا في عاثُورِ شَرٍّ وعافُورِ شَرٍّ، ولِلْمَغافِيرِ "مَغاثِيرُ" "وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى" أيْ: أدْوَنُ قَدْرًا، وأصْلُ الدُّنُوِّ القُرْبُ في المَكانِ، فاسْتُعِيرَ لِلْخِسَّةِ، كَما اسْتُعِيرَ البُعْدُ لِلشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، فَقِيلَ: بَعِيدُ الهِمَّةِ "بِالَّذِي هو خَيْرٌ" أيْ: بِمُقابَلَةِ ما هو خَيْرٌ، أيْ: أرْفَعُ وأجَلُّ، وهو المَنُّ الَّذِي فِيهِ الحَلاوَةُ الَّتِي تَأْلَفُها أغْلَبُ الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ، والسَّلْوى مِن أطْيَبِ لُحُومِ الطَّيْرِ، وفي مَجْمُوعِهِما غِذاءٌ تَقُومُ بِهِ البِنْيَةُ. ولَيْسَ فِيما طَلَبُوهُ ما يُساوِيهِما لَذَّةً ولا تَغْذِيَةً "اهْبِطُوا مِصْرًا" هَكَذا هو مُنَوَّنٌ مَصْرُوفٌ مَكْتُوبٌ بِالألِفِ في المَصاحِفِ الأئِمَّةِ العُثْمانِيَّةِ، وهو قِراءَةُ الجُمْهُورِ، بِالصَّرْفِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ولا أسْتَجِيزُ القِراءَةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لِإجْماعِ المَصاحِفِ عَلى ذَلِكَ؛ أيْ: مِنَ الأمْصارِ، أيِ انْحَدِرُوا إلَيْهِ "فَإنَّ لَكُمْ" فِيها "ما سَألْتُمْ" أيْ: فَإنَّ الَّذِي سَألْتُمْ يَكُونُ في الأمْصارِ لا في القِفارِ، والمَعْنى أنَّ هَذا الَّذِي سَألْتُمْ لَيْسَ بِأمْرٍ عَزِيزٍ، بَلْ هو كَثِيرٌ، في أيِّ بَلَدٍ دَخَلْتُمُوها وجَدْتُمُوهُ. فَلَيْسَ يُساوِي مَعَ دَناءَتِهِ، وكَثْرَتِهِ في الأمْصارِ أنْ أسْألَ اللَّهَ فِيهِ. ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى إنْكارَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى اليَهُودِ اسْتِبْدالَهُمُ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ، بَعْدَ تَعْدادِ النِّعَمِ، جاءَ بِحِكايَةِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِالأنْبِياءِ، وكُفْرِهِمْ، واعْتِدائِهِمْ، وضَرْبِ الذِّلَّةِ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، اسْتِطْرادًا فَقالَ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ فَمِن هُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ …

Al-Baqara 2:61Listen in Qur'an →
62

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muhammad] - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٢ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

أيْ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما دَعا إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وصارُوا مِن جُمْلَةِ أتْباعِهِ. قالَ في فَتْحِ البَيانِ: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ حالَ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، وحالَ مَن قَبْلَها مِن سائِرِ المِلَلِ، يَرْجِعُ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا اسْتَحَقَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ. ومَن فاتَهُ ذَلِكَ فاتَهُ الخَيْرُ كُلُّهُ، والأجْرُ دِقُّهُ وجُلُّهُ. والمُرادُ بِالإيمانِ هَهُنا هو ما بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ، «لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الإيمانِ فَقالَ: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ»» .

ولا يَتَّصِفُ بِهَذا الإيمانِ إلّا مَن دَخَلَ في المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ. فَمَن لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولا بِالقُرْآنِ، فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. ومَن آمَنَ بِهِما صارَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا، ولَمْ يَبْقَ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولا مَجُوسِيًّا. انْتَهى.

