Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 61–70 of 286

61

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍۢ وَٰحِدٍۢ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ۚ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًۭا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allah [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allah and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.

الِاسْتِسْقاءُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ وحَبْسِ المَطَرِ.

ومَعْناهُ في اللُّغَةِ: طَلَبُ السُّقْيا.

وفِي الشَّرْعِ: ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في صِفَتِهِ مِنَ الصَّلاةِ والدُّعاءِ.

والحَجَرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَجَرًا مُعَيَّنًا فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعَهْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ مُعَيَّنًا فَتَكُونُ لِلْجِنْسِ، وهو أظْهَرُ في المُعْجِزَةِ وأقْوى لِلْحُجَّةِ.

وقَوْلُهُ: ( فانْفَجَرَتْ ) الفاءُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، والِانْفِجارُ: الِانْشِقاقُ، وانْفَجَرَ الماءُ انْفِجارًا تَفتَّحَ، والفُجْرَةُ: مَوْضِعُ تَفَتُّحِ الماءِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا خِلافَ أنَّهُ كانَ حَجَرًا مُرَبَّعًا يَخْرُجُ مِن كُلِّ جِهَةِ ثَلاثُ عُيُونٍ إذا ضَرَبَهُ مُوسى سالَتِ العُيُونُ، وإذا اسْتَغْنَوْا عَنِ الماءِ جَفَّتْ.

والمَشْرَبُ: مَوْضِعُ الشُّرْبِ، وقِيلَ: هو المَشْرُوبُ نَفْسُهُ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَشْرَبُ مِن كُلِّ عَيْنٍ قَوْمٌ مِنهم لا يُشارِكُهم غَيْرُهم.

قِيلَ: كانَ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ مِن تِلْكَ العُيُونِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، والأسْباطُ ذُرِّيَّةُ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ.

وقَوْلُهُ: كُلُوا أيْ قُلْنا لَهم: كُلُوا المَنَّ والسَّلْوى واشْرَبُوا الماءَ المُتَفَجِّرَ مِنَ الحَجَرِ.

وعَثا يَعْثِي عَثْيًا، وعَثا يَعْثُو عَثْوًا، وعاثَ يَعِيثُ عَيْثًا، لُغاتٌ: بِمَعْنى أفْسَدَ.

وقَوْلُهُ: ( مُفْسِدِينَ ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ.

قالَ في القامُوسِ: عَثِيَ كَرَمِيَ، وسَعى ورَضِيَ، عَثْيًا وعَثَيانًا، وعَثا يَعْثُو عَثْوًا: أفْسَدَ: وقالَ في الكَشّافِ: العَثْيُ أشَدُّ الفَسادِ.

فَقِيلَ لَهم: لا تَمادُوا في الفَسادِ في حالِ فَسادِكم؛ لِأنَّهم كانُوا مُتَمادِينَ فِيهِ انْتَهى.

قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ تَضَجُّرٌ مِنهم بِما صارُوا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ والرِّزْقِ الطَّيِّبِ والعَيْشِ المُسْتَلَذِّ، ونُزُوعٌ إلى ما ألِفُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِن خُشُونَةِ العَيْشِ:

؎إنَّ الشَّقِيَّ بِالشَّقاءِ مُولَعٌ لا يَمْلِكُ الرَّدَّ لَهُ إذا أتى

ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ هَذا مِنهم تَشَوُّقًا إلى ما كانُوا فِيهِ، ونَظَرًا لِما صارُوا إلَيْهِ مِنَ العِيشَةِ الرّافِهَةِ، بَلْ هو بابٌ مِن تَعَنُّتِهِمْ، وشُعْبَةٌ مِن شُعَبِ تَعَجْرُفِهِمْ كَما هو دَأْبُهم وهِجِّيراهم في غالِبِ ما قُصَّ عَلَيْنا مِن أخْبارِهِمْ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهم كانُوا أهْلَ كُرّاثٍ وأبْصالٍ وأعْداسٍ فَنَزَعُوا إلى عِكْرِهِمْ: أيْ أصْلِهِمْ عِكْرِ السُّوءِ، واشْتاقَتْ طِباعُهم إلى ما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَتُهم فَقالُوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ والمُرادُ بِالطَّعامِ الواحِدِ هو المَنُّ والسَّلْوى، وهَمّا وإنْ كانا طَعامَيْنِ لَكِنْ لَمّا كانُوا يَأْكُلُونَ أحَدَهُما بِالآخَرِ جَعَلُوهُما طَعامًا واحِدًا.

وقِيلَ: لِتَكَرُّرِهِما في كُلِّ يَوْمٍ وعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِما مَعَهُما ولا تَبْدِلَةَ بِهِما.

ومِن في قَوْلِهِ: ( مِمّا تُنْبِتُ ) - تُخْرِجُ - قالَ الأخْفَشُ: زائِدَةٌ، وخالَفَهُ سِيبَوَيْهِ لِكَوْنِها لا تُزادُ في الكَلامِ المُوجِبِ.

قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما دَعا الأخْفَشُ إلى هَذا لِأنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَفْعُولًا لِ ( يُخْرِجْ ) فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ ما مَفْعُولًا، والأوْلى أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ: أيْ تُخْرِجُ لَنا مَأْكُولًا.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَقْلِها﴾ بَدَلٌ مِن ما بِإعادَةِ الحَرْفِ، والبَقْلُ: كُلُّ نَباتٍ لَيْسَ لَهُ ساقٌ، والشَّجَرُ: ما لَهُ ساقٌ.

