Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 51–60 of 286

51

وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ

And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him, while you were wrongdoers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥١ ] ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾

﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى﴾ أيْ بَعْدَ فَراغِهِ مِن مُقاوَمَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وإهْلاكِهِمْ "أرْبَعِينَ لَيْلَةً" أيْ: لِنُعْطِيَهُ عِنْدَ انْقِضائِها التَّوْراةَ لِتَعْمَلُوا بِها. وقَدْ رُوِيَ في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ أنَّهُ تَعالى قالَ لِمُوسى: اصْعَدْ إلى الجَبَلِ وكُنْ هُناكَ فَأُعْطِيكَ ألْواحًا مِن حِجارَةٍ والشَّرِيعَةَ والوَصِيَّةَ الَّتِي كَتَبْتُها لِتُعَلِّمَهم. فَصَعِدَ مُوسى إلى الجَبَلِ وبَقِيَ هُناكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً. ومُوسى: كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ مَعْناها مَنشُولٌ مِنَ الماءِ "ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ" أيْ: إلَهًا ومَعْبُودًا "مِن بَعْدِهِ" أيْ مِن بَعْدِ مُضِيِّهِ لِلْمِيقاتِ "وأنْتُمْ ظالِمُونَ" أيْ: بِوَضْعِ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ اتَّخَذْتُمْ، أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ. أيْ: وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ.

Al-Baqara 2:51Listen in Qur'an →
52

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٢ ] ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

"ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ" أيْ: مَحَوْنا ذُنُوبَكم "مِن بَعْدِ ذَلِكَ" أيْ: الِاتِّخاذِ والظُّلْمِ القَبِيحِ "لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ" لِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ العَفْوِ وتَسْتَمِرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الطّاعَةِ.

Al-Baqara 2:52Listen in Qur'an →
53

وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion that perhaps you would be guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٣ ] ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ﴾ يَعْنِي الجامِعَ بَيْنَ كَوْنِهِ كِتابًا مُنَزَّلًا، وفُرْقانًا يَفْرِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. يَعْنِي التَّوْراةَ. كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ الغَيْثَ واللَّيْثَ تُرِيدُ الرَّجُلَ الجامِعَ بَيْنَ الجُودِ والجَراءَةِ. ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] يَعْنِي الكِتابَ الجامِعَ بَيْنَ كَوْنِهِ فُرْقانًا وضِياءً وذِكْرًا، أوِ التَّوْراةَ والبُرْهانَ الفارِقَ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ مِنَ العَصا واليَدِ وغَيْرِها مِنَ الآياتِ. أوِ الشَّرْعَ الفارِقَ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. وقِيلَ: الفُرْقانِ انْفِراقُ البَحْرِ. وقِيلَ: النَّصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ "لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" أيْ: لِكَيْ تَهْتَدُوا بِالعَمَلِ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ.

Al-Baqara 2:53Listen in Qur'an →
54

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا۟ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of repentance, the Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٤ ] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ هَذِهِ الآيَةُ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ العَفْوِ المَذْكُورِ في الآيَةِ قَبْلُ. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَجَعَ مِنَ المِيقاتِ ورَأى ما صَنَعَ قَوْمُهُ بَعْدَهُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، غَضِبَ ورَمى بِاللَّوْحَيْنِ مِن يَدِهِ. فَكَسَرَهُما في أسْفَلِ الجَبَلِ. ثُمَّ أحْرَقَ العِجْلَ الَّذِي صَنَعُوهُ. ثُمَّ قالَ: مَن كانَ مِن حِزْبِ الرَّبِّ فَلْيُقْبِلْ إلَيَّ. فاجْتَمَعَ إلَيْهِ جَمِيعُ بَنِي لاوى. وقالَ لَهم: هَذا ما يَقُولُ الرَّبُّ إلَهُ إسْرائِيلَ: لِيَتَقَلَّدْ كُلُّ رَجُلٍ مِنكم سَيْفَهُ. فَجُوزُوا في وسَطِ المَحَلَّةِ مِن بابٍ إلى بابٍ وارْجِعُوا، ولْيَقْتُلِ الرَّجُلُ مِنكم أخاهُ وصاحِبَهُ وقَرِيبَهُ. فَصَنَعَ بَنُو لاوى كَما أمَرَهم مُوسى، فَقَتَلُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الشَّعْبِ نَحْوَ ثَلاثَةٍ وعِشْرِينَ ألْفَ رَجُلٍ (وفِي رِوايَةٍ نَحْوَ ثَلاثَةِ آلافِ رَجُلٍ) وفي غَدِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَلَّمَ مُوسى الشَّعْبَ، وقالَ لَهم: أنْتُمْ قَدْ أخْطَأْتُمْ خَطِيئَةً عَظِيمَةً، وإنِّي الآنَ أصْعَدُ إلى الرَّبِّ فَأتَضَرَّعُ إلَيْهِ مِن أجْلِ خَطِيئَتِكم. فَصَعِدَ مُوسى وتَضَرَّعَ لِلرَّبِّ وسَألَ المَغْفِرَةَ لِقَوْمِهِ اهـ.

