Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 51–60 of 286

51

وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him, while you were wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ الثّالِثُ. فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ واعَدْنا﴾ فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ”وإذْ وعَدْنا مُوسى“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي الأعْرافِ وطَهَ، وقَرَأ الباقُونَ ”واعَدْنا“ بِالألِفِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ، فَأمّا بِغَيْرِ ألِفٍ فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ لِأنَّ الوَعْدَ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمُواعَدَةُ مُفاعَلَةٌ ولا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ، وأمّا بِالألِفِ فَلَهُ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الوَعْدَ وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَبُولُهُ كانَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَبُولُ الوَعْدِ يُشْبِهُ الوَعْدَ؛ لِأنَّ القابِلَ لِلْوَعْدِ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ أفْعَلُ ذَلِكَ.

وثانِيها: قالَ القَفّالُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الآدَمِيُّ يَعِدُ اللَّهَ ويَكُونَ مَعْناهُ يُعاهِدُ اللَّهَ.

(وثالِثُها): أنَّهُ أمْرٌ جَرى بَيْنَ اثْنَيْنِ فَجازَ أنْ يُقالَ واعَدْنا.

ورابِعُها: وهو الأقْوى أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ الوَحْيَ وهو وعَدَ اللَّهَ المَجِيءَ لِلْمِيقاتِ إلى الطُّورِ، أمّا مُوسى فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: وزْنُهُ فُعْلى والمِيمُ فِيهِ أصْلِيَّةٌ أُخِذَتْ مِن ماسَ يَمِيسُ إذا تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ.

وثانِيها: وزْنُهُ مُفْعِلٌ فالمِيمُ فِيهِ زائِدَةٌ وهو مِن أوْسَيْتُ الشَّجَرَةَ إذا أخَذْتُ ما عَلَيْها مِنَ الوَرَقِ وكَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَلَعِهِ.

وثالِثُها: أنَّها كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ بِالعِبْرانِيَّةِ فَمُو هو الماءُ بِلِسانِهِمْ، وسى هو الشَّجَرُ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أُمَّهُ جَعَلَتْهُ في التّابُوتِ حِينَ خافَتْ عَلَيْهِ مِن فِرْعَوْنَ فَألْقَتْهُ في البَحْرِ فَدَفَعَتْهُ أمْواجُ البَحْرِ حَتّى أدْخَلَتْهُ بَيْنَ أشْجارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَتْ جِوارِي آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ فَوَجَدْنَ التّابُوتَ فَأخَذْنَهُ فَسُمِّيَ بِاسْمِ المَكانِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ وهو الماءُ والشَّجَرُ.

واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ فاسِدانِ جَدًّا، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطَ ما كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةِ العَرَبِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم ذَلِكَ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ اسْمُ عَلَمٍ واسْمُ العَلَمِ لا يُفِيدُ مَعْنًى في الذّاتِ والأقْرَبُ هو الوَجْهُ الثّالِثُ وهو أمْرٌ مُعْتادٌ بَيْنَ النّاسِ، فَأمّا نَسَبُهُ ﷺ فَهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِيَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنْ خَرَجْنا مِنَ البَحْرِ سالِمِينَ أتَيْتُكم مِن عِنْدِ اللَّهِ بِكِتابٍ بَيِّنٍ لَكم، فِيهِ ما يَجِبُ عَلَيْكم مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، فَلَمّا جاوَزَ مُوسى البَحْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قالُوا: يا مُوسى ائْتِنا بِذَلِكَ الكِتابِ المَوْعُودِ فَذَهَبَ إلى رَبِّهِ ووَعَدَهم أرْبَعِينَ لَيْلَةً وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعْرافِ: ١٤٢] واسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ هارُونَ ومَكَثَ عَلى الطُّورِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وأنْزَلَ اللَّهُ التَّوْراةَ عَلَيْهِ في الألْواحِ، …

Al-Baqara 2:51Listen in Qur'an →
52

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ الثّالِثُ. فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ واعَدْنا﴾ فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ”وإذْ وعَدْنا مُوسى“ بِغَيْرِ ألِفٍ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي الأعْرافِ وطَهَ، وقَرَأ الباقُونَ ”واعَدْنا“ بِالألِفِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ، فَأمّا بِغَيْرِ ألِفٍ فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ لِأنَّ الوَعْدَ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والمُواعَدَةُ مُفاعَلَةٌ ولا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ، وأمّا بِالألِفِ فَلَهُ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الوَعْدَ وإنْ كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَقَبُولُهُ كانَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَبُولُ الوَعْدِ يُشْبِهُ الوَعْدَ؛ لِأنَّ القابِلَ لِلْوَعْدِ لا بُدَّ وأنْ يَقُولَ أفْعَلُ ذَلِكَ.

