Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 51–60 of 286

51

وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him, while you were wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ .

قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وأبُو عَمْرٍو: "وَعَدْنا" بِغَيْرِ ألِفٍ هاهُنا، وفي (الأعْرافِ) و(طَهَ) ووافَقَهُما أبانُ عَنْ عاصِمٍ في (البَقَرَةِ) خاصَّةً. وقَرَأ الباقُونَ "واعَدْنا" بِألِفٍ. ووَجْهُ القِراءَةِ الأُولى: إفْرادُ الوَعْدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَجْهُ الثّانِيَةِ: أنَّهُ لَمّا قَبِلَ مُوسى وعْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، صارَ ذَلِكَ مُواعَدَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ مُوسى. ومِثْلُهُ: ﴿لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٣٥ ] .

وَمَعْنى الآَيَةِ: وعَدْنا مُوسى تَتِمَّةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، أوِ انْقِضاءِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً. ومُوسى: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ: مُوشا، فَمُو: هو الماءُ، وشا: هو الشَّجَرُ، لِأنَّهُ وجَدَ عِنْدَ الماءِ والشَّجَرِ، فَعَرَّبَ بِالسِّينِ. ولِماذا كانَ هَذا الوَعْدُ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: لِأخْذِ التَّوْراةِ.

والثّانِي: لِلتَّكْلِيمِ. وفي هَذِهِ المُدَّةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها ذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: كانَ الوَعْدُ لِإعْطاءِ التَّوْراةِ. والثّانِي: أنَّها ذُو الحِجَّةِ وعَشْرٌ مِنَ المُحَرَّمِ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: كانَ الوَعْدُ لِلتَّكْلِيمِ، وإنَّما ذُكِرَتِ اللَّيالِي دُونَ الأيامِ، لِأنَّ عادَةَ العَرَبِ التَّأْرِيخُ بِاللَّيالِي، لِأنَّ أوَّلَ شَهْرٍ لَيْلُهُ، واعْتِمادُ العَرَبِ عَلى الأهِلَّةِ، فَصارَتِ الأيّامُ تَبَعًا لِلَّيالِي. وقالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: إنَّما ذَكَرَ اللَّيالِي، لِأنَّهُ أمَرَهُ أنْ يَصُومَ هَذِهِ الأيّامَ ويُواصِلُها بِاللَّيالِي، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ اللَّيالِيَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

Al-Baqara 2:51Listen in Qur'an →
52

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ مِن بَعْدِهِ، أيْ: مِن بَعْدِ انْطِلاقِهِ إلى الجَبَلِ.

الإشارَةُ إلى اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ.

رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّهُ لَمّا انْطَلَقَ مُوسى، واسْتَخْلَفَ هارُونَ، قالَ هارُونُ: يا بَنِي إسْرائِيلَ: إنَ الغَنِيمَةَ لا تَحِلُّ لَكم، وإنَّ حُلِيَّ القِبْطِ غَنِيمَةٌ فاجْمَعُوهُ واحْفُرُوا لَهُ حَفِيرَةً، فادْفِنُوهُ، فَإنْ أحَلَّهُ مُوسى فَخُذُوهُ، وإلّا كانَ شَيْئًا لَمْ تَأْكُلُوهُ، فَفَعَلُوا. قالَ السُّدِّيُّ: وكانَ جِبْرِيلُ قَدْ أتى إلى مُوسى لِيَذْهَبَ بِهِ إلى رَبِّهِ، فَرَآَهُ السّامِرِيُّ، فَأنْكَرَهُ وقالَ: إنَّ لِهَذا شَأْنًا، فَأخَذَ قَبْضَةً مِن أثَرِ حافِرِ الفَرَسِ، فَقَفَها في الحَفِيرَةِ، فَظَهَرَ العِجْلُ. وقِيلَ: إنَّ السّامِرِيَّ أمَرَهم بِإلْقاءِ ذَلِكَ الحُلِيِّ، وقالَ إنَّما طالَتْ غَيْبَةُ مُوسى عَنْكم لِأجْلِ ما مَعَكم مِنَ الحُلِيِّ، فاحْفُرا لَها حَفِيرَةً وقَرِّبُوهُ إلى اللَّهِ، يَبْعَثْ لَكم نَبِيَّكم، فَإنَّهُ كانَ عارِيَةً، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَفِي سَبَبِ اتِّخاذِ السّامِرِيِّ عِجْلًا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ السّامِرِيَّ كانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، فَكانَ ذَلِكَ في قَلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، . والثّانِي: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا مَرُّوا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم، أعْجَبَهم ذَلِكَ، فَلَمّا سَألُوا مُوسى أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ؛ أخْرَجَ السّامِرِيُّ لَهم في غَيْبَتِهِ عِجْلًا لِما رَأى مِنِ اسْتِحْسانِهِمْ ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي كَيْفِيَّةِ اتِّخاذِ العِجْلِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ السّامِرِيَّ كانَ صَوّاغًا، فَصاغَهُ وألْقى فِيهِ القَبْضَةَ، قالَهُ عَلَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم حَفَرُوا حَفِيرَةً، وألْقَوْا فِيها حُلِيَّ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وعُوارِيهِمْ تُنَزُّهًا عَنْها، فَألْقى السّامِرِيُّ القَبْضَةَ مِنَ التُّرابِ، فَصارَ عِجْلًا. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَ لَحْمًا ودَمًا وجَسَدًا، فَقالَ لَهُمُ السّامِرِيُّ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى قَدْ جاءَ، وأخْطَأ مُوسى الطَّرِيقَ فَعَبَدُوهُ ودَفَنُوا حَوْلَهُ.