قالَ في الكَشّافِ: …

Al-Baqara 2:61Listen in Qur'an →
62

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muhammad] - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقُونَ، بِدَلالَةِ جَعْلِهِمْ مُقْتَرِنِينَ بِاليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ: أيْ آمَنُوا في الظّاهِرِ.

والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ المُرادَ الَّذِينَ صَدَّقُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وصارُوا مِن جُمْلَةِ أتْباعِهِ، وكَأنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ حالَ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ وحالَ مَن قَبْلَها مِن سائِرِ المِلَلِ يَرْجِعُ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو أنَّ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا اسْتَحَقَّ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ مِنَ الأجْرِ، ومَن فاتَهُ ذَلِكَ فاتَهُ الخَيْرُ كُلُّهُ والأجْرُ دِقُّهُ وجِلُّهُ.

والمُرادُ بِالإيمانِ هاهُنا هو ما بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ مِن قَوْلِهِ لَمّا سَألَهُ جِبْرِيلُ عَنِ الإيمانِ فَقالَ: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ» ولا يَتَّصِفُ بِهَذا الإيمانِ إلّا مَن دَخَلَ في المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَمَن لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولا بِالقُرْآنِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، ومَن آمَنَ بِهِما صارَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا ولَمْ يَبْقَ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولا مَجُوسِيًّا.

وقَوْلُهُ: ﴿هادُوا﴾ مَعْناهُ صارُوا يَهُودًا، قِيلَ: هو نِسْبَةٌ لَهم إلى يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ بِالذّالِ المُعْجَمَةِ فَقَلَبَتْها العَرَبُ دالًا مُهْمَلَةً، وقِيلَ: مَعْنى هادُوا: تابُوا لِتَوْبَتِهِمْ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيْ تُبْنا، وقِيلَ: إنَّ مَعْناهُ السُّكُونُ والمُوادَعَةُ.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ مَعْناهُ دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ.

والنَّصارى قالَ سِيبَوَيْهِ: مُفْرَدُهُ نَصْرانُ ونَصْرانَةُ كَنَدْمانَ ونَدْمانَةَ، وأنْشَدَ شاهِدًا عَلى ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎تَراهُ إذا زارَ العَشا مُتَخَفِّفًا ويُضْحِي لَدَيْهِ وهو نَصْرانُ شامِسُ

وقالَ الآخَرُ:

؎فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسَها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ

قالَ: ولَكِنْ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا بِياءِ النَّسَبِ فَيُقالُ: رَجُلٌ نَصْرانِيٌّ وامْرَأةٌ نَصْرانِيَّةٌ.

وقالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَّصارى نَصْرِيٌّ.

وقالَ الجَوْهَرِيُّ: ونَصْرانُ قَرْيَةٌ بِالشّامِ تُنْسَبُ إلَيْها النَّصارى، ويُقالُ: ناصِرَةُ، وعَلى هَذا فالياءُ لِلنَّسَبِ.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ الياءَ لِلْمُبالَغَةِ كالَّتِي في أحْمَرِيٍّ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم نَصَرُوا المَسِيحَ.

والصّابِينَ جَمْعُ صابِي، وقِيلَ: صابٍ.

وقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ القُرّاءُ فَهَمَزُوهُ جَمِيعًا إلّا نافِعًا، فَمَن هَمَزَهُ جَعَلَهُ مِن صَبَأتِ النُّجُومُ: إذا طَلَعَتْ، وصَبَأتْ ثَنِيَّةُ الغُلامِ: إذا خَرَجَتْ.

ومَن لَمْ يَهْمِزْهُ جَعَلَهُ مِن صَبا يَصْبُو: إذا مالَ، والصّابِئُ في اللُّغَةِ: مَن خَرَجَ ومالَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ لِمَن أسْلَمَ قَدْ صَبَأ، وسَمَّوْا هَذِهِ الفِرْقَةَ صابِئَةً، لِأنَّها خَرَجَتْ مِن دِينِ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدُوا المَلائِكَةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وما بَعْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الإيمانِ، ويَكُونُ خَبَرُ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: فَلَهم أجْرُهم وهُما جَمِيعًا خَبَرُ " إنَّ " والعائِدُ مُقَدَّرٌ في الجُمْلَةِ الأُولى: أيْ مَن آمَنَ مِنهم، ودَخَلَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِتَضَمُّنِ …

Al-Baqara 2:62Listen in Qur'an →
63

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا﴾ هو في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هو اذْكُرُوا كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المِيثاقِ، والمُرادُ أنَّهُ أخَذَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ بِأنْ يَعْمَلُوا بِما شَرَعَهُ لَهم في التَّوْراةِ وبِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أوْ أخَصُّ.

والطُّورُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةَ فِيهِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

وقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالألْواحِ قالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللَّهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللَّهُ المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهم، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُّلَّةِ، وأُتُوا بِبَحْرٍ مِن خَلْفِهِمْ ونارٍ مِن قِبَلِ وُجُوهِهِمْ، وقِيلَ لَهم: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ أنْ لا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُ الجَبَلُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ وأخَذُوا التَّوْراةَ بِالمِيثاقِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اخْتَرَعَ وقْتَ سُجُودِهِمُ الإيمانَ، لا أنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطْمَئِنَّةٍ انْتَهى.

وهَذا تَكَلُّفٌ ساقِطٌ حَمَلَهُ المُحافَظَةُ عَلى ما قَدِ ارْتَسَمَ لَدَيْهِ مِن قَواعِدَ مَذْهَبِيَّةٍ قَدْ سَكَنَ قَلْبُهُ إلَيْها كَغَيْرِهِ، وكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لا سَبَبَ مِن أسْبابِ الإكْراهِ أقْوى مِن هَذا أوْ أشَدُّ مِنهُ.

ونَحْنُ نَقُولُ: أكْرَهَهُمُ اللَّهُ عَلى الإيمانِ فَآمَنُوا مُكْرَهِينَ، ورَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ بِهَذا الإيمانِ.

وهُوَ نَظِيرُ ما ثَبَتَ في شَرْعِنا مِن رَفْعِ السَّيْفِ عَنْ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ والسَّيْفُ مُصَلَّتٌ قَدْ هَزَّهُ حامِلُهُ عَلى رَأْسِهِ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِمَن قَتَلَ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ مُعْتَذِرًا عَنْ قَتْلِهِ بِأنَّهُ قالَها تَقِيَّةً ولَمْ تَكُنْ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ: «أأنْتَ فَتَّشْتَ عَنْ قَلْبِهِ» وقالَ: «لَمْ أُومَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النّاسِ» وقَوْلُهُ: خُذُوا أيْ: وقُلْنا لَكم ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ والقُوَّةُ: الجِدُّ والِاجْتِهادُ والمُرادُ بِذِكْرِ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا عِنْدَهم لِيَعْمَلُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أصْلُ التَّوَلِّي الإدْبارُ عَنِ الشَّيْءِ والإعْراضُ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا، والمُرادُ هُنا: إعْراضُهم عَنِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ البُرْهانِ لَهم والتَّرْهِيبِ بِأشَدِّ ما يَكُونُ وأعْظَمُ ما تُجَوِّزُهُ العُقُولُ وتُقَدِّرُهُ الأفْهامُ، وهو رَفْعُ الجَبَلِ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ تَدارَكَكم بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ حَتّى أظْهَرْتُمُ التَّوْبَةَ لَخَسِرْتُمْ.

والفَضْلُ: الزِّيادَةُ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: الفَضْلُ الزِّيادَةُ والخَيْرُ، والإفْضالُ: الإحْسانُ. انْتَهى.

والخُسْرانُ: النُّقْصانُ، وقَدْ …

Al-Baqara 2:63Listen in Qur'an →
64

ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have been among the losers.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا﴾ هو في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هو اذْكُرُوا كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المِيثاقِ، والمُرادُ أنَّهُ أخَذَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ بِأنْ يَعْمَلُوا بِما شَرَعَهُ لَهم في التَّوْراةِ وبِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أوْ أخَصُّ.

والطُّورُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةَ فِيهِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

وقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالألْواحِ قالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللَّهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللَّهُ المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهم، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُّلَّةِ، وأُتُوا بِبَحْرٍ مِن خَلْفِهِمْ ونارٍ مِن قِبَلِ وُجُوهِهِمْ، وقِيلَ لَهم: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ أنْ لا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُ الجَبَلُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ وأخَذُوا التَّوْراةَ بِالمِيثاقِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اخْتَرَعَ وقْتَ سُجُودِهِمُ الإيمانَ، لا أنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطْمَئِنَّةٍ انْتَهى.

وهَذا تَكَلُّفٌ ساقِطٌ حَمَلَهُ المُحافَظَةُ عَلى ما قَدِ ارْتَسَمَ لَدَيْهِ مِن قَواعِدَ مَذْهَبِيَّةٍ قَدْ سَكَنَ قَلْبُهُ إلَيْها كَغَيْرِهِ، وكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لا سَبَبَ مِن أسْبابِ الإكْراهِ أقْوى مِن هَذا أوْ أشَدُّ مِنهُ.

ونَحْنُ نَقُولُ: أكْرَهَهُمُ اللَّهُ عَلى الإيمانِ فَآمَنُوا مُكْرَهِينَ، ورَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ بِهَذا الإيمانِ.

وهُوَ نَظِيرُ ما ثَبَتَ في شَرْعِنا مِن رَفْعِ السَّيْفِ عَنْ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ والسَّيْفُ مُصَلَّتٌ قَدْ هَزَّهُ حامِلُهُ عَلى رَأْسِهِ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِمَن قَتَلَ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ مُعْتَذِرًا عَنْ قَتْلِهِ بِأنَّهُ قالَها تَقِيَّةً ولَمْ تَكُنْ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ: «أأنْتَ فَتَّشْتَ عَنْ قَلْبِهِ» وقالَ: «لَمْ أُومَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النّاسِ» وقَوْلُهُ: خُذُوا أيْ: وقُلْنا لَكم ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ والقُوَّةُ: الجِدُّ والِاجْتِهادُ والمُرادُ بِذِكْرِ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا عِنْدَهم لِيَعْمَلُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أصْلُ التَّوَلِّي الإدْبارُ عَنِ الشَّيْءِ والإعْراضُ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا، والمُرادُ هُنا: إعْراضُهم عَنِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ البُرْهانِ لَهم والتَّرْهِيبِ بِأشَدِّ ما يَكُونُ وأعْظَمُ ما تُجَوِّزُهُ العُقُولُ وتُقَدِّرُهُ الأفْهامُ، وهو رَفْعُ الجَبَلِ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ تَدارَكَكم بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ حَتّى أظْهَرْتُمُ التَّوْبَةَ لَخَسِرْتُمْ.