وثانِيها: قالَ القَفّالُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الآدَمِيُّ يَعِدُ اللَّهَ ويَكُونَ مَعْناهُ يُعاهِدُ اللَّهَ.

(وثالِثُها): أنَّهُ أمْرٌ جَرى بَيْنَ اثْنَيْنِ فَجازَ أنْ يُقالَ واعَدْنا.

ورابِعُها: وهو الأقْوى أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ الوَحْيَ وهو وعَدَ اللَّهَ المَجِيءَ لِلْمِيقاتِ إلى الطُّورِ، أمّا مُوسى فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: وزْنُهُ فُعْلى والمِيمُ فِيهِ أصْلِيَّةٌ أُخِذَتْ مِن ماسَ يَمِيسُ إذا تَبَخْتَرَ في مِشْيَتِهِ وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَذَلِكَ.

وثانِيها: وزْنُهُ مُفْعِلٌ فالمِيمُ فِيهِ زائِدَةٌ وهو مِن أوْسَيْتُ الشَّجَرَةَ إذا أخَذْتُ ما عَلَيْها مِنَ الوَرَقِ وكَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَلَعِهِ.

وثالِثُها: أنَّها كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ بِالعِبْرانِيَّةِ فَمُو هو الماءُ بِلِسانِهِمْ، وسى هو الشَّجَرُ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أُمَّهُ جَعَلَتْهُ في التّابُوتِ حِينَ خافَتْ عَلَيْهِ مِن فِرْعَوْنَ فَألْقَتْهُ في البَحْرِ فَدَفَعَتْهُ أمْواجُ البَحْرِ حَتّى أدْخَلَتْهُ بَيْنَ أشْجارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَتْ جِوارِي آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ فَوَجَدْنَ التّابُوتَ فَأخَذْنَهُ فَسُمِّيَ بِاسْمِ المَكانِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ وهو الماءُ والشَّجَرُ.

واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ فاسِدانِ جَدًّا، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطَ ما كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةِ العَرَبِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهم ذَلِكَ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ اسْمُ عَلَمٍ واسْمُ العَلَمِ لا يُفِيدُ مَعْنًى في الذّاتِ والأقْرَبُ هو الوَجْهُ الثّالِثُ وهو أمْرٌ مُعْتادٌ بَيْنَ النّاسِ، فَأمّا نَسَبُهُ ﷺ فَهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قاهِثَ بْنِ لاوِيَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنْ خَرَجْنا مِنَ البَحْرِ سالِمِينَ أتَيْتُكم مِن عِنْدِ اللَّهِ بِكِتابٍ بَيِّنٍ لَكم، فِيهِ ما يَجِبُ عَلَيْكم مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، فَلَمّا جاوَزَ مُوسى البَحْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وأغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قالُوا: يا مُوسى ائْتِنا بِذَلِكَ الكِتابِ المَوْعُودِ فَذَهَبَ إلى رَبِّهِ ووَعَدَهم أرْبَعِينَ لَيْلَةً وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعْرافِ: ١٤٢] واسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ هارُونَ ومَكَثَ عَلى الطُّورِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وأنْزَلَ اللَّهُ التَّوْراةَ عَلَيْهِ في الألْواحِ، …

Al-Baqara 2:52Listen in Qur'an →
53

وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion that perhaps you would be guided.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ الرّابِعُ والمُرادُ مِنَ الفُرْقانِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو التَّوْراةَ وأنْ يَكُونَ شَيْئًا داخِلًا في

