Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 51–60 of 286

51

وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him, while you were wrongdoers.

قَرَأ أبُو عَمْرٍو " وعَدْنا " بِغَيْرِ ألْفٍ، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْكَرَ " واعَدْنا " قالَ: لِأنَّ المُواعَدَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ البَشَرِ، فَأمّا مِنَ اللَّهِ فَإنَّما هو التَّفَرُّدُ بِالوَعْدِ عَلى هَذا وجَدْنا القُرْآنَ كَقَوْلِهِ ﴿وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] ومِثْلِهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ ومَكِّيٌّ، وإنَّما قالُوا هَكَذا نَظَرًا إلى أصْلِ المُفاعَلَةِ أنَّها تُفِيدُ الِاشْتِراكَ في أصْلِ الفِعْلِ وتَكُونُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَواعِدِينَ ونَحْوِهِما، ولَكِنَّها قَدْ تَأْتِي لِلْواحِدِ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِمْ: داوَيْتُ العَلِيلَ، وعاقَبْتُ اللِّصَّ، وطارَقْتُ النَّعْلَ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ واعَدْنا قالَ النَّحّاسُ: وهي أجْوَدُ وأحْسَنُ ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩] مِن هَذا في شَيْءٍ، لِأنَّ واعَدْنا مُوسى إنَّما هو مِن بابِ المُوافاةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ في شَيْءٍ، وإنَّما هو مِن قَوْلِكَ: مَوْعِدُكَ يَوْمَ الجُمْعَةَ، ومَوْعِدُكَ مَوْضِعَ كَذا، والفَصِيحُ في هَذا أنْ يُقالَ: واعَدْتُهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: واعَدْنا بِالألِفِ هاهُنا جَيِّدٌ، لِأنَّ الطّاعَةَ في القَبُولِ بِمَنزِلَةِ المُواعَدَةِ، فَمِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وعْدٌ ومِن مُوسى قَبُولٌ.

قَوْلُهُ: أرْبَعِينَ لَيْلَةً قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ تَمامُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهي عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: ذُو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وإنَّما خَصَّ اللَّيالِيَ بِالذِّكْرِ دُونَ الأيّامِ لِأنَّ اللَّيْلَةَ أسْبَقُ مِنَ اليَوْمِ فَهي قَبْلَهُ في الرُّتْبَةِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ أيْ جَعَلْتُمُ العِجْلَ إلَهًا مِن بَعْدِهِ: أيْ مِن بَعْدِ مُضِيِّ مُوسى إلى الطُّورِ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهم عَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً.

وقالُوا: قَدِ اخْتَلَفَ مَوْعِدُهُ فاتَّخَذُوا العِجْلَ، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم، فَقَدْ كانُوا يَسْلُكُونَ طَرائِقَ مِنَ التَّعَنُّتِ خارِجَةً عَنْ قَوانِينِ العَقْلِ مُخالِفَةً لِما يُخاطَبُونَ بِهِ بَلْ ويُشاهِدُونَهُ بِأبْصارِهِمْ، فَلا يُقالُ كَيْفَ تَعُدُّونَ الأيّامَ واللَّيالِيَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، وقَدْ صَرَّحَ لَهم في الوَعْدِ بِأنَّها أرْبَعُونَ لَيْلَةً، وإنَّما سَمّاهم ظالِمِينَ لِأنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وخالَفُوا مَوْعِدَ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ أيْ مِن بَعْدِ عِبادَتِكُمُ العِجْلَ، وسُمِّيَ العِجْلُ عِجْلًا لِاسْتِعْجالِهِمْ عِبادَتَهُ كَذا قِيلَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى ولَدِ البَقَرِ.

وقَدْ كانَ جَعَلَهُ لَهُمُ السّامِرِيُّ عَلى صُورَةِ العِجْلِ.

وقَوْلُهُ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ لِكَيْ تَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم مِنَ العَفْوِ عَنْ ذَنْبِكُمُ العَظِيمِ الَّذِي وقَعْتُمْ فِيهِ.

وأصْلُ الشُّكْرِ في اللُّغَةِ: الظُّهُورُ مِن قَوْلِهِمْ دابَّةٌ شَكُورٌ إذا ظَهَرَ عَلَيْها مِنَ السِّمَنِ فَوْقَ ما تُعْطى مِنَ العَلَفِ.

قالَ الجَوْهَرِيُّ الشُّكْرُ: الثَّناءُ عَلى المُحْسِنِ بِما أوْلاكَ مِنَ المَعْرُوفِ، يُقالُ: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وبِاللّامِ أفْصَحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، والشُّكْرانُ خِلافُ الكُفْرانِ.

والكِتابُ: التَّوْراةُ بِالإجْماعِ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

واخْتَلَفُوا في الفُرْقانِ، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: المَعْنى …

Al-Baqara 2:51Listen in Qur'an →
52

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

قَرَأ أبُو عَمْرٍو " وعَدْنا " بِغَيْرِ ألْفٍ، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْكَرَ " واعَدْنا " قالَ: لِأنَّ المُواعَدَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ البَشَرِ، فَأمّا مِنَ اللَّهِ فَإنَّما هو التَّفَرُّدُ بِالوَعْدِ عَلى هَذا وجَدْنا القُرْآنَ كَقَوْلِهِ ﴿وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] ومِثْلِهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ ومَكِّيٌّ، وإنَّما قالُوا هَكَذا نَظَرًا إلى أصْلِ المُفاعَلَةِ أنَّها تُفِيدُ الِاشْتِراكَ في أصْلِ الفِعْلِ وتَكُونُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَواعِدِينَ ونَحْوِهِما، ولَكِنَّها قَدْ تَأْتِي لِلْواحِدِ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِمْ: داوَيْتُ العَلِيلَ، وعاقَبْتُ اللِّصَّ، وطارَقْتُ النَّعْلَ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ واعَدْنا قالَ النَّحّاسُ: وهي أجْوَدُ وأحْسَنُ ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩] مِن هَذا في شَيْءٍ، لِأنَّ واعَدْنا مُوسى إنَّما هو مِن بابِ المُوافاةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ في شَيْءٍ، وإنَّما هو مِن قَوْلِكَ: مَوْعِدُكَ يَوْمَ الجُمْعَةَ، ومَوْعِدُكَ مَوْضِعَ كَذا، والفَصِيحُ في هَذا أنْ يُقالَ: واعَدْتُهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: واعَدْنا بِالألِفِ هاهُنا جَيِّدٌ، لِأنَّ الطّاعَةَ في القَبُولِ بِمَنزِلَةِ المُواعَدَةِ، فَمِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وعْدٌ ومِن مُوسى قَبُولٌ.

