Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 41–50 of 286

41

وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤١ ] ﴿وآمِنُوا بِما أنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾

"وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ" أيْ: مِنَ القُرْآنِ: "مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ" أيْ: مُوافِقًا بِالتَّوْحِيدِ، وصِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ونَعْتِهُ، وبَعْضِ الشَّرائِعِ، لِما مَعَكم مِنَ الكِتابِ -كَما في التَّنْوِيرِ- قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أمَرَهم بِالتَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ، وأخْبَرَهم أنَّ في تَصْدِيقِهِمْ بِالقُرْآنِ تَصْدِيقًا مِنهم لِلتَّوْراةِ؛ لِأنَّ الَّذِي في القُرْآنِ مِنَ الأمْرِ بِالإقْرارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ، نَظِيرُ الَّذِي مِن ذَلِكَ في الإنْجِيلِ والتَّوْراةِ. فَفي تَصْدِيقِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، تَصْدِيقٌ مِنهم لِما مَعَهم مِنَ التَّوْراةِ. وفي تَكْذِيبِهِمْ بِهِ تَكْذِيبٌ مِنهم لِما مَعَهم مِنَ التَّوْراةِ. انْتَهى.

وتَقْيِيدُ المُنَزَّلِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، فَإنَّ إيمانَهم بِما مَعَهم مِمّا يَقْتَضِي الإيمانَ بِما يُصَدِّقُهُ قَطْعًا.

تَنْبِيهٌ:

كَثِيرًا ما يَسْتَدِلُّ مُجادِلَةُ أهْلِ الكِتابِ عَلى عَدَمِ تَحْرِيفِ كُتُبِهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها، كَآيَةِ: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠١] وآيَةِ: ﴿ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يونس: ٣٧] وغَيْرِهِما. مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ ذَهابُ قَدْرٍ كَبِيرٍ مِن كُتُبِهِمْ، واخْتِلاطُ حَقِّها بِباطِلِها فِيما بَقِيَ، كَما صُنِّفَتْ في ذَلِكَ مُصَنَّفاتٌ عِدَّةٌ، وقَدْ رُدَّ اسْتِدْلالُهم بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها عَلى ما ادَّعُوهُ، بِأنَّ مَعْنى كَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، ما ذَكَرْناهُ قَبْلُ في تَأْوِيلِها؛ وحاصِلُهُ أنَّ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ هو طِبْقُ ما عِنْدَهم مِن حَقِّيَّةِ نُبُوَّتِهِ، وصِحَّةِ البَشائِرِ عَنْهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ١٠١] أيْ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ طِبْقَ ما عِنْدَهم عَنْهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، بِمَعْنى أنَّ أحْوالَهُ جَمِيعًا تُوافِقُ البَشائِرَ.

﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ يَعْنِي مِن جِنْسِكم أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ سَماعِكم بِمَبْعَثِهِ. فالأوَّلِيَّةُ نِسْبِيَّةٌ، فَإنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ أوَّلُ بَنِي إسْرائِيلَ خُوطِبُوا بِالقُرْآنِ، أوْ هو تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وبِصِفَتِهِ، ولِأنَّهم كانُوا المُبَشِّرِينَ بِزَمانِ مَن أوْحى إلَيْهِ، والمُسْتَفْتِحِينَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، وكانُوا يُعِدُّونَ أتْباعَهُ أوَّلَ النّاسِ كُلِّهِمْ، فَلَمّا بُعِثَ كانَ أمْرُهم عَلى العَكْسِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]

﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أيْ: لا تَعْتاضُوا عَنِ الإيمانِ بِآياتِي وتَصْدِيقِ رَسُولِي، بِالدُّنْيا وشَهَواتِها، فَإنَّها قَلِيلَةٌ فانِيَةٌ، فالِاشْتِراءُ اسْتِعارَةٌ لِلِاسْتِبْدالِ ﴿وإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ بِالإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ، والإعْراضِ عَنْ حُطامِ الدُّنْيا.