صفحة ٧٣

التَّوْراةِ وأنْ يَكُونَ شَيْئًا خارِجًا عَنِ التَّوْراةِ فَهَذِهِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ لا مَزِيدَ عَلَيْها وتَقْرِيرُ الِاحْتِمالِ الأوَّلِ أنَّ التَّوْراةَ لَها صِفَتانِ: كَوْنُها كِتابًا مُنَزَّلًا وكَوْنُها فُرْقانًا تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَهو كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ الغَيْثَ واللَّيْثَ تُرِيدُ الرَّجُلَ الجامِعَ بَيْنَ الجُودِ والجَراءَةِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٤٨] وأمّا تَقْرِيرُ الِاحْتِمالِ الثّانِي فَهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفُرْقانِ ما في التَّوْراةِ مِن بَيانِ الدِّينِ لِأنَّهُ إذا أبانَ ظَهَرَ الحَقُّ مُتَمَيِّزًا مِنَ الباطِلِ، فالمُرادُ مِنَ الفُرْقانِ بَعْضُ ما في التَّوْراةِ وهو بَيانُ أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ. وأمّا تَقْرِيرُ الِاحْتِمالِ الثّالِثِ فَمِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفُرْقانِ ما أُوتِيَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ اليَدِ والعَصا وسائِرِ الآياتِ وسُمِّيَتْ بِالفُرْقانِ لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الفُرْقانِ النَّصْرَ والفَرَجَ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، قالَ تَعالى: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنْفالِ: ٤١] والمُرادُ النَّصْرُ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ لِأنَّ قَبْلَ ظُهُورِ النَّصْرِ يَتَوَقَّعُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ في أنْ يَكُونَ هو المُسْتَوْلِيَ وصاحَبُهُ هو المَقْهُورَ، فَإذا ظَهَرَ النَّصْرُ تَمَيَّزَ الرّاجِحُ مِنَ المَرْجُوحِ وانْفَرَقَ الطَّمَعُ الصّادِقُ مِنَ الطَّمَعِ الكاذِبِ.

وثالِثُها: قالَ قُطْرُبٌ: الفُرْقانُ هو انْفِراقُ البَحْرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَإنْ قُلْتَ: فَهَذا قَدْ صارَ مَذْكُورًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالكِتابِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُذْكَرُ إلّا عَقِيبَ الهُدى.

قُلْتُ: الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِأجْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ ذَلِكَ التَّخْصِيصَ عَلى سَبِيلِ التَّنْصِيصِ، وعَنِ الثّانِي أنَّ فَرْقَ البَحْرِ كانَ مِنَ الدَّلائِلِ فَلَعَلَّ المُرادَ أنّا لَمّا آتَيْنا مُوسى فُرْقانَ البَحْرِ اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وصِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ هو الهِدايَةُ وأيْضًا فالهُدى قَدْ يُرادُ بِهِ الفَوْزُ والنَّجاةُ كَما يُرادُ بِهِ الدَّلالَةُ، فَكَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ آتاهُمُ الكِتابَ نِعْمَةً في الدِّينِ والفُرْقانَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ خَلاصُهم مِنَ الخَصْمِ نِعْمَةً عاجِلَةً. واعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن غَلِطَ فَظَنَّ أنَّ الفُرْقانَ هو القُرْآنُ، وأنَّهُ أُنْزِلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ الفُرْقانَ هو الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وكُلُّ دَلِيلٍ كَذَلِكَ فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِ هَذا اللَّفْظِ بِالقُرْآنِ. وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ وآتَيْنا مُحَمَّدًا ﷺ الفُرْقانَ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِهِ يا أهْلَ الكِتابِ. وقَدْ مالَ إلى هَذا …

Al-Baqara 2:53Listen in Qur'an →
54

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of repentance, the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا الإنْعامَ الخامِسَ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، وذَلِكَ لِأنَّها أمْرٌ بِالقَتْلِ لا يَكُونُ نِعْمَةً وهَذا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَبَّهَهم عَلى عِظَمِ ذَنْبِهِمْ، ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى ما بِهِ يَتَخَلَّصُونَ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ العَظِيمِ وذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ في الدِّينِ، وإذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ الدُّنْيَوِيَّةَ فَبِأنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ الدِّينِيَّةَ أوْلى، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ وهي كَيْفِيَّةُ هَذِهِ التَّوْبَةِ لَمّا لَمْ يَكُنْ وصْفُها إلّا بِمُقَدِّمَةِ ذِكْرِ المَعْصِيَةِ كانَ ذِكْرُها أيْضًا مِن تَمامِ النِّعْمَةِ، فَصارَ كُلُّ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مَعْدُودًا في نِعَمِ اللَّهِ فَجازَ التَّذْكِيرُ بِها.

وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالقَتْلِ رَفَعَ ذَلِكَ الأمْرَ عَنْهم قَبْلَ فَنائِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ فَكانَ ذَلِكَ نِعْمَةً في حَقِّ أُولَئِكَ الباقِينَ. وفي حَقِّ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْلا أنَّهُ رَفَعَ القَتْلَ عَنْ آبائِهِمْ لَما وُجِدَ أُولَئِكَ الأبْناءُ فَحَسُنَ إيرادُهُ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ عَلى الحاضِرِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ تَوْبَةَ أُولَئِكَ ما تَمَّتْ إلّا بِالقَتْلِ مَعَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ لَهم: لا حاجَةَ بِكُمُ الآنَ في التَّوْبَةِ إلى القَتْلِ بَلْ إنْ رَجَعْتُمْ عَنْ كُفْرِكم وآمَنتُمْ قَبِلَ اللَّهُ إيمانَكم مِنكم فَكانَ بَيانُ التَّشْدِيدِ في تِلْكَ التَّوْبَةِ تَنْبِيهًا عَلى الإنْعامِ العَظِيمِ بِقَبُولِ مِثْلِ هَذِهِ التَّوْبَةِ السَّهْلَةِ الهَيِّنَةِ.

ورابِعُها: أنَّ فِيهِ تَرْغِيبًا شَدِيدًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ في التَّوْبَةِ، فَإنَّ أُمَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَغِبُوا في تِلْكَ التَّوْبَةِ مَعَ نِهايَةِ مَشَقَّتِها عَلى النَّفْسِ فَلَأنْ يَرْغَبَ الواحِدُ مِنّا في التَّوْبَةِ الَّتِي هي مُجَرَّدُ النَّدَمِ كانَ أوْلى. ومَعْلُومٌ أنَّ تَرْغِيبَ الإنْسانِ فِيما هو المَصْلَحَةُ المُهِمَّةُ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ أيْ واذْكُرُوا إذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ بَعْدَما رَجَعَ مِنَ المَوْعِدِ الَّذِي وعَدَهُ رَبُّهُ فَرَآهم قَدِ اتَّخَذُوا العِجْلَ: ﴿ياقَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ في الظُّلْمِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّكم نَقَصْتُمْ أنْفُسَكُمُ الثَّوابَ الواجِبَ بِالإقامَةِ عَلى عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّ الظُّلْمَ هو الإصْرارُ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ ولا فِيهِ نَفْعٌ ولا دَفْعُ مَضَرَّةٍ لا عِلْمًا ولا طِبًّا، فَلَمّا عَبَدُوا العِجْلَ كانُوا قَدْ أضَرُّوا بِأنْفُسِهِمْ لِأنَّ ما يُؤَدِّي إلى ضَرَرِ الأبَدِ مِن أعْظَمِ الظُّلْمِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمانَ: ١٣] لَكِنَّ هَذا الظُّلْمَ مِن حَقِّهِ أنْ يُقَيَّدَ لِئَلّا يُوهِمَ إطْلاقُهُ أنَّهُ ظُلْمُ الغَيْرِ لِأنَّ …

Al-Baqara 2:54Listen in Qur'an →
55

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allah outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ السّادِسُ، بَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي حِينَ قُلْتُمْ لِمُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ ثُمَّ أحْيَيْتُكم لِتَتُوبُوا عَنْ بَغْيِكم وتَتَخَلَّصُوا عَنِ العِقابِ وتَفُوزُوا بِالثَّوابِ.

وثانِيها: أنَّ فِيها تَحْذِيرًا لِمَن كانَ في زَمانِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْ فِعْلِ ما يُسْتَحَقُّ بِسَبَبِهِ أنْ يُفْعَلَ بِهِ ما فُعِلَ بِأُولَئِكَ.

وثالِثُها: تَشْبِيهُهم في جُحُودِهِمْ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ بِأسْلافِهِمْ في جُحُودِ نُبُوءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِعِظَمِ تِلْكَ الآياتِ الظّاهِرَةِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لا يُظْهِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَها لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَوْ أظْهَرَها لَجَحَدُوها ولَوْ جَحَدُوها لاسْتَحَقُّوا العِقابَ مِثْلَ ما اسْتَحَقَّهُ أسْلافُهم.

ورابِعُها: فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِمّا كانَ يُلاقِي مِنهم وتَثْبِيتٌ لِقَلْبِهِ عَلى الصَّبْرِ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.

