Muslim99Muslim99
← Tafsir library

2. Al-Baqara

The Cow · Medinan · 286 ayahs

سُورَةُ البَقَرَةِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 41–50 of 286

41

وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ

And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.

﴿وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ إفْرادٌ لِلْإيمانِ بِالأمْرِ بِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ والعُمْدَةُ لِلْوَفاءِ بِالعُهُودِ، وتَقْيِيدُ المَنزِلِ بِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ نازِلٌ حَسْبَما نُعِتَ فِيها، أوْ مُطابِقٌ لَها في القِصَصِ والمَواعِيدِ والدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ والأمْرِ بِالعِبادَةِ والعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والفَواحِشِ، وفِيما يُخالِفُها مِن جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ بِسَبَبِ تَفاوُتِ الأعْصارِ في المَصالِحِ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها حَقٌّ بِالإضافَةِ إلى زَمانِها، مُراعى فِيها صَلاحُ مَن خُوطِبَ بِها، حَتّى لَوْ نَزَلَ المُتَقَدِّمُ في أيّامِ المُتَأخِّرَ لَنَزَلَ عَلى وفْقِهِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي»

، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اتِّباعَها لا يُنافِي الإيمانَ بِهِ، بَلْ يُوجِبُهُ ولِذَلِكَ عَرَّضَ بِقَوْلِهِ:

﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ بِأنَّ الواجِبَ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن آمَنَ بِهِ، ولِأنَّهم كانُوا أهْلَ النَّظَرِ في مُعْجِزاتِهِ والعِلْمِ بِشَأْنِهِ والمُسْتَفْتِحِينَ بِهِ والمُبَشِّرِينَ بِزَمانِهِ. و ﴿أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ وقَعَ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ بِتَقْدِيرِ: أوَّلَ فَرِيقٍ أوْ فَوْجٍ، أوْ بِتَأْوِيلِ: لا يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ، كَقَوْلِكَ كَسانا حُلَّةً فَإنْ قِيلَ كَيْفَ نُهُوا عَنِ التَّقَدُّمِ في الكُفْرِ وقَدْ سَبَقَهم مُشْرِكُو العَرَبِ؟ قُلْتُ: المُرادُ بِهِ التَّعْرِيضُ لا الدَّلالَةُ عَلى ما نَطَقَ بِهِ الظّاهِرُ كَقَوْلِكَ أمّا أنا فَلَسْتُ بِجاهِلٍ أوْ لا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ. مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ مِمَّنْ كَفَرَ بِما مَعَهُ فَإنَّ مَن كَفَرَ بِالقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِما يُصَدِّقُهُ، أوْ مِثْلُ مَن كَفَرَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ. و ﴿أوَّلَ﴾: أفْعَلَ لا فِعْلَ لَهُ، وقِيلَ: أصْلُهُ أوْألْ مِن وألَ، فَأُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ واوًا تَخْفِيفًا غَيْرَ قِياسِيٍّ أوْ أأْوَلَ مَن آلَ فَقُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا وأُدْغِمَتْ.

﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا بِالإيمانِ بِها والِاتِّباعِ لَها حُظُوظَ الدُّنْيا، فَإنَّها وإنْ جَلَّتْ قَلِيلَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ بِالإضافَةِ إلى ما يَفُوتُ عَنْكم مِن حُظُوظِ الآخِرَةِ بِتَرْكِ الإيمانِ. قِيلَ: كانَ لَهم رِئاسَةٌ في قَوْمِهِمْ ورُسُومٌ وهَدايا مِنهُمْ، فَخافُوا عَلَيْها لَوِ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاخْتارُوها عَلَيْهِ. وقِيلَ: كانُوا يَأْخُذُونَ الرِّشى فَيُحَرِّفُونَ الحَقَّ ويَكْتُمُونَهُ.

﴿وَإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ بِالإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا. ولَمّا كانَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى ما هو كالمَبادِي لِما في الآيَةِ الثّانِيَةِ، فُصِّلَتْ بِالرَّهْبَةِ الَّتِي هي مُقَدِّمَةُ التَّقْوى، ولِأنَّ الخِطابَ بِها عَمَّ العالِمَ والمُقَلِّدَ. أمَرَهم بِالرَّهْبَةِ الَّتِي هي مَبْدَأُ السُّلُوكِ، والخِطابُ بِالثّانِيَةِ لَمّا خَصَّ أهْلَ العِلْمِ أمَرَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي مُنْتَهاهُ.

