Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib

Ayahs 1–10 of 286

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

واختلف العلماء في معاني أوائل السور: فعن ابن عباس أقوال، منها: أنه قال: "الۤمۤ؛ أنا الله أعلم، الۤرۤ؛ أنا الله أرى".

فالألف: يؤدي عن "أنا"، واللام: يؤدي عن اسم الله. والميم: تؤدي عن "أعلم"، والراء: يؤدي عن "أرى".

وعنه [أن] أوائل السور مأخوذة من أسماء الله. فيقول في ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ [مريم: ١]: "إن الكاف: من كاف، والهاء: من هاد".

وعنه أيضاً "أنها أقسام، أقسم الله بها، وهي من أسماء الله جل ذكره".

وقد قال بكل قول من هذه الأقوال جماعة من العلماء.

وروى عنه عطاء أنه قال في ﴿الۤـمۤ﴾: "الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمد ﷺ"

[وكذلك] روى الضحاك عنه.

وقال قتادة: "الۤمۤ، اسم من أسماء القرآن". وروي مثله عن مجاهد.

وعن مجاهد أيضاً أنه قال: "هي فواتح السور".

وقال أبو عبيدة والأخفش: "هي افتتاح كلام".

وقال زيد بن أسلم: "هي أسماء السور".

وروى ابن جبير عن ابن عباس: "﴿كۤهيعۤصۤ﴾ [مريم: ١]: كبير، هاد، عزيز، صادق".

وقال محمد بن كعب: ﴿حـمۤ * عۤسۤقۤ﴾: الحاء والميم: من الرحمان، والعين: من العليم، والسين: من القدوس، والقاف: من القهار".

وقال في ﴿الۤمۤصۤ﴾: "الألف واللام: الله، والصاد: من الصمد".

وقال بعض أهل النظر: "هي تنبيه".

وقال قطرب في معناها: "كان المشركون ينفرون عند قراءة القرآن. فلما سمعوا" ﴿الۤـمۤ﴾ و ﴿الۤمۤصۤ﴾ وقفوا ليفهموا ما هو وأنصتوا، فاتصلت تلاوة القرآن بها فسمعوه، وثبتت عليهم الحجة، وجحدوا بعد سماع ما هو حجة عليهم. وهذه حكمة بالغة من الله، والله أعلم بذلك".

وعن قطرب أيضاً أنه قال: "هي حروف ذكرت لتدل على أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف المقطعة".

وقال أبو العالية: "هي الحروف من التسعة وعشرين حرفاً دارت بها الألسن كلها، ليس فيها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه ونعمائه، وليس منها (حرف) إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم. الألف: مفتاح اسمه: الله، واللام مفتاح اسمه: لطيف، والميم مفتاح اسمه: مجيد. الألف: آلاء الله، واللام: لطفه، والميم: مجده. الألف: سنة، واللام: ثلاثون سنة، والميم: أربعون سنة".

وقال جماعة: "هي مما لا يعلمه إلا الله، ولله في [كل كتاب] سر، وهذه الحروف سره في كتابه".

وقيل: هي اسم الله الأعظم. رواه السدي عن ابن عباس.

ويروى أن اليهود لما سمعت ﴿الۤـمۤ﴾، قالوا: "الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، وهي مدة ملك محمد. أفتدخلون في دين، إنما مدة ملكه إحدى وسبعون سنة. فلما سمعوا ﴿الۤمۤصۤ﴾ [الأعراف: ١] قالوا: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون والصاد ستون فذلك إحدى وثلاثون ومائة سنة، فلما سمعوا ﴿الۤر﴾ [يونس: ١] و﴿الۤمۤر﴾ [الرعد: ١] و﴿حـمۤ * عۤسۤقۤ﴾ [الشورى: ١-٢]، قالوا: قد لبس علينا الأمر، فما ندري ما يقيم ملكه. فأنزل الله عز وجل: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].

فهذا الذي اشتبه عليهم في هذا التأويل والله أعلم.

وهذه الحروف تسمى حروف المعجم، وإنما سميت بذلك لأنها مبينة للكلام فاشتق لها هذا الاسم من قولهم: "أعجَمْتُ الِكتَابَ" إذا بَيَّنْتَهُ.

