Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Al-Nukat wa al-'Uyun by Al-Mawardi

Ayahs 1–10 of 286

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓ

Alif, Lam, Meem.

﴿الم﴾

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الم﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ عَلى ثَمانِيَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ كالفُرْقانِ والذِّكْرِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن أسْماءِ السُّوَرِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّها حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مِن أسْماءٍ وأفْعالٍ، فالألِفُ مِن أنا واللّامُ مِنَ اللَّهِ، والمِيمُ مِن أعْلَمُ، فَكانَ مَعْنى ذَلِكَ: أنا اللَّهُ أعْلَمُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والسّادِسُ: أنَّها حُرُوفٌ يَشْتَمِلُ كُلُّ حَرْفٍ مِنها عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فالألِفُ مِفْتاحٌ اسْمُهُ اللَّهُ، واللّامُ مِفْتاحٌ اسْمُهُ لَطِيفٌ، والمِيمُ مِفْتاحٌ اسْمُهُ مَجِيدٌ، والألِفُ آلاءُ اللَّهِ، والمِيمُ مَجْدُهُ، والألِفُ سَنَةٌ، واللّامُ ثَلاثُونَ سَنَةً، والمِيمُ أرْبَعُونَ سَنَةً، آجالٌ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ.

والسّابِعُ: أنَّها حُرُوفٌ مِن حِسابِ الجُمَّلِ، لِما جاءَ في الخَبَرِ عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: «مَرَّ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَتْلُو فاتِحَةَ الكِتابِ وسُورَةَ البَقَرَةِ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَأتى أخاهُ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ في رِجالٍ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَمْ تَذْكُرْ لَنا أنَّكَ تَتْلُو فِيما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (بَلى، فَقالُوا: (أجاءَكَ بِها جِبْرِيلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

قالَ: (نَعَمْ، قالُوا: (لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلَكَ أنْبِياءَ ما نَعْلَمُ أنَّهُ بُيِّنَ لِنَبِيٍّ مِنهم مُدَّةُ مُلْكِهِ وما أكْلُ أُمَّتِهِ غَيْرَكَ، فَقالَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وأقْبَلَ عَلى مَن كانَ مَعَهُ، فَقالَ لَهُمُ: (الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ فَهَذِهِ إحْدى وسَبْعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قالَ: (يا مُحَمَّدُ هَلْ كانَ مَعَ هَذا غَيْرُهُ؟ قالَ: (نَعَمْ، قالَ: (ماذا؟ قالَ: (المص) قالَ هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، الألِفُ واحِدَةٌ واللّامُ ثَلاثُونَ والمِيمُ أرْبَعُونَ، والصّادُ تِسْعُونَ، فَهَذِهِ إحْدى وسِتُّونَ ومِائَةُ سَنَةٍ، فَهَلْ مَعَ هَذا يا مُحَمَّدُ غَيْرُهُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ماذا؟ قالَ: (الر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، الألِفُ واحِدٌ، واللّامُ ثَلاثُونَ، والرّاءُ مِائَتانِ، فَهَذِهِ إحْدى وثَلاثُونَ ومِائَتانِ سَنَةٍ، فَهَلْ مَعَ هَذا يا مُحَمَّدُ غَيْرُهُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ماذا؟ قالَ: (المر) قالَ: هَذِهِ أثْقَلُ وأطْوَلُ، الألِفُ واحِدَةٌ، واللّامُ ثَلاثُونَ، والمِيمُ أرْبَعُونَ، والرّاءُ مِائَتانِ، فَهَذِهِ إحْدى وسَبْعُونَ ومِائَتا سَنَةٍ.

.، ثُمَّ قالَ: لَقَدِ التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُكَ حَتّى ما نَدْرِي أقَلِيلًا أُعْطِيتَ أمْ كَثِيرًا؟ ثُمَّ قامُوا عَنْهُ، فَقالَ أبُو ياسِرٍ لِأخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ ولِمَن مَعَهُ مِنَ الأحْبارِ: ما يُدْرِيكم لَعَلَّهُ قَدْ جُمِعَ هَذا كُلُّهُ لِمُحَمَّدٍ إحْدى وسَبْعُونَ، وإحْدى وسِتُّونَ ومِائَةٌ، وإحْدى وثَلاثُونَ ومِائَتانِ، وإحْدى وسَبْعُونَ ومِائَتانِ، فَذَلِكَ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالُوا: لَقَدْ تَشابَهَ عَلَيْنا أمْرُهُ!» فَيَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ …

2

ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًۭى لِّلْمُتَّقِينَ

This is the Book about which there is no doubt, a guidance for those conscious of Allah -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، لِيَكُونَ إخْبارًا عَنْ ماضٍ.