Al-Baqara 2:41Listen in Qur'an →
42

وَلَا تَلْبِسُوا۟ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا۟ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].

﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ. واللَّبْسُ الخَلْطُ وقَدْ يَلْزَمُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ مُشْتَبَهًا بِغَيْرِهِ، والمَعْنى لا تَخْلِطُوا الحَقَّ المُنَزَّلَ عَلَيْكم بِالباطِلِ الَّذِي تَخْتَرِعُونَهُ وتَكْتُمُونَهُ حَتّى لا يُمَيَّزَ بَيْنَهُما، أوْ ولا تَجْعَلُوا الحَقَّ مُلْتَبِسًا بِسَبَبِ خَلْطِ الباطِلِ الَّذِي تَكْتُبُونَهُ في خِلالِهِ، أوْ تَذْكُرُونَهُ في تَأْوِيلِهِ.

﴿وَتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ جَزْمٌ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ كَأنَّهم أُمِرُوا بِالإيمانِ وتَرْكِ الضَّلالِ، ونُهُوا عَنِ الإضْلالِ بِالتَّلْبِيسِ عَلى مَن سَمِعَ الحَقَّ والإخْفاءَ عَلى مَن لَمْ يَسْمَعْهُ، أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ أنْ عَلى أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ بِمَعْنى مَعَ، أيْ لا تَجْمَعُوا لَبْسَ الحَقِّ بِالباطِلِ وكِتْمانَهُ، وبِعَضُدِهِ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ « وتَكْتُمُونَ» أيْ وأنْتُمْ تَكْتُمُونَ بِمَعْنى كاتِمِينَ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ اسْتِقْباحَ اللَّبْسِ لِما يَصْحَبُهُ مِن كِتْمانِ الحَقِّ.

﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ عالِمِينَ بِأنَّكم لابِسُونَ كاتِمُونَ فَإنَّهُ أقْبَحُ إذِ الجاهِلُ قَدْ يُعْذَرُ.

Al-Baqara 2:42Listen in Qur'an →
43

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ

And establish prayer and give zakah and bow with those who bow [in worship and obedience].

﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يَعْنِي صَلاةَ المُسْلِمِينَ وزَكاتَهم فَإنَّ غَيْرَهُما كَلا صَلاةٍ ولا زَكاةٍ. أمَرَهم بِفُرُوعِ الإسْلامِ بَعْدَما أمَرَهم بِأُصُولِهِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِها. والزَّكاةُ مِن زَكا الزَّرْعُ، إذا نَما، فَإنَّ إخْراجَها يَسْتَجْلِبُ بَرَكَةً في المالِ ويُثْمِرُ لِلنَّفْسِ فَضِيلَةَ الكَرَمِ. أوْ مِنَ الزَّكاةِ بِمَعْنى: الطَّهارَةِ، فَإنَّها تُطَهِّرُ المالَ مِنَ الخُبْثِ والنَّفْسَ مِنَ البُخْلِ.

﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أيْ في جَماعَتِهِمْ، فَإنَّ صَلاةَ الجَماعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً لِما فِيها مِن تَظاهُرِ النُّفُوسِ، وعَبَّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالرُّكُوعِ احْتِرازًا عَنْ صَلاةِ اليَهُودِ. وقِيلَ الرُّكُوعُ: الخُضُوعُ والِانْقِيادُ لِما يُلْزِمُهُمُ الشّارِعُ، قالَ الأضْبَطُ السَّعْدِيُّ:

؎ لا تُذِلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أنْ تَرْ... كَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ

Al-Baqara 2:43Listen in Qur'an →
44

۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Do you order righteousness of the people and forget yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?

﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ﴾ تَقْرِيرٌ مَعَ تَوْبِيخٍ وتَعْجِيبٍ. والبِرُّ: التَّوَسُّعُ في الخَيْرِ، مِنَ البِرِّ وهو الفَضاءُ الواسِعُ يَتَناوَلُ كُلَّ خَيْرٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ البِرُّ ثَلاثَةٌ: بِرٌّ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وبِرٌّ في مُراعاةِ الأقارِبِ. وبِرٌّ في مُعامَلَةِ الأجانِبِ.