وقيل: إنما اشتق لها هذا من قولهم: "عَجَمْتُ الْعُودَ" إذا عَضَضْتَهُ لِتَخْتَبِرَهُ.

فيكون "المعجم" من هذا أتى على توهم زيادة الهمزة، كما أتى "لواقع" على توهم حذف الهمزة من "ألْقَحْتُ"، وكان الأصل "ملاقح". كذلك كان الأصل "المعجوم"، إذا جعلته من "عَجَمْت". وقد قالوا: "مسعود"، على تقدير حذف الهمزة من "أسعده الله"، وقرئ: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ﴾ [هود: ١٠٨] - بضم السين - على ذلك التقدير. فكذلك المعجم من "عجمت" على تقدير حذف الهمزة من "أعجمت"، فيكون معناه حروف الاختبار، وهي موقوفة مبنية على السكون أبداً، إلا أن تخبر عن شيء منها، أو تعطف بعضها على بعض، فتعربها، تقول: …

2

ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ

This is the Book about which there is no doubt, a guidance for those conscious of Allah -

قوله عز وجل: ﴿ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ﴾.

أكثر أهل التفسير على أن "ذلك" بمعنى "هذا".

كما تقول للرجل وهو يحدثك: "ذلك، والله الحق"، أي هذا والله الحق.

قال الله جل ذكره: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]. أي هذا ما كنت منه تحيد. وقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي هذه عشرة كاملة. وقال: ﴿ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. أي هذا الحكم لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.

وقال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: ٦٤] أي إن هذا وهو كثير في كلام العرب والقرآن.

وقيل: إن ﴿ذٰلِكَ﴾ على بابها للإشارة إلى شيء معلوم. واختلف في ذلك المشار إليه. ما هو؟

فقيل: إن ﴿ذٰلِكَ﴾ إشارة إلى ما نزل من القرآن قبل سورة البقرة.

وقال الكسائي: "﴿ذٰلِكَ﴾ إشارة إلى الرسالة والقرآن وعمّا في السماء".

وقيل: إشارة إلى اللوح المحفوظ.

وحكى الطبري أن بعض المفسرين قال: "﴿ذٰلِكَ﴾: إشارة إلى التوراة والإنجيل". وقيل: ﴿ذٰلِكَ﴾: إشارة إلى ما وعد به النبي ﷺ من أنه سينزل عليه كتاب فوقعت الإشارة على ما تقدم من الوعد.

وجيء باللام في ﴿ذٰلِكَ﴾ للتأكيد في بعد الإشارة.

وقال الكسائي: "جيء بها لئلا يتوهم أن ﴿ذٰلِكَ﴾ مضاف إلى الكاف".

وقيل: جيء بها عوضاً عن المحذوف من "ذا"، لأن أصل "ذا" أن يكون على ثلاثة أحرف، لأن أقل الأسماء ما يأتي على ثلاثة أحرف.

وقال علي بن سليمان: "جيء باللام لتدل على شدة التراخي، وكسرت لئلا تشبه لام الملك.

وقيل: كسرت لأنها بدل من همزة مكسورة لأن أصل "ذا" "ذاء" على ثلاثة أحرف بهمزة مكسورة، ومن العرب من يقول في "ذلك" "ذاءك" بالهمز حكاه الفراء وغيره، قال: "وإنما أبدلوا من الهمزة لاماً لأن "ذاء" خرج عن لفظ المضاف، وليس بمضاف، واللام من أدوات المضاف، فأبدلوا من الهمزة لاماً وكسرت لأن الهمزة كانت مكسورة لالتقاء الساكنين".

كان أصل ذا أن يكون بألفين ليكون على ثلاثة أحرف إذ هي أقل أصول الأسماء فأبدلت الألف الثانية همزة وكسرت لسكونها وسكون الألف قبلها. وقد قال الكسائي: "إنما أبدلوا من الهمزة لاماً لئلا تشبه المضاف"

وقيل: إنما كسرت اللام لالتقاء الساكنين لأنها اجتلبت ساكنة، وقبلها الألف من "ذا" ساكنة، وكسرت اللام لالتقاء الساكنين.

والاسم من "ذلك"، ذا وقيل: الاسم الذال، وزيدت الألف للتقوية. ولا موضع للكاف من الإعراب، إنما هي للخطاب، ولو كان لها موضع من الإعراب لكانت في موضع خفض بالإضافة على ظاهر اللفظ.