ولاوى: ثالِثُ مَوْلُودٍ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوْلادِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، مَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ مُلْتَصِقٌ أوْ مُتَّصِلٌ.

والأحْبارُ اللاوِيُّونَ يُنْسَبُونَ إلَيْهِ، وقَدِ اخْتارَهم تَعالى مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْخِدْمَةِ المُقَدَّسَةِ. وجَعَلَهم مِنَ المُقَرَّبِينَ لَدَيْهِ. وبِما سُقْناهُ يَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى "فاقْتُلُواْ أنْفُسَكُمْ" أمْرٌ لِمَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ، أعْنِي اللاوِيِّينَ، أنْ يَقْتُلُوا العَبَدَةَ. لا كَما فَهِمَهُ بَعْضُهم مِن قَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مُطْلَقًا.

Al-Baqara 2:54Listen in Qur'an →
55

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةًۭ فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allah outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٥ ] ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [٥٦ ] ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦]

﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] أيْ: واذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكم في بَعْثِي لَكم بَعْدَ الصَّعْقِ؛ إذْ سَألْتُمْ رُؤْيَتِي عَيانًا مِمّا لا يُسْتَطاعُ لَكم ولا لِأمْثالِكم في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ القائِلِينَ لِمُوسى ذَلِكَ هُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ. ويُؤَيِّدُهُ آيَةُ الأعْرافِ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ﴾ [الأعراف: ١٥٥] الآيَةَ.

وقَدْ غَلِطَ أهْلُ الكِتابِ في دَعْواهم أنَّ هَؤُلاءِ رَأوُا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ؛ فَإنَّ مُوسى الكَلِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَألَ ذَلِكَ، فَمُنِعَ مِنهُ، فَكَيْفَ يَنالُهُ هَؤُلاءِ السَّبْعُونَ ؟ أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وقَدْ رَأيْتُ دَعْواهُمُ المَذْكُورَةَ في الفَصْلِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ في سِفْرِ الخُرُوجِ. وهَذا مِنَ المَواضِعِ المُحَقَّقِ تَحْرِيفُها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في الفَصْلِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِنَ السِّفْرِ المَذْكُورِ أنَّهُ تَعالى قالَ لِمُوسى: لا تَقْدِرُ أنْ تَرى وجْهِي لِأنَّ الإنْسانَ لا يَرانِي ويَعِيشُ اهـ.