﴿وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ وتَتْرُكُونَها مِنَ البِرِّ كالمَنسِيّاتِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ المَدِينَةِ، كانُوا يَأْمُرُونَ سِرًّا مَن نَصَحُوهُ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولا يَتَّبِعُونَهُ. وقِيلَ: كانُوا يَأْمُرُونَ بِالصَّدَقَةِ ولا يَتَصَدَّقُونَ. ﴿وَأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ تَبْكِيتٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ تَتْلُونَ التَّوْراةَ، وفِيها الوَعِيدُ عَلى العِنادِ وتَرْكِ البِرِّ ومُخالَفَةِ القَوْلِ العَمَلِ.

﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قُبْحَ صَنِيعِكم فَيَصُدَّكم عَنْهُ، أوْ أفَلا عَقْلَ لَكم يَمْنَعُكم عَمّا تَعْلَمُونَ وخامَةَ عاقِبَتِهِ.

والعَقْلُ في الأصْلِ الحَبْسُ، سُمِّيَ بِهِ الإدْراكُ الإنْسانِيُّ لِأنَّهُ يَحْبِسُهُ عَمّا يُقَبَّحُ، ويَعْقِلُهُ عَلى ما يَحْسُنُ، ثُمَّ القُوَّةَ الَّتِي بِها النَّفْسُ تُدْرِكُ هَذا الإدْراكَ. والآيَةُ ناعِيَةٌ عَلى مَن يَعِظُ غَيْرَهُ ولا يَتَّعِظُ بِنَفْسِهِ سُوءُ صَنِيعِهِ وخُبْثُ نَفْسِهِ، وأنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ الجاهِلِ بِالشَّرْعِ أوِ الأحْمَقِ الخالِي عَنِ العَقْلِ، فَإنَّ الجامِعَ بَيْنَهُما تَأْبى عَنْهُ شَكِيمَتُهُ، والمُرادُ بِها حَثُّ الواعِظِ عَلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ والإقْبالِ عَلَيْها بِالتَّكْمِيلِ لِتَقُومَ فَيُقِيمَ غَيْرَهُ، لا مَنعَ الفاسِقِ عَنِ الوَعْظِ فَإنَّ الإخْلالَ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ المَأْمُورِ بِهِما لا يُوجِبُ الإخْلالَ بِالآخَرِ.

Al-Baqara 2:44Listen in Qur'an →
45

وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ

And seek help through patience and prayer, and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allah]

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، كَأنَّهم لِما أُمِرُوا بِما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ وتَرْكِ الرِّياسَةِ والإعْراضِ عَنِ المالِ عُولِجُوا بِذَلِكَ، والمَعْنى اسْتَعِينُوا عَلى حَوائِجِكم بِانْتِظارِ النَّجْحِ والفَرَجِ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ، أوْ بِالصَّوْمِ الَّذِي هو صَبْرٌ عَنِ المُفْطِراتِ لِما فِيهِ مِن كَسْرِ الشَّهْوَةِ وتَصْفِيَةِ النَّفْسِ. والتَّوَسُّلُ بِالصَّلاةِ والِالتِجاءِ إلَيْها، فَإنَّها جامِعَةٌ لِأنْواعِ العِباداتِ النَّفْسانِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ، مِنَ الطَّهارَةِ وسَتْرِ العَوْرَةِ وصَرْفِ المالِ فِيهِما، والتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ والعُكُوفُ لِلْعِبادَةِ، وإظْهارُ الخُشُوعِ بِالجَوارِحِ، وإخْلاصُ النِّيَّةِ بِالقَلْبِ، ومُجاهَدَةُ الشَّيْطانِ، ومُناجاةُ الحَقِّ، وقِراءَةُ القُرْآنِ، والتَّكَلُّمُ بِالشَّهادَتَيْنِ وكَفُّ النَّفْسِ عَنِ الطَّيِّبِينَ حَتّى تُجابُوا إلى تَحْصِيلِ المَآرِبِ وجَبْرِ المَصائِبِ،

رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» . ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الدُّعاءُ: ﴿وَإنَّها﴾ أيْ وإنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهِما أوِ الصَّلاةَ وتَخْصِيصَها بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها، لِعِظَمِ شَأْنِها واسْتِجْماعِها ضُرُوبًا مِنَ الصَّبْرِ. أوْ جُمْلَةُ ما أُمِرُوا بِها ونُهُوا عَنْها.

﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لَثَقِيلَةٌ شاقَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ .

﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ أيِ المُخْبِتِينَ، والخُشُوعُ الإخْباتُ ومِنهُ الخُشْعَةُ لِلرَّمَلَةِ المُتَطامِنَةِ. والخُضُوعُ اللَّيِّنُ والِانْقِيادُ، ولِذَلِكَ يُقالُ الخُشُوعُ بِالجَوارِحِ والخُضُوعُ بِالقَلْبِ.

Al-Baqara 2:45Listen in Qur'an →
46

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ

Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.

﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ أيْ يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى ونَيْلَ ما عِنْدَهُ، أوْ يَتَيَقَّنُونَ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ فَيُجازِيهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ « يَعْلَمُونَ» وكَأنَّ الظَّنَّ لَمّا شابَهَ العِلْمَ في الرُّجْحانِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى التَّوَقُّعِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:

؎ فَأرْسَلْتُهُ مُسْتَيْقِنَ الظَّنِّ أنَّهُ... مُخالِطُ ما بَيْنَ الشَّراسِيفِ جائِفُ

وَإنَّما لَمْ تَثْقُلْ عَلَيْهِمْ ثِقَلَها عَلى غَيْرِهِمْ فَإنَّ نُفُوسَهم مُرْتاضَةٌ بِأمْثالِها، مُتَوَقَّعَةٌ في مُقابَلَتِها ما يَسْتَحْقِرُ لِأجْلِهِ مَشاقَّها ويَسْتَلِذُّ بِسَبَبِهِ مَتاعِبَها، ومِن ثَمَّةَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» .

Al-Baqara 2:46Listen in Qur'an →
47

يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds.

(يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ وتَذْكِيرِ التَّفْضِيلِ الَّذِي هو أجَلُّ النِّعَمِ خُصُوصًا، ورَبْطُهُ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ تَخْوِيفًا لِمَن غَفَلَ عَنْها وأخَلَّ بِحُقُوقِها.

(وَأنِّي فَضَّلْتُكُمْ) عَطْفٌ عَلى نِعْمَتِي.

(عَلى العالَمِينَ) أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ، يُرِيدُ بِهِ تَفْضِيلَ آبائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَعْدَهُ، قَبْلَ أنْ يُضَرُّوا بِما مَنَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وجَعَلَهم أنْبِياءَ ومُلُوكًا مُقْسِطِينَ. واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى تَفْضِيلِ البَشَرِ عَلى المَلَكِ وهو ضَعِيفٌ.

Al-Baqara 2:47Listen in Qur'an →
48

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ

And fear a Day when no soul will suffice for another soul at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.

﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيْ ما فِيهِ مِنَ الحِسابِ والعَذابِ.

﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ، أوْ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، وقُرِئَ لا « تُجْزِئُ» مِن أجْزَأ عَنْهُ إذا أغْنى وعَلى هَذا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، وإيرادُهُ مُنْكَّرًا مَعَ تَنْكِيرِ النَّفْسَيْنِ لِلتَّعْمِيمِ والإقْناطِ الكُلِّيِّ والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِيَوْمًا، والعائِدُ فِيها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لا تَجْزِي فِيهِ، ومَن لَمْ يُجَوِّزْ حَذْفَ العائِدِ المَجْرُورِ قالَ: اتَّسَعَ فِيهِ فَحُذِفَ عَنْهُ الجارُّ وأُجْرِيَ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ ثُمَّ حُذِفَ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ: أمْ مالٌ أصابُوا.

﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ أيْ مِنَ النَّفْسِ الثّانِيَةِ العاصِيَةِ، أوْ مِنَ الأُولى، وكَأنَّهُ أُرِيدَ بِالآيَةِ نَفْيَ أنْ يَدْفَعَ العَذابَ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ مِن كُلِّ وجْهٍ مُحْتَمَلٍ، فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَهْرًا أوْ غَيْرَهُ، والأوَّلُ النُّصْرَةُ، والثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ مَجّانًا أوْ غَيْرَهُ. والأوَّلُ أنْ يُشْفَعَ لَهُ والثّانِي إمّا بِأداءِ ما كانَ عَلَيْهِ وهو أنْ يُجْزِيَ عَنْهُ، أوْ بِغَيْرِهِ وهو أنْ يُعْطى عَنْهُ عَدْلًا. والشَّفاعَةُ مِنَ الشَّفْعِ كَأنَّ المَشْفُوعَ لَهُ كانَ فَرْدًا فَجَعَلَهُ الشَّفِيعُ شَفْعًا بِضَمِّ نَفْسِهِ إلَيْهِ، والعَدْلُ الفِدْيَةُ. وقِيلَ: البَدَلُ وأصْلُهُ التَّسْوِيَةُ سُمِّيَ بِهِ الفِدْيَةُ لِأنَّها سُوِّيَتْ بِالمُفْدى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو « ولا تُقْبَلُ» بِالتّاءِ.

﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾ يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ، والضَّمِيرُ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ الثّانِيَةُ المُنْكَّرَةُ الواقِعَةُ في سِياقِ النَّفْسِ مِنَ النُّفُوسِ الكَثِيرَةِ، وتَذْكِيرُهُ بِمَعْنى العِبادِ أوِ الأناسِيِّ، والنَّصْرُ أخَصُّ مِنَ المَعُونَةِ لِاخْتِصاصِهِ بِدَفْعِ الضُّرِّ. وقَدْ تَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ، وأُجِيبُ بِأنَّها مَخْصُوصَةٌ بِالكُفّارِ لِلْآياتِ والأحادِيثِ الوارِدَةِ في الشَّفاعَةِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الخِطابَ مَعَهُمْ، والآيَةُ نَزَلَتْ رَدًّا لِما كانَتِ اليَهُودُ تَزْعُمُ أنَّ آباءَهم تَشْفَعُ لَهم.

Al-Baqara 2:48Listen in Qur'an →
49

وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall] when We saved your forefathers from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ تَفْصِيلٌ لِما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وعُطِفَ عَلى ﴿نِعْمَتِيَ﴾ عَطْفَ (جِبْرِيلَ) و (مِيكائِيلَ) عَلى (المَلائِكَةِ)، وقُرِئَ « أنْجَيْتُكم» . وأصْلُ آلِ أهْلٌ لِأنَّ تَصْغِيرَهُ أُهَيْلٌ، وخُصَّ بِالإضافَةِ إلى أُولِي الخَطَرِ كالأنْبِياءِ والمُلُوكِ. وفِرْعَوْنُ لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ كَكِسْرى وقَيْصَرَ لِمَلِكَيِ الفُرْسِ والرُّومِ. ولِعُتُوِّهِمُ اشْتُقَّ مِنهُ تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ إذا عَتا وتَجَبَّرَ، وكانَ فِرْعَوْنُ مُوسى مُصْعَبَ بْنَ رَيّانَ، وقِيلَ ابْنُهُ ولِيدٌ مِن بَقايا عادٍ. وفِرْعَوْنُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَيّانَ وكانَ بَيْنَهُما أكْثَرُ مِن أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ.

﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يَبْغُونَكُمْ، مِن سامَهُ خَسْفًا إذا أوْلاهُ ظُلْمًا، وأصْلُ السَّوْمِ الذَّهابُ في طَلَبِ الشَّيْءِ.

﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أفْظَعَهُ فَإنَّهُ قَبِيحٌ بِالإضافَةِ إلى سائِرِهِ، والسُّوءُ مَصْدَرُ ساءَ يَسُوءُ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ لَيَسُومُونَكُمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في نَجَّيْناكُمْ، أوْ مِن ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أوْ مِنهُما جَمِيعًا لِأنَّ فِيها ضَمِيرَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ بَيانٌ لِيَسُومُونَكم ولِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ، وقُرِئَ « يَذْبَحُونَ» بِالتَّخْفِيفِ.

وَإنَّما فَعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ رَأى في المَنامِ، أوْ قالَ لَهُ الكَهَنَةُ: سَيُولَدُ مِنهم مَن يَذْهَبُ بِمُلْكِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ اجْتِهادُهم مِن قَدَرَ اللَّهِ شَيْئًا.