و "ذا" لا يضاف في شيء من كلام العرب، لأنه معرفة، ولأن اللام تفصل بينهما، ولأن المعنى على غير معنى الإضافة.

والكتاب مشتق من الكتيبة وهي الخيل المجتمعة، يقال: "تَكتَّب القَوْمُ" إذا اجتمعوا. فسمي المكتوب كتاباً لاجتماع بعض الحروف إلى بعض. ومنه قول العرب: "كُتِبَتْ القِرْبَة" إذا جُمِعَتْ خُرَزاً إلى خُرَز، وكَتَبْتُ البَغلَةَ" إذا جَمَعْتَ بين شُفْرَيْهَا بِحَلْقَة.

قوله عز وجل: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾.

الهاء تعود على (الكتاب) . وقيل على ﴿ذٰلِكَ﴾.

وقيل: على ﴿الۤـمۤ﴾ على أن تكون ﴿الۤـمۤ﴾ إسماً من أسماء القرآن.

وقيل: هي راجعة على ﴿هُدًى﴾ مقدمة عليه، يراد به التقديم. أي ذلك الكتاب هدى لا ريب فيه، أي في الهدى. ورجوعها على ﴿ٱلْكِتَابُ﴾ أبينها.

والكتاب القرآن هو نفي عام نفى الله جل ذكره أن يكون فيه شك عند من وفقه الله، وقد ارتاب فيه من خذله الله ولم يوفقه، ولذلك قال: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]. معناه: وإن كنتم على زعمكم في شك من ذلك فأتوا ببرهان على ذلك، فقد أتيناكم بما لا ريب فيه لمن وفق.

والريب مصدر "رَابَني الأَمْرُ رَيْباً".

وحكى المبرد: "رَابَني الشيء تبينت فيه الريبة، وأَرَابَنِي إذا لم أتبينها فيه".

وحكى غيره: "أَرَابَ الرجل في …

3

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

Who believe in the unseen, establish prayer, and spend out of what We have provided for them,

وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ الآية.

"الذين": اسم مبهم ناقص لا بد له من صلة وعائد، وهو مبني في الجمع والواحد لمشابهة الحروف، ولأنه بعض اسم، فإن ثَنَّيْتَهُ أَعْربتَه، لأن التثنية تخرجه من مشابهة الحروف إذ الحروف لا تثنى.

فإن قيل: فأعربه في الجمع إذ الحروف لا تجمع.

فالجواب: إن الجمع مشبه بالواحد، لأنه يأتي إعرابه في آخره كالواحد، ولأنه يأتي على صور وأبنية مختلفة كالواحد، فجرى مجرى الواحد في البناء، والتثنية لا تختلف أبنيتها، ولا يقع إعرابها في آخرها، فخالفت الواحد والجمع فأعربت، هذه لغة القرآن وأكثر كلام العرب.

ومن العرب من يعرب الجمع فيقول في الرفع "أَلَّذُون" فهؤلاء أعربوا الجمع إذ الحروف لا تجمع، وأصل "الذي" تدغم الياء منه محذوفة للتنوين كما تحذف في "عم" و "قاض" في الرفع والخفض. فلما دخلته الألف واللام رجعت الياء لزوال التنوين، وكتب "الذي" بلام واحدة، وأصلها لامان، تخفيفاً ولكثرة الاستعمال.

وجرى "الذين" في الجمع على ذلك لقربه من الواحد في المشابهة المتقدمة الذكر، وكتبت "اللذين" في التثنية بلامين على الأصل، لأن التثنية لا تختلف ولا تأتي في جمع الأسماء إلا على نظام واحد. فلما جرت على أصلها، ولم تختلف كاختلاف الجمع جرت على أصلها في الخط. وأصل الإيمان: التصديق، فالعبد المؤمن يُصَدِّقُ بما أتاه من ربه، والله يصدق عبده بانتظاره ما وعده به من المجازاة على إيمانه، فالله جل ذكره مؤمن، ولا يقال: بكذا، والعبد مؤمن بكذا.

وقد قيل: إن المؤمن مأخوذ من الأمان، وذلك أن العبد يُؤَمِّن نفسه من عذاب الله بإيمانه. والله مُؤَمِّن: أي: يُؤَمِّنُ مطيعه من عذابه.