وخامِسُها: فِيهِ إزالَةُ شُبْهَةِ مَن يَقُولُ: إنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَوْ صَحَّتْ لَكانَ أوْلى النّاسِ بِالإيمانِ بِهِ أهْلَ الكِتابِ لِما أنَّهم عَرَفُوا خَبَرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أسْلافَهم مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ تِلْكَ الآياتِ الباهِرَةَ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا يَرْتَدُّونَ كُلَّ وقْتٍ ويَتَحَكَّمُونَ عَلَيْهِ ويُخالِفُونَهُ فَلا يُتَعَجَّبُ مِن مُخالَفَتِهِمْ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ وجَدُوا في كُتُبِهِمُ الأخْبارَ عَنْ نُبُوَّتِهِ.

وسادِسُها: لَمّا أخْبَرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ هَذِهِ القِصَصِ مَعَ أنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ البَتَّةَ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنِ الوَحْيِ.

البَحْثُ الثّانِي: لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الواقِعَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ بَعْدَ أنْ كَلَّفَ اللَّهُ عَبَدَةَ العِجْلِ بِالقَتْلِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: لَمّا رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الطُّورِ إلى قَوْمِهِ فَرَأى ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ وقالَ لِأخِيهِ والسّامِرِيِّ ما قالَ. وحَرَّقَ العِجْلَ وألْقاهُ في البَحْرِ، اخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن خِيارِهِمْ فَلَمّا خَرَجُوا إلى الطُّورِ قالُوا لِمُوسى: سَلْ رَبَّكَ حَتّى يُسْمِعَنا كَلامَهُ، فَسَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فَأجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِ ولَمّا دَنا مِنَ الجَبَلِ وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودٌ مِنَ الغَمامِ وتَغَشّى الجَبَلُ كُلُّهُ ودَنا مِن مُوسى ذَلِكَ الغَمامُ حَتّى دَخَلَ فِيهِ فَقالَ لِلْقَوْمِ: ادْخُلُوا وعُوا، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَتى كَلَّمَهُ رَبُّهُ وقَعَ عَلى جَبْهَتِهِ نُورٌ ساطِعٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ النَّظَرَ إلَيْهِ، وسَمِعَ القَوْمُ كَلامَ اللَّهِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ لَهُ افْعَلْ ولا تَفْعَلْ، فَلَمّا تَمَّ الكَلامُ انْكَشَفَ عَنْ مُوسى الغَمامُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ فَقالَ القَوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً، فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وماتُوا جَمِيعًا وقامَ مُوسى رافِعًا يَدَيْهِ إلى السَّماءِ يَدْعُو ويَقُولُ: يا إلَهِي اخْتَرْتُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ …

Al-Baqara 2:55Listen in Qur'an →
56

ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ السّادِسُ، بَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: كَأنَّهُ تَعالى قالَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِي حِينَ قُلْتُمْ لِمُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ ثُمَّ أحْيَيْتُكم لِتَتُوبُوا عَنْ بَغْيِكم وتَتَخَلَّصُوا عَنِ العِقابِ وتَفُوزُوا بِالثَّوابِ.

وثانِيها: أنَّ فِيها تَحْذِيرًا لِمَن كانَ في زَمانِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْ فِعْلِ ما يُسْتَحَقُّ بِسَبَبِهِ أنْ يُفْعَلَ بِهِ ما فُعِلَ بِأُولَئِكَ.

وثالِثُها: تَشْبِيهُهم في جُحُودِهِمْ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ بِأسْلافِهِمْ في جُحُودِ نُبُوءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِعِظَمِ تِلْكَ الآياتِ الظّاهِرَةِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لا يُظْهِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَها لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ لَوْ أظْهَرَها لَجَحَدُوها ولَوْ جَحَدُوها لاسْتَحَقُّوا العِقابَ مِثْلَ ما اسْتَحَقَّهُ أسْلافُهم.

ورابِعُها: فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِمّا كانَ يُلاقِي مِنهم وتَثْبِيتٌ لِقَلْبِهِ عَلى الصَّبْرِ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.

وخامِسُها: فِيهِ إزالَةُ شُبْهَةِ مَن يَقُولُ: إنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَوْ صَحَّتْ لَكانَ أوْلى النّاسِ بِالإيمانِ بِهِ أهْلَ الكِتابِ لِما أنَّهم عَرَفُوا خَبَرَهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ أسْلافَهم مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ تِلْكَ الآياتِ الباهِرَةَ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانُوا يَرْتَدُّونَ كُلَّ وقْتٍ ويَتَحَكَّمُونَ عَلَيْهِ ويُخالِفُونَهُ فَلا يُتَعَجَّبُ مِن مُخالَفَتِهِمْ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ وجَدُوا في كُتُبِهِمُ الأخْبارَ عَنْ نُبُوَّتِهِ.

