Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 61–70 of 286

61

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍۢ وَٰحِدٍۢ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ۚ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًۭا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allah [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allah and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ القِراءَةَ المَعْرُوفَةَ يَخْرُجُ لَنا بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ، تُنْبِتُ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ، تَنْبُتُ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الباءِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ الظّاهِرِيِّينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ مَعْصِيَةً، وعِنْدَنا أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾ مِن

صفحة ٩٢

قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ إنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى لَيْسَ بِإيجابٍ بَلْ هو إباحَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ مَعْصِيَةً لِأنَّ مَن أُبِيحَ لَهُ ضَرْبٌ مِنَ الطَّعامِ يَحْسُنُ مِنهُ أنْ يَسْألَ غَيْرَ ذَلِكَ إمّا بِنَفْسِهِ أوْ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، فَلَمّا كانَ عِنْدَهم أنَّهم إذا سَألُوا مُوسى أنْ يَسْألَ ذَلِكَ مِن رَبِّهِ كانَ الدُّعاءُ أقْرَبَ إلى الإجابَةِ جازَ لَهم ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْصِيَةٌ.

واعْلَمْ أنَّ سُؤالَ النَّوْعِ الآخَرِ مِنَ الطَّعامِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأغْراضٍ:

الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا تَناوَلُوا ذَلِكَ النَّوْعَ الواحِدَ أرْبَعِينَ سَنَةً مَلُّوهُ فاشْتَهَوْا غَيْرَهُ.

الثّانِي: لَعَلَّهم في أصْلِ الخِلْقَةِ ما تَعَوَّدُوا ذَلِكَ النَّوْعَ وإنَّما تَعَوَّدُوا سائِرَ الأنْواعِ ورَغْبَةُ الإنْسانِ فِيما اعْتادَهُ في أصْلِ التَّرْبِيَةِ وإنْ كانَ خَسِيسًا فَوْقَ رَغْبَتِهِ فِيما لَمْ يَعْتَدْهُ وإنْ كانَ شَرِيفًا.

الثّالِثُ: لَعَلَّهم مَلُّوا مِنَ البَقاءِ في التِّيهِ فَسَألُوا هَذِهِ الأطْعِمَةَ الَّتِي لا تُوجَدُ إلّا في البِلادِ وغَرَضُهُمُ الوُصُولُ إلى البِلادِ لا نَفْسُ تِلْكَ الأطْعِمَةِ.

الرّابِعُ: أنَّ المُواظَبَةَ عَلى الطَّعامِ الواحِدِ سَبَبٌ لِنُقْصانِ الشَّهْوَةِ وضَعْفِ الهَضْمِ وقِلَّةِ الرَّغْبَةِ، والِاسْتِكْثارَ مِنَ الأنْواعِ يُعِينُ عَلى تَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ وكَثْرَةِ الِالتِذاذِ، فَثَبَتَ أنَّ تَبْدِيلَ النَّوْعِ بِالنَّوْعِ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودَ العُقَلاءِ، وثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا مَمْنُوعِينَ عَنْهُ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا القَدْرَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ كالإجابَةِ لِما طَلَبُوا ولَوْ كانُوا عاصِينَ في ذَلِكَ السُّؤالِ لَكانَتِ الإجابَةُ إلَيْهِ مَعْصِيَةً وهي غَيْرُ جائِزَةٍ عَلى الأنْبِياءِ، لا يُقالُ: إنَّهم لَمّا أبَوْا شَيْئًا اخْتارَهُ اللَّهُ لَهم أعْطاهم عاجِلَ ما سَألُوهُ كَما قالَ: ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ [الشُّورى: ٢٠] لِأنّا نَقُولُ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ، واحْتَجُّوا عَلى أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ كانَ مَعْصِيَةً بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهم: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم كَرِهُوا إنْزالَ المَنِّ والسَّلْوى، وتِلْكَ الكَراهَةُ مَعْصِيَةٌ.

الثّانِي: أنَّ …

Al-Baqara 2:61Listen in Qur'an →
62

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muhammad] - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ: ﴿هادُوا﴾ بِضَمِّ الدّالِ وعَنِ الضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ بِفَتْحِ الدّالِّ وإسْكانِ الواوِ والقِراءَةُ المَعْرُوفَةُ الصّابِئِينَ والصّابِئُونَ بِالهَمْزَةِ فِيهِما حَيْثُ كانا وعَنْ نافِعٍ وشَيْبَةَ والزَّهْرِيِّ والصّابِّينَ بِياءٍ ساكِنَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، والصّابُونَ بِباءٍ مَضْمُومَةٍ وحَذْفِ الهَمْزَةِ، وعَنِ العُمَرِيِّ بِجَعْلِ الهَمْزَةِ فِيهِما، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِياءَيْنِ خالِصَتَيْنِ فَهُما بَدَلُ الهَمْزَةِ، فَأمّا تَرْكُ الهَمْزَةِ فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مِن صَبا يَصْبُو إذا مالَ إلى الشَّيْءِ فَأحَبَّهُ.