والهمز في "يؤمن" الأصل، وبدل الهمزة بواو لانضمام ما قبلها حسن فصيح.

والغيب: كل ما استتر عنك. وهو في هذه الآية البعث، والحساب، والجنة، والنار، وشبهه. قاله سفيان وغيره.

وقيل: معنى ﴿بِٱلْغَيْبِ﴾: بالقدر.

وقال عطاء: "﴿بِٱلْغَيْبِ﴾: بالله جل ذكره". وقيل: بالقرآن. وقال بعض المتصوفة: "الغيب: القلب، أي يؤمنون بقلوبهم، لأن المنافق يؤمن بلسانه لا بقلبه".

فالإيمان الصحيح النافع ما اعتقده القلب.

وقال بعض العلماء: ﴿يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾، أي: يؤمنون إذا غابوا عن الناس، كما يؤمنون إذا حضروا، أي ليسوا كمن يؤمن بالحضرة، ويكفر بالغيب.

* *

وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ﴾.

معناه يديمون أداءها بفروضها في أوقاتها.

وقال الضحاك: "إقامتها تمام سجودها وركوعها وخشوعها وتلاوتها وسنتها".

وأصل "يُقيمُونَ، "يُقْوِمُونَ" على وزن "يُفْعِلُونَ" فألقيت حركة الواو على القاف وأبدل من الواو ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها. كما قالوا: ميزانٌ وميعادٌ، وهما من الوَعْدِ والْوَزْنِ. وأصل الصلاة في اللغة: الدعاء، لكن سمي الركوع والسجود صلاة للدعاء المستعمل فيها. والعرب تسمي الشيء باسم [ما لابَسَه وقاربه].

والصلاة من الله: الرحمة لعباده، ومن الملائكة. والأنبياء: الدعاء، وكذلك هي من الناس.

وروى أبو هريرة أن النبي [ﷺ] قال: "إذا دُعِيَ أحَدُكُمْ إلى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فإنْ كَانَ مُفْطِراً فَلْيَأكُلْ، وإنْ كَانَ صَائِمَاً فَلْيُصَلِّ"أي: فليدع.

وقال الأعشى لابنته لما دعت له في قولها:

؎ ... ... ... ... ∗∗∗ "يا ربِّ جَنِّب أَبي الأوصَابَ والْوَجَعَا.

؎ عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ∗∗∗ نوماً فإن لجنب المرء مضطجعاً.

أي: دعوت.

وقيل: إنما سميت الصلاة صلاة لأنها مشتقة من الصلويْن وهما عرقان في الردف، ينحنيان في الصلاة.

وكتبت الصلاة في المصاحف بالواو لتدل على أصلها، لأن أصل الألف الواو، وأصلها صلوة. فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها، قلبت في اللفظ ألفاً؛ دليله قولهم في الجمع: "صَلَواتٌ". وقد ذكرنا أن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها ولذلك قلنا: إن أصل "ماء": مَوْهٌ" وإن الألف بدل من الواو، والهمزة بدل من الهاء. ودل على ذلك …

4

وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

And who believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].

وقوله: ﴿بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: بالقرآن. ﴿وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾. أي: بالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وبجميع ما أنزله الله على أنبيائه.

* *

وقوله: ﴿وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.

أي: بالبعث والحشر والجنة والنار يصدقون. وسميت الآخرة آخرة لأنها بعد الأولى وهي الدنيا. وقيل: سميت بذلك لتأخرها عن الناس.

* *

وقوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث والحشر والجنة والنار.

5

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

وقوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي على هداية ورشد وبيان.

قال محمد بن إسحاق: "على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم".

و "أولاء" جمع "ذا" المبهم من غير لفظه، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين. وعلة بنائه مشابهته للحروف، وإنما شابه الحروف لمخالفته لجميع الأسماء إذ لا يستقر على مسمى، فلما خالف جميع الأسماء والحروف أيضاً مخالفة لجميع الأسماء إذ لا تفيد معنى في نفسها، إنما تفيده في غيرها، والأسماء تفيد المعاني بأنفسها، فاتفقا في مخالفة الأسماء فبنيت هذه الأسماء لذلك. وحق البناء السكون، لكن اجتمع في آخر "أولاء" ألفان فأبدل من الثانية همزة وكسرت لسكونها وسكون ما قبلها والكاف لا موضع لها، إنما هي للمخاطب ككاف "ذلك".