Al-Baqara 2:41Listen in Qur'an →
42

وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٢ ] ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٤٣ ] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]

﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] اللَّبْسُ الخَلْطُ، وقَدْ يَلْزَمُهُ الِاشْتِباهُ بَيْنَ المُخْتَلِطِينَ. والمَعْنى لا تَخْلِطُوا الحَقَّ المُنَزَّلَ بِالباطِلِ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ أوْ يَذْكُرُونَهُ في تَأْوِيلِهِ حَتّى يُشْتَبَهَ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وقَوْلُهُ "وتَكْتُمُوا" مَجْزُومٌ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ. وتَكْرِيرُ الحَقِّ، لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ إذْ في التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الحَقِّ، ما لَيْسَ في ضَمِيرِهِ، والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ؛ إذِ الجاهِلُ عَسى يُعْذَرُ، وقَوْلُهُ "وأقِيمُوا الصَّلاةَ" الآيَةَ، أمْرٌ بِلُزُومِ الشَّرائِعِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، وذَلِكَ إقامَةُ الصَّلاةِ بِأدائِها بِفُرُوضِها، والمُحافَظَةِ عَلَيْها. وإعْطاءِ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، والرُّكُوعِ لِلَّهِ، أيِ: الخُضُوعُ لِأوامِرِهِ بِإطاعَتِها.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ، لِمَن ذَكَرَ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ ومُنافِقِيها بِالإنابَةِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، وبِإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والدُّخُولِ مَعَ المُسْلِمِينَ في الإسْلامِ، والخُضُوعِ لَهُ بِالطّاعَةِ، ونَهْيٌ مِنهُ لَهم عَنْ كِتْمانِ ما قَدْ عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَعْدَ تَظاهُرِ حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ، وبَعْدَ الإعْذارِ لَهم والإنْذارِ. وبَعْدَ تَذْكِيرِهِ نِعَمَهُ إلَيْهِمْ، وإلى أسْلافِهِمْ تَعَطُّفًا مِنهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وإبْلاغًا إلَيْهِمْ في المَقْدِرَةِ. اهـ.

وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ: "وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ" حَثٌّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ لِما فِيها مِن تَظاهُرِ النُّفُوسِ في المُناجاةِ.

Al-Baqara 2:42Listen in Qur'an →
43

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

And establish prayer and give zakah and bow with those who bow [in worship and obedience].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٢ ] ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٤٣ ] ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]

﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] اللَّبْسُ الخَلْطُ، وقَدْ يَلْزَمُهُ الِاشْتِباهُ بَيْنَ المُخْتَلِطِينَ. والمَعْنى لا تَخْلِطُوا الحَقَّ المُنَزَّلَ بِالباطِلِ الَّذِي يَخْتَرِعُونَهُ أوْ يَذْكُرُونَهُ في تَأْوِيلِهِ حَتّى يُشْتَبَهَ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وقَوْلُهُ "وتَكْتُمُوا" مَجْزُومٌ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ. وتَكْرِيرُ الحَقِّ، لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ إذْ في التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الحَقِّ، ما لَيْسَ في ضَمِيرِهِ، والتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ؛ إذِ الجاهِلُ عَسى يُعْذَرُ، وقَوْلُهُ "وأقِيمُوا الصَّلاةَ" الآيَةَ، أمْرٌ بِلُزُومِ الشَّرائِعِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الإيمانِ، وذَلِكَ إقامَةُ الصَّلاةِ بِأدائِها بِفُرُوضِها، والمُحافَظَةِ عَلَيْها. وإعْطاءِ الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، والرُّكُوعِ لِلَّهِ، أيِ: الخُضُوعُ لِأوامِرِهِ بِإطاعَتِها.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَناؤُهُ، لِمَن ذَكَرَ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ ومُنافِقِيها بِالإنابَةِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، وبِإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، والدُّخُولِ مَعَ المُسْلِمِينَ في الإسْلامِ، والخُضُوعِ لَهُ بِالطّاعَةِ، ونَهْيٌ مِنهُ لَهم عَنْ كِتْمانِ ما قَدْ عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَعْدَ تَظاهُرِ حُجَجِهِ عَلَيْهِمْ، وبَعْدَ الإعْذارِ لَهم والإنْذارِ. وبَعْدَ تَذْكِيرِهِ نِعَمَهُ إلَيْهِمْ، وإلى أسْلافِهِمْ تَعَطُّفًا مِنهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وإبْلاغًا إلَيْهِمْ في المَقْدِرَةِ. اهـ.

وقَدْ قِيلَ في قَوْلِهِ: "وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ" حَثٌّ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ في الجَماعَةِ لِما فِيها مِن تَظاهُرِ النُّفُوسِ في المُناجاةِ.