قالَ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِهِ: تَقَدَّمَ أنَّ الإيمانَ يُسْتَعْمَلُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما الإقْرارُ بِالشَّهادَتَيْنِ، الَّذِي يُؤَمِّنُ نَفْسَ الإنْسانَ، ومالَهُ عَنِ الإباحَةِ إلّا بِحَقٍّ، وذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرارِ هَذا الدِّينِ مُخْتَصٌّ بِهِ كالإسْلامِ. والثّانِي تَحَرِّي اليَقِينِ فِيما يَتَعاطاهُ الإنْسانُ مِن أمْرِ دِينِهِ. فَقَوْلُهُ: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا" عَنى بِهِ المُتَدَيِّنَ بِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ "مَن آمَنَ بِاللَّهِ" عَنى بِهِ المُتَحَرِّي لِلِاعْتِقادِ اليَقِينِيِّ، فَهو غَيْرُ الأوَّلِ. ولِما كانَتْ مَشاهِيرُ الأدْيانِ هَذِهِ الأرْبَعَ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن تَعاطى دِينًا مِن هَذِهِ الأدْيانِ في وقْتِ شَرْعِهِ، وقَبْلَ أنْ يُنْسَخَ، فَتَحَرّى في ذَلِكَ الِاعْتِقادَ اليَقِينِيَّ، وأتْبَعَ اعْتِقادَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.

ثُمَّ قالَ: وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] يَعْنُونَ أنَّ هَذِهِ الأدْيانَ كُلَّها مَنسُوخَةٌ بِدِينِ الإسْلامِ، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ لَهُمُ الأجْرَ قَبْلَ وقْتِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَأمّا في وقْتِهِ، فالأدْيانُ كُلُّها مَنسُوخَةٌ بِدِينِهِ. اهـ. أيْ فَلَيْسَ مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَن وافَقَهُ، أنَّهُ تَعالى كانَ وعَدَ مَن عَمِلَ صالِحًا مِنَ اليَهُودِ، ومَن ذُكِرَ مَعَهم عَلى عَمَلِهِ، في الآخِرَةِ الجَنَّةَ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِآيَةِ: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] بَلْ مُرادُهُ ما ذَكَرَ الرّاغِبُ. وهَذا ما لا شُبْهَةَ فِيهِ. ولِذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ظاهِرُ التَّنْزِيلِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُخَصِّصْ بِالأجْرِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ مَعَ الإيمانِ، بَعْضَ خَلْقِهِ دُونَ بَعْضٍ مِنهم، والخَبَرُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَنْ جَمِيعِ ما ذُكِرَ في أوَّلِ الآيَةِ.

تَنْبِيهٌ:

ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ تَفْسِيرِ الرّاغِبِ "مَن آمَنَ" بِالمُتَحَرِّي لِلِاعْتِقادِ اليَقِينِيِّ، مِمّا قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ العَنْبَرِيُّ لِمَذْهَبِهِ. …

Al-Baqara 2:62Listen in Qur'an →
63

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٣ ] ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

"وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ" تَذْكِيرًا لِجِنايَةٍ أُخْرى لِأسْلافِهِمْ، أيْ واذْكُرُوا وقْتَ أخْذِنا لِمِيثاقِكم بِالمُحافَظَةِ عَلى ما في التَّوْراةِ، ﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ تَرْهِيبًا لَكم لِتَقْبَلُوا المِيثاقَ. وذَلِكَ أنَّ الطُّورَ اقْتُلِعَ مِن أصْلِهِ، ورُفِعَ وظَلَّلَ فَوْقَهم. والطُّورُ: هو الجَبَلُ. وقِيلَ لَهم وهو مُطِلٌّ فَوْقَهم "خُذُواْ ما آتَيْناكُمْ" مِنَ الكِتابِ "بِقُوَّةٍ" أيْ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ "واذْكُرُواْ ما فِيهِ" واحْفَظُوا ما في الكِتابِ وادْرُسُوهُ ولا تَنْسَوْهُ ولا تَغْفُلُوا عَنْهُ "لَعَلَّكم تَتَّقُونَ" لِكَيْ تَتَّقُوا المَعاصِيَ، أوْ رَجاءً مِنكم أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ، أوْ طَلَبًا لِذَلِكَ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٧١]

قالَ الرّاغِبُ: إنْ قِيلَ إنَّ هَذا يَكُونُ إلْجاءً ولا يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ، قِيلَ: لَمْ يَسْتَحِقُّوا الثَّوابَ بِالِالتِزامِ، وإنَّما اسْتَحَقُّوهُ بِالعَمَلِ بِها مِن بَعْدُ. فَأمّا في التِزامِها فَمُضْطَرُّونَ، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: عَنى بِالطُّورِ تَشْدِيدَ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، وجَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا. وذَلِكَ بَعِيدٌ. ومِثْلُهُ قالَ القاشانِيُّ: طَوَّرَ الدِّماغَ لِلتَّمَكُّنِ مِن فَهْمِ المَعانِي وقَبُولِها. فَإنَّهُ بَعِيدٌ يَأْباهُ ظاهِرُ الآيَةِ الأُخْرى. وإنْ كانَ الإطْلاقُ في اللُّغَةِ لا يَنْحَصِرُ في الحَقِيقَةِ.