* *

وقوله: ﴿هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.

﴿هُمُ﴾: مبتدأ و ﴿ٱلْمُفْلِحُونَ﴾: الخبر، والجملة: خبر عن ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ ويجوز أن تكون ﴿هُمُ﴾: فاصلة لا موضع لها من الإعراب وهي وأخواتها يدخلن فواصل بين الابتداء والخبر دخل عليه عامل أم لم يدخل، ولا تكون إلا إذا كان الخبر معرفة أو ما قارب المعرفة، فإن كان الخبر نكرة أو فعلاً أو جملة لم تكن إلا مبتدأة.

فهذا أصل الفاصلة فاعرفه، وهي تكون فاصلة على أحد ثلاثة أوجه:

- إما أن تكون فصلاً بين المعرفة والنكرة، فيكون دخولها يدل على أن الخبر معرفة أو ما قرب من المعرفة.

- والثاني: أن تدخل فصلاً بين النعت والخبر، فدخولها فاصلة يدل على أن ما بعدها خبر لما قبلها، وليس بنعت لما قبلها، فإذا قلت: "إن زيداً هو الظريف" علم بدخول "هو" أن "الظريف" خبر، وليس بنعت لزيد.

- والثالث: أن تدل بدخولها مع "كان"، على أن "كان" هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر، وليست بـ "كان" التامة التي لا تحتاج إلى خبر، ولا تكون الفاصلة إلا وهي الأولى.

في المعنى تقول: "كان زيد هو العاقل". "فهو": هو زيد في المعنى، ولو قلت: "كان زيد أنت الضارب إياه"، لم تكن "أنت" فاصلة، لأنها ليست هي الأولى في المعنى، ولا تكون هنا إلا مبتدأة.

وأصل الفلاح البقاء في الخير، فالمعنى: وأولئك هم الباقون في النعيم المقيم، والمؤمن مفلح لبقائه في الجنة، ثم اتسع فيه، فقيل لكل من قال خيراً: مفلح.

6

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those who disbelieve - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ﴾.

هذه الآية نزلت في قوم سبق في علم الله فيهم أنهم لا يؤمنون، فأعلم الله نبيه ﷺ أن الإنذار لا ينفعهم لما سبق لهم في علمه، وَثَمَّ كفار أُخَر نفعهم الإنذار فآمنوا لما سبق لهم في علم الله سبحانه من الإيمان به، فالآية عامة في ظاهر اللفظ يراد به الخصوص، فهي في من تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن خاصة، ومثله ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣].

وذلك أن رسول الله ﷺ كان حريصاً على إيمان جميع الخلق، فأعلمه الله عز وجل في هذه الآية أن من سبق له في علم الله [سبحانه الكفر والثبات عليه] إلى الموت لا يؤمن ولا ينفعه الإنذار، وأن الإنذار وتركه سواء عليه. وهذا مما يدل على ثبات القدر بخلاف ما تقوله المعتزلة. وقيل: نزل ذلك في قادة الأحزاب، وهم الذين نزل فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآية. وهم الذين قتلوا يوم بدر، قال ذلك الربيع بن أنس.

وقال ابن عباس: "نزلت في اليهود الذين جحدوا بمحمد ﷺ استكباراً وحسداً مع معرفتهم أنه نبي ﷺ".

وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: "حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مع أصحابهما من رؤساء اليهود الذين دخلوا على النبي [عليه السلام] وسألوه عن ﴿الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ﴾".

وقيل: هي عامة في كل كافر تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن.

وأصل الكفر التغطية. ومنه قيل لِلّيل: كافر، لأنه يستر بظلمته ما فيه.

ويقال للزراع: كفّار، لأنهم يسترون الحب في الأرض، ومنه قوله ﴿يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩]. ومنه قولهم: "كَفّارَةُ اليمين". لأنها تستر الإثم عن الحالف، ومنه سمي الكافر لأنه يستر الإيمان بجحوده.