Al-Baqara 2:43Listen in Qur'an →
44

۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Do you order righteousness of the people and forget yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٤ ] ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

"أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ" أيْ: بِما فِيهِ لِلَّهِ رِضًا مِنَ القَوْلِ أوِ الفِعْلِ. وجِماعُ البِرِّ كُلُّ ما فِيهِ طاعَةٌ لِلَّهِ تَعالى. والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ مَعَ التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ: "وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ" أيْ: تَتْرُكُونَها مِنَ البَرِّ كالمَنسِيّاتِ. والمَعْنى تُخالِفُونَ ما تَأْمُرُونَ بِهِ مِن ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ "وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ" تَبْكِيتٌ مِثْلُ قَوْلِهِ "وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ" يَعْنِي تَتْلُونَ التَّوْراةَ، وفِيها الوَعِيدُ عَلى الخِيانَةِ وتَرْكِ البِرِّ ومُخالَفَةِ القَوْلِ العَمَلَ. "أفَلا تَعْقِلُونَ" تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ بِمَعْنى أفَلا تَفْطِنُونَ لِقُبْحِ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَصُدَّكُمُ اسْتِقْباحُهُ عَنِ ارْتِكابِهِ وكَأنَّكم في ذَلِكَ مَسْلُوبُوا العُقُولِ، لِأنَّ العُقُولَ تَأْباهُ وتَدْفَعُهُ.

رَوى الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: إنِّي لَأكْرَهُ القَصَصَ لِثَلاثِ آياتٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وقَوْلِهِ إخْبارًا عَنْ شُعَيْبٍ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]

Al-Baqara 2:44Listen in Qur'an →
45

وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ

And seek help through patience and prayer, and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allah]

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٥ ] ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾

"واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ" أيْ: عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ "والصَّلاةِ" أيِ الَّتِي سِرُّها خُشُوعُ القَلْبِ لِلرَّبِّ. فَإنَّها مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى الثَّباتِ في الأمْرِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيِ: اسْتَعِينُوا عَلى الوَفاءِ بِعَهْدِيِ الَّذِي عاهَدْتُمُونِي في كِتابِكم مِن طاعَتِي واتِّباعِ أمْرِي وتَرْكِ ما تَهْوَوْنَهُ مِنَ الرِّياسَةِ وحُبِّ الدُّنْيا إلى ما تَكْرَهُونَهُ مِنَ التَّسْلِيمِ لِأمْرِي، واتِّباعِ رَسُولِي مُحَمَّدٍ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، والصَّلاةِ. فالآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها. كَأنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِما شَقَّ عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ وتَرْكِ الرِّياسَةِ والإعْراضِ عَنِ المالِ عُولِجُوا بِذَلِكَ "وإنَّها" الضَّمِيرُ لِلصَّلاةِ. وتَخْصِيصُها بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها لِعِظَمِ شَأْنِها واشْتِمالِها عَلى ضُرُوبٍ مِنَ الصَّبْرِ؛ وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الِاسْتِعانَةِ بِهِما "لَكَبِيرَةٌ" لَشاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾

Al-Baqara 2:45Listen in Qur'an →
46

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٦ ] ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾

﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ مَحْشُورُونَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ. والظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ، ومِثْلُهُ: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ قَدْ تُسَمِّي اليَقِينَ ظَنًّا، نَظِيرَ تَسْمِيَتِهِمُ الظُّلْمَةَ سُدْفَةً، والضِّياءَ سُدْفَةً، والمُغِيثَ صارِخًا، والمُسْتَغِيثَ صارِخًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي يُسَمّى بِها الشَّيْءُ وضِدُّهُ.

والشَّواهِدُ عَلى ذَلِكَ مِن أشْعارِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصَرَ: ﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ فَيُجازِيهِمْ.

Al-Baqara 2:46Listen in Qur'an →
47

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٧ ] ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ كَرَّرَ التَّذْكِيرَ لِلتَّأْكِيدِ ولِرَبْطِ ما بَعْدَهُ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِهِ "وأنِّي فَضَّلْتُكُمْ" عَطْفٌ عَلى نِعْمَتِي، عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ لِكَمالِهِ. أيْ: فَضَّلْتُ آباءَكم "عَلى العالَمِينَ" أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ بِإنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ، وإرْسالِ الرُّسُلِ فِيهِمْ وجَعْلِهم مُلُوكًا، وهم آباؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْدَهُ قَبْلَ أنْ يُغَيِّرُوا، وتَفْضِيلُ الآباءِ شَرَفُ الأبْناءِ.