﴿وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ﴾ مِحْنَةٌ، إنْ أُشِيرَ بِذَلِكم إلى صَنِيعِهِمْ، ونِعْمَةٌ إنْ أُشِيرَ بِهِ إلى الإنْجاءِ، وأصْلُهُ الِاخْتِبارُ لَكِنْ لَمّا كانَ اخْتِبارُ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ تارَةً بِالمِحْنَةِ وتارَةً بِالمِنحَةِ أُطْلِقَ عَلَيْهِما، ويَجُوزُ أنْ يُشارَ بِذَلِكم إلى الجُمْلَةِ ويُرادَ بِهِ الِامْتِحانُ الشّائِعُ بَيْنَهُما.

﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكُمْ، أوْ بِبَعْثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوْفِيقِهِ لِتَخْلِيصِكُمْ، أوْ بِهِما. ﴿عَظِيمٌ﴾ صِفَةُ بَلاءٍ. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يُصِيبُ العَبْدَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ اخْتِبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَ عَلى مَسارِّهِ ويَصْبِرَ عَلى مَضارِّهِ لِيَكُونَ مِن خَيْرِ المُخْتَبَرِينَ.

Al-Baqara 2:49Listen in Qur'an →
50

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ

And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.

﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ فَلَقْناهُ وفَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ حَتّى حَصَلَتْ فِيهِ مَسالِكُ بِسُلُوكِكم فِيهِ. أوْ بِسَبَبِ إنْجائِكُمْ، أوْ مُلْتَبِسًا بِكم كَقَوْلِهِ:

؎ تَدُوسُ بِنا الجَماجِمَ والتَّرِيبا

وَقُرِئَ « فَرَّقْنا» عَلى بِناءِ التَّكْثِيرِ لِأنَّ المَسالِكَ كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ بِعَدَدِ الأسْباطِ.

﴿فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أرادَ بِهِ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ كانَ أوْلى بِهِ، وَقِيلَ: شَخْصَهُ كَما رُوِيَ أنَّ الحَسَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ مُحَمَّدٍ: أيْ شَخْصِهِ واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ أتْباعِهِ.

﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ذَلِكَ، أيْ غَرَقَهم وإطْباقَ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْفِلاقَ البَحْرِ عَنْ طُرُقٍ يابِسَةٍ مُذَلَّلَةٍ، أوْ جُثَثَهُمُ الَّتِي قَذَفَها البَحْرُ إلى السّاحِلِ، أوْ يَنْظُرُ بَعْضُكم بَعْضًا.

رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، فَخَرَجَ بِهِمْ فَصَبَّحَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، وصادَفُوهم عَلى شاطِئِ البَحْرِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ، فَضَرَبَهُ فَظَهَرَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا يابِسًا فَسَلَكُوها فَقالُوا: يا مُوسى نَخافُ أنْ يَغْرَقَ بَعْضُنا ولا نَعْلَمُ، فَفَتَحَ اللَّهُ فِيها كُوًى فَتَراؤَوْا وتَسامَعُوا حَتّى عَبَرُوا البَحْرَ، ثُمَّ لَمّا وصَلَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ ورَآهُ مُنْفَلِقًا اقْتَحَمَ فِيهِ هو وجُنُودُهُ فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ وأغْرَقَهم أجْمَعِينَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ مِن أعْظَمِ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومِنَ الآياتِ المُلْجِئَةِ إلى العِلْمِ بِوُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ وتَصْدِيقِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ اتَّخَذُوا العِجْلَ وقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَهم بِمَعْزِلٍ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ وسَلامَةِ النَّفْسِ وحُسْنِ الِاتِّباعِ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مَعَ أنَّ ما تَواتَرَ مِن مُعْجِزاتِهِ أُمُورٌ نَظَرِيَّةٌ مِثْلَ: القُرْآنِ والتَّحَدِّي بِهِ والفَضائِلِ المُجْتَمِعَةِ فِيهِ الشّاهَدَةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ دَقِيقَةٌ تُدْرِكُها الأذْكِياءُ، وإخْبارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْها مِن جُمْلَةِ مُعْجِزاتِهِ عَلى ما مَرَّ تَقْرِيرُهُ.

Al-Baqara 2:50Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.