والآخَرُ: قَلْبُ الهَمْزَةِ فَنَقُولُ: الصّابِيِينَ والصّابِيُونَ والِاخْتِيارُ الهَمْزُ لِأنَّهُ قِراءَةُ الأكْثَرِ وإلى مَعْنى التَّفْسِيرِ أقْرَبُ لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ قالُوا: هو الخارِجُ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، واعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ إذا ذَكَرَ

صفحة ٩٧

وعَدًا أوْ وعِيدًا عَقَّبَهُ بِما يُضادُّهُ لِيَكُونَ الكَلامُ تامًّا فَهاهُنا لَمّا ذَكَرَ حُكْمَ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ أخْبَرَ بِما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الأجْرِ العَظِيمِ والثَّوابِ الكَرِيمِ دالًّا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ كَما قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النَّجْمِ: ٣١] فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِنهُ، وسَبَبُ هَذا الِاخْتِلافِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإيمانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ غَيْرَ المُرادِ مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ ونَظِيرُهُ في الإشْكالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النِّساءِ: ١٣٦] فَلِأجْلِ هَذا الإشْكالِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. المُرادُ الَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ بِعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ البَراءَةِ عَنْ أباطِيلِ اليَهُودِ والنَّصارى مِثْلَ قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ، وبَحِيرى الرّاهِبِ وحَبِيبٍ النَّجّارِ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وسَلْمانَ الفارِسِيِّ وأبِي ذَرٍّ الغِفارِيِّ ووَفْدِ النَّجاشِيِّ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ والَّذِينَ كانُوا عَلى الدِّينِ الباطِلِ الَّذِي لِلْيَهُودِ والَّذِينَ كانُوا عَلى الدِّينِ الباطِلِ الَّذِي لِلنَّصارى كُلُّ مَن آمَنَ مِنهم بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبِمُحَمَّدٍ فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ طَرِيقَةَ المُنافِقِينَ ثُمَّ طَرِيقَةَ اليَهُودِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللِّسانِ دُونَ القَلْبِ وهُمُ المُنافِقُونَ، فَذَكَرَ المُنافِقِينَ ثُمَّ اليَهُودَ والنَّصارى والصّابِئِينَ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَؤُلاءِ المُبْطِلُونَ كُلُّ مَن أتى مِنهم بِالإيمانِ الحَقِيقِيِّ صارَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ وهو قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.

وثالِثُها: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ …

Al-Baqara 2:62Listen in Qur'an →
63

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ العاشِرُ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما أخَذَ مِيثاقَهم لِمَصْلَحَتِهِمْ فَصارَ ذَلِكَ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ:

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ المِيثاقَ إنَّما يَكُونُ بِفِعْلِ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ الِانْقِيادَ والطّاعَةَ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ المِيثاقِ وُجُوهًا:

أحَدُها: ما أوْدَعَ اللَّهُ العُقُولَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ والدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المَواثِيقِ أقْوى المَواثِيقِ والعُهُودِ لِأنَّها لا تَحْتَمِلُ الخُلْفَ والتَّبْدِيلَ بِوَجْهٍ البَتَّةَ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.

الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَجَعَ مِن عِنْدِ رَبِّهِ بِالألْواحِ قالَ لَهم: إنَّ فِيها كِتابَ اللَّهِ فَقالُوا: لَنْ نَأْخُذَ بِقَوْلِكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَيَقُولُ: هَذا كِتابِي فَخُذُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: خُذُوا كِتابَ اللَّهِ فَأبَوْا فَرُفِعَ فَوْقَهُمُ الطُّورُ وقِيلَ لَهم: خُذُوا الكِتابَ وإلّا طَرَحْناهُ عَلَيْكم فَأخَذُوهُ. فَرَفْعُ الطُّورِ هو المِيثاقُ، وذَلِكَ لِأنَّ رَفْعَ الطُّورِ آيَةٌ باهِرَةٌ عَجِيبَةٌ تُبْهِرُ العُقُولَ وتَرُدُّ المُكَذِّبَ إلى التَّصْدِيقِ والشّاكَّ إلى اليَقِينِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ وعَرَفُوا أنَّهُ مِن قِبَلِهِ تَعالى عِلْمًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمًا مُضافًا إلى سائِرِ الآياتِ أقَرُّوا لَهُ بِالصِّدْقِ فِيما جاءَ بِهِ وأظْهَرُوا التَّوْبَةَ وأعْطَوُا العَهْدَ والمِيثاقَ أنْ لا يَعُودُوا إلى ما كانَ مِنهم مَن عِبادَةِ العِجْلِ وأنْ يَقُومُوا بِالتَّوْراةِ فَكانَ هَذا عَهْدًا مُوَثَّقًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ.