قَوْلُهُ: أرْبَعِينَ لَيْلَةً قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ تَمامُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهي عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: ذُو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وإنَّما خَصَّ اللَّيالِيَ بِالذِّكْرِ دُونَ الأيّامِ لِأنَّ اللَّيْلَةَ أسْبَقُ مِنَ اليَوْمِ فَهي قَبْلَهُ في الرُّتْبَةِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ أيْ جَعَلْتُمُ العِجْلَ إلَهًا مِن بَعْدِهِ: أيْ مِن بَعْدِ مُضِيِّ مُوسى إلى الطُّورِ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهم عَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً.

وقالُوا: قَدِ اخْتَلَفَ مَوْعِدُهُ فاتَّخَذُوا العِجْلَ، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم، فَقَدْ كانُوا يَسْلُكُونَ طَرائِقَ مِنَ التَّعَنُّتِ خارِجَةً عَنْ قَوانِينِ العَقْلِ مُخالِفَةً لِما يُخاطَبُونَ بِهِ بَلْ ويُشاهِدُونَهُ بِأبْصارِهِمْ، فَلا يُقالُ كَيْفَ تَعُدُّونَ الأيّامَ واللَّيالِيَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، وقَدْ صَرَّحَ لَهم في الوَعْدِ بِأنَّها أرْبَعُونَ لَيْلَةً، وإنَّما سَمّاهم ظالِمِينَ لِأنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وخالَفُوا مَوْعِدَ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ أيْ مِن بَعْدِ عِبادَتِكُمُ العِجْلَ، وسُمِّيَ العِجْلُ عِجْلًا لِاسْتِعْجالِهِمْ عِبادَتَهُ كَذا قِيلَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى ولَدِ البَقَرِ.

وقَدْ كانَ جَعَلَهُ لَهُمُ السّامِرِيُّ عَلى صُورَةِ العِجْلِ.

وقَوْلُهُ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ لِكَيْ تَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم مِنَ العَفْوِ عَنْ ذَنْبِكُمُ العَظِيمِ الَّذِي وقَعْتُمْ فِيهِ.

وأصْلُ الشُّكْرِ في اللُّغَةِ: الظُّهُورُ مِن قَوْلِهِمْ دابَّةٌ شَكُورٌ إذا ظَهَرَ عَلَيْها مِنَ السِّمَنِ فَوْقَ ما تُعْطى مِنَ العَلَفِ.

قالَ الجَوْهَرِيُّ الشُّكْرُ: الثَّناءُ عَلى المُحْسِنِ بِما أوْلاكَ مِنَ المَعْرُوفِ، يُقالُ: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وبِاللّامِ أفْصَحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، والشُّكْرانُ خِلافُ الكُفْرانِ.

والكِتابُ: التَّوْراةُ بِالإجْماعِ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

واخْتَلَفُوا في الفُرْقانِ، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: المَعْنى …

Al-Baqara 2:52Listen in Qur'an →
53

وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion that perhaps you would be guided.

قَرَأ أبُو عَمْرٍو " وعَدْنا " بِغَيْرِ ألْفٍ، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْكَرَ " واعَدْنا " قالَ: لِأنَّ المُواعَدَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ البَشَرِ، فَأمّا مِنَ اللَّهِ فَإنَّما هو التَّفَرُّدُ بِالوَعْدِ عَلى هَذا وجَدْنا القُرْآنَ كَقَوْلِهِ ﴿وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] ومِثْلِهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ ومَكِّيٌّ، وإنَّما قالُوا هَكَذا نَظَرًا إلى أصْلِ المُفاعَلَةِ أنَّها تُفِيدُ الِاشْتِراكَ في أصْلِ الفِعْلِ وتَكُونُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَواعِدِينَ ونَحْوِهِما، ولَكِنَّها قَدْ تَأْتِي لِلْواحِدِ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِمْ: داوَيْتُ العَلِيلَ، وعاقَبْتُ اللِّصَّ، وطارَقْتُ النَّعْلَ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ واعَدْنا قالَ النَّحّاسُ: وهي أجْوَدُ وأحْسَنُ ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩] مِن هَذا في شَيْءٍ، لِأنَّ واعَدْنا مُوسى إنَّما هو مِن بابِ المُوافاةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ في شَيْءٍ، وإنَّما هو مِن قَوْلِكَ: مَوْعِدُكَ يَوْمَ الجُمْعَةَ، ومَوْعِدُكَ مَوْضِعَ كَذا، والفَصِيحُ في هَذا أنْ يُقالَ: واعَدْتُهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: واعَدْنا بِالألِفِ هاهُنا جَيِّدٌ، لِأنَّ الطّاعَةَ في القَبُولِ بِمَنزِلَةِ المُواعَدَةِ، فَمِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وعْدٌ ومِن مُوسى قَبُولٌ.

قَوْلُهُ: أرْبَعِينَ لَيْلَةً قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ تَمامُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهي عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: ذُو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وإنَّما خَصَّ اللَّيالِيَ بِالذِّكْرِ دُونَ الأيّامِ لِأنَّ اللَّيْلَةَ أسْبَقُ مِنَ اليَوْمِ فَهي قَبْلَهُ في الرُّتْبَةِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ أيْ جَعَلْتُمُ العِجْلَ إلَهًا مِن بَعْدِهِ: أيْ مِن بَعْدِ مُضِيِّ مُوسى إلى الطُّورِ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهم عَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً.