وجَهْرَةً، في الأصْلِ، مَصْدَرُ قَوْلِكَ جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ. اُسْتُعِيرَتْ لِلْمُعايَنَةِ، لِما بَيْنَهُما مِن الِاتِّحادِ. في الوُضُوحِ والِانْكِشافِ. إلّا أنَّ الأوَّلَ في المَسْمُوعاتِ، والثّانِي في المُبْصَراتِ، ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِ لِأنَّها نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فَنُصِبَتْ بِفِعْلِها كَما تُنْصَبُ القُرْفُصاءُ بِفِعْلِ الجُلُوسِ. أوْ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ الصّاعِقَةِ كُلُّ أمْرٍ هائِلٍ رَآهُ، أوْ عايَنَهُ، أوْ أصابَهُ، حَتّى يَصِيرَ مِن هَوْلِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ إلى هَلاكٍ وعَطَبٍ، وإلى ذَهابِ عَقْلٍ وغُمُورِ فَهْمٍ، أوْ فَقْدِ بَعْضِ آلاتِ الجِسْمِ، صَوْتًا كانَ ذَلِكَ أوْ نارًا. أوْ زَلْزَلَةً أوْ رَجْفًا (قالَ) ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَصْعُوقًا وهو حَيٌّ غَيْرُ مَيِّتٍ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: "وخَرَّ مُوسى صَعِقًا" يَعْنِي مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎وهَلْ كانَ الفَرَزْدَقُ غَيْرَ قِرْدٍ أصابَتْهُ الصَّواعِقُ فاسْتَدارا !

فَقَدْ عَلِمَ أنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ، حِينَ غُشِيَ عَلَيْهِ وصَعِقَ مَيْتًا؛ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَزَّ، أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا أفاقَ قالَ: تُبْتُ إلَيْكَ. ولا شَبَّهَ جَرِيرٌ الفَرَزْدَقَ، وهو حَيٌّ، بِالقِرْدِ مَيْتًا، ولَكِنْ مَعْنى ذَلِكَ ما وصَفْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى "وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" أيْ إلى تِلْكَ الصّاعِقَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] قالَ الرّاغِبُ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: البَعْثُ إرْسالُ المَبْعُوثِ مِنَ المَكانِ الَّذِي فِيهِ. لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ تَفاسِيرِهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المُعَلَّقِ بِهِ، فَقِيلَ: بَعَثْتُ البَعِيرَ مِن مَبْرَكِهِ أيْ: أثَرْتُهُ، وبَعَثْتُهُ في السَّيْرِ أيْ هَيَّجْتُهُ، وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أحْياهُ، وضَرَبَ البَعْثَ عَلى الجُنْدِ إذا أُمِرُوا بِالِارْتِحالِ. وكُلُّ ذَلِكَ واحِدٌ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما اخْتَلَفَ لِاخْتِلافِ …

Al-Baqara 2:55Listen in Qur'an →
56

ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٥ ] ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [٥٦ ] ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦]

﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] أيْ: واذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكم في بَعْثِي لَكم بَعْدَ الصَّعْقِ؛ إذْ سَألْتُمْ رُؤْيَتِي عَيانًا مِمّا لا يُسْتَطاعُ لَكم ولا لِأمْثالِكم في دارِ الدُّنْيا. وقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ القائِلِينَ لِمُوسى ذَلِكَ هُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ. ويُؤَيِّدُهُ آيَةُ الأعْرافِ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ﴾ [الأعراف: ١٥٥] الآيَةَ.

وقَدْ غَلِطَ أهْلُ الكِتابِ في دَعْواهم أنَّ هَؤُلاءِ رَأوُا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ؛ فَإنَّ مُوسى الكَلِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ سَألَ ذَلِكَ، فَمُنِعَ مِنهُ، فَكَيْفَ يَنالُهُ هَؤُلاءِ السَّبْعُونَ ؟ أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وقَدْ رَأيْتُ دَعْواهُمُ المَذْكُورَةَ في الفَصْلِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ في سِفْرِ الخُرُوجِ. وهَذا مِنَ المَواضِعِ المُحَقَّقِ تَحْرِيفُها. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في الفَصْلِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِنَ السِّفْرِ المَذْكُورِ أنَّهُ تَعالى قالَ لِمُوسى: لا تَقْدِرُ أنْ تَرى وجْهِي لِأنَّ الإنْسانَ لا يَرانِي ويَعِيشُ اهـ.