Al-Baqara 2:63Listen in Qur'an →
64

ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have been among the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٤ ] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

"ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ" أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ "مِن بَعْدِ ذَلِكَ" أيْ: مِن بَعْدِ أخْذِ ذَلِكَ المِيثاقِ المُؤَكَّدِ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ أيْ لَكم بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ، أوْ تَأْخِيرِ العَذابِ، ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ الهالِكِينَ بِالعُقُوبَةِ.

قالَ الرّاغِبُ: الخاسِرُ المُطْلَقُ، في القُرْآنِ، هو الَّذِي خَسِرَ أعْظَمَ ما يُقْتَنى، وذَلِكَ نَعِيمُ الأبَدِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ١٥]

وقالَ القَفّالُ: قَدْ يُعْلَمُ في الجُمْلَةِ أنَّهم بَعْدَ قَبُولِ التَّوْراةِ ورَفْعِ الطُّورِ، تَوَلَّوْا عَنِ التَّوْراةِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ؛ فَحَرَّفُوا كَلِمَها عَنْ مَواضِعِهِ، وتَرَكُوا العَمَلَ بِها، وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، وكَفَرُوا بِهِمْ، وعَصَوْا أمْرَهم. ومِنها ما عَمِلَهُ أوائِلُهم، ومِنها ما فَعَلَهُ مُتَأخِّرُوهم، ولَمْ يَزالُوا في التِّيهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمُ الأعاجِيبَ لَيْلًا ونَهارًا يُخالِفُونَ مُوسى ويَعْتَرِضُونَ عَلَيْهِ، ويَلْقَوْنَهُ بِكُلِّ أذًى ويُجاهِرُونَ بِالمَعاصِي في مُعَسْكَرِهِمْ ذَلِكَ. حَتّى لَقَدْ خُسِفَ بِبَعْضِهِمْ، وأحْرَقَتِ النّارُ بَعْضَهُمْ، وعُوقِبُوا بِالطّاعُونِ. وكُلُّ هَذا مَذْكُورٌ في تَراجِمِ التَّوْراةِ الَّتِي يُقِرُّونَ بِها، ثُمَّ فَعَلَ مُتَأخِّرُوهم ما لا خَفاءَ بِهِ. حَتّى عُوقِبُوا بِتَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَفَرُوا بِالمَسِيحِ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِ.

والقُرْآنُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيانُ ما تَوَلَّوْا بِهِ عَنِ التَّوْراةِ، فالجُمْلَةُ مَعْرُوفَةٌ، وذَلِكَ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ عِنادِ أسْلافِهِمْ. فَغَيْرُ عَجِيبٍ إنْكارُهم ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الكِتابِ، وجُحُودِهِمْ لِحَقِّهِ. وحالُهم في كِتابِهِمْ ونَبِيِّهِمْ ما ذُكِرَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ثُمَّ ذَكَّرَهم تَعالى بِالإيقاعِ بِمَن نَقَضَ مِيثاقَهُ وفِيما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ مِن تَعْظِيمِ السَّبْتِ بِقَوْلِهِ:

Al-Baqara 2:64Listen in Qur'an →
65

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٥ ] ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾

﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾ أيْ: تَعَمَّدُوا العُدْوانَ "مِنكم في السَّبْتِ" بِأنِ اسْتَحَلُّوهُ وتَحَيَّلُوا عَلى اصْطِيادِ الحِيتانِ فِيهِ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ابْتَلاهم، فَما كانَ يَبْقى حُوتٌ في البَحْرِ إلّا أخْرَجَ خُرْطُومَهُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإذا مَضى تَفَرَّقَتْ كَما قالَ: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فَحَفَرُوا حِياضًا عِنْدَ البَحْرِ، وشَرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ، فَكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ. فَذَلِكَ الحَبْسُ في الحِياضِ هو اعْتِداؤُهم. فَتَسَبَّبَ عَنِ اعْتِدائِهِمُ المَذْكُورِ ما ذَكَرَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أيْ: صاغِرِينَ مَطْرُودِينَ مُبْعَدِينَ مِنَ الخَيْرِ، أذِلّاءَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ وقَتادَةَ: أنَّهم مُسِخُوا قِرَدَةً، لَها أذْنابٌ تَعاوى، بَعْدَ ما كانُوا رِجالًا ونِساءً. وأمّا مُجاهِدٌ فَقالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم ولَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً. وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا. رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وهَكَذا قالَ القاشانِيُّ "كُونُوا قِرَدَةً" أيْ مُشابِهِينَ النّاسَ في الصُّورَةِ ولَيْسُوا بِهِمْ. ثُمَّ قالَ: والمَسْخُ بِالحَقِيقَةِ حَقٌّ غَيْرُ مُنْكَرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ورَدَتْ بِهِ الآياتُ والأحادِيثُ. وفي أثَرٍ: عُدَّ المُسُوخُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وبَيانُ أعْمالِهِمْ ومَعاصِيهِمْ ومُوجِباتِ مَسْخِهِمْ. والحاصِلُ أنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ وصْفٌ مِن أوْصافِ الحَيَواناتِ، ورَسَخَ فِيهِ بِحَيْثُ زالَ اسْتِعْدادُهُ، وتَمَكَّنَ في طَبْعِهِ، وصارَ صُورَةً ذاتِيَّةً لَهُ، صارَ طَبْعُهُ طَبْعَ ذَلِكَ الحَيَوانِ. ونَفْسُهُ نَفْسَهُ، فَصارَتْ صِفَتُهُ صُورَتَهُ.

وهَذِهِ القِصَّةُ مَبْسُوطَةٌ في سُورَةِ الأعْرافِ حَيْثُ يَقُولُ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣]

Al-Baqara 2:65Listen in Qur'an →
66

فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allah.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٦ ] ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾

"فَجَعَلْناها" أيِ: المِسْخَةُ والعُقُوبَةُ "نَكالًا" عِبْرَةً تُنَكِّلُ المُعْتَبِرَ بِها، أيْ: تَمْنَعُهُ وتَرْدَعُهُ. ومِنهُ النِّكْلُ لِلْقَيْدِ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ مِنَ المَعاصِي مِن أهْلِ عالَمِها الشّاهِدِينَ لَها "وما خَلْفَها" مِمَّنْ جاءَ بَعْدَهم، أوْ لِأهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ وما حَوالَيْها، أوْ لِما بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى وما تَباعَدَ عَنْها "ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ" مِن قَوْمِهِمْ، أوْ لِكُلِّ مُتَّقٍ سَمِعَها. وأشْعَرَ هَذا أنَّ التَّقْوى عِصْمَةٌ مِن كُلِّ مَحْذُورٍ، وأنَّ النِّقَمَ تَقَعُ في غَيْرِهِمْ، وعْظًا لَهم.

(تَنْبِيهٌ): أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ التَّنْوِيهَ بِشَأْنِ يَوْمِ السَّبْتِ عِنْدَ الإسْرائِيلِيِّينَ؛ إذْ مُسْتَحِلُّوهُ مِنهم مُسِخُوا قِرَدَةً. وفي تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ ما نَصُّهُ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى قائِلًا: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ، تَحْفَظُونَ السَّبْتَ لِأنَّهُ مُقَدَّسٌ لَكم، مَن دَنَّسَهُ يُقْتَلْ، ومَن صَنَعَ فِيهِ عَمَلًا يُقْطَعُ مِن بَيْنِ شُعَبِهِ. في سِتَّةِ أيّامٍ تُصْنَعُ الأعْمالُ، وأمّا اليَوْمُ السّابِعُ فَفِيهِ سَبْتٌ راحَةٌ، ولْيَحْفَظْ بَنُو إسْرائِيلَ السَّبْتَ، ولْيَتَّخِذُوهُ عِيدًا بِأجْيالِهِمْ. لِأنَّ الرَّبَّ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ، وفَرَغَ يَوْمَ السّابِعِ. وفِيها أيْضًا ما نَصُّهُ: في سِتَّةِ أيّامٍ تَعْمَلُ عَمَلَكَ، وأمّا اليَوْمُ السّابِعُ فَفِيهِ تَسْتَرِيحُ، لِكَيْ يَسْتَرِيحَ ثَوْرُكَ وحِمارُكَ ويَتَنَفَّسَ ابْنُ أمَتِكَ والغَرِيبُ. انْتَهى.