والثّانِي: يَعْنِي بِهِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ هَذا بِمَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ.

والثّالِثُ: يَعْنِي هَذا الكِتابَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في الإشارَةِ إلى حاضِرٍ، وإنْ كانَ مَوْضُوعًا لِلْإشارَةِ إلى غائِبٍ، قالَ خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ

؎ أقُولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنُهُ تَأمَّلْ خُفافًا إنَّنِي أنا ذَلِكا

وَمَن قالَ بِالتَّأْوِيلِ الأوَّلِ: أنَّ المُرادَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُخاطَبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أيْ ذَلِكَ الكِتابُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، هو الَّذِي أنْزَلْتُهُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُخاطَبَ بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى، وتَقْدِيرُهُ: أنَّ ذَلِكَ الَّذِي وعَدْتُكم بِهِ هو هَذا الكِتابُ، الَّذِي أنْزَلْتُهُ عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ السَّلامُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّيْبَ هو الشَّكُّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرى:

؎ لَيْسَ في الحَقِّ يا أُمَيْمَةُ رَيْبٌ ∗∗∗ إنَّما الرَّيْبُ ما يَقُولُ الجَهُولُ

والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّ الرَّيْبَ التُّهْمَةُ ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:

؎ بُثَيْنَةُ قالَتْ: يا جَمِيلُ أرَبْتَنِيُ ∗∗∗ فَقُلْتُ: كِلانا يا بُثَيْنَ مُرِيبُ

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي بِهِ هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ.

وَفي المُتَّقِينَ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأدَّوْا ما افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عُقُوبَتَهُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وبَرِئُوا مِنَ النِّفاقِ وهَذا فاسِدٌ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ، وهو فاسِقٌ وإنَّما خَصَّ بِهِ المُتَّقِينَ، وإنْ كانَ هُدًى لِجَمِيعِ النّاسِ، لِأنَّهم آمَنُوا وصَدَّقُوا بِما فِيهِ.

3

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ

Who believe in the unseen, establish prayer, and spend out of what We have provided for them,

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُصَدِّقُونَ بِالغَيْبِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَخْشَوْنَ بِالغَيْبِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

وَفي أصْلِ الإيمانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ أصْلَهُ التَّصْدِيقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ بِمُصَدِّقٍ لَنا.

والثّانِي: أنَّ أصْلَهُ الأمانُ فالمُؤْمِنُ يُؤْمِنُ نَفْسَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ، واللَّهُ المُؤْمِنُ لِأوْلِيائِهِ مِن عِقابِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ أصْلَهُ الطُّمَأْنِينَةُ، فَقِيلَ لِلْمُصَدِّقِ بِالخَبَرِ مُؤْمِنٌ، لِأنَّهُ مُطْمَئِنٌ.

وَفي الإيمانِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الإيمانَ اجْتِنابُ الكَبائِرِ.

والثّانِي: أنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنَ الفَرائِضِ إيمانٌ.

والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ طاعَةٍ إيمانٌ.

وَفي الغَيْبِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، وهو قَوْلُ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ.

والثّالِثُ: الإيمانُ بِالجَنَّةِ والنّارِ والبَعْثِ والنُّشُورِ.

﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُؤَدُّونَها بِفُرُوضِها.

والثّانِي: أنَّهُ إتْمامُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والتِّلاوَةِ والخُشُوعِ فِيها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

واخْتُلِفَ لِمَ سُمِّيَ فِعْلُ الصَّلاةِ عَلى هَذا الوَجْهِ إقامَةً لَها، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مِن تَقْوِيمِ الشَّيْءِ مِن قَوْلِهِمْ: قامَ بِالأمْرِ إذا أحْكَمَهُ وحافَظَ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ فِعْلُ الصَّلاةِ سُمِّيَ إقامَةً لَها، لِما فِيها مِنَ القِيامِ فَلِذَلِكَ قِيلَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إيتاءُ الزَّكاةِ احْتِسابًا لَها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلى أهْلِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: التَّطَوُّعُ بِالنَّفَقَةِ فِيما قُرِّبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ: وأصْلُ الإنْفاقِ الإخْراجُ، ومِنهُ قِيلَ: نَفَقَتِ الدّابَّةُ إذا خَرَجَتْ رُوحُها.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فِيمَن نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ فِيهِ، عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي العَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي بِهِ أهْلَ الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها مَعَ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن بَعْدِ أرْبَعِ آياتٍ نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهُ ذَكَرَهم في بَعْضِها.