وجَهْرَةً، في الأصْلِ، مَصْدَرُ قَوْلِكَ جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ. اُسْتُعِيرَتْ لِلْمُعايَنَةِ، لِما بَيْنَهُما مِن الِاتِّحادِ. في الوُضُوحِ والِانْكِشافِ. إلّا أنَّ الأوَّلَ في المَسْمُوعاتِ، والثّانِي في المُبْصَراتِ، ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِ لِأنَّها نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فَنُصِبَتْ بِفِعْلِها كَما تُنْصَبُ القُرْفُصاءُ بِفِعْلِ الجُلُوسِ. أوْ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ الصّاعِقَةِ كُلُّ أمْرٍ هائِلٍ رَآهُ، أوْ عايَنَهُ، أوْ أصابَهُ، حَتّى يَصِيرَ مِن هَوْلِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ إلى هَلاكٍ وعَطَبٍ، وإلى ذَهابِ عَقْلٍ وغُمُورِ فَهْمٍ، أوْ فَقْدِ بَعْضِ آلاتِ الجِسْمِ، صَوْتًا كانَ ذَلِكَ أوْ نارًا. أوْ زَلْزَلَةً أوْ رَجْفًا (قالَ) ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَصْعُوقًا وهو حَيٌّ غَيْرُ مَيِّتٍ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: "وخَرَّ مُوسى صَعِقًا" يَعْنِي مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎وهَلْ كانَ الفَرَزْدَقُ غَيْرَ قِرْدٍ أصابَتْهُ الصَّواعِقُ فاسْتَدارا !

فَقَدْ عَلِمَ أنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ، حِينَ غُشِيَ عَلَيْهِ وصَعِقَ مَيْتًا؛ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَزَّ، أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا أفاقَ قالَ: تُبْتُ إلَيْكَ. ولا شَبَّهَ جَرِيرٌ الفَرَزْدَقَ، وهو حَيٌّ، بِالقِرْدِ مَيْتًا، ولَكِنْ مَعْنى ذَلِكَ ما وصَفْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى "وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" أيْ إلى تِلْكَ الصّاعِقَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] قالَ الرّاغِبُ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ: البَعْثُ إرْسالُ المَبْعُوثِ مِنَ المَكانِ الَّذِي فِيهِ. لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ تَفاسِيرِهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المُعَلَّقِ بِهِ، فَقِيلَ: بَعَثْتُ البَعِيرَ مِن مَبْرَكِهِ أيْ: أثَرْتُهُ، وبَعَثْتُهُ في السَّيْرِ أيْ هَيَّجْتُهُ، وبَعَثَ اللَّهُ المَيِّتَ أحْياهُ، وضَرَبَ البَعْثَ عَلى الجُنْدِ إذا أُمِرُوا بِالِارْتِحالِ. وكُلُّ ذَلِكَ واحِدٌ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما اخْتَلَفَ لِاخْتِلافِ …

Al-Baqara 2:56Listen in Qur'an →
57

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۖ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٧ ] ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْـزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْـزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما دَفَعَهُ عَنْهم مِنَ النِّقَمِ شَرَعَ يُذَكِّرُهم أيْضًا بِما أسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، فَمِنها تَظْلِيلُ الغَمامِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانَتْ تُظِلُّهم سَحابَةٌ إذا ارْتَحَلُوا. لِئَلّا تُؤْذِيهِمْ حَرارَةُ الشَّمْسِ، وقَدْ ذَكَرَ تَفْصِيلَ شَأْنِها في تَوْراتِهِمْ في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ العَدَدِ، ومِنها إنْزالُ المَنِّ.