وقالُوا: قَدِ اخْتَلَفَ مَوْعِدُهُ فاتَّخَذُوا العِجْلَ، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم، فَقَدْ كانُوا يَسْلُكُونَ طَرائِقَ مِنَ التَّعَنُّتِ خارِجَةً عَنْ قَوانِينِ العَقْلِ مُخالِفَةً لِما يُخاطَبُونَ بِهِ بَلْ ويُشاهِدُونَهُ بِأبْصارِهِمْ، فَلا يُقالُ كَيْفَ تَعُدُّونَ الأيّامَ واللَّيالِيَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، وقَدْ صَرَّحَ لَهم في الوَعْدِ بِأنَّها أرْبَعُونَ لَيْلَةً، وإنَّما سَمّاهم ظالِمِينَ لِأنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وخالَفُوا مَوْعِدَ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ أيْ مِن بَعْدِ عِبادَتِكُمُ العِجْلَ، وسُمِّيَ العِجْلُ عِجْلًا لِاسْتِعْجالِهِمْ عِبادَتَهُ كَذا قِيلَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى ولَدِ البَقَرِ.

وقَدْ كانَ جَعَلَهُ لَهُمُ السّامِرِيُّ عَلى صُورَةِ العِجْلِ.

وقَوْلُهُ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ لِكَيْ تَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم مِنَ العَفْوِ عَنْ ذَنْبِكُمُ العَظِيمِ الَّذِي وقَعْتُمْ فِيهِ.

وأصْلُ الشُّكْرِ في اللُّغَةِ: الظُّهُورُ مِن قَوْلِهِمْ دابَّةٌ شَكُورٌ إذا ظَهَرَ عَلَيْها مِنَ السِّمَنِ فَوْقَ ما تُعْطى مِنَ العَلَفِ.

قالَ الجَوْهَرِيُّ الشُّكْرُ: الثَّناءُ عَلى المُحْسِنِ بِما أوْلاكَ مِنَ المَعْرُوفِ، يُقالُ: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وبِاللّامِ أفْصَحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، والشُّكْرانُ خِلافُ الكُفْرانِ.

والكِتابُ: التَّوْراةُ بِالإجْماعِ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

واخْتَلَفُوا في الفُرْقانِ، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: المَعْنى …

Al-Baqara 2:53Listen in Qur'an →
54

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of repentance, the Merciful.

قَرَأ أبُو عَمْرٍو " وعَدْنا " بِغَيْرِ ألْفٍ، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْكَرَ " واعَدْنا " قالَ: لِأنَّ المُواعَدَةَ إنَّما تَكُونُ مِنَ البَشَرِ، فَأمّا مِنَ اللَّهِ فَإنَّما هو التَّفَرُّدُ بِالوَعْدِ عَلى هَذا وجَدْنا القُرْآنَ كَقَوْلِهِ ﴿وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧] ومِثْلِهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ ومَكِّيٌّ، وإنَّما قالُوا هَكَذا نَظَرًا إلى أصْلِ المُفاعَلَةِ أنَّها تُفِيدُ الِاشْتِراكَ في أصْلِ الفِعْلِ وتَكُونُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَواعِدِينَ ونَحْوِهِما، ولَكِنَّها قَدْ تَأْتِي لِلْواحِدِ في كَلامِ العَرَبِ كَما في قَوْلِهِمْ: داوَيْتُ العَلِيلَ، وعاقَبْتُ اللِّصَّ، وطارَقْتُ النَّعْلَ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ واعَدْنا قالَ النَّحّاسُ: وهي أجْوَدُ وأحْسَنُ ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٩] مِن هَذا في شَيْءٍ، لِأنَّ واعَدْنا مُوسى إنَّما هو مِن بابِ المُوافاةِ، ولَيْسَ هو مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ في شَيْءٍ، وإنَّما هو مِن قَوْلِكَ: مَوْعِدُكَ يَوْمَ الجُمْعَةَ، ومَوْعِدُكَ مَوْضِعَ كَذا، والفَصِيحُ في هَذا أنْ يُقالَ: واعَدْتُهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: واعَدْنا بِالألِفِ هاهُنا جَيِّدٌ، لِأنَّ الطّاعَةَ في القَبُولِ بِمَنزِلَةِ المُواعَدَةِ، فَمِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وعْدٌ ومِن مُوسى قَبُولٌ.

قَوْلُهُ: أرْبَعِينَ لَيْلَةً قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ تَمامُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهي عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: ذُو القَعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ، وإنَّما خَصَّ اللَّيالِيَ بِالذِّكْرِ دُونَ الأيّامِ لِأنَّ اللَّيْلَةَ أسْبَقُ مِنَ اليَوْمِ فَهي قَبْلَهُ في الرُّتْبَةِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ أيْ جَعَلْتُمُ العِجْلَ إلَهًا مِن بَعْدِهِ: أيْ مِن بَعْدِ مُضِيِّ مُوسى إلى الطُّورِ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهم عَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً.

وقالُوا: قَدِ اخْتَلَفَ مَوْعِدُهُ فاتَّخَذُوا العِجْلَ، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم، فَقَدْ كانُوا يَسْلُكُونَ طَرائِقَ مِنَ التَّعَنُّتِ خارِجَةً عَنْ قَوانِينِ العَقْلِ مُخالِفَةً لِما يُخاطَبُونَ بِهِ بَلْ ويُشاهِدُونَهُ بِأبْصارِهِمْ، فَلا يُقالُ كَيْفَ تَعُدُّونَ الأيّامَ واللَّيالِيَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، وقَدْ صَرَّحَ لَهم في الوَعْدِ بِأنَّها أرْبَعُونَ لَيْلَةً، وإنَّما سَمّاهم ظالِمِينَ لِأنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وخالَفُوا مَوْعِدَ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ أيْ مِن بَعْدِ عِبادَتِكُمُ العِجْلَ، وسُمِّيَ العِجْلُ عِجْلًا لِاسْتِعْجالِهِمْ عِبادَتَهُ كَذا قِيلَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ هَذا الِاسْمَ عَلى ولَدِ البَقَرِ.