ومعنى لفظ الاستفهام في ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ للتسوية، وهو في المعنى خبر، لكن التسوية تجري في اللفظ مجرى لفظ الاستفهام، والمعنى [على الخبر]، تقول: "سواء عليَّ أقمت أم قعدت. وإنما صار لفظ التسوية مثل لفظ الاستفهام للمضارعة التي بينهما، وذلك أنك إذا قلت: "قد علمت أزيد في الدار أم عمرو"، فقد سويت علم المخاطب فيهما، فلا يدري أيهما في الدار، وقد اسْتَوَى علمك في ذلك، وتدري أحدهما في الدار ولا تدريه بعينه. فهذا تسوية.

وتقول في الاستفهام: "أزيد في الدار أم عمرو؟"، فأنت لا تدري أيهما في الدار، وقد استوى علمك في ذلك وتدري أن أحدهما في الدار، ولا تدري عينه منهما، فقد صار الاستفهام كالتسوية في عواقب الأمور، غير أن التسوية إبهام على المخاطب وعلم يقين عند المتكلم، والاستفهام إبهام على المتكلم. ويجوز أن يكون المخاطب مثل المتكلم في ذلك، ويجوز أن يكون عنده يقين ما سئل عنه. فاعرف الفرق بينهما.

* *

وقوله: ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾، فيه عشرة أوجه.

- الأول: تحقيق الهمزة الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف. وهي لغة قريش وكنانة، وهي قراءة ورش عن نافع وابن كثير.

- والثاني تحقيق الأولى وبدل الثانية بألف، وهو مروي عن ورش وفيه ضعف.

- والثالث: تحقيق الهمزيين وهي قراءة أهل الكوفة، وابن ذكوان عن ابن عامر.

- والرابع: حذف الهمزة الأولى وتحقيق الثانية. وهو مروي عن الزهري، وهي قراءة ابن محيصن، وذلك لأن "أم" تدل على الألف المحذوفة.

- والخامس: تحقيقهما جميعاً وإدخال ألف بينهما. وبذلك قرأ ابن أبي إسحاق.

- والسادس: تحقيق الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف، وإدخال ألف بينهما. وبذلك قرأ أبو عمرو، وقالون، وإسماعيل بن جعفر عن نافع، وهشام بن عمار عن ابن عامر.

- والسابع: ذكره أبو حاتم قال: "يجوز أن تدخل بينهما أيضاً، وتحذف الثانية"، فيصير لفظ هذا الوجه كلفظ الوجه الثاني المذكور.

- والثامن: ذكره الأخفش قال: "يجوز أن تخفف الأولى منهما وتحقق الثانية"، ولم يقرأ بهذا أحد، وهو بعيد ضعيف لأن الاستثقال لا يقع في أول الكلام، ولأن الهمزة المخففة بين بين، لا يبتدأ بها …

7

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَٰوَةٌۭ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Allah has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil. And for them is a great punishment.

قوله: ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ﴾.

معناه طبع الله عليها مجازاة لهم بكفرهم.

وقيل: معناه: حكم الله عليهم بذلك لما سبق في علمه من أنهم لا يؤمنون.

وقيل: معناه: أنهم [لما تجاهلوا عن] قبول أمر الله عز وجل وفهمه، وَصَمُّوا عن أمر الله سبحانه، جعل الله تعالى ذلك منسوباً إليهم عن فعلهم، كما يقال: "أهلكه المال" أي هلك به.

وقيل: معناه: أن الله تعالى جعل ذلك علامة تعرفهم بها الملائكة.

وأصل الختم الطبع. والرين على القلب دون الطبع، والقفل أشد من الختم.

قال مجاهد: "القلب مثل الكف، فإذا أذنب العبد قبض عليه - وأشار بقبض الخنصر تمثيلاً - ثم إذا أذنب قبض عليه، ومثل بقبض البنصر هكذا حتى ضَمَّ أصابعه كلها. ثم يطبع عليه أي يختم".

وقال ابن عباس: "إنما سمي القلب قلباً لأنه يتقلب".

وروى أبو موسى الأشعري أن النبي [عليه السلام] قال: "الْقَلْبُ مِثْلُ رِيشَةٍ فِي فَلاَةٍ يُقَلّبُهَا الرّيحُ

وعنه في حديث آخر: "تُقَلِّبُهَا الرِّيحُ بِأرضِ "فضاءِ ظَهْر البَطْنٍ"

قوله: ﴿عَلَىٰ قُلُوبِهمْ﴾. تكتب "على" "وإلى" و "لدى" بالياء دون سائر الحروف مثلها لأنها أخف من الأفعال، وكثر استعمالها، ولأن ألفها يرجع إلى الياء مع المضمر دون سائر الحروف فكتبت مع المظهر بالياء لذلك.