وقَدْ رُوِيَ في التَّوْراةِ أنَّهم لَمّا ارْتَحَلُوا مِن إيلِيمَ وأتَوْا إلى بَرِّيَّةِ سِينَ، الَّتِي بَيْنَ إيلِيمَ وسَيْناءَ، في مُنْتَصَفِ الشَّهْرِ الثّانِي بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ، تَذَمَّرُوا عَلى مُوسى وهارُونَ في البَرِّيَّةِ، وقالُوا لَهُما: لَيْتَنا مُتْنا في أرْضِ مِصْرَ إذْ كُنّا نَأْكُلُ خُبْزًا ولَحْمًا، فَأخْرَجْتُمانا إلى هَذِهِ البَرِّيَّةِ لِتُهْلِكا هَذا الجَمْعَ بِالجُوعِ. فَأوْحى تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنِّي أُمْطِرُ عَلَيْكم خُبْزًا مِنَ السَّماءِ. فَلْيَخْرُجِ الشَّعْبُ، ويَلْتَقِطُوا حاجَةَ اليَوْمِ بِيَوْمِها طَعامَهم مِن أجْلِ أنِّي أمْتَحِنُهم، هَلْ يَمْشُونَ في شَرِيعَتِي أمْ لا، ولْيَكُونُوا في اليَوْمِ السّادِسِ أنَّهم يُهَيِّئُونَ ضِعْفَ ما يَلْتَقِطُونَهُ يَوْمًا فَيَوْمًا. لِأنَّ اليَوْمَ السّابِعَ يَوْمُ عِيدٍ لا يُشْخَصُ فِيهِ لِأمْرِ المَعِيشَةِ ولا لِطُلْبَةِ شَيْءٍ.

فَقالَ لَهم مُوسى: إنَّ الرَّبَّ تَعالى يُعْطِيكم عِنْدَ المَساءِ لَحْمًا تَأْكُلُونَ، وبِالغَداةِ تَشْبَعُونَ خُبْزًا. فَكانَ في المَساءِ أنَّ السَّلْوى صَعِدَتْ وغَطَّتِ المَحَلَّةَ، وبِالغَداةِ أيْضًا وقَعَ النَّدى حَوْلَ المَحَلَّةِ. ولَمّا غَطّى وجْهَ الأرْضِ تَبايَنَ في البَرِّيَّةِ شَيْءٌ رَقِيقٌ كَأنَّهُ مَدْقُوقٌ بِالمِدَقَّةِ، يُشْبِهُ الجَلِيدَ عَلى الأرْضِ. فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ بَنُو إسْرائِيلَ قالُوا: ما هَذا ؟ لِأنَّهم لَمْ يَعْرِفُوهُ. فَقالَ لَهم مُوسى: هَذا هو الخُبْزُ الَّذِي أعْطاكُمُ الرَّبُّ لِتَأْكُلُوا. وقَدْ أمَرَكم أنْ يَلْقُطَ كُلُّ واحِدٍ عَلى قَدْرِ ما في بَيْتِهِ، وقَدَرِ مَأْكَلِهِ. فَفَعَلَ بَنُو إسْرائِيلَ كَذَلِكَ، ولَقَطُوا ما بَيْنَ مُكَثِّرٍ ومُقَلِّلٍ، وقالَ لَهم مُوسى: لا تُبْقُوا مِنهُ شَيْئًا إلى الغَدِ. فَلَمْ يُطِيعُوا مُوسى، واسْتَفْضَلَ مِنهُ رِجالٌ إلى الغَدِ، فَضَرَبَ فِيهِ الدُّودُ ونَتِنَ، فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ مُوسى، وكانُوا يَلْقُطُونَ غَدْوَةً، كُلُّ إنْسانٍ يَلْقُطُ عَلى قَدْرِ ما يَأْكُلُ، فَإذا أصابَهُ حَرُّ الشَّمْسِ ذابَ. وقَدْ أُعْطُوا في اليَوْمِ السّادِسِ خُبْزَ يَوْمَيْنِ لِيَجْلِسَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم في مَكانِهِ في اليَوْمِ السّابِعِ، راحَةً وتَقْدِيسًا لَهُ. وكانَ إذا خَرَجَ بَعْضُ الشَّعْبِ لِيَلْقُطَ، يَوْمَ السّابِعِ، لا يَجِدُ في الأرْضِ مِنهُ شَيْئًا. ودَعا آلُ إسْرائِيلَ اسْمَهُ المَنَّ، وكانَ مِثْلَ حَبِّ الكُزْبُرَةِ أبْيَضَ، وطَعْمُهُ كَرُقاقٍ بِعَسَلٍ، وأكَلَ بَنُو إسْرائِيلَ المَنَّ أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى أتَوْا إلى الأرْضِ العامِرَةِ، ودَنَوْا مِن تُخُومِ أرْضِ كَنْعانَ. ورُوِيَ في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ أيْضًا أنَّ المَنَّ كانَ يُشْبِهُ لَوْنَ اللُّؤْلُؤِ. وكانَ يَطُوفُ الشَّعْبُ ويَلْتَقِطُونَهُ ويَطْحَنُونَهُ …