وقَدْ حَرُمَ عَلى اليَهُودِ فِيهِ أنْ يُعِدُّوا طَعامَهم. بَلْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ أنْ يُوقِدُوا نارًا. وفي سِفْرِ نَحِمْيا -فِي الفَصْلِ الثّالِثَ عَشَرَ- ما نَصُّهُ: وفي تِلْكَ الأيّامِ رَأيْتُ في يَهُوذا قَوْمًا يَدُوسُونَ في المَعاصِرِ في السَّبْتِ، ويَأْتُونَ بِأكْداسِها يَحْمِلُونَها عَلى الحَمِيرِ، وبِخَمْرٍ أيْضًا، وعِنَبٍ وتِينٍ، وكُلِّ حِمْلٍ مِمّا كانُوا يَأْتُونَ بِهِ إلى أُورْشَلِيمَ في يَوْمِ السَّبْتِ. فَأشْهَدْتُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَيْعِهِمُ الطَّعامَ. وكانَ الصُّورِيُّونَ المُقِيمُونَ بِها يَأْتُونَ بِالسَّمَكِ. وكُلُّ نَوْعٍ مِنَ المَبِيعاتِ، ويَبِيعُونَ في يَوْمِ السَّبْتِ لِبَنِي يَهُوذا وفي أُورْشَلِيمَ. فَخاصَمْتُ عُظَماءَ يَهُوذا، وقُلْتُ لَهم: ما هَذا الشَّرُّ الَّذِي تَفْعَلُونَهُ وتُدَنِّسُونَ يَوْمَ السَّبْتِ ؟ ألَمْ تَفْعَلْ آباؤُكم هَكَذا ؟ فَجَلَبَ إلَهُنا كُلَّ هَذا الشَّرِّ عَلَيْنا وعَلى هَذِهِ المَدِينَةِ، وأنْتُمْ تَزِيدُونَ الغَضَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِتَدْنِيسِكُمُ السَّبْتَ، إلى آخِرِهِ.

ولِما بَيَّنَ تَعالى قَساوَتَهم في حُقُوقِهِ العَلِيَّةِ، أتْبَعَهُ بِبَيانِ قَساوَتِهِمْ في مَصالِحِ أنْفُسِهِمْ تَوْبِيخًا لِأخْلاقِهِمْ. مَعَ الإشارَةِ إلى نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ في خَرْقِ العادَةِ في شَأْنِ البَقَرَةِ، وبَيانِ مَن هو القاتِلُ بِسَبَبِها، وإحْياءِ اللَّهِ تَعالى المَقْتُولَ، ونَصِّهِ عَلى مَن قَتَلَهُ مِنهم، فَقالَ:

Al-Baqara 2:66Listen in Qur'an →
67

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًۭا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allah commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allah from being among the ignorant."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٧ ] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وذَلِكَ أنَّهُ وُجِدَ قَتِيلٌ فِيهِمْ، وكانُوا يُطالِبُونَ بِدَمِهِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ وأنْ يَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها لِيَحْيى ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ "قالُوا" اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا ؟ هَلْ سارَعُوا إلى الِامْتِثالِ أوْ لا. فَقِيلَ: ﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ بِضَمِّ الزّايِ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا، وقُرِئَ بِالهَمْزَةِ مَعَ الضَّمِّ والسُّكُونِ. أيْ: أتَجْعَلُنا مَكانَ هُزُوٍ، أوْ أهْلَ هُزُوٍ، أوْ مَهْزُوًّا بِنا، أوْ نَفْسَ الهُزُوِ، لِلْمُبالَغَةِ. وأشْعَرَ جَوابُهم ما ثَبَتَ مِن فَظاظَتِهِمْ؛ إذْ فِيهِ سُوءُ الأدَبِ عَلى مَن ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ وقَدْ عَلِمُوها.

" قالَ" اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لِأنَّ الهُزُؤَ في أثْناءِ تَبْلِيغِ أمْرِ اللَّهِ، سُبْحانَهُ، جَهْلٌ وسَفَهٌ. نَفى عَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، ما تَوَهَّمُوهُ مِن قِبَلِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وآكَدِهِ، بِإخْراجِهِ مَخْرَجَ ما لا مَكْرُوهَ وراءَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ، اسْتِفْظاعًا لَهُ، واسْتِعْظامًا لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي شافَهُوهُ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِها. والعَوْذُ: اللَّجَأُ مِن مُتَخَوَّفٍ لِكافٍ يَكْفِيهِ. والجَهْلُ: التَّقَدُّمُ في الأُمُورِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.