وثالِثُها: أنَّ لِلَّهِ مِيثاقَيْنِ، فالأوَّلُ: حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ ألْزَمَ النّاسَ مُتابَعَةَ الأنْبِياءِ والمُرادُ هاهُنا هو هَذا العَهْدُ. هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وهو ضَعِيفٌ.

الثّانِي: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّما قالَ: ﴿مِيثاقَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ مَواثِيقَكم لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قَدْ أخَذَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافِرٍ: ٦٧] أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ شَيْئًا واحِدًا أُخِذَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم كَما أُخِذَ عَلى غَيْرِهِ فَلا جَرَمَ كانَ كُلُّهُ مِيثاقًا واحِدًا ولَوْ قِيلَ مَواثِيقُكم لَأشْبَهَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَواثِيقُ أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ لا مِيثاقٌ واحِدٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ فَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعْرافِ: ١٧١] وفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ والمَعْنى أنَّ أخْذَ

صفحة ١٠٠

المِيثاقِ كانَ مُتَقَدِّمًا فَلَمّا نَقَضُوهُ بِالِامْتِناعِ عَنْ قَبُولِ الكِتابِ رُفِعَ عَلَيْهِمُ الجَبَلُ، وأمّا …

Al-Baqara 2:63Listen in Qur'an →
64

ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have been among the losers.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ العاشِرُ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما أخَذَ مِيثاقَهم لِمَصْلَحَتِهِمْ فَصارَ ذَلِكَ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ:

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ المِيثاقَ إنَّما يَكُونُ بِفِعْلِ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ الِانْقِيادَ والطّاعَةَ، والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ المِيثاقِ وُجُوهًا:

أحَدُها: ما أوْدَعَ اللَّهُ العُقُولَ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ والدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المَواثِيقِ أقْوى المَواثِيقِ والعُهُودِ لِأنَّها لا تَحْتَمِلُ الخُلْفَ والتَّبْدِيلَ بِوَجْهٍ البَتَّةَ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.

الثّانِي: ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَجَعَ مِن عِنْدِ رَبِّهِ بِالألْواحِ قالَ لَهم: إنَّ فِيها كِتابَ اللَّهِ فَقالُوا: لَنْ نَأْخُذَ بِقَوْلِكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَيَقُولُ: هَذا كِتابِي فَخُذُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ فَماتُوا ثُمَّ أحْياهم ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: خُذُوا كِتابَ اللَّهِ فَأبَوْا فَرُفِعَ فَوْقَهُمُ الطُّورُ وقِيلَ لَهم: خُذُوا الكِتابَ وإلّا طَرَحْناهُ عَلَيْكم فَأخَذُوهُ. فَرَفْعُ الطُّورِ هو المِيثاقُ، وذَلِكَ لِأنَّ رَفْعَ الطُّورِ آيَةٌ باهِرَةٌ عَجِيبَةٌ تُبْهِرُ العُقُولَ وتَرُدُّ المُكَذِّبَ إلى التَّصْدِيقِ والشّاكَّ إلى اليَقِينِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ وعَرَفُوا أنَّهُ مِن قِبَلِهِ تَعالى عِلْمًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمًا مُضافًا إلى سائِرِ الآياتِ أقَرُّوا لَهُ بِالصِّدْقِ فِيما جاءَ بِهِ وأظْهَرُوا التَّوْبَةَ وأعْطَوُا العَهْدَ والمِيثاقَ أنْ لا يَعُودُوا إلى ما كانَ مِنهم مَن عِبادَةِ العِجْلِ وأنْ يَقُومُوا بِالتَّوْراةِ فَكانَ هَذا عَهْدًا مُوَثَّقًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ.

وثالِثُها: أنَّ لِلَّهِ مِيثاقَيْنِ، فالأوَّلُ: حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ ألْزَمَ النّاسَ مُتابَعَةَ الأنْبِياءِ والمُرادُ هاهُنا هو هَذا العَهْدُ. هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وهو ضَعِيفٌ.