والفَضْلُ: الزِّيادَةُ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: الفَضْلُ الزِّيادَةُ والخَيْرُ، والإفْضالُ: الإحْسانُ. انْتَهى.

والخُسْرانُ: النُّقْصانُ، وقَدْ …

Al-Baqara 2:64Listen in Qur'an →
65

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا﴾ هو في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هو اذْكُرُوا كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المِيثاقِ، والمُرادُ أنَّهُ أخَذَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ بِأنْ يَعْمَلُوا بِما شَرَعَهُ لَهم في التَّوْراةِ وبِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أوْ أخَصُّ.

والطُّورُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةَ فِيهِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

وقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالألْواحِ قالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللَّهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللَّهُ المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهم، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُّلَّةِ، وأُتُوا بِبَحْرٍ مِن خَلْفِهِمْ ونارٍ مِن قِبَلِ وُجُوهِهِمْ، وقِيلَ لَهم: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ أنْ لا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُ الجَبَلُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ وأخَذُوا التَّوْراةَ بِالمِيثاقِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اخْتَرَعَ وقْتَ سُجُودِهِمُ الإيمانَ، لا أنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطْمَئِنَّةٍ انْتَهى.

وهَذا تَكَلُّفٌ ساقِطٌ حَمَلَهُ المُحافَظَةُ عَلى ما قَدِ ارْتَسَمَ لَدَيْهِ مِن قَواعِدَ مَذْهَبِيَّةٍ قَدْ سَكَنَ قَلْبُهُ إلَيْها كَغَيْرِهِ، وكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لا سَبَبَ مِن أسْبابِ الإكْراهِ أقْوى مِن هَذا أوْ أشَدُّ مِنهُ.

ونَحْنُ نَقُولُ: أكْرَهَهُمُ اللَّهُ عَلى الإيمانِ فَآمَنُوا مُكْرَهِينَ، ورَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ بِهَذا الإيمانِ.

وهُوَ نَظِيرُ ما ثَبَتَ في شَرْعِنا مِن رَفْعِ السَّيْفِ عَنْ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ والسَّيْفُ مُصَلَّتٌ قَدْ هَزَّهُ حامِلُهُ عَلى رَأْسِهِ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِمَن قَتَلَ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ مُعْتَذِرًا عَنْ قَتْلِهِ بِأنَّهُ قالَها تَقِيَّةً ولَمْ تَكُنْ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ: «أأنْتَ فَتَّشْتَ عَنْ قَلْبِهِ» وقالَ: «لَمْ أُومَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النّاسِ» وقَوْلُهُ: خُذُوا أيْ: وقُلْنا لَكم ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ والقُوَّةُ: الجِدُّ والِاجْتِهادُ والمُرادُ بِذِكْرِ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا عِنْدَهم لِيَعْمَلُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أصْلُ التَّوَلِّي الإدْبارُ عَنِ الشَّيْءِ والإعْراضُ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا، والمُرادُ هُنا: إعْراضُهم عَنِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ البُرْهانِ لَهم والتَّرْهِيبِ بِأشَدِّ ما يَكُونُ وأعْظَمُ ما تُجَوِّزُهُ العُقُولُ وتُقَدِّرُهُ الأفْهامُ، وهو رَفْعُ الجَبَلِ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ تَدارَكَكم بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ حَتّى أظْهَرْتُمُ التَّوْبَةَ لَخَسِرْتُمْ.

والفَضْلُ: الزِّيادَةُ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: الفَضْلُ الزِّيادَةُ والخَيْرُ، والإفْضالُ: الإحْسانُ. انْتَهى.

والخُسْرانُ: النُّقْصانُ، وقَدْ …

Al-Baqara 2:65Listen in Qur'an →
66

فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allah.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أخَذْنا﴾ هو في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هو اذْكُرُوا كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المِيثاقِ، والمُرادُ أنَّهُ أخَذَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ بِأنْ يَعْمَلُوا بِما شَرَعَهُ لَهم في التَّوْراةِ وبِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ أوْ أخَصُّ.

والطُّورُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةَ فِيهِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ.

وقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالألْواحِ قالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللَّهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهم: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللَّهُ المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهم، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُّلَّةِ، وأُتُوا بِبَحْرٍ مِن خَلْفِهِمْ ونارٍ مِن قِبَلِ وُجُوهِهِمْ، وقِيلَ لَهم: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ أنْ لا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُ الجَبَلُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ وأخَذُوا التَّوْراةَ بِالمِيثاقِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اخْتَرَعَ وقْتَ سُجُودِهِمُ الإيمانَ، لا أنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطْمَئِنَّةٍ انْتَهى.

وهَذا تَكَلُّفٌ ساقِطٌ حَمَلَهُ المُحافَظَةُ عَلى ما قَدِ ارْتَسَمَ لَدَيْهِ مِن قَواعِدَ مَذْهَبِيَّةٍ قَدْ سَكَنَ قَلْبُهُ إلَيْها كَغَيْرِهِ، وكُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لا سَبَبَ مِن أسْبابِ الإكْراهِ أقْوى مِن هَذا أوْ أشَدُّ مِنهُ.