وتقع "على" بمعنى الباء، تقول: "آركب على اسم الله" أي باسم الله.

وتقع بمعنى "مع" نحو قولك: "جئت على زيد" أي معه. وتقع بمعنى "من" نحو قوله: ﴿عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] أي من الناس. وتقع أيضاً في مواضع حروف أخر قد ذكرناها في كتاب مفرد للحروف.

* *

وقوله: ﴿وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾.

إنما وُحِّد السمع لأنه مصدر يقع على القليل والكثير.

وقيل: وُحِّد لأنه يؤدي عن الجمع.

وقيل: التقدير: "وعلى مواضع سمعهم"، ثم حذف المضاف وإنما أعيدت "على" في قوله: "﴿وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ﴾ للتأكيد في الوعيد.

وقيل: أعيدت لأجل مخالفة السمع للقلوب في أنه أتى بلفظ التوحيد، وأتت القلوب بالجمع.

وقيل: أعيدت لأن الفعل مضمر مع الحرف تقديره: "وختم على سمعهم". فأما إعادة الحرف في ﴿وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ﴾، فلِلعِلَلِ التي ذكرنا، ولأنه حرف متصل بفعل مضمر غير الأول فقويت فيه الإعادة، والتقدير: "وجعل على أبصارهم غشاوة". وهذا، إنما هو على قراءة من نصب غشاوة، وهو مروي عن عاصم.

فأما من رفع، فإنما أعيد الحرف لأنه مخالف للأول، لأنه خبر ابتداء.

ومعنى الغشاوة الغطاء، ومنه: "غاشية السيف والسرج" أي غطاؤه.

وفي ﴿غِشَاوَةٌ﴾، لغات قرئ بها، وهي فتح الغين؛ وبه قرأ أبو حيوة، وضم الغين؛ وبه قرأ الحسن. وقرأ الأعمش "غَشْوَة" على فعلة.

8

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

And of the people are some who say, "We believe in Allah and the Last Day," but they are not believers.

وقوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ﴾ الآية.

أصل نون "مِنْ" أن تكسر لالتقاء الساكنين كنون "عَنْ" إذا لقيها ساكن، لكنها فتحت استثقالاً لاجتماع كسرتين في حرف على حرفين.

والهاءات من قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ تعود على الكفار كلهم على من سبق في علم الله منهم أنه لا يؤمن.

وقيل: تعود على كفار اليهود الذين عاندوا النبي ﷺ بالمدينة، والسورة مدنية.

وقيل: عني بهذه الآية المنافقون؛ يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر.

9

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

They [think to] deceive Allah and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

قوله: ﴿يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ﴾.

الخداع: إظهار خلاف الاعتقاد.

* *

وقوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾.

أي وباله يرجع عليهم. واختار جماعة من العلماء: (وَمَا يَخْدَعُون) - بفتح الياء وسكون الخاء - من غير ألف، وهي قراءة ابن عامر وأهل الكوفة، وإنما اختاروا ذلك لأن الله جل ذكره أخبر عنهم أولاً أنهم ﴿يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ﴾.

ولفظ قوله: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾، نفي ذلك، فيصير في ظاهر اللفظ قد أوجب شيئاً ثم نفاه بعينه، فوجب أن يختاروا ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ ليكون المنفي على معنى مخالفاً للموجب.

[فأما وجه] قراءة من قرأ الثاني" ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بألف فهو على معنى: وما يخادعون تلك المخادعة المذكورة عنهم إلا أنفسهم، إذ وبالها راجع عليهم.

و "خادع" في اللغة، يجوز أي يكون معناه معنى "خدع" من واحد. ومعنى "خدع" بلغ مراده. فلذلك أجمع القراء على ﴿يُخَادِعُونَ﴾ في الأول لأنه ليس بواقع، وفي الثاني ﴿يُخَادِعُونَ﴾ بغير ألف لأنه أخبر تعالى أنه واقع بهم وراجع عليهم.

وذكر القتبي أن معنى الأول: يخادعون بالله الذين آمنوا وهو قولهم إذا لقوا المؤمنين: آمنا".