Al-Baqara 2:47Listen in Qur'an →
48

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٨ ] ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾

"واتَّقُوا يَوْمًا" يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ أيْ: حِسابُهُ أوْ عَذابُهُ "لا تَجْزِي" فِيهِ "نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا" أيْ لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ. فانْتِصابُ "شَيْئًا" عَلى المَفْعُولِيَّةِ. أوْ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ. وإيرادُهُ مُنْكَرًا مَعَ تَنْكِيرِ النَّفْسِ لِلتَّعْمِيمِ والإقْناطِ الكُلِّيِّ ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ﴾ لا يُقْبَلُ "مِنها عَدْلٌ" أيْ: فِدْيَةٌ "ولا هم يُنْصَرُونَ" يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ. وجُمِعَ لِدَلالَةِ النَّفْسِ المُنَكَّرَةِ عَلى النُّفُوسِ الكَثِيرَةِ، وذُكِّرَ لِمَعْنى العِبادِ أوِ الأناسِيِّ.

(تَنْبِيهٌ) تَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ لا تُقْبَلُ لِلْعُصاةِ؛ لِأنَّهُ نَفى أنْ تَقْضِيَ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ حَقًّا أخَلَّتْ بِهِ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ، ثُمَّ نَفى أنْ يُقْبَلَ مِنها شَفاعَةُ شَفِيعٍ، فَعَلِمَ أنَّها لا تُقْبَلُ لِلْعُصاةِ.

والجَوابُ: أنَّها خاصَّةٌ بِالكُفّارِ. ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الخِطابَ مَعَهم كَما قالَ: ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وكَما قالَ عَنْ أهْلِ النّارِ: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠١] فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى لا يَقْبَلُ فِيمَن كَفَرَ بِهِ فِدْيَةً ولا شَفاعَةً، ولا يُنْقِذُ أحَدًا مِن عَذابِهِ مُنْقِذٌ، ولا يَخْلُصُ مِنهُ أحَدٌ.

وفِي الِانْتِصافِ: مَن جَحَدَ الشَّفاعَةَ فَهو جَدِيرٌ أنْ لا يَنالَها. وأمّا مَن آمَنَ بِها وصَدَّقَها؛ وهم أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فَأُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ، ومُعْتَقَدُهم أنَّها تَنالُ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وإنَّما ادُّخِرَتْ لَهم. ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ لِمُنْكِرِيها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ "يَوْمًا" أخْرَجَهُ مُنَكَّرًا، ولا شَكَّ أنَّ في القِيامَةِ مَواطِنَ، ويَوْمُها مَعْدُودٌ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ. فَبَعْضُ أوْقاتِها لَيْسَ زَمانًا لِلشَّفاعَةِ. وبَعْضُها هو الوَقْتُ المَوْعُودُ، وفِيهِ المَقامُ المَحْمُودُ لِسَيِّدِ البَشَرِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ. وقَدْ ورَدَتْ آيٌ كَثِيرَةٌ تُرْشِدُ إلى تَعَدُّدِ أيّامِها واخْتِلافِ أوْقاتِها. مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الآيَتَيْنِ عَلى يَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ووَقْتَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ: أحَدُهُما مَحَلٌّ لِلتَّناوُلِ، والآخَرُ لَيْسَ مَحَلًّا لَهُ، وكَذَلِكَ الشَّفاعَةُ، وأدِلَّةُ ثُبُوتِها لا تُحْصى كَثْرَةً، رَزَقَنا اللَّهُ الشَّفاعَةَ، وحَشَرَنا في زُمْرَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ.

Al-Baqara 2:48Listen in Qur'an →
49

وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall] when We saved your forefathers from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٩ ] ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾

﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ تَذْكِيرٌ لِتَفاصِيلِ ما أجْمَلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٧] مِن فُنُونِ النَّعْماءِ. أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ تَنْجِيَتِنا إيّاكم، أيْ: آباءَكم. فَإنَّ تَنْجِيَتَهم تَنْجِيَةٌ لِأعْقابِهِمْ. والمُرادُ بِالآلِ: فِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ، فَإنَّ الآلَ يُطْلَقُ عَلى الشَّخْصِ نَفْسِهِ، وعَلى أهْلِهِ وأتْباعِهِ وأوْلِيائِهِ (قالَهُ في القامُوسِ).