وقَدْ كانَ جَعَلَهُ لَهُمُ السّامِرِيُّ عَلى صُورَةِ العِجْلِ.

وقَوْلُهُ: لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ أيْ لِكَيْ تَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم مِنَ العَفْوِ عَنْ ذَنْبِكُمُ العَظِيمِ الَّذِي وقَعْتُمْ فِيهِ.

وأصْلُ الشُّكْرِ في اللُّغَةِ: الظُّهُورُ مِن قَوْلِهِمْ دابَّةٌ شَكُورٌ إذا ظَهَرَ عَلَيْها مِنَ السِّمَنِ فَوْقَ ما تُعْطى مِنَ العَلَفِ.

قالَ الجَوْهَرِيُّ الشُّكْرُ: الثَّناءُ عَلى المُحْسِنِ بِما أوْلاكَ مِنَ المَعْرُوفِ، يُقالُ: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، وبِاللّامِ أفْصَحُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، والشُّكْرانُ خِلافُ الكُفْرانِ.

والكِتابُ: التَّوْراةُ بِالإجْماعِ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

واخْتَلَفُوا في الفُرْقانِ، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: المَعْنى …

Al-Baqara 2:54Listen in Qur'an →
55

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allah outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وظاهِرُ السِّياقِ أنَّ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ هم قَوْمُ مُوسى، وقِيلَ: هُمُ السَبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم.

وذَلِكَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ المَقالَةَ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم.

ثُمَّ دَعا مُوسى رَبَّهُ فَأحْياهم كَما قالَ تَعالى هُنا: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم﴾ وسَيَأْتِي ذَلِكَ في الأعْرافِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

والجَهْرَةُ: المُعايَنَةُ، وأصْلُها الظُّهُورُ، ومِنهُ الجَهْرُ بِالقِراءَةِ والمُجاهَرَةُ بِالمَعاصِي، ورَأيْتُ الأمْرَ جَهْرَةً وجِهارًا: أيْ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ بِشَيْءٍ، وهي مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " جَهَرَةً " بِفَتْحِ الهاءِ وهي لُغَتانِ مِثْلُ زَهْرَةٍ وزَهَرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ جَمْعُ جاهَرٍ.

والصّاعِقَةُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وقَرَأ عُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ " الصَّعْقَةُ " وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، والمُرادُ بِأخْذِ الصّاعِقَةِ إصابَتُها إيّاهم.

﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِن هَذا النَّظَرِ الكائِنِ مِنهم أنَّهم نَظَرُوا أوائِلَ الصّاعِقَةِ النّازِلَةِ بِهِمُ الواقِعَةِ عَلَيْهِمْ لا آخِرَها الَّذِي ماتُوا عِنْدَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالصّاعِقَةِ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ولا مُوجِبَ لِلْمَصِيرِ إلى هَذا التَّفْسِيرِ، لِأنَّ المَصْعُوقَ قَدْ يَمُوتُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُغْشى عَلَيْهِ ثُمَّ يُفِيقُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ومِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فَإنَّها لَوْ كانَتِ الصّاعِقَةُ عِبارَةً عَنِ المَوْتِ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ كَبِيرُ مَعْنًى، بَلْ قَدْ يُقالُ إنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ تَنْظُرُوا المَوْتَ النّازِلَ بِهِمْ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ نَظَرَ الأسْبابِ المُؤَثِّرَةِ لِلْمَوْتِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ الإحْياءُ لَهم لِوُقُوعِهِ بَعْدَ المَوْتِ، وأصْلُ البَعْثِ الإثارَةُ لِلشَّيْءِ مِن مَحَلِّهِ، يُقالُ: بَعَثْتُ النّاقَةَ: أيْ أثَرْتُها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎وإخْوانِ صِدْقٍ قَدْ بَعَثْتُ بِسُحْرَةٍ فَقامُوا جَمِيعًا بَيْنَ غاثٍ ونَشْوانِ

وقَوْلُ عَنْتَرَةَ:

؎وصَحابَةٍ شُمِّ الأُنُوفِ بَعَثْتُهم ∗∗∗ لَيْلًا وقَدْ مالَ الكَرى بِطِلاها

وإنَّما عُوقِبُوا بِأخْذِ الصّاعِقَةِ لَهم لِأنَّهم طَلَبُوا ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ مِن رُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا.

وقَدْ ذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ ومَن تابَعَهم إلى إنْكارِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَهَبَ مَن عَداهم إلى جَوازِها في الدُّنْيا والآخِرَةِ ووُقُوعِها في الآخِرَةِ.

وقَدْ تَواتَرَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العِبادَ يَرَوْنَ رَبَّهم في الآخِرَةِ، وهي قَطْعِيَّةُ الدَّلالَةِ لا يَنْبَغِي لِمُنْصِفٍ أنْ يَتَمَسَّكَ في مُقابِلِها بِتِلْكَ القَواعِدِ الكَلامِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها قُدَماءُ المُعْتَزِلَةِ، وزَعَمُوا أنَّ العَقْلَ قَدْ حَكَمَ بِها، دَعْوى مَبْنِيَّةٍ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، وقَواعِدُ لا يَغْتَرُّ بِها إلّا مَن لَمْ يَحْظَ مِنَ العِلْمِ النّافِعِ بِنَصِيبٍ، وسَيَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ بَيانُ ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ، وكُلُّها خارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزاعِ، بَعِيدٌ مِن مَوْضِعِ الحُجَّةِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ المَقالِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.

قَوْلُهُ: …

Al-Baqara 2:55Listen in Qur'an →
56

ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وظاهِرُ السِّياقِ أنَّ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ هم قَوْمُ مُوسى، وقِيلَ: هُمُ السَبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم.

وذَلِكَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ المَقالَةَ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم.