والثّالِثُ: أنَّ الآياتِ الأرْبَعَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، نَزَلَتْ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (نَزَلَتْ أرْبَعُ آياتٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ في نَعْتِ المُؤْمِنِينَ، وآيَتانِ في نَعْتِ الكافِرِينَ، وثَلاثَ عَشْرَةَ في المُنافِقِينَ.

4

وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

And who believe in what has been revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ وما بَعْدَها.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، ﴿وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي بِهِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وما تَقَدَّمَ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ، بِخِلافِ ما فَعَلَتْهُ اليَهُودُ والنَّصارى، في إيمانِهِمْ بِبَعْضِها دُونَ جَمِيعِها.

﴿وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ:

أحَدُهُما: يَعْنِي الدّارَ الآخِرَةَ.

والثّانِي: يَعْنِي النَّشْأةَ الآخِرَةَ وفي تَسْمِيَتِها بِالدّارِ الآخِرَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَأخُّرِها عَنِ الدّارِ الأُولى.

والثّانِي: لِتَأخُّرِها عَنِ الخَلْقِ، كَما سُمِّيَتِ الدُّنْيا لِدُنُوِّها مِنَ الخَلْقِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿يُوقِنُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ، فَسُمِّيَ العِلْمُ يَقِينًا لِوُقُوعِهِ عَنْ دَلِيلٍ صارَ بِهِ يَقِينًا

.

5

أُو۟لَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًۭى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي: (بَيانٍ ورُشْدٍ). ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ الفائِزُونَ السُّعَداءُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ لَوْ أنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الفَلاحِ أدْرَكَهُ مُلاعِبُ الرِّماحِ

والثّانِي: المَقْطُوعُ لَهم بِالخَيْرِ، لِأنَّ الفَلْحَ في كَلامِهِمُ القَطْعُ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِلْأكّارِ فَلّاحٌ، لِأنَّهُ يَشُقُّ الأرْضَ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:

؎ لَقَدْ عَلِمْتَ يا ابْنَ أُمِ صَحْصَحْ ∗∗∗ أنَّ الحَدِيدَ بِالحَدِيدِ يُفْلَحْ

واخْتُلِفَ فِيمَن أُرِيدَ بِهِمْ، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ مِنَ العَرَبِ، والمُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وعَلى مَن قَبْلَهُ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ العَرَبِ.

والثّانِي: هم مُؤْمِنُو العَرَبِ وحْدَهم.

والثّالِثُ: جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ.

6

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those who disbelieve - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ وأصْلُ الكُفْرِ عِنْدَ العَرَبِ التَّغْطِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ يَعْنِي الزُّرّاعَ لِتَغْطِيَتِهِمُ البَذْرَ في الأرْضِ، قالَ لَبِيدٌ:

؎ في لَيْلَةٍ كَفَّرَ النُّجُومَ غَمامُها.

.. ... ...

أيْ غَطّاها، فَسَمّى بِهِ الكافِرَ بِاللَّهِ تَعالى لِتَغْطِيَتِهِ نِعَمَ اللَّهِ بِجُحُودِهِ.

وَأمّا الشِّرْكُ فَهو في حُكْمِ الكُفْرِ، وأصْلُهُ في الإشْراكِ في العِبادَةِ.

واخْتُلِفَ فِيمَن أُرِيدَ بِذَلِكَ، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ يُسَمِّيهِمْ بِأعْيانِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهم مُشْرِكُو أهْلِ الكِتابِ كُلُّهُمْ، وهو اخْتِيارُ الطَّبَرِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قادَةِ الأحْزابِ، وبِهِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

7

خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَٰوَةٌۭ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ

Allah has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil. And for them is a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الخَتْمُ الطَّبْعُ، ومِنهُ خَتْمُ الكِتابِ، وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ: أنَّ القَلْبَ مِثْلُ الكَفِّ، فَإذا أذْنَبَ العَبْدُ ذَنْبًا ضُمَّ مِنهُ كالإصْبَعِ، فَإذا أذْنَبَ ثانِيًا ضُمَّ مِنهُ كالإصْبَعِ الثّانِيَةِ، حَتّى يُضَمَّ جَمِيعُهُ ثُمَّ يُطْبَعَ عَلَيْهِ بِطابَعٍ.