وسادِسُها: لَمّا أخْبَرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ هَذِهِ القِصَصِ مَعَ أنَّهُ كانَ أُمِّيًّا لَمْ يَشْتَغِلْ بِالتَّعَلُّمِ البَتَّةَ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنِ الوَحْيِ.

البَحْثُ الثّانِي: لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الواقِعَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ كانَتْ بَعْدَ أنْ كَلَّفَ اللَّهُ عَبَدَةَ العِجْلِ بِالقَتْلِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: لَمّا رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الطُّورِ إلى قَوْمِهِ فَرَأى ما هم عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ وقالَ لِأخِيهِ والسّامِرِيِّ ما قالَ. وحَرَّقَ العِجْلَ وألْقاهُ في البَحْرِ، اخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن خِيارِهِمْ فَلَمّا خَرَجُوا إلى الطُّورِ قالُوا لِمُوسى: سَلْ رَبَّكَ حَتّى يُسْمِعَنا كَلامَهُ، فَسَألَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ فَأجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِ ولَمّا دَنا مِنَ الجَبَلِ وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودٌ مِنَ الغَمامِ وتَغَشّى الجَبَلُ كُلُّهُ ودَنا مِن مُوسى ذَلِكَ الغَمامُ حَتّى دَخَلَ فِيهِ فَقالَ لِلْقَوْمِ: ادْخُلُوا وعُوا، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَتى كَلَّمَهُ رَبُّهُ وقَعَ عَلى جَبْهَتِهِ نُورٌ ساطِعٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ النَّظَرَ إلَيْهِ، وسَمِعَ القَوْمُ كَلامَ اللَّهِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ لَهُ افْعَلْ ولا تَفْعَلْ، فَلَمّا تَمَّ الكَلامُ انْكَشَفَ عَنْ مُوسى الغَمامُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ فَقالَ القَوْمُ بَعْدَ ذَلِكَ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً، فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وماتُوا جَمِيعًا وقامَ مُوسى رافِعًا يَدَيْهِ إلى السَّماءِ يَدْعُو ويَقُولُ: يا إلَهِي اخْتَرْتُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ …

Al-Baqara 2:56Listen in Qur'an →
57

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ السّابِعُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بِهَذِهِ الألْفاظِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإظْلالَ كانَ بَعْدَ أنْ بَعَثَهم لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ بَعْضُهُ مَعْطُوفٌ عَلى بَعْضٍ وإنْ كانَ لا يَمْتَنِعُ خِلافُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَعْرِيفُ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها.

صفحة ٨٢

قالَ المُفَسِّرُونَ، ﴿وظَلَّلْنا﴾ وجَعَلْنا الغَمامَ تُظِلُّكم، وذَلِكَ في التِّيهِ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُمُ السَّحابَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ يُظِلُّهم مِنَ الشَّمْسِ ويُنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنَّ وهو التَّرَنْجَبِينُ مِثْلُ الثَّلْجِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ ويَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِمُ السَّلْوى وهي السُّمانِيُّ فَيَذْبَحُ الرَّجُلُ مِنها ما يَكْفِيهِ ﴿كُلُوا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ: ﴿وما ظَلَمُونا﴾ يَعْنِي فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعَمَ أوْ بِأنْ أخَذُوا أزْيَدَ مِمّا أطْلَقَ لَهم في أخْذِهِ أوْ بِأنْ سَألُوا غَيْرَ ذَلِكَ الجِنْسِ وما ظَلَمُونا فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِهِ لِدَلالَةِ ﴿وما ظَلَمُونا﴾ عَلَيْهِ.

Al-Baqara 2:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًۭا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ

And [recall] when We said, "Enter this city and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly and say, 'Relieve us of our burdens.' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ السّابِعُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ بِهَذِهِ الألْفاظِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الإظْلالَ كانَ بَعْدَ أنْ بَعَثَهم لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ بَعْضُهُ مَعْطُوفٌ عَلى بَعْضٍ وإنْ كانَ لا يَمْتَنِعُ خِلافُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَعْرِيفُ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها.

