وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ
And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.
.
اعْلَمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ جاءُوا بِعِلْمٍ مُتَكَلَّفٍ، وخاضُوا في بَحْرٍ لَمْ يُكَلَّفُوا سِباحَتَهُ، واسْتَغْرَقُوا أوْقاتَهم في فَنٍّ لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِفائِدَةٍ، بَلْ أوْقَعُوا أنْفُسَهم في التَّكَلُّمِ بِمَحْضِ الرَّأْيِ المَنهِيِّ عَنْهُ في الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وذَلِكَ أنَّهم أرادُوا أنْ يَذْكُرُوا المُناسَبَةَ بَيْنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ المَسْرُودَةِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ المَوْجُودِ في المَصاحِفِ فَجاءُوا بِتَكَلُّفاتٍ وتَعَسُّفاتٍ يَتَبَرَّأُ مِنها الإنْصافُ، ويَتَنَزَّهُ عَنْها كَلامُ البُلَغاءِ فَضْلًا عَنْ كَلامِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، حَتّى أفْرَدُوا ذَلِكَ بِالتَّصْنِيفِ، وجَعَلُوهُ المَقْصِدَ الأهَمَّ مِنَ التَّأْلِيفِ، كَما فَعَلَهُ البِقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ ومَن تَقَدَّمَهُ حَسْبَما ذَكَرَ في خُطْبَتِهِ، وإنَّ هَذا لَمِن أعْجَبِ ما يَسْمَعُهُ مَن يَعْرِفُ أنَّ هَذا القُرْآنَ ما زالَ يَنْزِلُ مُفَرَّقًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ المُقْتَضِيَةِ لِنُزُولِهِ مُنْذُ نُزُولِ الوَحْيِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى أنْ قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ، وكُلُّ عاقِلٍ فَضْلًا عَنْ عالِمٍ لا يَشُكُّ أنَّ هَذِهِ الحَوادِثَ المُقْتَضِيَةَ نُزُولَ القُرْآنِ مُتَخالِفَةٌ بِاعْتِبارِ نَفْسِها، بَلْ قَدْ تَكُونُ مُتَناقِضَةً كَتَحْرِيمِ أمْرٍ كانَ حَلالًا، وتَحْلِيلِ أمْرٍ كانَ حَرامًا، وإثْباتِ أمْرٍ لِشَخْصٍ أوْ أشْخاصٍ يُناقِضُ ما كانَ قَدْ ثَبَتَ لَهم قَبْلَهُ، وتارَةً يَكُونُ الكَلامُ مَعَ المُسْلِمِينَ، وتارَةً مَعَ الكافِرِينَ، وتارَةً مَعَ مَن مَضى، وتارَةً مَعَ مَن حَضَرَ، وحِينًا في عِبادَةٍ، وحِينًا في مُعامَلَةٍ، ووَقْتًا في تَرْغِيبٍ، ووَقْتًا في تَرْهِيبٍ، وآوِنَةً في بِشارَةٍ، وآوِنَةً في نِذارَةٍ، وطَوْرًا في أمْرِ دُنْيا، وطَوْرًا في أمْرِ آخِرَةٍ، ومَرَّةً في تَكالِيفَ آتِيَةٍ، ومَرَّةً في أقاصِيصَ ماضِيَةٍ.
وإذا كانَتْ أسْبابُ النُّزُولِ مُخْتَلِفَةً هَذا الِاخْتِلافَ، ومُتَبايِنَةً هَذا التَّبايُنَ الَّذِي لا يَتَيَسَّرُ مَعَهُ الِائْتِلافُ، فالقُرْآنُ النّازِلُ فِيها هو بِاعْتِبارِهِ نَفْسِهِ مُخْتَلِفٌ كاخْتِلافِها، فَكَيْفَ يَطْلُبُ العاقِلُ المُناسَبَةَ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ والماءِ والنّارِ والمَلّاحِ والحادِي، وهَلْ هَذا إلّا مِن فَتْحِ أبْوابِ الشَّكِّ وتَوْسِيعِ دائِرَةِ الرَّيْبِ عَلى مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، أوْ كانَ مَرَضُهُ مُجَرَّدَ الجَهْلِ والقُصُورِ، فَإنَّهُ إذا وجَدَ أهْلَ العِلْمِ يَتَكَلَّمُونَ في التَّناسُبِ بَيْنَ جَمِيعِ آيِ القُرْآنِ ويُفْرِدُونَ ذَلِكَ بِالتَّصْنِيفِ، تَقَرَّرَ عِنْدَهُ أنَّ هَذا أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وأنَّهُ لا يَكُونُ القُرْآنُ بَلِيغًا مُعْجِزًا إلّا إذا ظَهَرَ الوَجْهُ المُقْتَضِي لِلْمُناسَبَةِ، وتَبَيَّنَ الأمْرُ المُوجِبُ لِلِارْتِباطِ، فَإنْ وُجِدَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ الآياتِ فَرَجَعَ إلى ما قالَهُ المُتَكَلِّمُونَ في ذَلِكَ، فَوَجَدَهُ تَكَلُّفًا مَحْضًا، وتَعَسُّفًا بَيِّنًا انْقَدَحَ في قَلْبِهِ ما كانَ عَنْهُ في عافِيَةٍ وسَلامَةٍ، هَذا عَلى فَرْضِ أنَّ نُزُولَ القُرْآنِ كانَ مُتَرَتِّبًا عَلى هَذا التَّرْتِيبِ الكائِنِ في المُصْحَفِ، فَكَيْفَ وكُلُّ مَن لَهُ أدْنى عِلْمٍ بِالكِتابِ، وأيْسَرُ حَظٍّ مِن مَعْرِفَتِهِ يَعْلَمُ عِلْمًا يَقَينًا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، ومَن شَكَّ في هَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يَشُكُّ فِيهِ أهْلُ العِلْمِ رَجَعَ إلى كَلامِ أهْلِ العِلْمِ العارِفِينَ بِأسْبابِ النُّزُولِ، المُطَّلِعِينَ عَلى حَوادِثِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّهُ يَنْثَلِجُ …