والثّانِي: أنَّها سِمَةٌ تَكُونُ عَلامَةً فِيهِمْ، تَعْرِفُهُمُ المَلائِكَةُ بِها مِن بَيْنِ المُؤْمِنِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ كُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، تَشْبِيهًا بِما قَدِ انْسَدَّ وخُتِمَ عَلَيْهِ، فَلا يَدْخُلُهُ خَيْرٌ.

والرّابِعُ: أنَّها شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى قُلُوبِهِمْ، بِأنَّها لا تَعِي الذِّكْرَ ولا تَقْبَلُ الحَقَّ، وعَلى أسْماعِهِمْ بِأنَّها لا تُصْغِي إلَيْهِ، والغِشاوَةُ: تَعامِيهِمْ عَنِ الحَقِّ.

وَسُمِّيَ القَلْبُ قَلْبًا لِتَقَلُّبِهِ بِالخَواطِرِ، وقَدْ قِيلَ:

؎ ما سُمِّيَ القَلْبُ إلّا مِن تَقَلُّبِهِ والرَّأْيُ يَصْرِفُ، والإنْسانُ أطْوارُ

والغِشاوَةُ: الغِطاءُ الشّامِلُ.

8

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

And of the people are some who say, "We believe in Allah and the Last Day," but they are not believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، بِأنْ يُظْهِرُوا مِنَ الإيمانِ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ مِنَ الكُفْرِ، لِأنَّ أصْلَ الخَدِيعَةِ الإخْفاءُ، ومِنهُ مَخْدَعُ البَيْتِ، الَّذِي يَخْفى فِيهِ، وجَعَلَ اللَّهُ خِداعَهم لِرَسُولِهِ خِداعًا لَهُ، لِأنَّهُ دَعاهم بِرِسالَتِهِ.

﴿وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ في رُجُوعِ وبالِهِ عَلَيْهِمْ.

﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ يَعْنِي وما يَفْطُنُونَ، ومِنهُ سُمِّيَ الشّاعِرُ، لِأنَّهُ يَفْطُنُ لِما لا يَفْطُنُ لَهُ غَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لَيْتَ شِعْرِي.

9

يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

They [think to] deceive Allah and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، بِأنْ يُظْهِرُوا مِنَ الإيمانِ خِلافَ ما يُبْطِنُونَ مِنَ الكُفْرِ، لِأنَّ أصْلَ الخَدِيعَةِ الإخْفاءُ، ومِنهُ مَخْدَعُ البَيْتِ، الَّذِي يَخْفى فِيهِ، وجَعَلَ اللَّهُ خِداعَهم لِرَسُولِهِ خِداعًا لَهُ، لِأنَّهُ دَعاهم بِرِسالَتِهِ.

﴿وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ في رُجُوعِ وبالِهِ عَلَيْهِمْ.

﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ يَعْنِي وما يَفْطُنُونَ، ومِنهُ سُمِّيَ الشّاعِرُ، لِأنَّهُ يَفْطُنُ لِما لا يَفْطُنُ لَهُ غَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: لَيْتَ شِعْرِي.

10

فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًۭا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْذِبُونَ

In their hearts is disease, so Allah has increased their disease; and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ:

أحَدُها: شَكٌّ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نِفاقٌ، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ أُجامِلُ أقْوامًا حَياءً وقَدْ أرى صُدُورَهُمُ تَغْلِي عَلَيَّ مِراضُها

والثّالِثُ: أنَّ المَرَضَ الغَمُّ بِظُهُورِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أعْدائِهِ، وأصْلُ المَرَضِ الضَّعْفُ، يُقالُ: مَرَّضَ في القَوْلِ إذا ضَعَّفَهُ.

﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ زِيادَةِ مَرَضِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ الفَرائِضِ، والحُدُودِ.

﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يَعْنِي: (مُؤْلِمٌ).

Al-Baqara 2:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Nukat wa al-'Uyun by Al-Mawardi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.