صفحة ٨٢

قالَ المُفَسِّرُونَ، ﴿وظَلَّلْنا﴾ وجَعَلْنا الغَمامَ تُظِلُّكم، وذَلِكَ في التِّيهِ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُمُ السَّحابَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ يُظِلُّهم مِنَ الشَّمْسِ ويُنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنَّ وهو التَّرَنْجَبِينُ مِثْلُ الثَّلْجِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ ويَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِمُ السَّلْوى وهي السُّمانِيُّ فَيَذْبَحُ الرَّجُلُ مِنها ما يَكْفِيهِ ﴿كُلُوا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ: ﴿وما ظَلَمُونا﴾ يَعْنِي فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا هَذِهِ النِّعَمَ أوْ بِأنْ أخَذُوا أزْيَدَ مِمّا أطْلَقَ لَهم في أخْذِهِ أوْ بِأنْ سَألُوا غَيْرَ ذَلِكَ الجِنْسِ وما ظَلَمُونا فاخْتَصَرَ الكَلامَ بِحَذْفِهِ لِدَلالَةِ ﴿وما ظَلَمُونا﴾ عَلَيْهِ.

Al-Baqara 2:58Listen in Qur'an →
59

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment from the sky because they were defiantly disobeying.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ الثّامِنُ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى النِّعَمِ المُتَقَدِّمَةِ لِأنَّهُ تَعالى كَما بَيَّنَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ ظَلَّلَ لَهم مِنَ الغَمامِ وأنْزَلَ [عَلَيْهِمْ] مِنَ المَنِّ والسَّلْوى وهو مِنَ النِّعَمِ العاجِلَةِ أتْبَعَهُ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ في بابِ الدِّينِ حَيْثُ أمَرَهم بِما يَمْحُو ذُنُوبَهم وبَيَّنَ لَهم طَرِيقَ المُخْلِصِ مِمّا اسْتَوْجَبُوهُ مِنَ العُقُوبَةِ.

واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى نَوْعَيْنِ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ أمْرُ تَكْلِيفٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمْرٌ بِدُخُولِ البابِ سُجَّدًا، وذَلِكَ فِعْلٌ شاقٌّ فَكانَ الأمْرُ بِهِ تَكْلِيفًا، ودُخُولُ البابِ سُجَّدًا مَشْرُوطٌ بِدُخُولِ القَرْيَةِ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ بِدُخُولِ القَرْيَةِ أمْرُ تَكْلِيفٍ لا أمْرُ إباحَةٍ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٢١] دَلِيلٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ. أمّا القَرْيَةُ فَظاهِرُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى عَيْنِها، وإنَّما يَرْجِعُ في ذَلِكَ إلى الأخْبارِ، وفِيهِ أقْوالٌ:

أحَدُها: وهو اخْتِيارُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ وأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنَّها بَيْتُ المَقْدِسِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٢١] ولا شَكَّ أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ في الآيَتَيْنِ واحِدٌ.

وثانِيها: أنَّها نَفْسُ مِصْرَ.

وثالِثُها: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي زَيْدٍ إنَّها أرِيحاءُ وهي قَرِيبَةٌ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ القَرْيَةُ بَيْتَ

صفحة ٨٣

المَقْدِسِ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّبْدِيلُ وقَعَ مِنهم عَقِيبَ هَذا الأمْرِ في حَياةِ مُوسى، لَكِنَّ مُوسى ماتَ في أرْضِ التِّيهِ ولَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ بَيْتَ المَقْدِسِ.

وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّهُ لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ أنّا قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ عَلى لِسانِ مُوسى أوْ عَلى لِسانِ يُوشَعَ، وإذا حَمَلْناهُ عَلى لِسانِ يُوشَعَ زالَ الإشْكالُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ فَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أمْرُ إباحَةٍ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: اخْتَلَفُوا في البابِ عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّهُ بابٌ يُدْعى بابُ الحِطَّةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ.

وثانِيهِما: حَكى الأصَمُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عَنى بِالبابِ جِهَةً مِن جِهاتِ القَرْيَةِ ومَدْخَلًا إلَيْها.