ونَحْنُ نَقُولُ: أكْرَهَهُمُ اللَّهُ عَلى الإيمانِ فَآمَنُوا مُكْرَهِينَ، ورَفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ بِهَذا الإيمانِ.

وهُوَ نَظِيرُ ما ثَبَتَ في شَرْعِنا مِن رَفْعِ السَّيْفِ عَنْ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ والسَّيْفُ مُصَلَّتٌ قَدْ هَزَّهُ حامِلُهُ عَلى رَأْسِهِ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِمَن قَتَلَ مَن تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ مُعْتَذِرًا عَنْ قَتْلِهِ بِأنَّهُ قالَها تَقِيَّةً ولَمْ تَكُنْ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ: «أأنْتَ فَتَّشْتَ عَنْ قَلْبِهِ» وقالَ: «لَمْ أُومَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النّاسِ» وقَوْلُهُ: خُذُوا أيْ: وقُلْنا لَكم ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ والقُوَّةُ: الجِدُّ والِاجْتِهادُ والمُرادُ بِذِكْرِ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا عِنْدَهم لِيَعْمَلُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أصْلُ التَّوَلِّي الإدْبارُ عَنِ الشَّيْءِ والإعْراضُ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا، والمُرادُ هُنا: إعْراضُهم عَنِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ مِن بَعْدِ البُرْهانِ لَهم والتَّرْهِيبِ بِأشَدِّ ما يَكُونُ وأعْظَمُ ما تُجَوِّزُهُ العُقُولُ وتُقَدِّرُهُ الأفْهامُ، وهو رَفْعُ الجَبَلِ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ تَدارَكَكم بِلُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ حَتّى أظْهَرْتُمُ التَّوْبَةَ لَخَسِرْتُمْ.

والفَضْلُ: الزِّيادَةُ.

قالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: الفَضْلُ الزِّيادَةُ والخَيْرُ، والإفْضالُ: الإحْسانُ. انْتَهى.

والخُسْرانُ: النُّقْصانُ، وقَدْ …

Al-Baqara 2:66Listen in Qur'an →
67

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًۭا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allah commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allah from being among the ignorant."

قِيلَ: إنَّ قِصَّةَ ذَبْحِ البَقَرَةِ المَذْكُورَةَ هُنا مُقَدَّمٌ في التِّلاوَةِ ومُؤَخَّرٌ في المَعْنى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ( قَتَلْتُمْ ) مُقَدَّمًا في النُّزُولِ، ويَكُونَ الأمْرُ بِالذَّبْحِ مُؤَخَّرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نُزُولِها عَلى حَسَبِ تِلاوَتِها، فَكَأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ حَتّى ذَبَحُوها، ثُمَّ وقَعَ مِن أمْرِ القَتْلِ فَأُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. هَذا عَلى فَرْضِ أنَّ الواوَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّها لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ مِن دُونِ تَرْتِيبٍ ولا مَعِيَّةٍ، وسَيَأْتِي في قِصَّةِ القَتْلِ تَمامُ الكَلامِ، والبَقَرَةُ اسْمٌ لِلْأُنْثى، ويُقالُ لِلذَّكَرِ ثَوْرٌ، وقِيلَ: إنَّها تُطْلَقُ عَلَيْهِما، وأصْلُهُ مِنَ البَقْرِ وهو الشَّقُّ لِأنَّها تَشُقُّ الأرْضَ بِالحَرْثِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: البَقَرُ اسْمُ جِنْسٍ، وجَمْعُهُ باقِرٌ. وقَدْ قَرَأ عِكْرِمَةُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ وقَوْلُهُ: ( هُزُوًا ) الهُزُوُ هُنا اللَّعِبُ والسُّخْرِيَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ أهْلُ الجَهْلِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العَبَثِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ العُقَلاءُ، ولِهَذا أجابَهم مُوسى بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الجَهْلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ تَعَنُّتِهِمُ المَأْلُوفَةِ، فَقَدْ كانُوا يَسْلُكُونَ هَذِهِ المَسالِكَ في غالِبِ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولَوْ تَرَكُوا العَنَتَ والأسْئِلَةَ المُتَكَلَّفَةَ لَأجْزَأهم ذَبْحُ بِقَرَةٍ مِن عَرَضِ البَقَرِ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.

والفارِضُ: المُسِنَّةُ، ومَعْناهُ في اللُّغَةِ: الواسِعُ.

قالَ في الكَشّافِ: وكَأنَّها سُمِّيَتْ فارِضًا لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها: أيْ قَطَعَتْها وبَلَغَتْ آخِرَها. انْتَهى.

ويُقالُ لِلشَّيْءِ القَدِيمِ فارِضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎يا رَبِّ ذِي ضَغَنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قَرْوٌ كَقَرْوِ الحائِضِ

أيْ قَدِيمٌ، وقِيلَ: الفارِضُ: الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بُطُونًا كَثِيرَةً فَيَتَّسِعُ جَوْفُها.

والبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَحْمَلْ، وتُطْلَقُ في إناثِ البَهائِمِ وبَنِي آدَمَ عَلى ما لَمْ يَفْتَحِلْهُ الفَحْلُ، وتُطْلَقُ أيْضًا عَلى الأوَّلِ مِنَ الأوْلادِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎يا بِكْرَ بِكْرَيْنِ ويا صُلْبَ الكَبِدِ ∗∗∗ أصْبَحْتَ مِنِّي كَذِرِاعٍ مِن عَضُدِ

والعَوانُ: المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ سِنِيِّ الفارِضِ والبِكْرِ، وهي الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، ويُقالُ: هي الَّتِي قَدْ ولَدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( بَيْنَ ذَلِكَ ) إلى الفارِضِ والبِكْرِ، وهُما وإنْ كانَتا مُؤَنَّثَتَيْنِ فَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِما بِما هو لِلْمُذَكَّرِ عَلى تَأْوِيلِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: بَيْنَ ذَلِكَ المَذْكُورِ، وجازَ دُخُولُ " بَيْنَ " المُقْتَضِيَةِ لِشَيْئَيْنِ لِأنَّ المَذْكُورَ مُتَعَدِّدٌ.

وقَوْلُهُ: ( فافْعَلُوا ) تَجْدِيدٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ، وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّعَنُّتِ، فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ ولا نَجَعَ فِيهِمْ، بَلْ رَجَعُوا إلى طَبِيعَتِهِمْ، وعادُوا إلى مَكْرِهِمْ واسْتَمَرُّوا عَلى عادَتِهِمُ المَأْلُوفَةِ فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ.

واللَّوْنُ: واحِدُ الألْوانِ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها كانَتْ جَمِيعُها صَفْراءَ.

قالَ بَعْضُهم: حَتّى قَرْنُها وظِلْفُها.

وقالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: …

Al-Baqara 2:67Listen in Qur'an →
68

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا فَارِضٌۭ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allah] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

قِيلَ: إنَّ قِصَّةَ ذَبْحِ البَقَرَةِ المَذْكُورَةَ هُنا مُقَدَّمٌ في التِّلاوَةِ ومُؤَخَّرٌ في المَعْنى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ( قَتَلْتُمْ ) مُقَدَّمًا في النُّزُولِ، ويَكُونَ الأمْرُ بِالذَّبْحِ مُؤَخَّرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نُزُولِها عَلى حَسَبِ تِلاوَتِها، فَكَأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ حَتّى ذَبَحُوها، ثُمَّ وقَعَ مِن أمْرِ القَتْلِ فَأُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. هَذا عَلى فَرْضِ أنَّ الواوَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّها لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ مِن دُونِ تَرْتِيبٍ ولا مَعِيَّةٍ، وسَيَأْتِي في قِصَّةِ القَتْلِ تَمامُ الكَلامِ، والبَقَرَةُ اسْمٌ لِلْأُنْثى، ويُقالُ لِلذَّكَرِ ثَوْرٌ، وقِيلَ: إنَّها تُطْلَقُ عَلَيْهِما، وأصْلُهُ مِنَ البَقْرِ وهو الشَّقُّ لِأنَّها تَشُقُّ الأرْضَ بِالحَرْثِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: البَقَرُ اسْمُ جِنْسٍ، وجَمْعُهُ باقِرٌ. وقَدْ قَرَأ عِكْرِمَةُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ وقَوْلُهُ: ( هُزُوًا ) الهُزُوُ هُنا اللَّعِبُ والسُّخْرِيَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ أهْلُ الجَهْلِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العَبَثِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ العُقَلاءُ، ولِهَذا أجابَهم مُوسى بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الجَهْلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ تَعَنُّتِهِمُ المَأْلُوفَةِ، فَقَدْ كانُوا يَسْلُكُونَ هَذِهِ المَسالِكَ في غالِبِ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولَوْ تَرَكُوا العَنَتَ والأسْئِلَةَ المُتَكَلَّفَةَ لَأجْزَأهم ذَبْحُ بِقَرَةٍ مِن عَرَضِ البَقَرِ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.

والفارِضُ: المُسِنَّةُ، ومَعْناهُ في اللُّغَةِ: الواسِعُ.

قالَ في الكَشّافِ: وكَأنَّها سُمِّيَتْ فارِضًا لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها: أيْ قَطَعَتْها وبَلَغَتْ آخِرَها. انْتَهى.

ويُقالُ لِلشَّيْءِ القَدِيمِ فارِضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎يا رَبِّ ذِي ضَغَنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قَرْوٌ كَقَرْوِ الحائِضِ

أيْ قَدِيمٌ، وقِيلَ: الفارِضُ: الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بُطُونًا كَثِيرَةً فَيَتَّسِعُ جَوْفُها.

والبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَحْمَلْ، وتُطْلَقُ في إناثِ البَهائِمِ وبَنِي آدَمَ عَلى ما لَمْ يَفْتَحِلْهُ الفَحْلُ، وتُطْلَقُ أيْضًا عَلى الأوَّلِ مِنَ الأوْلادِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎يا بِكْرَ بِكْرَيْنِ ويا صُلْبَ الكَبِدِ ∗∗∗ أصْبَحْتَ مِنِّي كَذِرِاعٍ مِن عَضُدِ

والعَوانُ: المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ سِنِيِّ الفارِضِ والبِكْرِ، وهي الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، ويُقالُ: هي الَّتِي قَدْ ولَدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( بَيْنَ ذَلِكَ ) إلى الفارِضِ والبِكْرِ، وهُما وإنْ كانَتا مُؤَنَّثَتَيْنِ فَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِما بِما هو لِلْمُذَكَّرِ عَلى تَأْوِيلِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: بَيْنَ ذَلِكَ المَذْكُورِ، وجازَ دُخُولُ " بَيْنَ " المُقْتَضِيَةِ لِشَيْئَيْنِ لِأنَّ المَذْكُورَ مُتَعَدِّدٌ.