ثُمَّ بَيَّنَ ما أنْجاهم مِنهُ بِقَوْلِهِ "يَسُومُونَكُمْ" أيْ: يَبْغُونَكم "سُوَءَ العَذابِ" أيْ: أفْظَعُهُ وأشَدُّهُ: ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ أيْ: يَتْرُكُونَهم أحْياءَ: ﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ البَلاءُ إمّا المِحْنَةُ، إنْ أُشِيرَ بِذَلِكم إلى صَنِيعِ فِرْعَوْنَ، أوِ النِّعْمَةُ، إنْ أُشِيرَ بِهِ إلى الإنْجاءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ تُسَمِّي الخَيْرَ بَلاءً، والشَّرَّ بَلاءً.

فائِدَةٌ: فِرْعَوْنُ لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ مِصْرَ كافِرًا. كَكِسْرى لِمَلِكِ الفُرْسِ. وقَيْصَرَ لِمَلِكِ الرُّومِ، وتُبَّعٍ لِمَن مَلَكَ اليَمَنَ كافِرًا، والنَّجاشِيِّ لِمَن مَلَكَ الحَبَشَةَ، وخاقانَ لِمَلِكِ التُّرْكِ. ولِعُتُوِّهِ اشْتُقَّ مِنهُ: تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ، إذا عَتا وتَمَرَّدَ.

وسَبَبُ سَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ سُوءَ العَذابِ مِن تَذْبِيحِ أبْنائِهِمْ (عَلى ما رُوِيَ في التَّوْراةِ) خَوْفُهُ مِن نُمُوِّهِمْ وكَثْرَةِ تَوالُدِهِمْ. وكانَتْ أرْضُ مِصْرَ امْتَلَأتْ مِنهم؛ فَإنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا اسْتَقْدَمَ أباهُ وإخْوَتَهُ وأهْلَهم مِن أرْضِ كَنْعانَ إلى مِصْرَ، أعْطاهم مُلْكًا في أرْضِ مِصْرَ في أفْضَلِ الأرْضِ كَما أمَرَهُ مَلِكُ مِصْرَ. وكانَ لَهم في مِصْرَ مَقامٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَتَكاثَرُوا وتَناسَلُوا. ولَمّا تُوُفِّيَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَلِكُ الَّذِي اتَّخَذَهُ وزِيرًا عِنْدَهُ، انْقَطَعَ ذَلِكَ الِاحْتِرامُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ. إلى أنْ قامَ عَلى مِصْرَ أحَدُ مُلُوكِها الفَراعِنَةِ، فَرَأى غُوَّ الإسْرائِيلِيِّينَ، فَقالَ لِقَوْمِهِ: أضْحى بَنُو إسْرائِيلَ شَعْبًا أكْثَرَ مِنّا وأعْظَمَ. فَهَلُمَّ نَحْتالُ لَهم لِئَلّا يَنْمُوا، فَيَكُونُ إذا حَدَثَتْ حَرْبٌ أنَّهم يَنْضَمُّونَ إلى أعْدائِنا ويُحارِبُونَنا. ويَخْرُجُونَ مِن أرْضِنا. فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رُؤَساءَ تَسْخِيرٍ لِكَيْ يُذِلُّوهم بِأثْقالِهِمْ، وكانُوا كُلَّما اشْتَدَّ تَعَبُّدُهُمُ ازْدادُوا كَثْرَةً وشِدَّةً، فَشَقَّ عَلى المِصْرِيِّينَ كَثْرَتُهم واخْتَشُوا مِنهم، فَجَعَلَ أهْلَ مِصْرَ يَسْتَعْبِدُونَهم جَوْرًا ويُمَرِّرُونَ عَلَيْهِمْ حَياتِهِمْ بِالعَمَلِ الشَّدِيدِ بِالطِّينِ واللَّبِنِ، وكُلِّ فِلاحَةِ الأرْضِ، وكُلِّ الأفْعالِ الَّتِي اسْتَعْبَدُوهم بِها بِالمَشَقَّةِ.

وأمَرَ فِرْعَوْنُ بِذَبْحِ أبْنائِهِمْ كَما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى. ولَمْ يَزَلِ الأمْرُ في هَذِهِ الشِّدَّةِ عَلَيْهِمْ حَتّى نَجّاهم سُبْحانَهُ بِإرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ.