Al-Baqara 2:52Listen in Qur'an →
53

وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion that perhaps you would be guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ الكِتابُ: التَّوْراةُ. وفي الفُرْقانِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ النَّصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ ما في التَّوْراةِ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَيَكُونُ الفُرْقانُ نَعْتًا لِلتَّوْراةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ. والثّالِثُ: أنَّهُ الكِتابُ، فَكَرَّرَهُ بِغَيْرِ اللَّفْظِ. قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:

فَألْقى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا

وَقالَ عَنْتَرَةُ:

؎ أقْوى وأفْقَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ

هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، واخْتِيارُ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ. والرّابِعُ: أنَّهُ فَرَقَ البَحْرَ لَهم، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ، وابْنُ القاسِمِ. والخامِسُ: أنَّهُ القُرْآَنُ. ومَعْنى الكَلامِ: لَقَدْ آَتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وهو قَوْلُ قُطْرُبٍ.

Al-Baqara 2:53Listen in Qur'an →
54

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of repentance, the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ القَوْمُ: اسْمٌ لِلرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٌ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٌ﴾ [ الحُجُراتُ: ١١ ] . وقالَ زُهَيْرٌ:

؎ وما أدْرِي وسَوْفَ إخالُ أدْرِي أُقَوْمٌ آَلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ؟!

وَإنَّما سُمُّوا قَوْمًا، لِأنَّهم يَقُومُونَ بِالأُمُورِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ: كانَ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يَكْسِرُونَ الهَمْزَةَ مِن غَيْرِ اخْتِلاسٍ ولا تَخْفِيفٍ. ورَوى اليَزِيدِيُّ وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (بارِئِكُمْ) بِجَزْمِ الهَمْزَةِ. رَوى عَنْهُ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ: "بارِئِكُمْ" مَهْمُوزَةً غَيْرَ مُثَقَّلَةٍ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: كانَ أبُو عُمَرَ يَخْتَلِسُ الحَرَكَةَ فِي: "بارِئِكُمْ" و: "يَأْمُرُكُمْ" وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا تَتَوالى فِيهِ الحَرَكاتُ، فَيَرى مِن سَمْعِهِ أنَّهُ قَدْ أسْكَنَ ولَمْ يَسْكُنْ.