Al-Baqara 2:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًۭا وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ

And [recall] when We said, "Enter this city and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly and say, 'Relieve us of our burdens.' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨ ] ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ [٥٩ ] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]

﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] هَذا إشارَةٌ إلى ما حَلَّ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا -نَكَلُوا عَنِ الجِهادِ- ودُخُولِهِمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ -أرْضَ كَنْعانَ- لَمّا قَدِمُوا مِن بِلادِ مِصْرَ صُحْبَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلى الأرْضِ المَذْكُورَةِ قَرْيَةٌ؛ لِأنَّ القَرْيَةَ: كُلُّ مَكانٍ اتَّصَلَتْ بِهِ الأبْنِيَةُ واتُّخِذَ قَرارًا. وتَقَعُ عَلى المُدُنِ وغَيْرِها -كَذا في "كِفايَةِ المُتَحَفِّظِ"- ثُمَّ إنَّ ما قُصَّ- هُنا -ذُكِرَ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] الآياتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا" في التَّأْوِيلاتِ: يَحْتَمِلُ المُرادَ مِنَ البابِ حَقِيقَةَ البابِ، وهو بابُ القَرْيَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِالدُّخُولِ فِيها. ويَحْتَمِلُ مِنَ البابِ القَرْيَةَ نَفْسَها، لا حَقِيقَةَ البابِ- كَقَوْلِهِ "وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ" ذَكَرَ القَرْيَةَ ولَمْ يَذْكُرِ البابَ-، وذَلِكَ في اللُّغَةِ جائِزٌ. (ويُقالُ: فُلانٌ دَخَلَ في بابِ كَذا - لا يَعْنُونَ حَقِيقَةَ البابِ، ولَكِنْ كَوْنُهُ في أمْرٍ هو فِيهِ.

وقَوْلُهُ "سُجَّدًا" يَحْتَمِلُ المُرادُ مِنَ السُّجُودِ: حَقِيقَةَ السُّجُودِ. فَيُخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ: عَلى التَّحِيَّةِ لِذَلِكَ المَكانِ، ويَحْتَمِلُ عَلى الشُّكْرِ لَهُ لِما أهْلَكَ أعْداءَهُمُ الجَبّارِينَ؛ ويَحْتَمِلُ الكِنايَةَ عَنِ الصَّلاةِ -إذِ العَرَبُ قَدْ تُسَمِّي السُّجُودَ (صَلاةً)- كَأنَّهم أُمِرُوا بِالصَّلاةِ فِيها؛ ويَحْتَمِلُ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ -لا عَلى حَقِيقَةِ السُّجُودِ والصَّلاةِ- ولَكِنْ أمْرٌ بِالخُضُوعِ لَهُ والطّاعَةِ والشُّكْرِ عَلى أيادِيهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى "وقُولُوا حِطَّةٌ" خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ مَسْألَتُنا حِطَّةٌ -والأصْلُ النَّصْبُ- بِمَعْنى: حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً، وإنَّما رُفِعَتْ لِتُعْطِيَ مَعْنى الثَّباتِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] أيْ: بَدَّلُوا أمْرَهُ تَعالى لَهم -بِدُخُولِ الأرْضِ مُجاهِدِينَ- بِالإحْجامِ عَنْهُ، وتَثْبِيطِ النّاسِ. ولِذا قالَ أبُو مُسْلِمٍ "قَوْلُهُ تَعالى "فَبَدَّلَ" يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، لا عَلى أنَّهم أتَوْا لَهُ بِبَدَلٍ. والدَّلِيلُ …