وقَوْلُهُ: ( فافْعَلُوا ) تَجْدِيدٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ، وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّعَنُّتِ، فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ ولا نَجَعَ فِيهِمْ، بَلْ رَجَعُوا إلى طَبِيعَتِهِمْ، وعادُوا إلى مَكْرِهِمْ واسْتَمَرُّوا عَلى عادَتِهِمُ المَأْلُوفَةِ فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ.

واللَّوْنُ: واحِدُ الألْوانِ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها كانَتْ جَمِيعُها صَفْراءَ.

قالَ بَعْضُهم: حَتّى قَرْنُها وظِلْفُها.

وقالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: …

Al-Baqara 2:68Listen in Qur'an →
69

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ صَفْرَآءُ فَاقِعٌۭ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.' "

قِيلَ: إنَّ قِصَّةَ ذَبْحِ البَقَرَةِ المَذْكُورَةَ هُنا مُقَدَّمٌ في التِّلاوَةِ ومُؤَخَّرٌ في المَعْنى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ( قَتَلْتُمْ ) مُقَدَّمًا في النُّزُولِ، ويَكُونَ الأمْرُ بِالذَّبْحِ مُؤَخَّرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نُزُولِها عَلى حَسَبِ تِلاوَتِها، فَكَأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ حَتّى ذَبَحُوها، ثُمَّ وقَعَ مِن أمْرِ القَتْلِ فَأُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. هَذا عَلى فَرْضِ أنَّ الواوَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّها لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ مِن دُونِ تَرْتِيبٍ ولا مَعِيَّةٍ، وسَيَأْتِي في قِصَّةِ القَتْلِ تَمامُ الكَلامِ، والبَقَرَةُ اسْمٌ لِلْأُنْثى، ويُقالُ لِلذَّكَرِ ثَوْرٌ، وقِيلَ: إنَّها تُطْلَقُ عَلَيْهِما، وأصْلُهُ مِنَ البَقْرِ وهو الشَّقُّ لِأنَّها تَشُقُّ الأرْضَ بِالحَرْثِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: البَقَرُ اسْمُ جِنْسٍ، وجَمْعُهُ باقِرٌ. وقَدْ قَرَأ عِكْرِمَةُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ وقَوْلُهُ: ( هُزُوًا ) الهُزُوُ هُنا اللَّعِبُ والسُّخْرِيَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ أهْلُ الجَهْلِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العَبَثِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ العُقَلاءُ، ولِهَذا أجابَهم مُوسى بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الجَهْلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ تَعَنُّتِهِمُ المَأْلُوفَةِ، فَقَدْ كانُوا يَسْلُكُونَ هَذِهِ المَسالِكَ في غالِبِ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولَوْ تَرَكُوا العَنَتَ والأسْئِلَةَ المُتَكَلَّفَةَ لَأجْزَأهم ذَبْحُ بِقَرَةٍ مِن عَرَضِ البَقَرِ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.

والفارِضُ: المُسِنَّةُ، ومَعْناهُ في اللُّغَةِ: الواسِعُ.

قالَ في الكَشّافِ: وكَأنَّها سُمِّيَتْ فارِضًا لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها: أيْ قَطَعَتْها وبَلَغَتْ آخِرَها. انْتَهى.

ويُقالُ لِلشَّيْءِ القَدِيمِ فارِضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎يا رَبِّ ذِي ضَغَنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قَرْوٌ كَقَرْوِ الحائِضِ

أيْ قَدِيمٌ، وقِيلَ: الفارِضُ: الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بُطُونًا كَثِيرَةً فَيَتَّسِعُ جَوْفُها.

والبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَحْمَلْ، وتُطْلَقُ في إناثِ البَهائِمِ وبَنِي آدَمَ عَلى ما لَمْ يَفْتَحِلْهُ الفَحْلُ، وتُطْلَقُ أيْضًا عَلى الأوَّلِ مِنَ الأوْلادِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎يا بِكْرَ بِكْرَيْنِ ويا صُلْبَ الكَبِدِ ∗∗∗ أصْبَحْتَ مِنِّي كَذِرِاعٍ مِن عَضُدِ

والعَوانُ: المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ سِنِيِّ الفارِضِ والبِكْرِ، وهي الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، ويُقالُ: هي الَّتِي قَدْ ولَدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( بَيْنَ ذَلِكَ ) إلى الفارِضِ والبِكْرِ، وهُما وإنْ كانَتا مُؤَنَّثَتَيْنِ فَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِما بِما هو لِلْمُذَكَّرِ عَلى تَأْوِيلِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: بَيْنَ ذَلِكَ المَذْكُورِ، وجازَ دُخُولُ " بَيْنَ " المُقْتَضِيَةِ لِشَيْئَيْنِ لِأنَّ المَذْكُورَ مُتَعَدِّدٌ.