ثُمَّ دَعا مُوسى رَبَّهُ فَأحْياهم كَما قالَ تَعالى هُنا: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم﴾ وسَيَأْتِي ذَلِكَ في الأعْرافِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

والجَهْرَةُ: المُعايَنَةُ، وأصْلُها الظُّهُورُ، ومِنهُ الجَهْرُ بِالقِراءَةِ والمُجاهَرَةُ بِالمَعاصِي، ورَأيْتُ الأمْرَ جَهْرَةً وجِهارًا: أيْ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ بِشَيْءٍ، وهي مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " جَهَرَةً " بِفَتْحِ الهاءِ وهي لُغَتانِ مِثْلُ زَهْرَةٍ وزَهَرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ جَمْعُ جاهَرٍ.

والصّاعِقَةُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وقَرَأ عُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ " الصَّعْقَةُ " وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، والمُرادُ بِأخْذِ الصّاعِقَةِ إصابَتُها إيّاهم.

﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِن هَذا النَّظَرِ الكائِنِ مِنهم أنَّهم نَظَرُوا أوائِلَ الصّاعِقَةِ النّازِلَةِ بِهِمُ الواقِعَةِ عَلَيْهِمْ لا آخِرَها الَّذِي ماتُوا عِنْدَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالصّاعِقَةِ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ولا مُوجِبَ لِلْمَصِيرِ إلى هَذا التَّفْسِيرِ، لِأنَّ المَصْعُوقَ قَدْ يَمُوتُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُغْشى عَلَيْهِ ثُمَّ يُفِيقُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ومِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فَإنَّها لَوْ كانَتِ الصّاعِقَةُ عِبارَةً عَنِ المَوْتِ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ كَبِيرُ مَعْنًى، بَلْ قَدْ يُقالُ إنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ تَنْظُرُوا المَوْتَ النّازِلَ بِهِمْ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ نَظَرَ الأسْبابِ المُؤَثِّرَةِ لِلْمَوْتِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ الإحْياءُ لَهم لِوُقُوعِهِ بَعْدَ المَوْتِ، وأصْلُ البَعْثِ الإثارَةُ لِلشَّيْءِ مِن مَحَلِّهِ، يُقالُ: بَعَثْتُ النّاقَةَ: أيْ أثَرْتُها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎وإخْوانِ صِدْقٍ قَدْ بَعَثْتُ بِسُحْرَةٍ فَقامُوا جَمِيعًا بَيْنَ غاثٍ ونَشْوانِ

وقَوْلُ عَنْتَرَةَ:

؎وصَحابَةٍ شُمِّ الأُنُوفِ بَعَثْتُهم ∗∗∗ لَيْلًا وقَدْ مالَ الكَرى بِطِلاها

وإنَّما عُوقِبُوا بِأخْذِ الصّاعِقَةِ لَهم لِأنَّهم طَلَبُوا ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ مِن رُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا.

وقَدْ ذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ ومَن تابَعَهم إلى إنْكارِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَهَبَ مَن عَداهم إلى جَوازِها في الدُّنْيا والآخِرَةِ ووُقُوعِها في الآخِرَةِ.

وقَدْ تَواتَرَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العِبادَ يَرَوْنَ رَبَّهم في الآخِرَةِ، وهي قَطْعِيَّةُ الدَّلالَةِ لا يَنْبَغِي لِمُنْصِفٍ أنْ يَتَمَسَّكَ في مُقابِلِها بِتِلْكَ القَواعِدِ الكَلامِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها قُدَماءُ المُعْتَزِلَةِ، وزَعَمُوا أنَّ العَقْلَ قَدْ حَكَمَ بِها، دَعْوى مَبْنِيَّةٍ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، وقَواعِدُ لا يَغْتَرُّ بِها إلّا مَن لَمْ يَحْظَ مِنَ العِلْمِ النّافِعِ بِنَصِيبٍ، وسَيَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ بَيانُ ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ، وكُلُّها خارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزاعِ، بَعِيدٌ مِن مَوْضِعِ الحُجَّةِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ المَقالِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.

قَوْلُهُ: …

Al-Baqara 2:56Listen in Qur'an →
57

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وظاهِرُ السِّياقِ أنَّ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ هم قَوْمُ مُوسى، وقِيلَ: هُمُ السَبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم.

وذَلِكَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ المَقالَةَ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهم.

ثُمَّ دَعا مُوسى رَبَّهُ فَأحْياهم كَما قالَ تَعالى هُنا: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم﴾ وسَيَأْتِي ذَلِكَ في الأعْرافِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

والجَهْرَةُ: المُعايَنَةُ، وأصْلُها الظُّهُورُ، ومِنهُ الجَهْرُ بِالقِراءَةِ والمُجاهَرَةُ بِالمَعاصِي، ورَأيْتُ الأمْرَ جَهْرَةً وجِهارًا: أيْ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ بِشَيْءٍ، وهي مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ " جَهَرَةً " بِفَتْحِ الهاءِ وهي لُغَتانِ مِثْلُ زَهْرَةٍ وزَهَرَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ جَمْعُ جاهَرٍ.

والصّاعِقَةُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، وقَرَأ عُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ " الصَّعْقَةُ " وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، والمُرادُ بِأخْذِ الصّاعِقَةِ إصابَتُها إيّاهم.

﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِن هَذا النَّظَرِ الكائِنِ مِنهم أنَّهم نَظَرُوا أوائِلَ الصّاعِقَةِ النّازِلَةِ بِهِمُ الواقِعَةِ عَلَيْهِمْ لا آخِرَها الَّذِي ماتُوا عِنْدَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالصّاعِقَةِ المَوْتُ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ولا مُوجِبَ لِلْمَصِيرِ إلى هَذا التَّفْسِيرِ، لِأنَّ المَصْعُوقَ قَدْ يَمُوتُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُغْشى عَلَيْهِ ثُمَّ يُفِيقُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ومِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فَإنَّها لَوْ كانَتِ الصّاعِقَةُ عِبارَةً عَنِ المَوْتِ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ كَبِيرُ مَعْنًى، بَلْ قَدْ يُقالُ إنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ تَنْظُرُوا المَوْتَ النّازِلَ بِهِمْ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ نَظَرَ الأسْبابِ المُؤَثِّرَةِ لِلْمَوْتِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ الإحْياءُ لَهم لِوُقُوعِهِ بَعْدَ المَوْتِ، وأصْلُ البَعْثِ الإثارَةُ لِلشَّيْءِ مِن مَحَلِّهِ، يُقالُ: بَعَثْتُ النّاقَةَ: أيْ أثَرْتُها، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎وإخْوانِ صِدْقٍ قَدْ بَعَثْتُ بِسُحْرَةٍ فَقامُوا جَمِيعًا بَيْنَ غاثٍ ونَشْوانِ

وقَوْلُ عَنْتَرَةَ:

؎وصَحابَةٍ شُمِّ الأُنُوفِ بَعَثْتُهم ∗∗∗ لَيْلًا وقَدْ مالَ الكَرى بِطِلاها

وإنَّما عُوقِبُوا بِأخْذِ الصّاعِقَةِ لَهم لِأنَّهم طَلَبُوا ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ مِن رُؤْيَتِهِ في الدُّنْيا.

وقَدْ ذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ ومَن تابَعَهم إلى إنْكارِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذَهَبَ مَن عَداهم إلى جَوازِها في الدُّنْيا والآخِرَةِ ووُقُوعِها في الآخِرَةِ.

وقَدْ تَواتَرَتِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِأنَّ العِبادَ يَرَوْنَ رَبَّهم في الآخِرَةِ، وهي قَطْعِيَّةُ الدَّلالَةِ لا يَنْبَغِي لِمُنْصِفٍ أنْ يَتَمَسَّكَ في مُقابِلِها بِتِلْكَ القَواعِدِ الكَلامِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها قُدَماءُ المُعْتَزِلَةِ، وزَعَمُوا أنَّ العَقْلَ قَدْ حَكَمَ بِها، دَعْوى مَبْنِيَّةٍ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، وقَواعِدُ لا يَغْتَرُّ بِها إلّا مَن لَمْ يَحْظَ مِنَ العِلْمِ النّافِعِ بِنَصِيبٍ، وسَيَأْتِيكَ إنْ شاءَ اللَّهُ بَيانُ ما تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ الأدِلَّةِ القُرْآنِيَّةِ، وكُلُّها خارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزاعِ، بَعِيدٌ مِن مَوْضِعِ الحُجَّةِ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ المَقالِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.

قَوْلُهُ: …

Al-Baqara 2:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًۭا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ

And [recall] when We said, "Enter this city and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly and say, 'Relieve us of our burdens.' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القَرْيَةُ هي بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِيلَ: إنَّها أرِيحاءُ قَرْيَةٌ مِن قُرى بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: مِن قُرى الشّامِ.

وقَوْلُهُ: كُلُوا أمْرُ إباحَةٍ، رَغَدًا كَثِيرًا واسِعًا، وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أكْلًا رَغَدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

والبابُ الَّذِي أُمِرُوا بِدُخُولِهِ هو بابٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ يُعْرَفُ اليَوْمَ بِبابِ حِطَّةٍ، وقِيلَ: هو بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَ يُصَلِّي إلَيْها مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ.

والسُّجُودُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وقِيلَ: هو هُنا الِانْحِناءُ، وقِيلَ: التَّواضُعُ والخُضُوعُ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالسُّجُودِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ لامْتَنَعَ الدُّخُولُ المَأْمُورُ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ الدُّخُولُ حالَ السُّجُودِ الحَقِيقِيِّ.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهم أُمِرُوا بِالسُّجُودِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى البابِ شُكْرًا لِلَّهِ وتَواضُعًا.

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ المادِّ فَقالَ: لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ، بَلْ هو قَيْدٌ في وُقُوعِ المَأْمُورِ بِهِ وهو الدُّخُولُ، والأحْوالُ نِسَبٌ تَقْيِيدِيَّةٌ، والأوامِرُ نِسَبٌ إسْنادِيَّةٌ انْتَهى.

ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأمْرَ بِالمُقَيَّدِ أمْرٌ بِالقَيْدِ، فَمَن قالَ اخْرُجْ مُسْرِعًا فَهو آمِرٌ بِالخُرُوجِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، فَلَوْ خَرَجَ غَيْرَ مُسْرِعٍ كانَ عِنْدَ أهْلِ اللِّسانِ مُخالِفًا لِلْأمْرِ.

ولا يُنافِي هَذا كَوْنُ الأحْوالِ نِسَبًا تَقْيِيدِيَّةً، فَإنَّ اتِّصافَها بِكَوْنِها قُيُودًا مَأْمُورًا بِها هو شَيْءٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ التَّقْيِيدِ، وقَوْلُهُ: حِطَّةٌ بِالرَّفْعِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، قالَ الأخْفَشُ: وقُرِئَتْ " حِطَّةً " نَصْبًا عَلى مَعْنى احْطُطْ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً، وقِيلَ: مَعْناها الِاسْتِغْفارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فازَ بِالحِطَّةِ الَّتِي أمَرَ اللَّ هُ بِها ذَنْبُ عَبْدِهِ مَغْفُورا

وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: حِطَّةٌ كَلِمَةٌ أُمِرُوا بِها ولَوْ قالُوها لَحُطَّتْ أوْزارُهم.

قالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا ما يَدُلُّ عَلى التَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّوْبَةَ صِفَةُ القَلْبِ فَلا يَطَّلِعُ الغَيْرُ عَلَيْها، وإذا اشْتَهَرَ وأُخِذَ بِالذَّنْبِ ثُمَّ تابَ بَعْدَهُ لَزِمَهُ أنْ يَحْكِيَ تَوْبَتَهُ لِمَن شاهَدَ مِنهُ الذَّنْبَ، لِأنَّ التَّوْبَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِهِ. انْتَهى.