Al-Baqara 2:58Listen in Qur'an →
59

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment from the sky because they were defiantly disobeying.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨ ] ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ [٥٩ ] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩]

﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْـزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] هَذا إشارَةٌ إلى ما حَلَّ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَمّا -نَكَلُوا عَنِ الجِهادِ- ودُخُولِهِمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ -أرْضَ كَنْعانَ- لَمّا قَدِمُوا مِن بِلادِ مِصْرَ صُحْبَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما أُطْلِقَ عَلى الأرْضِ المَذْكُورَةِ قَرْيَةٌ؛ لِأنَّ القَرْيَةَ: كُلُّ مَكانٍ اتَّصَلَتْ بِهِ الأبْنِيَةُ واتُّخِذَ قَرارًا. وتَقَعُ عَلى المُدُنِ وغَيْرِها -كَذا في "كِفايَةِ المُتَحَفِّظِ"- ثُمَّ إنَّ ما قُصَّ- هُنا -ذُكِرَ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢] الآياتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى "ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا" في التَّأْوِيلاتِ: يَحْتَمِلُ المُرادَ مِنَ البابِ حَقِيقَةَ البابِ، وهو بابُ القَرْيَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِالدُّخُولِ فِيها. ويَحْتَمِلُ مِنَ البابِ القَرْيَةَ نَفْسَها، لا حَقِيقَةَ البابِ- كَقَوْلِهِ "وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ" ذَكَرَ القَرْيَةَ ولَمْ يَذْكُرِ البابَ-، وذَلِكَ في اللُّغَةِ جائِزٌ. (ويُقالُ: فُلانٌ دَخَلَ في بابِ كَذا - لا يَعْنُونَ حَقِيقَةَ البابِ، ولَكِنْ كَوْنُهُ في أمْرٍ هو فِيهِ.

وقَوْلُهُ "سُجَّدًا" يَحْتَمِلُ المُرادُ مِنَ السُّجُودِ: حَقِيقَةَ السُّجُودِ. فَيُخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ: عَلى التَّحِيَّةِ لِذَلِكَ المَكانِ، ويَحْتَمِلُ عَلى الشُّكْرِ لَهُ لِما أهْلَكَ أعْداءَهُمُ الجَبّارِينَ؛ ويَحْتَمِلُ الكِنايَةَ عَنِ الصَّلاةِ -إذِ العَرَبُ قَدْ تُسَمِّي السُّجُودَ (صَلاةً)- كَأنَّهم أُمِرُوا بِالصَّلاةِ فِيها؛ ويَحْتَمِلُ أنَّ الأمْرَ بِالسُّجُودِ -لا عَلى حَقِيقَةِ السُّجُودِ والصَّلاةِ- ولَكِنْ أمْرٌ بِالخُضُوعِ لَهُ والطّاعَةِ والشُّكْرِ عَلى أيادِيهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى "وقُولُوا حِطَّةٌ" خَبَرٌ مَحْذُوفٌ، أيْ مَسْألَتُنا حِطَّةٌ -والأصْلُ النَّصْبُ- بِمَعْنى: حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً، وإنَّما رُفِعَتْ لِتُعْطِيَ مَعْنى الثَّباتِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] أيْ: بَدَّلُوا أمْرَهُ تَعالى لَهم -بِدُخُولِ الأرْضِ مُجاهِدِينَ- بِالإحْجامِ عَنْهُ، وتَثْبِيطِ النّاسِ. ولِذا قالَ أبُو مُسْلِمٍ "قَوْلُهُ تَعالى "فَبَدَّلَ" يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، لا عَلى أنَّهم أتَوْا لَهُ بِبَدَلٍ. والدَّلِيلُ …

Al-Baqara 2:59Listen in Qur'an →
60

۞ وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allah, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٠ ] ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾

هَذا تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى كَفَرُوها. رُوِيَ في تَوْراتِهِمْ أنَّهُ ارْتَحَلَتْ كُلُّ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَرِّيَّةِ سِينا بِأمْرِهِ تَعالى، وحَلُّوا في رُقادِينَ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ ماءً لِيَشْرَبُوا، فَخاصَمُوا مُوسى، وقالُوا لَهُ أعْطِنا ماءً لِنَشْرَبَ، أخْرَجَتْنا مِن مِصْرَ لِتَقْتُلَنا نَحْنُ وأوْلادُنا، ودَوابُّنا بِالعَطَشِ ؟ فابْتَهَلَ مُوسى إلى رَبِّهِ في السُّقْيا، فَأوْحى إلَيْهِ أنِ امْضِ أمامَ الشَّعْبِ، وخُذْ مَعَكَ مِن شُيُوخِ إسْرائِيلَ. والعَصا الَّتِي ضَرَبْتَ بِها النَّهْرَ خُذْها بِيَدِكَ. واذْهَبْ إلى صَخْرَةِ حُورِيبَ، فاضْرِبْها فَيَخْرُجُ مِنها ماءٌ لِيَشْرَبَ الشَّعْبُ. فَفَعَلَ مُوسى كَذَلِكَ أمامَ شُيُوخِ إسْرائِيلَ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى "اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا" أيْ عَدَدُ أسْباطِ يَعْقُوبَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ قَدْ عَرَفُوها. قالَ الرّاغِبُ: وأنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الطَّبِيعِيِّينَ واسْتَبْعَدَهُ، وهَذا المُنْكَرُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى في تَغْيِيرِ الطَّبائِعِ والِاسْتِحالاتِ الخارِجَةِ عَنِ العاداتِ، فَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ عَلى طَرِيقَتِهِ. إذْ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهم أنَّ حَجَرَ المِغْناطِيسِ يَجُرُّ الحَدِيدَ، وأنَّ الحَجَرَ المُنَفِّرَ لِلنَّحْلِ يُنَفِّرُهُ، والحَجَرَ الحَلّاقَ يَحْلِقُ الشَّعَرَ، وذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَهم مِن أسْرارِ الطَّبِيعَةِ. وإذا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذَلِكَ مُنْكَرًا عِنْدَهم، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ حَجَرًا يُسَخِّرُهُ لِجَذْبِ الماءِ مِن تَحْتِ الأرْضِ. اهـ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا تَمْشُوا في الأرْضِ بِالفَسادِ، وخِلافِ أمْرِ مُوسى. قالَ الرّاغِبُ: فَإنْ قِيلَ: فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ "مُفْسِدِينَ" والعُثُوُّ ضَرْبٌ مِنَ الإفْسادِ ؟ قِيلَ: قَدْ قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ ذَلِكَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وذَكَرَ ألْفاظًا مِمّا يُشْبِهُ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ العُثُوَّ، وإنِ اقْتَضى الفَسادَ، فَلَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لَهُ، بَلْ هو كالِاعْتِداءِ، وقَدْ يُوجَدُ في الِاعْتِداءِ ما لَيْسَ بِفَسادٍ، وهو مُقابَلَةُ المُعْتَدِي بِفِعْلِهِ نَحْوَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وهَذا الِاعْتِداءُ لَيْسَ بِإفْسادِ، بَلْ هُوَ، بِالإضافَةِ إلى ما قُوبِلَ بِهِ، عَدَلَ. ولَوْلا كَوْنُهُ جَزاءً لَكانَ إفْسادًا. فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ العُثُوَّ المَنهِيَّ عَنْهُ، هو المَقْصُودُ بِهِ الإفْسادُ. فالإفْسادُ مَكْرُوهٌ عَلى الإطْلاقِ، ولِهَذا قالَ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ [الأعراف: ٥٦] وقَدْ يَكُونُ في صُورَةِ العُثُوِّ والتَّعَدِّي ما هو صَلاحٌ وعَدْلٌ، كَما تَقَدَّمَ. وهَذا ظاهِرٌ اهـ.

Al-Baqara 2:60Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.