وأصل المفاعلة أن تكون من اثنين، لكن قد أتت من واحد، قالوا: "عَاقَبْتُ اللِّصَّ"، "وَطارَقْتُ النَّعْلَ" و "جَازَيْتُ فُلاناً وَحَادَيْتُهُ وَوَادَعْتُهُ وَدارَيْتُهُ".

والمخادعة في هذا المعنى إنما هي للنبي ﷺ وأصحابه، أي يخادعون نبي الله وأولياءه. و "خدع" فعل واقع، و "خادع" فعل يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع، فلذلك اختار بعض العلماء، ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ إلا أنفسهم لأنه فعل واقع بهم بلا شك، "فَيَخْدَعُون" أولى من "يخادعون" الذي يجوز أن يقع، ويجوز ألا يقع.

* *

وقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

أي ليس يشعرون، أي يعلمون أن ضر مخادعتهم راجع عليهم.

10

فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

In their hearts is disease, so Allah has increased their disease; and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.

وقوله: ﴿وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي مؤلم.

وجمع "أليم" فيه ثلاثة أوجه:

إن شئت: "إلام" كَكَريم وكِرَامٍ، وإن شئت: أُلَماء كَظَريفٍ وَظُرَفَاء وإن شئت "أَلاْمٌ" كَشَرِيف وأَشْرافٍ.

و "فعيل" يأتي على ضربين: اسم وصفة؛ فإذا كان اسماً، فجمعه في أقل العدد على "أَفْعِلة"، وفي أكثره على "فَعُل" كَرَغِيفٍ وأَرْغِفَةٍ ورُغفٍ. وقد يأتي في الكثير على "فُعْلانٍ"، قالوا: "رُغْفَانٌ وقُضْبَانٌ وكُثْبَانٌ"، وقد أتى على "أفْعِلاَء"، نصيبٌ وأنصباءٌ، وخميسٌ وأخْمِساءٌ".

فإن كان "فَعيلٌ" صفة، فهو على نوعين: سالم ومعتل:

- فالسالم يجمع على "فُعَلاء" نحو "كرماء"، و "عُلَماء" وقد قالوا: كِرامٌ وشِرافٌ.

- والمعتل يجمع على أفعلاء نحو "أَوْلِياء" و "أَصْفِياءَ".

وكذلك المضاعف نحو "أَشِدَّاء" و "أَشِحَّاء"، وقد قالوا: أَنبياءٌ يجمع على أفعلاء على تقدير لزوم تخفيف الهمزة فيصير "كَتَقي وأَتْقِياء". ومن همز قال: نَبِئاء على"فُعلاَءَ" ويجوز على مذهب من همز أنبياء [بجعله نادراً] "كخميس وأخمساء". وقد قالوا: [في جمع] جليل: جلّة، وهو نادر استغنوا به عن "أَجِلاّء".

* *

وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. أي: شك ونفاق.

* *

﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً﴾.

الزيادة هنا هي نزول القرآن بالفروض فلا يتبعونها، فيزدادون شكاً، ويزداد المؤمنون بعمل الفرائض إيماناً كما قال: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥].

* *

وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. أي بتكذيبهم الرسل.

وقيل: بتكذيبهم محمداً ﷺ. وهذا التفسير يدل على صحة قراءة من قرأ ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتشديد، ويدل على قوة التشديد أن الكذب لا يوجب العذاب الأليم، إنما يوجبه التكذيب. وأيضاً فإنه تعالى أخبر عنهم بالشك في أول الكلام، ومن شك في شيء فقد كذب به، فالتكذيب أولى بآخر الآية على هذا القول.

ومما استدل به من قرأه ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بالتخفيف؛ أن الله جل ذكره أخبر أنهم يقولون: ﴿آمَنَّا﴾ وقال: ﴿مَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾. فأخبر عنهم بالكذب في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾. وتوعَّدهم عليه بالعذاب الأليم، وهو من الكذب أولى من أن يكون من التكذيب إذ لم يتقدم في صدر الآية إلا الإخبار عنهم بالكذب، لا بالتكذيب.

والقراءتان قويتان متداخلتان حسنتان لأن المَرَض الشك ومن شك في شيء فقد كذب به.

Al-Baqara 2:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Hidayah ila Bulugh al-Nihayah by Makki ibn Abi Talib. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.