والبارِئُ: الخالِقُ. ومَعْنى ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ لِيَقْتُلَ بَعْضُكم بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن خُوطِبَ بِهَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُلِّ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِمَن لَمْ يَعْبُدْ لِيَقْتُلَ مَن عَبَدَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْعابِدِينَ فَحَسْبُ، أمَرُوا أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وفِيٌّ الإشارَةِ بِقَوْلِهِ "ذا" في "ذَلِكُمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ إلى القَتْلِ. والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ إلى التَّوْبَةِ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ في ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالُوا لِمُوسى: كَيْفَ يَقْتُلُ الآَباءُ الأبْناءَ، والإخْوَةُ الإخْوَةَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةً لا يَرى بَعْضُهم بَعْضًا، فَقالُوا: فَما آَيَةُ تَوْبَتِنا؟ قالَ أنْ يَقُومَ السِّلاحُ فَلا يَقْتُلُ، وتُرْفَعَ الظُّلْمَةُ. فَقَتَلُوا حَتّى خاضُوا في الدِّماءِ، وصاحَ الصِّبْيانُ: يا مُوسى: العَفْوَ العَفْوَ. فَبَكى مُوسى، فَنَزَلَتِ التَّوْبَةُ، وقامَ السِّلاحُ، وارْتَفَعَتِ الظُّلْمَةُ. قالَ مُجاهِدٌ: بَلَغَ القَتْلى سَبْعِينَ ألْفًا. قالَ قَتادَةُ: جَعَلَ القَتْلَ لِلْقَتِيلِ شَهادَةً، ولِلْحَيِّ تَوْبَةً.

Al-Baqara 2:54Listen in Qur'an →
55

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allah outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ.﴾

فِي القائِلِينَ لِمُوسى ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ أتاهم بِكِتابِ اللَّهِ، فَقالُوا: واللَّهِ لا نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً؛ فَيَقُولُ هَذا كِتابِي. وفي "جَهْرَةً" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ، أيْ: جَهَرُوا بِذَلِكَ القَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّها الرُّؤْيَةُ البَيِّنَةُ، أيْ: أرَناهُ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ عَنّا بِشَيْءٍ، يُقالُ: فَلانٌ يَتَجاهَرُ بِالمَعاصِي، أيْ: لا يَسْتَتِرُ مِنَ النّاسِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ومَعْنى "الصّاعِقَةِ": ما يُصْعَقُونَ مِنهُ، أيْ: يَمُوتُونَ. ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهم ماتُوا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهم لَمْ يَمُوتُوا، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ، فَقالَ هُناكَ: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ وقالَ هاهُنا: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ والإفاقَةُ لِلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، والبَعْثِ لِلْمَيِّتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ كَيْفَ يَقَعُ مَيِّتًا. والثّانِي: يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى إحْياءِ بَعْضٍ. والثّالِثُ: تَنْظُرُونَ العَذابَ كَيْفَ يَنْزِلُ بِكم، وهو قَوْلُ مَن قالَ: نَزَلَتْ نارٌ فَأحْرَقَتْهم.

Al-Baqara 2:55Listen in Qur'an →
56

ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ.﴾

فِي القائِلِينَ لِمُوسى ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ مِنهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ أتاهم بِكِتابِ اللَّهِ، فَقالُوا: واللَّهِ لا نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً؛ فَيَقُولُ هَذا كِتابِي. وفي "جَهْرَةً" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ، أيْ: جَهَرُوا بِذَلِكَ القَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: أنَّها الرُّؤْيَةُ البَيِّنَةُ، أيْ: أرَناهُ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ عَنّا بِشَيْءٍ، يُقالُ: فَلانٌ يَتَجاهَرُ بِالمَعاصِي، أيْ: لا يَسْتَتِرُ مِنَ النّاسِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. ومَعْنى "الصّاعِقَةِ": ما يُصْعَقُونَ مِنهُ، أيْ: يَمُوتُونَ. ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهم ماتُوا، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهم لَمْ يَمُوتُوا، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَّقَ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ، فَقالَ هُناكَ: ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ وقالَ هاهُنا: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ والإفاقَةُ لِلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، والبَعْثِ لِلْمَيِّتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ كَيْفَ يَقَعُ مَيِّتًا. والثّانِي: يَنْظُرُ بَعْضُكم إلى إحْياءِ بَعْضٍ. والثّالِثُ: تَنْظُرُونَ العَذابَ كَيْفَ يَنْزِلُ بِكم، وهو قَوْلُ مَن قالَ: نَزَلَتْ نارٌ فَأحْرَقَتْهم.