وكَوْنُ التَّوْبَةِ لا تُتِمُّ إلّا بِذَلِكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ مُجَرَّدُ عَقْدِ القَلْبِ عَلَيْها يَكْفِي سَواءٌ اطَّلَعَ النّاسُ عَلى ذَنْبِهِ أمْ لا، ورُبَّما كانَ التَّكَتُّمُ بِالتَّوْبَةِ عَلى وجْهٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أحَبَّ إلى اللَّهِ وأقْرَبَ إلى مَغْفِرَتِهِ.

وأمّا رَفْعُ ما عِنْدَ النّاسِ مِنَ اعْتِقادِهِمْ بَقاءَهُ عَلى المَعْصِيَةِ فَذَلِكَ بابٌ آخَرُ.

وقَوْلُهُ: ( يُغْفَرْ لَكم ) قَرَأهُ نافِعٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَضْمُومَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ وقَرَأهُ الباقُونَ بِالنُّونِ وهي أوْلى.

والخَطايا جَمْعُ خَطِيئَةٍ بِالهَمْزِ، وقَدْ تَكَلَّمَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ في ذَلِكَ بِما هو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الصَّرْفِ.

وقَوْلُهُ: وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ أيْ نَزِيدُهم إحْسانًا عَلى إحْسانِهِمُ المُتَقَدِّمِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أحْسَنَ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ …

Al-Baqara 2:58Listen in Qur'an →
59

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment from the sky because they were defiantly disobeying.

قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: القَرْيَةُ هي بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِيلَ: إنَّها أرِيحاءُ قَرْيَةٌ مِن قُرى بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: مِن قُرى الشّامِ.

وقَوْلُهُ: كُلُوا أمْرُ إباحَةٍ، رَغَدًا كَثِيرًا واسِعًا، وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ أكْلًا رَغَدًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.

والبابُ الَّذِي أُمِرُوا بِدُخُولِهِ هو بابٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ يُعْرَفُ اليَوْمَ بِبابِ حِطَّةٍ، وقِيلَ: هو بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَ يُصَلِّي إلَيْها مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ.

والسُّجُودُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وقِيلَ: هو هُنا الِانْحِناءُ، وقِيلَ: التَّواضُعُ والخُضُوعُ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالسُّجُودِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ لامْتَنَعَ الدُّخُولُ المَأْمُورُ بِهِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ الدُّخُولُ حالَ السُّجُودِ الحَقِيقِيِّ.

وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهم أُمِرُوا بِالسُّجُودِ عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى البابِ شُكْرًا لِلَّهِ وتَواضُعًا.

واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ المادِّ فَقالَ: لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ، بَلْ هو قَيْدٌ في وُقُوعِ المَأْمُورِ بِهِ وهو الدُّخُولُ، والأحْوالُ نِسَبٌ تَقْيِيدِيَّةٌ، والأوامِرُ نِسَبٌ إسْنادِيَّةٌ انْتَهى.

ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ الأمْرَ بِالمُقَيَّدِ أمْرٌ بِالقَيْدِ، فَمَن قالَ اخْرُجْ مُسْرِعًا فَهو آمِرٌ بِالخُرُوجِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ، فَلَوْ خَرَجَ غَيْرَ مُسْرِعٍ كانَ عِنْدَ أهْلِ اللِّسانِ مُخالِفًا لِلْأمْرِ.

ولا يُنافِي هَذا كَوْنُ الأحْوالِ نِسَبًا تَقْيِيدِيَّةً، فَإنَّ اتِّصافَها بِكَوْنِها قُيُودًا مَأْمُورًا بِها هو شَيْءٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ التَّقْيِيدِ، وقَوْلُهُ: حِطَّةٌ بِالرَّفْعِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، قالَ الأخْفَشُ: وقُرِئَتْ " حِطَّةً " نَصْبًا عَلى مَعْنى احْطُطْ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً، وقِيلَ: مَعْناها الِاسْتِغْفارُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فازَ بِالحِطَّةِ الَّتِي أمَرَ اللَّ هُ بِها ذَنْبُ عَبْدِهِ مَغْفُورا

وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: حِطَّةٌ كَلِمَةٌ أُمِرُوا بِها ولَوْ قالُوها لَحُطَّتْ أوْزارُهم.

قالَ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا ما يَدُلُّ عَلى التَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّوْبَةَ صِفَةُ القَلْبِ فَلا يَطَّلِعُ الغَيْرُ عَلَيْها، وإذا اشْتَهَرَ وأُخِذَ بِالذَّنْبِ ثُمَّ تابَ بَعْدَهُ لَزِمَهُ أنْ يَحْكِيَ تَوْبَتَهُ لِمَن شاهَدَ مِنهُ الذَّنْبَ، لِأنَّ التَّوْبَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِهِ. انْتَهى.

وكَوْنُ التَّوْبَةِ لا تُتِمُّ إلّا بِذَلِكَ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ مُجَرَّدُ عَقْدِ القَلْبِ عَلَيْها يَكْفِي سَواءٌ اطَّلَعَ النّاسُ عَلى ذَنْبِهِ أمْ لا، ورُبَّما كانَ التَّكَتُّمُ بِالتَّوْبَةِ عَلى وجْهٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أحَبَّ إلى اللَّهِ وأقْرَبَ إلى مَغْفِرَتِهِ.

وأمّا رَفْعُ ما عِنْدَ النّاسِ مِنَ اعْتِقادِهِمْ بَقاءَهُ عَلى المَعْصِيَةِ فَذَلِكَ بابٌ آخَرُ.

وقَوْلُهُ: ( يُغْفَرْ لَكم ) قَرَأهُ نافِعٌ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ المَضْمُومَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ وقَرَأهُ الباقُونَ بِالنُّونِ وهي أوْلى.

والخَطايا جَمْعُ خَطِيئَةٍ بِالهَمْزِ، وقَدْ تَكَلَّمَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ في ذَلِكَ بِما هو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الصَّرْفِ.