الثّانِي: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالسُّجُودِ فَقالَ …

Al-Baqara 2:59Listen in Qur'an →
60

۞ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allah, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾

قِراءَةُ العامَّةِ اثْنَتا عَشْرَةَ بِسُكُونِ الشِّينِ عَلى التَّخْفِيفِ، وقِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الشِّينِ، وعَنْ بَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الشِّينِ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ لِأنَّهُ أخَفُّ وعَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا هو الإنْعامُ التّاسِعُ مِنَ الإنْعاماتِ المَعْدُودَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وهو جامِعٌ لِنِعَمِ الدُّنْيا والدِّينِ، أمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّهُ تَعالى أزالَ عَنْهُمُ الحاجَةَ الشَّدِيدَةَ إلى الماءِ ولَوْلاهُ لَهَلَكُوا في التِّيهِ، كَما لَوْلا إنْزالُهُ المَنَّ والسَّلْوى لَهَلَكُوا، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨] وقالَ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٠] بَلِ الإنْعامُ بِالماءِ في التِّيهِ أعْظَمُ مِنَ الإنْعامِ بِالماءِ المُعْتادِ لِأنَّ الإنْسانَ إذا اشْتَدَّتْ حاجَتُهُ إلى الماءِ في المَفازَةِ وقَدِ انْسَدَّتْ عَلَيْهِ أبْوابُ الرَّجاءِ لِكَوْنِهِ في مَكانٍ لا ماءَ فِيهِ ولا نَباتَ، فَإذا رَزَقَهُ اللَّهُ الماءَ مِن حَجَرٍ ضُرِبَ بِالعَصا فانْشَقَّ واسْتَقى مِنهُ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ لا يَكادُ يَعْدِلُها شَيْءٌ مِنَ النِّعَمِ، وأمّا كَوْنُهُ مِن نِعَمِ الدِّينُ فَلِأنَّهُ مِن أظْهَرِ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ ومِن أصْدَقِ الدَّلائِلِ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِسْقاءَ كانَ في التِّيهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى وجَعَلَ ثِيابَهم بِحَيْثُ لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ خافُوا العَطَشَ فَأعْطاهُمُ اللَّهُ الماءَ مِن ذَلِكَ الحَجَرِ، وأنْكَرَ أبُو مُسْلِمٍ حَمْلَ هَذِهِ المُعْجِزَةِ عَلى أيّامِ مَسِيرِهِمْ إلى التِّيهِ فَقالَ: بَلْ هو كَلامٌ مُفْرَدٌ بِذاتِهِ، ومَعْنى الِاسْتِسْقاءِ طَلَبُ السُّقْيا مِنَ المَطَرِ عَلى عادَةِ النّاسِ إذا أقْحَطُوا ويَكُونُ ما فَعَلَهُ اللَّهُ مِن تَفْجِيرِ الحَجَرِ بِالماءِ فَوْقَ الإجابَةِ بِالسُّقْيا وإنْزالِ الغَيْثِ. والحَقُّ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَقَّ هَذا أوْ ذاكَ وإنْ كانَ الأقْرَبُ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ في التِّيهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُعْتادَ في البِلادِ الِاسْتِغْناءُ عَنْ طَلَبِ الماءِ إلّا في النّادِرِ.

الثّانِي: ما رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَحْمِلُونَ الحَجَرَ مَعَ أنْفُسِهِمْ لِأنَّهُ صارَ مُعَدًّا لِذَلِكَ فَكَما كانَ المَنُّ والسَّلْوى يَنْزِلانِ عَلَيْهِمْ في كُلِّ غَداةٍ فَكَذَلِكَ الماءُ يَنْفَجِرُ لَهم في كُلِّ وقْتٍ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِأيّامِهِمْ في التِّيهِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في العَصا، فَقالَ الحَسَنُ: كانَتْ عَصًا أخَذَها مِن بَعْضِ الأشْجارِ، وقِيلَ كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ طُولُها عَشَرَةُ أذْرُعٍ عَلى طُولِ مُوسى ولَها شُعْبَتانِ تَتَّقِدانِ في الظُّلْمَةِ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّ مِقْدارَها كانَ مِقْدارًا يَصِحُّ أنْ يَتَوَكَّأ عَلَيْها وأنْ تَنْقَلِبَ حَيَّةً عَظِيمَةً، ولا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا ولَها قَدْرٌ مِنَ الطُّولِ والغِلَظِ وما زادَ عَلى ذَلِكَ فَلا دَلالَةَ عَلَيْهِ.

صفحة ٨٩

واعْلَمْ أنَّ السُّكُوتَ عَنْ أمْثالِ …

Al-Baqara 2:60Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.