Al-Baqara 2:67Listen in Qur'an →
68

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا فَارِضٌۭ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allah] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٨ ] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾

"قالُوا" تَمادِيًا في الغِلْظَةِ "ادْعُ لَنا" أيْ: لِأجْلِنا: ﴿رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ ما حالُها، وصِفَتُها ؟ ! . وذَلِكَ أنَّهم تَعَجَّبُوا مِن بَقَرَةٍ مَيِّتَةٍ يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيِّتٌ فَيَحْيى. فَسَألُوا عَنْ صِفَةِ تِلْكَ البَقَرَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ، الخارِجَةِ عَمّا عَلَيْهِ البَقَرُ، و"ما" وإنْ شاعَتْ في طَلَبِ مَفْهُومِ الحَقِيقَةِ، لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ والحالُ. تَقُولُ: ما زَيْدٌ ؟ فَيُقالُ: طَبِيبٌ أوْ عالِمٌ "قالَ" أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَعْدَ ما دَعا رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالبَيانِ، وأتاهُ الوَحْيُ "إنَّهُ" تَعالى: "يَقُولُ إنَّها" أيِ البَقَرَةُ المَأْمُورُ بِذَبْحِها "بَقَرَةٌ لا فارِضٌ" أيْ لا مُسِنَّةٌ. وقَدْ فَرَضَتْ فُرُوضًا، فَهي فارِضٌ، أيْ: أسَنَّتْ. مِنَ الفَرْضِ بِمَعْنى القَطْعِ. كَأنَّها قَطَعَتْ سِنَّها وبَلَغَتْ آخِرَها "ولا بِكْرٌ" أيْ لا فَتِيَّةٌ صَغِيرَةٌ لَمْ يُلَقِّحْها الفَحْلُ. "عَوانٌ" أيْ: نَصِفٌ "بَيْنَ ذَلِكَ" أيْ سِنَّيِ الفارِضِ والبِكْرِ ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ هَذا أمْرٌ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن بَيانِ صِفَةِ المَأْمُورِ بِهِ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِامْتِثالِ، وزَجْرٌ عَنِ المُراجَعَةِ. ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَفْعَلُوا، بَلْ سَألُوا بَيانَ اللَّوْنِ بَعْدَ بَيانِ السِّنِّ بِأنْ:

Al-Baqara 2:68Listen in Qur'an →
69

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ صَفْرَآءُ فَاقِعٌۭ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.' "

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٩ ] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾

شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، يُقالُ في التَّوْكِيدِ: أصْفَرُ فاقِعٌ ووارِسٌ، كَما يُقالُ: أسْوَدُ حالِكٌ وأبْيَضُ يَقِقٌ، وأحْمَرُ قانِئٌ، وأخْضَرُ ناضِرٌ ومُدْهامٌّ. وفي إسْنادِ الفُقُوعِ إلى اللَّوْنِ -مَعَ كَوْنِهِ مِن أحْوالِ المُلَوَّنِ لِمُلابَسَتِهِ بِهِ- ما لا يَخْفى مِن فَضْلِ تَأْكِيدٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: صَفْراءُ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ صُفْرَتُها كَما في: جِدُّ جِدِّهِ "تَسُرُّ النّاظِرِينَ" أيْ: تُبْهِجُ نُفُوسَهم.

رَوى ابْنُ جَرِيرٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ أخَذُوا أدْنى بَقَرَةٍ لاكْتَفَوْا بِها، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ. وقَدْ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَفَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Baqara 2:69Listen in Qur'an →
70

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allah wills, will be guided."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٠ ] ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾

﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ زِيادَةُ اسْتِكْشافٍ عَنْ حالِها لِتَمْتازَ عَمّا يُشارِكُها في التَّعْوِينِ والصُّفْرَةِ. ولِذَلِكَ عَلَّلُوا تَكْرِيرَ سُؤالِهِمْ بِقَوْلِهِمْ "إنَّ البَقَرَ" المَوْصُوفَ بِما تَقَدَّمَ "تَشابَهَ عَلَيْنا" لِكَثْرَتِهِ، أيِ: اشْتَبَهَ عَلَيْنا أيُّها نَذْبَحُ. قالَ البِقاعِيُّ: وذَكَّرَ الفِعْلَ، لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ حُرُوفُهُ أقَلُّ مِن حُرُوفِ واحِدِهِ، فَإنَّ العَرَبَ تُذَكِّرُهُ. نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى البَقَرَةِ المُرادِ ذَبْحُها.

Al-Baqara 2:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.