وقَوْلُهُ: وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ أيْ نَزِيدُهم إحْسانًا عَلى إحْسانِهِمُ المُتَقَدِّمِ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أحْسَنَ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ …

Al-Baqara 2:59Listen in Qur'an →
60

۞ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allah, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

الِاسْتِسْقاءُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ وحَبْسِ المَطَرِ.

ومَعْناهُ في اللُّغَةِ: طَلَبُ السُّقْيا.

وفِي الشَّرْعِ: ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في صِفَتِهِ مِنَ الصَّلاةِ والدُّعاءِ.

والحَجَرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَجَرًا مُعَيَّنًا فَتَكُونُ اللّامُ لِلْعَهْدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ مُعَيَّنًا فَتَكُونُ لِلْجِنْسِ، وهو أظْهَرُ في المُعْجِزَةِ وأقْوى لِلْحُجَّةِ.

وقَوْلُهُ: ( فانْفَجَرَتْ ) الفاءُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ، والِانْفِجارُ: الِانْشِقاقُ، وانْفَجَرَ الماءُ انْفِجارًا تَفتَّحَ، والفُجْرَةُ: مَوْضِعُ تَفَتُّحِ الماءِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا خِلافَ أنَّهُ كانَ حَجَرًا مُرَبَّعًا يَخْرُجُ مِن كُلِّ جِهَةِ ثَلاثُ عُيُونٍ إذا ضَرَبَهُ مُوسى سالَتِ العُيُونُ، وإذا اسْتَغْنَوْا عَنِ الماءِ جَفَّتْ.

والمَشْرَبُ: مَوْضِعُ الشُّرْبِ، وقِيلَ: هو المَشْرُوبُ نَفْسُهُ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَشْرَبُ مِن كُلِّ عَيْنٍ قَوْمٌ مِنهم لا يُشارِكُهم غَيْرُهم.

قِيلَ: كانَ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ مِن تِلْكَ العُيُونِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، والأسْباطُ ذُرِّيَّةُ الِاثْنَيْ عَشَرَ مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ.

وقَوْلُهُ: كُلُوا أيْ قُلْنا لَهم: كُلُوا المَنَّ والسَّلْوى واشْرَبُوا الماءَ المُتَفَجِّرَ مِنَ الحَجَرِ.

وعَثا يَعْثِي عَثْيًا، وعَثا يَعْثُو عَثْوًا، وعاثَ يَعِيثُ عَيْثًا، لُغاتٌ: بِمَعْنى أفْسَدَ.

وقَوْلُهُ: ( مُفْسِدِينَ ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ.

قالَ في القامُوسِ: عَثِيَ كَرَمِيَ، وسَعى ورَضِيَ، عَثْيًا وعَثَيانًا، وعَثا يَعْثُو عَثْوًا: أفْسَدَ: وقالَ في الكَشّافِ: العَثْيُ أشَدُّ الفَسادِ.

فَقِيلَ لَهم: لا تَمادُوا في الفَسادِ في حالِ فَسادِكم؛ لِأنَّهم كانُوا مُتَمادِينَ فِيهِ انْتَهى.

قَوْلُهُ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ تَضَجُّرٌ مِنهم بِما صارُوا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ والرِّزْقِ الطَّيِّبِ والعَيْشِ المُسْتَلَذِّ، ونُزُوعٌ إلى ما ألِفُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِن خُشُونَةِ العَيْشِ:

؎إنَّ الشَّقِيَّ بِالشَّقاءِ مُولَعٌ لا يَمْلِكُ الرَّدَّ لَهُ إذا أتى

ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونَ هَذا مِنهم تَشَوُّقًا إلى ما كانُوا فِيهِ، ونَظَرًا لِما صارُوا إلَيْهِ مِنَ العِيشَةِ الرّافِهَةِ، بَلْ هو بابٌ مِن تَعَنُّتِهِمْ، وشُعْبَةٌ مِن شُعَبِ تَعَجْرُفِهِمْ كَما هو دَأْبُهم وهِجِّيراهم في غالِبِ ما قُصَّ عَلَيْنا مِن أخْبارِهِمْ.

وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهم كانُوا أهْلَ كُرّاثٍ وأبْصالٍ وأعْداسٍ فَنَزَعُوا إلى عِكْرِهِمْ: أيْ أصْلِهِمْ عِكْرِ السُّوءِ، واشْتاقَتْ طِباعُهم إلى ما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَتُهم فَقالُوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ والمُرادُ بِالطَّعامِ الواحِدِ هو المَنُّ والسَّلْوى، وهَمّا وإنْ كانا طَعامَيْنِ لَكِنْ لَمّا كانُوا يَأْكُلُونَ أحَدَهُما بِالآخَرِ جَعَلُوهُما طَعامًا واحِدًا.

وقِيلَ: لِتَكَرُّرِهِما في كُلِّ يَوْمٍ وعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِما مَعَهُما ولا تَبْدِلَةَ بِهِما.

ومِن في قَوْلِهِ: ( مِمّا تُنْبِتُ ) - تُخْرِجُ - قالَ الأخْفَشُ: زائِدَةٌ، وخالَفَهُ سِيبَوَيْهِ لِكَوْنِها لا تُزادُ في الكَلامِ المُوجِبِ.

قالَ النَّحّاسُ: وإنَّما دَعا الأخْفَشُ إلى هَذا لِأنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَفْعُولًا لِ ( يُخْرِجْ ) فَأرادَ أنْ يَجْعَلَ ما مَفْعُولًا، والأوْلى أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ: أيْ تُخْرِجُ لَنا مَأْكُولًا.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَقْلِها﴾ بَدَلٌ مِن ما بِإعادَةِ الحَرْفِ، والبَقْلُ: كُلُّ نَباتٍ لَيْسَ لَهُ ساقٌ، والشَّجَرُ: ما لَهُ ساقٌ.

قالَ في الكَشّافِ: …

Al-Baqara 2:60Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.