وقَوْلُهُ: ( فافْعَلُوا ) تَجْدِيدٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ، وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّعَنُّتِ، فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ ولا نَجَعَ فِيهِمْ، بَلْ رَجَعُوا إلى طَبِيعَتِهِمْ، وعادُوا إلى مَكْرِهِمْ واسْتَمَرُّوا عَلى عادَتِهِمُ المَأْلُوفَةِ فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ.

واللَّوْنُ: واحِدُ الألْوانِ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها كانَتْ جَمِيعُها صَفْراءَ.

قالَ بَعْضُهم: حَتّى قَرْنُها وظِلْفُها.

وقالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: …

Al-Baqara 2:69Listen in Qur'an →
70

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allah wills, will be guided."

قِيلَ: إنَّ قِصَّةَ ذَبْحِ البَقَرَةِ المَذْكُورَةَ هُنا مُقَدَّمٌ في التِّلاوَةِ ومُؤَخَّرٌ في المَعْنى عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ( قَتَلْتُمْ ) مُقَدَّمًا في النُّزُولِ، ويَكُونَ الأمْرُ بِالذَّبْحِ مُؤَخَّرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نُزُولِها عَلى حَسَبِ تِلاوَتِها، فَكَأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ حَتّى ذَبَحُوها، ثُمَّ وقَعَ مِن أمْرِ القَتْلِ فَأُمِرُوا أنْ يَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. هَذا عَلى فَرْضِ أنَّ الواوَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّها لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ مِن دُونِ تَرْتِيبٍ ولا مَعِيَّةٍ، وسَيَأْتِي في قِصَّةِ القَتْلِ تَمامُ الكَلامِ، والبَقَرَةُ اسْمٌ لِلْأُنْثى، ويُقالُ لِلذَّكَرِ ثَوْرٌ، وقِيلَ: إنَّها تُطْلَقُ عَلَيْهِما، وأصْلُهُ مِنَ البَقْرِ وهو الشَّقُّ لِأنَّها تَشُقُّ الأرْضَ بِالحَرْثِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: البَقَرُ اسْمُ جِنْسٍ، وجَمْعُهُ باقِرٌ. وقَدْ قَرَأ عِكْرِمَةُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ وقَوْلُهُ: ( هُزُوًا ) الهُزُوُ هُنا اللَّعِبُ والسُّخْرِيَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ أهْلُ الجَهْلِ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العَبَثِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ العُقَلاءُ، ولِهَذا أجابَهم مُوسى بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الجَهْلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ هَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ تَعَنُّتِهِمُ المَأْلُوفَةِ، فَقَدْ كانُوا يَسْلُكُونَ هَذِهِ المَسالِكَ في غالِبِ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ ولَوْ تَرَكُوا العَنَتَ والأسْئِلَةَ المُتَكَلَّفَةَ لَأجْزَأهم ذَبْحُ بِقَرَةٍ مِن عَرَضِ البَقَرِ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.

والفارِضُ: المُسِنَّةُ، ومَعْناهُ في اللُّغَةِ: الواسِعُ.

قالَ في الكَشّافِ: وكَأنَّها سُمِّيَتْ فارِضًا لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها: أيْ قَطَعَتْها وبَلَغَتْ آخِرَها. انْتَهى.

ويُقالُ لِلشَّيْءِ القَدِيمِ فارِضٌ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎يا رَبِّ ذِي ضَغَنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قَرْوٌ كَقَرْوِ الحائِضِ

أيْ قَدِيمٌ، وقِيلَ: الفارِضُ: الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بُطُونًا كَثِيرَةً فَيَتَّسِعُ جَوْفُها.

والبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَحْمَلْ، وتُطْلَقُ في إناثِ البَهائِمِ وبَنِي آدَمَ عَلى ما لَمْ يَفْتَحِلْهُ الفَحْلُ، وتُطْلَقُ أيْضًا عَلى الأوَّلِ مِنَ الأوْلادِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎يا بِكْرَ بِكْرَيْنِ ويا صُلْبَ الكَبِدِ ∗∗∗ أصْبَحْتَ مِنِّي كَذِرِاعٍ مِن عَضُدِ

والعَوانُ: المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ سِنِيِّ الفارِضِ والبِكْرِ، وهي الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، ويُقالُ: هي الَّتِي قَدْ ولَدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( بَيْنَ ذَلِكَ ) إلى الفارِضِ والبِكْرِ، وهُما وإنْ كانَتا مُؤَنَّثَتَيْنِ فَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِما بِما هو لِلْمُذَكَّرِ عَلى تَأْوِيلِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قالَ: بَيْنَ ذَلِكَ المَذْكُورِ، وجازَ دُخُولُ " بَيْنَ " المُقْتَضِيَةِ لِشَيْئَيْنِ لِأنَّ المَذْكُورَ مُتَعَدِّدٌ.

وقَوْلُهُ: ( فافْعَلُوا ) تَجْدِيدٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ، وزَجْرٌ لَهم عَنِ التَّعَنُّتِ، فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ ولا نَجَعَ فِيهِمْ، بَلْ رَجَعُوا إلى طَبِيعَتِهِمْ، وعادُوا إلى مَكْرِهِمْ واسْتَمَرُّوا عَلى عادَتِهِمُ المَأْلُوفَةِ فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ.

واللَّوْنُ: واحِدُ الألْوانِ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها كانَتْ جَمِيعُها صَفْراءَ.

قالَ بَعْضُهم: حَتّى قَرْنُها وظِلْفُها.

وقالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: …

Al-Baqara 2:70Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.