الثّانِي: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّما قالَ: ﴿مِيثاقَكُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ مَواثِيقَكم لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أرادَ بِهِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قَدْ أخَذَ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافِرٍ: ٦٧] أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ شَيْئًا واحِدًا أُخِذَ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم كَما أُخِذَ عَلى غَيْرِهِ فَلا جَرَمَ كانَ كُلُّهُ مِيثاقًا واحِدًا ولَوْ قِيلَ مَواثِيقُكم لَأشْبَهَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَواثِيقُ أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ لا مِيثاقٌ واحِدٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ فَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعْرافِ: ١٧١] وفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا﴾ واوُ عَطْفٍ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ والمَعْنى أنَّ أخْذَ

صفحة ١٠٠

المِيثاقِ كانَ مُتَقَدِّمًا فَلَمّا نَقَضُوهُ بِالِامْتِناعِ عَنْ قَبُولِ الكِتابِ رُفِعَ عَلَيْهِمُ الجَبَلُ، وأمّا …

Al-Baqara 2:64Listen in Qur'an →
65

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾

صفحة ١٠٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ وُجُوهَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ أوَّلًا خَتَمَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بَعْضِ ما وجَّهَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّشْدِيداتِ، وهَذا هو النَّوْعُ الأوَّلُ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأيْلَةَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ وهو مَكانٌ مِنَ البَحْرِ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الحِيتانُ مِن كُلِّ أرْضٍ في شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ حَتّى لا يُرى الماءُ لِكَثْرَتِها وفي غَيْرِ ذَلِكَ الشَّهْرِ في كُلِّ سَبْتٍ خاصَّةً وهي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعْرافِ: ١٦٣] فَحَفَرُوا حِياضًا عِنْدَ البَحْرِ وشَرَّعُوا إلَيْها الجَداوِلَ فَكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ فَذَلِكَ الحَبْسُ في الحِياضِ هو اعْتِداؤُهم، ثُمَّ إنَّهم أخَذُوا السَّمَكَ واسْتَغْنَوْا بِذَلِكَ وهم خائِفُونَ مِنَ العُقُوبَةِ فَلَمّا طالَ العَهْدُ اسْتَسَنَّ الأبْناءُ بِسُنَّةِ الآباءِ واتَّخَذُوا الأمْوالَ فَمَشى إلَيْهِمْ طَوائِفُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ الَّذِينَ كَرِهُوا الصَّيْدَ يَوْمَ السَّبْتِ ونَهَوْهم فَلَمْ يَنْتَهُوا وقالُوا: نَحْنُ في هَذا العَمَلِ مُنْذُ زَمانٍ فَما زادَنا اللَّهُ بِهِ إلّا خَيْرًا، فَقِيلَ لَهم: لا تَغْتَرُّوا فَرُبَّما نَزَلَ بِكُمُ العَذابُ والهَلاكُ، فَأصْبَحَ القَوْمُ وهم قِرَدَةٌ خاسِئُونَ فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ أمْرانِ:

الأوَّلُ: إظْهارُ مُعْجِزَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ كالخِطابِ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا أخْبَرَهم مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ مَعَ أنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأْ ولَمْ يَكْتُبْ ولَمْ يُخالِطِ القَوْمَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما عَرَفَهُ مِنَ الوَحْيِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَهم بِما عامَلَ بِهِ أصْحابَ السَّبْتِ فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهم أما تَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم بِسَبَبِ تَمَرُّدِكم ما نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ فَلا تَغْتَرُّوا بِالإمْهالِ المَمْدُودِ لَكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ [النِّساءِ: ٤٧] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكَلامُ فِيهِ حَذْفٌ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ عَلِمْتُمُ اعْتِداءَ مَنِ اعْتَدى مِنكم في السَّبْتِ لِكَيْ يَكُونَ المَذْكُورُ مِنَ العُقُوبَةِ جَزاءً لِذَلِكَ، ولَفْظُ الِاعْتِداءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ في السَّبْتِ كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ لَكِنَّهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعْرافِ: ١٦٣] ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم إنَّما تَعَدَّوْا في ذَلِكَ الِاصْطِيادِ فَقَطْ، وأنْ يُقالَ: إنَّهم إنَّما تَعَدَّوْا لِأنَّهُمُ اصْطادُوا مَعَ أنَّهُمُ اسْتَحَلُّوا ذَلِكَ الِاصْطِيادَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ …

Al-Baqara 2:65Listen in Qur'an →
66

فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allah.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾

صفحة ١٠٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ وُجُوهَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ أوَّلًا خَتَمَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بَعْضِ ما وجَّهَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّشْدِيداتِ، وهَذا هو النَّوْعُ الأوَّلُ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ كانُوا في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأيْلَةَ عَلى ساحِلِ البَحْرِ بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ وهو مَكانٌ مِنَ البَحْرِ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الحِيتانُ مِن كُلِّ أرْضٍ في شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ حَتّى لا يُرى الماءُ لِكَثْرَتِها وفي غَيْرِ ذَلِكَ الشَّهْرِ في كُلِّ سَبْتٍ خاصَّةً وهي القَرْيَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ [الأعْرافِ: ١٦٣] فَحَفَرُوا حِياضًا عِنْدَ البَحْرِ وشَرَّعُوا إلَيْها الجَداوِلَ فَكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ فَذَلِكَ الحَبْسُ في الحِياضِ هو اعْتِداؤُهم، ثُمَّ إنَّهم أخَذُوا السَّمَكَ واسْتَغْنَوْا بِذَلِكَ وهم خائِفُونَ مِنَ العُقُوبَةِ فَلَمّا طالَ العَهْدُ اسْتَسَنَّ الأبْناءُ بِسُنَّةِ الآباءِ واتَّخَذُوا الأمْوالَ فَمَشى إلَيْهِمْ طَوائِفُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ الَّذِينَ كَرِهُوا الصَّيْدَ يَوْمَ السَّبْتِ ونَهَوْهم فَلَمْ يَنْتَهُوا وقالُوا: نَحْنُ في هَذا العَمَلِ مُنْذُ زَمانٍ فَما زادَنا اللَّهُ بِهِ إلّا خَيْرًا، فَقِيلَ لَهم: لا تَغْتَرُّوا فَرُبَّما نَزَلَ بِكُمُ العَذابُ والهَلاكُ، فَأصْبَحَ القَوْمُ وهم قِرَدَةٌ خاسِئُونَ فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ أمْرانِ:

الأوَّلُ: إظْهارُ مُعْجِزَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ كالخِطابِ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا أخْبَرَهم مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ مَعَ أنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لَمْ يَقْرَأْ ولَمْ يَكْتُبْ ولَمْ يُخالِطِ القَوْمَ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما عَرَفَهُ مِنَ الوَحْيِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَهم بِما عامَلَ بِهِ أصْحابَ السَّبْتِ فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهم أما تَخافُونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم بِسَبَبِ تَمَرُّدِكم ما نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ فَلا تَغْتَرُّوا بِالإمْهالِ المَمْدُودِ لَكم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ [النِّساءِ: ٤٧] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكَلامُ فِيهِ حَذْفٌ كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ عَلِمْتُمُ اعْتِداءَ مَنِ اعْتَدى مِنكم في السَّبْتِ لِكَيْ يَكُونَ المَذْكُورُ مِنَ العُقُوبَةِ جَزاءً لِذَلِكَ، ولَفْظُ الِاعْتِداءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ في السَّبْتِ كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ لَكِنَّهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعْرافِ: ١٦٣] ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهم إنَّما تَعَدَّوْا في ذَلِكَ الِاصْطِيادِ فَقَطْ، وأنْ يُقالَ: إنَّهم إنَّما تَعَدَّوْا لِأنَّهُمُ اصْطادُوا مَعَ أنَّهُمُ اسْتَحَلُّوا ذَلِكَ الِاصْطِيادَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ …

Al-Baqara 2:66Listen in Qur'an →
67

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًۭا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ

And [recall] when Moses said to his people, "Indeed, Allah commands you to slaughter a cow." They said, "Do you take us in ridicule?" He said, "I seek refuge in Allah from being among the ignorant."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ التَّشْدِيداتِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسائِرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي

صفحة ١٠٦

إسْرائِيلَ قَتَلَ قَرِيبًا لِكَيْ يَرِثَهُ ثُمَّ رَماهُ في مَجْمَعِ الطَّرِيقِ ثُمَّ شَكا ذَلِكَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فاجْتَهَدَ مُوسى في تَعَرُّفِ القاتِلِ، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ قالُوا لَهُ: سَلْ لَنا رَبَّكَ حَتّى يُبَيِّنَهُ، فَسَألَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ ثُمَّ شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالِاسْتِفْهامِ حالًا بَعْدَ حالٍ واسْتَقْصَوْا في طَلَبِ الوَصْفِ فَلَمّا تَعَيَّنَتْ لَمْ يَجِدُوها بِذَلِكَ النَّعْتِ إلّا عِنْدَ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ ولَمْ يَبِعْها إلّا بِأضْعافِ ثَمَنِها، فاشْتَرَوْها وذَبَحُوها وأمَرَهم مُوسى أنْ يَأْخُذُوا عُضْوًا مِنها فَيَضْرِبُوا بِهِ القَتِيلَ، فَفَعَلُوا فَصارَ المَقْتُولُ حَيًّا وسَمّى لَهم قاتِلَهُ وهو الَّذِي ابْتَدَأ بِالشِّكايَةِ فَقَتَلُوهُ قَوَدًا، ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الإيلامَ والذَّبْحَ حَسَنٌ وإلّا لَما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ عِنْدَنا وجْهُ الحُسْنِ فِيهِ أنَّهُ تَعالى مالِكُ المُلْكِ فَلا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ إنَّما يَحْسُنُ لِأجْلِ الأعْواضِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مِن بَقَرِ الدُّنْيا وهَذا هو الواجِبُ المُخَيَّرُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا بِالواجِبِ المُخَيَّرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُونَ بِالعُمُومِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ مَعْناهُ اذْبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ شِئْتُمْ فَهَذِهِ الصِّيغَةُ تُفِيدُ هَذا العُمُومَ، وقالَ مُنْكِرُو العُمُومِ: إنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى العُمُومِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المَفْهُومَ مِن قَوْلِ القائِلِ اذْبَحْ بَقَرَةً. يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إلى قِسْمَيْنِ، فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: اذْبَحْ بَقَرَةً مُعَيَّنَةً مِن شَأْنِها كَيْتُ وكَيْتُ ويَصِحُّ أيْضًا أنْ يُقالَ اذْبَحْ بَقَرَةً أيَّ بَقَرَةٍ شِئْتَ، فَإذَنِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِكَ ”اذْبَحْ“ مَعْنًى مُشْتَرِكٌ بَيْنَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، والمُشْتَرِكُ بَيْنَ القِسْمَيْنِ لا يَسْتَلْزِمُ واحِدًا مِنهُما، فَإذَنْ قَوْلُهُ اذْبَحُوا بَقَرَةً لا يَسْتَلْزِمُ مَعْناهُ مَعْنى قَوْلِهِ: اذْبَحُوا بَقَرَةً، أيَّ بَقَرَةٍ شِئْتُمْ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا …

Al-Baqara 2:67Listen in Qur'an →
68

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا فَارِضٌۭ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَٱفْعَلُوا۟ مَا تُؤْمَرُونَ

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is." [Moses] said, "[Allah] says, 'It is a cow which is neither old nor virgin, but median between that,' so do what you are commanded."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الثّانِي مِنَ التَّشْدِيداتِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسائِرِ المُفَسِّرِينَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي

صفحة ١٠٦

إسْرائِيلَ قَتَلَ قَرِيبًا لِكَيْ يَرِثَهُ ثُمَّ رَماهُ في مَجْمَعِ الطَّرِيقِ ثُمَّ شَكا ذَلِكَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فاجْتَهَدَ مُوسى في تَعَرُّفِ القاتِلِ، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ قالُوا لَهُ: سَلْ لَنا رَبَّكَ حَتّى يُبَيِّنَهُ، فَسَألَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ ثُمَّ شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالِاسْتِفْهامِ حالًا بَعْدَ حالٍ واسْتَقْصَوْا في طَلَبِ الوَصْفِ فَلَمّا تَعَيَّنَتْ لَمْ يَجِدُوها بِذَلِكَ النَّعْتِ إلّا عِنْدَ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ ولَمْ يَبِعْها إلّا بِأضْعافِ ثَمَنِها، فاشْتَرَوْها وذَبَحُوها وأمَرَهم مُوسى أنْ يَأْخُذُوا عُضْوًا مِنها فَيَضْرِبُوا بِهِ القَتِيلَ، فَفَعَلُوا فَصارَ المَقْتُولُ حَيًّا وسَمّى لَهم قاتِلَهُ وهو الَّذِي ابْتَدَأ بِالشِّكايَةِ فَقَتَلُوهُ قَوَدًا، ثُمَّ هاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ الإيلامَ والذَّبْحَ حَسَنٌ وإلّا لَما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ عِنْدَنا وجْهُ الحُسْنِ فِيهِ أنَّهُ تَعالى مالِكُ المُلْكِ فَلا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ إنَّما يَحْسُنُ لِأجْلِ الأعْواضِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مِن بَقَرِ الدُّنْيا وهَذا هو الواجِبُ المُخَيَّرُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا بِالواجِبِ المُخَيَّرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: القائِلُونَ بِالعُمُومِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ مَعْناهُ اذْبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ شِئْتُمْ فَهَذِهِ الصِّيغَةُ تُفِيدُ هَذا العُمُومَ، وقالَ مُنْكِرُو العُمُومِ: إنَّ هَذا لا يَدُلُّ عَلى العُمُومِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المَفْهُومَ مِن قَوْلِ القائِلِ اذْبَحْ بَقَرَةً. يُمْكِنُ تَقْسِيمُهُ إلى قِسْمَيْنِ، فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: اذْبَحْ بَقَرَةً مُعَيَّنَةً مِن شَأْنِها كَيْتُ وكَيْتُ ويَصِحُّ أيْضًا أنْ يُقالَ اذْبَحْ بَقَرَةً أيَّ بَقَرَةٍ شِئْتَ، فَإذَنِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِكَ ”اذْبَحْ“ مَعْنًى مُشْتَرِكٌ بَيْنَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، والمُشْتَرِكُ بَيْنَ القِسْمَيْنِ لا يَسْتَلْزِمُ واحِدًا مِنهُما، فَإذَنْ قَوْلُهُ اذْبَحُوا بَقَرَةً لا يَسْتَلْزِمُ مَعْناهُ مَعْنى قَوْلِهِ: اذْبَحُوا بَقَرَةً، أيَّ بَقَرَةٍ شِئْتُمْ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا …

Al-Baqara 2:68Listen in Qur'an →
69

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ صَفْرَآءُ فَاقِعٌۭ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ

They said, "Call upon your Lord to show us what is her color." He said, "He says, 'It is a yellow cow, bright in color - pleasing to the observers.' "

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ هَذِهِ البَقَرَةَ لِحُسْنِ لَوْنِها تَسُرُّ مِن نَظَرِ إلَيْها، قالَ الحَسَنُ: الصَّفْراءُ هاهُنا بِمَعْنى السَّوْداءِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ الدُّخانِ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٣] أيْ سُودٌ، واعْتَرَضُوا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّ الأصْفَرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ الأسْوَدُ البَتَّةَ، فَلَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فِيهِ، وأيْضًا السَّوادُ لا يُنْعَتُ بِالفُقُوعِ، إنَّما يُقالُ: أصْفَرُ فاقِعٌ وأسْوَدُ حالِكٌ واللَّهُ أعْلَمُ، وأمّا السُّرُورُ فَإنَّهُ حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَعْرِضُ عِنْدَ حُصُولِ اعْتِقادٍ أوْ عِلْمٍ أوْ ظَنٍّ بِحُصُولِ شَيْءٍ لَذِيذٍ أوْ نافِعٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى سُؤالَهُمُ الثّالِثَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الحَسَنُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَها أبَدًا» “، واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّلَفُّظَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ مَندُوبٌ في كُلِّ عَمَلٍ يُرادُ تَحْصِيلُهُ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكَهْفِ: ٢٣]، وفِيهِ اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ، والِاعْتِرافُ بِقُدْرَتِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ الحَوادِثَ بِأسْرِها مُرادَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَإنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ فَقَدْ أرادَ اهْتِداءَهم لا مَحالَةَ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِقَوْلِهِمْ إنْ شاءَ اللَّهُ فائِدَةٌ. أمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ فَحِينَئِذٍ يَبْقى لِقَوْلِنا إنْ شاءَ اللَّهُ فائِدَةٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى مُحْدَثَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ دُخُولَ كَلِمَةِ ”إنْ“ عَلَيْهِ يَقْتَضِي الحُدُوثَ.

والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ حُصُولَ الِاهْتِداءِ عَلى حُصُولِ مَشِيئَةِ الِاهْتِداءِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ حُصُولُ الِاهْتِداءِ أزَلِيًّا وجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَشِيئَةُ الِاهْتِداءِ أزَلِيَّةً. ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ فَفِيهِ السُّؤالُ المَذْكُورُ وهو أنَّ قَوْلَنا: ما هو طَلَبُ بَيانِ الحَقِيقَةِ، والمَذْكُورُ هاهُنا في الجَوابِ الصِّفاتُ العَرَضِيَّةُ المُفارَقَةُ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ جَوابُهُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ فالمَعْنى أنَّ البَقَرَ المَوْصُوفَ بِالتَّعْوِينِ والصُّفْرَةِ كَثِيرٌ فاشْتَبَهَ عَلَيْنا أيُّها نَذْبَحُ، وقُرِئَ تَشابَهُ بِمَعْنى تَتَشابَهُ بِطَرْحِ التّاءِ وإدْغامِها في الشِّينِ و[قُرِئَ] تَشابَهَتْ ومُتَشابِهَةٌ ومُتَشابِهٌ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ ذَكَرَها القَفّالُ:

أحَدُها: وإنّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ نَهْتَدِي لِلْبَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها عِنْدَ تَحْصِيلِنا أوْصافَها الَّتِي تَمْتازُ بِها عَمّا عَداها.