Al-Baqara 2:56Listen in Qur'an →
57

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ (الغَمامَ): السَّحابُ، سُمِّيَ غَمامًا، لِأنَّهُ يَغِمُّ السَّماءَ، أيْ: يَسْتُرُها، وكُلُّ شَيْءٍ غَطَّيْتَهُ فَقَدْ غَمَمْتَهُ، وهَذا كانَ في التِّيهِ. وفي المَنِّ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَقَعُ عَلى الشَّجَرِ فَيَأْكُلُهُ النّاسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيُّ، والضَّحّاكُ. والثّانِي: أنَّهُ التَّرَنْجَبِينُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ صَمْغُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: أنَّهُ يُشْبِهُ الرُّبَّ الغَلِيظَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: أنَّهُ شَرابٌ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. والسّادِسُ: أنَّهُ خُبْزُ الرُّقاقِ مِثْلُ الذُّرَةِ، أوْ مِثْلُ النَّقِيِّ، قالَهُ وهْبٌ. والسّابِعُ: أنَّهُ عَسَلٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّامِنُ: أنَّهُ الزَّنْجَبِيلُ قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَفِي السَّلْوى قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ طائِرٌ، قالَ بَعْضُهُمْ: يُشْبِهُ السُّمانى، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو السُّمانى. والثّانِي: أنَّهُ العَسَلُ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأنْشَدَ:

؎ وقاسَمَها بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُمْ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَقَصُونا وضَرُّونا، بَلْ ضَرُّوا أنْفُسَهم.

Al-Baqara 2:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًۭا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ

And [recall] when We said, "Enter this city and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly and say, 'Relieve us of our burdens.' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ .

فِي القائِلِ لَهم قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ مُوسى بَعْدَ مُضِيِّ أرْبَعِينَ سَنَةً. والثّانِي: أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ بَعْدَ مَوْتِ مُوسى. والقَرْيَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَمْعِ، ومِنهُ: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ. والمِقْراةُ: الحَوْضُ يُجْمَعُ فِيهِ الماءُ. وفي المُرادِ بِ: هَذِهِ القَرْيَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها أرِيحا. قالَ السُّدِّيُّ: وأرِيحا: هي أرْضٌ بَيْنَ المَقْدِسِ. والثّانِي: أنَّها قَرْيَةٌ مِن أدانِي قُرى الشّامِ، قالَهُ وهْبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو أحَدُ أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو يُدْعى: بابَ حِطَّةٍ. وقَوْلُهُ: (سُجَّدًا) أيْ: رُكَّعًا. قالَ وهْبٌ: أمَرُوا بِالسُّجُودِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى إذْ رَدَّهم إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (حِطَّةً) بِالنَّصْبِ.

وَفِي مَعْنى حِطَّةٍ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: اسْتَغْفِرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ووَهْبٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهي كَلِمَةٌ [أُمِرُوا أنْ يَقُولُوها ] في مَعْنى الِاسْتِغْفارِ، مِن حَطَطْتُ، أيْ: حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها: قُولُوا: هَذا الأمْرُ حَقٌّ كَما قِيلَ لَكم، ذَكَرَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ مَعْناها: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: فَيَكُونُ المَعْنى: قُولُوا الَّذِي يَحُطُّ عَنْكم خَطاياكم. [وَهُوَ قَوْلُ: "إلَهَ إلّا اللَّهُ" . ] .

وَلِماذا أُمِرُوا بِدُخُولِ القَرْيَةِ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ لِذُنُوبٍ رَكِبُوها فَقِيلَ: ( ادْخُلُوا القَرْيَةَ )، ( وادْخُلُوا الباب سُجَّدًا نَغْفِرُ لَكم خطايكم ) قالَهُ وهْبٌ. والثّانِي: أنَّهم مَلُّوا المَنَّ والسَّلْوى، فَقِيلَ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ فَكانَ أوَّلُ ما لَقِيَهم أرِيحا، فَأُمِرُوا بِدُخُولِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ .

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (نَغْفِرُ لَكُمْ) بِالنُّونِ مَعَ كَسْرِ الفاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ (يَغْفِرُ) بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتَحِ الفاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ مَعَ فَتْحِ الفاءِ.