Al-Baqara 2:49Listen in Qur'an →
50

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٠ ] ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾

﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ بَيانٌ لِسَبَبِ التَّنْجِيَةِ، وتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِها، إثْرَ تَذْكِيرِها وبَيانُ عِظَمِها وهَوْلِها، وقَدْ بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ نِعْمَةً جَلِيلَةً أُخْرى هي الإنْجاءُ مِنَ الغَرَقِ. أيْ: واذْكُرُوا إذْ فَلَقْناهُ بِسُلُوكِكم، أوْ مُلْتَبِسًا بِكم، أوْ بِسَبَبِ إنْجائِكم. وفَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ حَتّى حَصَلَتْ مَسالِكُ. فالباءُ عَلى الأوَّلِ اسْتِعانَةٌ، مِثْلُها في: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ. وعَلى الثّانِي لِلْمُصاحَبَةِ. مِثْلُها في: أسْنَدْتُ ظَهْرِي بِالحائِطِ. وعَلى الثّالِثِ لِلسَّبَبِيَّةِ. والوَجْهُ الأوَّلُ ضَعِيفٌ مِن حَيْثُ إنَّ مُقْتَضاهُ أنَّ تَفْرِيقَ البَحْرِ وقَعَ بِبَنِي إسْرائِيلَ والمَنصُوصُ عَلَيْهِ في التَّنْزِيلِ أنَّ البَحْرَ إنَّما انْفَرَقَ بِعَصا مُوسى. قالَ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] فَآلَةُ التَّفْرِيقِ العَصا لا بَنُو إسْرائِيلَ "فَأنْجَيْناكُمْ" أيْ: مِنَ الغَرَقِ بِإخْراجِكم إلى السّاحِلِ "وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ" أُرِيدَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ أوْلى بِهِ مِنهم "وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" أيْ: إلى ذَلِكَ وتُشاهِدُونَهُ لا تَشُكُّونَ فِيهِ. لِيَكُونَ ذَلِكَ أشْفى لِصُدُورِكم وأبْلَغَ في إهانَةِ عَدُوِّكم.

وكانَتْ قِصَّةُ إغْراقِ آلِ فِرْعَوْنَ المُشارِ لَها في هَذِهِ الآيَةِ، عَلى ما رُوِيَ، أنَّ الحَقَّ تَعالى لَمّا شاءَ إخْراجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ مِن بَيْتِ العُبُودِيَّةِ، أوْقَعَ في نَفْسِ فِرْعَوْنَ أنْ يُطْلِقَهم مِن مِصْرَ. بَعْدَ إباءٍ شَدِيدٍ مِنهُ، ورُؤْيَةِ آياتٍ إلَهِيَّةٍ كادَتْ تُحِلُّ بِهِ وبِقَوْمِهِ البَوارَ. فَدَعا مُوسى وهارُونَ وقالَ: اخْرُجُوا مِن بَيْنِ شَعْبِي أنْتُما وبَنُو إسْرائِيلَ جَمِيعًا. واذْهَبُوا اعْبُدُوا الرَّبَّ كَما تَكَلَّمْتُمْ. فَلَمّا ارْتَحَلُوا وأُخْبِرَ فِرْعَوْنُ أنَّ الشَّعْبَ قَدْ هَرَبَ، تَغَيَّرَ قَلْبُهُ عَلَيْهِمْ وقالَ: ماذا فَعَلْنا حَتّى أطْلَقْناهم مِن خِدْمَتِنا ؟ فَشَدَّ مَرْكَبَتَهُ وأخَذَ قَوْمَهُ مَعَهُ وسَعى وراءَهم، وأدْرَكَهم وهم نازِلُونَ عِنْدَ بَحْرِ القُلْزُمِ، وهو المَشْهُورُ بِبَحْرِ السُّوَيْسِ فَلَمّا رَأتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَسْكَرَ فِرْعَوْنُ وراءَهم، قالُوا: يا مُوسى أيْنَ ما وعَدْتَنا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ ؟ فَلَوْ بَقِينا عَلى خِدْمَةِ المِصْرِيِّينَ لَكانَ خَيْرًا لَنا مِن أنْ نَهْلِكَ في هَذِهِ البَرِّيَّةِ: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وقالَ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] وأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ، وأيْبَسَ قَعْرُهُ، فَدَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ فِيهِ. فَتَبِعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ. فَخَرَجَ مُوسى وقَوْمُهُ مِنَ الجِهَةِ الثّانِيَةِ. وانْطَبَقَ البَحْرُ عَلى فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ فَغَرِقُوا كُلُّهم. وسَيَأْتِي الإشارَةُ إلى هَذِهِ القِصَّةِ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ. ومِن أبْسَطِها فِيهِ سُورَةُ الشُّعَراءِ.

Al-Baqara 2:50Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.