وثانِيها: وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعْرِيفَها إيّانا بِالزِّيادَةِ لَنا في البَيانِ …

Al-Baqara 2:69Listen in Qur'an →
70

قَالُوا۟ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ

They said, "Call upon your Lord to make clear to us what it is. Indeed, [all] cows look alike to us. And indeed we, if Allah wills, will be guided."

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّ هَذِهِ البَقَرَةَ لِحُسْنِ لَوْنِها تَسُرُّ مِن نَظَرِ إلَيْها، قالَ الحَسَنُ: الصَّفْراءُ هاهُنا بِمَعْنى السَّوْداءِ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الأسْوَدَ أصْفَرَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ الدُّخانِ: ﴿كَأنَّهُ جِمالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٣] أيْ سُودٌ، واعْتَرَضُوا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّ الأصْفَرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ الأسْوَدُ البَتَّةَ، فَلَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فِيهِ، وأيْضًا السَّوادُ لا يُنْعَتُ بِالفُقُوعِ، إنَّما يُقالُ: أصْفَرُ فاقِعٌ وأسْوَدُ حالِكٌ واللَّهُ أعْلَمُ، وأمّا السُّرُورُ فَإنَّهُ حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَعْرِضُ عِنْدَ حُصُولِ اعْتِقادٍ أوْ عِلْمٍ أوْ ظَنٍّ بِحُصُولِ شَيْءٍ لَذِيذٍ أوْ نافِعٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى سُؤالَهُمُ الثّالِثَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الحَسَنُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ يَقُولُوا إنْ شاءَ اللَّهُ لَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَها أبَدًا» “، واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّلَفُّظَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ مَندُوبٌ في كُلِّ عَمَلٍ يُرادُ تَحْصِيلُهُ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكَهْفِ: ٢٣]، وفِيهِ اسْتِعانَةٌ بِاللَّهِ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ، والِاعْتِرافُ بِقُدْرَتِهِ ونَفاذِ مَشِيئَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا عَلى أنَّ الحَوادِثَ بِأسْرِها مُرادَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَإنَّ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ فَقَدْ أرادَ اهْتِداءَهم لا مَحالَةَ، وحِينَئِذٍ لا يَبْقى لِقَوْلِهِمْ إنْ شاءَ اللَّهُ فائِدَةٌ. أمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا فَإنَّهُ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِما لا يُرِيدُ فَحِينَئِذٍ يَبْقى لِقَوْلِنا إنْ شاءَ اللَّهُ فائِدَةٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى مُحْدَثَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ دُخُولَ كَلِمَةِ ”إنْ“ عَلَيْهِ يَقْتَضِي الحُدُوثَ.

والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى عَلَّقَ حُصُولَ الِاهْتِداءِ عَلى حُصُولِ مَشِيئَةِ الِاهْتِداءِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ حُصُولُ الِاهْتِداءِ أزَلِيًّا وجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَشِيئَةُ الِاهْتِداءِ أزَلِيَّةً. ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ، فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ فَفِيهِ السُّؤالُ المَذْكُورُ وهو أنَّ قَوْلَنا: ما هو طَلَبُ بَيانِ الحَقِيقَةِ، والمَذْكُورُ هاهُنا في الجَوابِ الصِّفاتُ العَرَضِيَّةُ المُفارَقَةُ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا الجَوابُ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ جَوابُهُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ فالمَعْنى أنَّ البَقَرَ المَوْصُوفَ بِالتَّعْوِينِ والصُّفْرَةِ كَثِيرٌ فاشْتَبَهَ عَلَيْنا أيُّها نَذْبَحُ، وقُرِئَ تَشابَهُ بِمَعْنى تَتَشابَهُ بِطَرْحِ التّاءِ وإدْغامِها في الشِّينِ و[قُرِئَ] تَشابَهَتْ ومُتَشابِهَةٌ ومُتَشابِهٌ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ ذَكَرَها القَفّالُ:

أحَدُها: وإنّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ نَهْتَدِي لِلْبَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها عِنْدَ تَحْصِيلِنا أوْصافَها الَّتِي تَمْتازُ بِها عَمّا عَداها.

وثانِيها: وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعْرِيفَها إيّانا بِالزِّيادَةِ لَنا في البَيانِ …

Al-Baqara 2:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.