Al-Baqara 2:58Listen in Qur'an →
59

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment from the sky because they were defiantly disobeying.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ، عَزَّ وجَلَّ، أمَرَهم في دُخُولِهِمْ بِفِعْلٍ وقَوْلٍ، فالفِعْلُ السُّجُودُ، والقَوْلُ: حِطَّةٌ، فَغَيَّرَ القَوْمُ الفِعْلَ والقَوْلَ.

فَأمّا تَغْيِيرُ الفِعْلِ؛ فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّهم دَخَلُوا مُتَزَحِّفِينَ عَلى أوْراكِهِمْ،» رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . والثّانِي: أنَّهم دَخَلُوا مِن قِبَلِ أسْتاهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: أنَّهم دَخَلُوا مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والرّابِعُ: أنَّهم دَخَلُوا عَلى حُرُوفِ عُيُونِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: أنَّهم دَخَلُوا مُسْتَلْقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَأمّا تَغْيِيرُ القَوْلِ؛ فَفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّهم قالُوا مَكانَ "حِطَّةٍ" حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ،» رَواهُ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: حِنْطَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: أنَّهم قالُوا: حِنْطَةٌ حَمْراءُ فِيها شَعْرَةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والرّابِعُ: أنَّهم قالُوا: حَبَّةُ حِنْطَةٍ مَثْقُوبَةٍ فِيها شُعَيْرَةٌ سَوْداءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والخامِسُ: أنَّهم قالُوا: سَنْبَلاثا، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

فَأمّا الرِّجْزُ؛ فَهو العَذابُ، قالَهُ الكِسائِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجُ. وأنْشَدُوا لِرُؤْيَةٍ:

؎ حَتّى وقُمْنا كَيْدَهُ بِالرِّجْزِ

وَفِي ماهِيَّةِ هَذا العَذابُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ ظُلْمَةٌ ومَوْتٌ، ماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ، أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وهَلَكَ سَبْعُونَ ألْفًا عُقُوبَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ أصابَهُمُ الطّاعُونُ، عُذِّبُوا بِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ماتُوا، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ الثَّلْجُ، هَلَكَ بِهِ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

Al-Baqara 2:59Listen in Qur'an →
60

۞ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allah, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ .

اسْتَسْقى بِمَعْنى: اسْتَدْعى ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: اسْتَنْصَرَ.

وَفِي الحَجَرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ حَجَرٌ مَعْرُوفٌ عَيْنٌ لِمُوسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ. واخْتَلَفُوا في صِفَتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ كانَ حَجَرًا مُرَبَّعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: كانَ مِثْلَ رَأْسِ الثَّوْرِ، قالَهُ عَطِيَّةُ. والثّالِثُ: مِثْلُ رَأْسِ الشّاةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هو الَّذِي ذَهَبَ بِثِيابِ مُوسى، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَكَ: ارْفَعْ هَذا الحَجَرَ، فَلِي فِيهِ قُدْرَةٌ، ولَكَ فِيهِ مُعْجِزَةٌ، فَكانَ إذا احْتاجَ إلى الماءِ ضَرَبَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أمَرَ بِضَرْبِ أيِّ: حَجَرٍ كانَ، والأوَّلُ أثْبَتُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْفَجَرَتْ مِنهُ﴾ .

تَقْدِيرُ مَعْناهُ: فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، فَلَمّا عَرَّفَ بِقَوْلِهِ: "فانْفَجَرَتْ" أنَّهُ قَدْ ضَرَبَ، اكْتَفى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الضَّرْبِ. ومِثْلُهُ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ . [ الشُّعَراءِ: ٦٣ ] قالَهُ الفَرّاءُ. ولَمّا كانَ القَوْمُ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، أخْرَجَ اللَّهُ لَهُمُ اثْنَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا، ولِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ تَشاحَنٌ فَسَلِمُوا بِذَلِكَ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ .

العَثْوُ: أشَدُّ الفَسادِ، يُقالُ: عَثِيَ، وعَثا، وعاثَ. قالَ ابْنُ الرِّقاعِ

؎ لَوْلا الحَياءُ وأنَّ رَأْسِيَ قَدْ عَثا فِيهِ المَشِيبُ لَزُرْتُ أُمَّ القاسِمِ

Al-Baqara 2:60Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.